وَرُكْنُهَا التَّكْبِيرَاتُ وَالْقِيَامُ وَسُنَّتُهَا التَّحْمِيدُ وَالثَّنَاءُ وَالدُّعَاءُ فِيهَا وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مَاتَ خَلَا بُغَاةٍ، وَقُطَّاعِ طَرِيقٍ إذَا قُتِلُوا فِي الْحَرْبِ
الشروح عليها
(وَرُكْنُهَا) شَيْئَانِ (التَّكْبِيرَاتُ) الْأَرْبَعُ، فَالْأُولَى رُكْنٌ أَيْضًا لَا شَرْطٌ، فَلِذَا لَمْ يَجُزْ بِنَاءُ أُخْرَى عَلَيْهَا (وَالْقِيَامُ) فَلَمْ تَجُزْ قَاعِدًا بِلَا عُذْرٍ. (وَسُنَّتُهَا) ثَلَاثَةٌ (التَّحْمِيدُ وَالثَّنَاءُ وَالدُّعَاءُ فِيهَا) ذَكَرَهُ الزَّاهِدِيُّ، وَمَا فَهِمَهُ الْكَمَالُ مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ رُكْنٌ وَالتَّكْبِيرَةُ الْأُولَى شَرْطٌ رَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِتَصْرِيحِهِمْ بِخِلَافِهِ (وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مَاتَ خَلَا) أَرْبَعَةٍ (بُغَاةٍ، وَقُطَّاعِ طَرِيقٍ) فَلَا يُغَسَّلُوا، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ (إذَا قُتِلُوا فِي الْحَرْبِ) وَلَوْ بَعْدَهُ صَلَّى عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ شَيْئَانِ) وَأَمَّا فِي الْقُهُسْتَانِيِّ عَنْ التُّحْفَةِ مِنْ زِيَادَةِ الْمُحَاذَاةِ إلَى جُزْءٍ مِنْ الْمَيِّتِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ كَوْنُهُ شَرْطًا لَا رُكْنًا كَمَا قَدَّمْنَاهُ
(قَوْلُهُ فَلِذَا إلَخْ) أَيْ لِكَوْنِهَا رُكْنًا لَا شَرْطًا لِأَنَّهُ لَوْ نَوَاهَا لِلْأُخْرَى أَيْضًا يَصِيرُ مُكَبِّرًا ثَلَاثًا، وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ بَحْرٌ عَنْ الْمُحِيطِ
(قَوْلُهُ: فَلَمْ تَجُزْ قَاعِدًا) أَيْ وَلَا رَاكِبًا
(قَوْلُهُ بِلَا عُذْرٍ) فَلَوْ تَعَذَّرَ النُّزُولُ لِطِينٍ أَوْ مَطَرٍ جَازَتْ رَاكِبًا،
وَلَوْ كَانَ الْوَالِي مَرِيضًا فَصَلَّى قَاعِدًا وَالنَّاسُ قِيَامًا أَجْزَأَهُمْ عِنْدَهُمَا.
وَقَالَ مُحَمَّدٌ: تُجْزِئُ الْإِمَامَ فَقَطْ حِلْيَةٌ
(قَوْلُهُ: التَّحْمِيدُ وَالثَّنَاءُ) كَذَا فِي الْبَحْرِ عَنْ الْمُحِيطِ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ الشَّارِحِ ثَلَاثَةٌ أَنَّ الثَّنَاءَ غَيْرُ التَّحْمِيدِ مَعَ أَنَّهُ فِيمَا يَأْتِي فَسَّرَ الثَّنَاءَ بِقَوْلِهِ " سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك " فَعُلِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِمَا وَاحِدٌ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ فَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْكُرَ الثَّالِثُ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
(قَوْلُهُ وَمَا فَهِمَهُ الْكَمَالُ) تَبِعَهُ شَارِحَا الْمُنْيَةِ الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ وَابْنُ أَمِيرِ حَاجٍّ
(قَوْلُهُ مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ رُكْنٌ) قَالَ لِقَوْلِهِمْ إنَّ حَقِيقَتَهَا وَالْمَقْصُودَ مِنْهَا الدُّعَاءُ قَوْلُهُ وَالتَّكْبِيرَةُ الْأُولَى شَرْطٌ) قَالَ لِأَنَّهَا تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامَ
(قَوْلُهُ رَدَّهُ فِي الْبَحْرِ بِتَصْرِيحِهِمْ بِخِلَافِهِ)
أَمَّا الْأَوَّلُ فَفِي الْمُحِيطِ أَنَّ الدُّعَاءَ سُنَّةٌ، وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَسْبُوقَ يَقْضِي التَّكْبِيرَ نَسَقًا بِغَيْرِ دُعَاءٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ.
وَأَمَّا الثَّانِي فَمَا مَرَّ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ بِنَاءُ أُخْرَى عَلَيْهَا وَقَوْلُهُمْ: إنَّ التَّكْبِيرَاتِ الْأَرْبَعَ قَائِمَةٌ مَقَامَ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ. اهـ.
قُلْت: مَا نَقَلَهُ عَنْ الْمُحِيطِ مِنْ أَنَّ الدُّعَاءَ سُنَّةٌ.
قَالَ فِي الْحِلْيَةِ: فِيهِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، فَقَدْ صَرَّحُوا عَنْ آخِرِهِمْ بِأَنَّ صَلَاةَ الْجِنَازَةِ هِيَ الدُّعَاءُ لِلْمَيِّتِ إذْ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْهَا. اهـ.
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَسْبُوقَ يَقْضِي التَّكْبِيرَ نَسَقًا بِغَيْرِ دُعَاءٍ، فَقَدْ
قَالَ فِي شَرْحِ الْمُنْيَةِ: إنَّ الْإِمَامَ يَتَحَمَّلُهُ عَنْهُ أَيْ فَلَا يُنَافِي رُكْنِيَّتَهُ كَمَا يَتَحَمَّلُ عَنْهُ الْقِرَاءَةَ وَهِيَ رُكْنٌ أَيْضًا اهـ لَكِنْ تُحْمَلُ الْقِرَاءَةُ فِي حَالَةِ الِاقْتِدَاءِ،
أَمَّا بَعْدَ الْفَرَاغِ فَيَأْتِي الْمَسْبُوقُ بِهَا. وَقَدْ يُقَالُ: يَتَحَمَّلُ الْإِمَامُ الدُّعَاءَ عَنْ الْمَسْبُوقِ لِضَرُورَةِ تَصْحِيحِ صَلَاتِهِ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا إذَا خِيفَ رَفْعُ الْجِنَازَةِ وَأَتَى بِالتَّكْبِيرَاتِ نَسَقًا تَأَمَّلْ.
أَقُولُ: وَتَقَدَّمَ فِي بَابِ شُرُوطِ الصَّلَاةِ أَنَّ الْمُصَلِّيَ يَنْوِي مَعَ الصَّلَاةِ لِلَّهِ - تَعَالَى - الدُّعَاءَ لِلْمَيِّتِ، وَعَلَّلَهُ الشَّارِحُ هُنَاكَ بِأَنَّهُ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ، وَنَقَلْنَاهُ هُنَاكَ عَنْ الزَّيْلَعِيِّ وَالْبَحْرِ وَالنَّهْرِ، فَهَذَا مُؤَيِّدٌ لِمَا اخْتَارَهُ الْمُحَقِّقُ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
وَأَمَّا عَدَمُ جَوَازِ بِنَاءِ أُخْرَى عَلَيْهَا فَلِكَوْنِهَا قَائِمَةً مَقَامَ رَكْعَةٍ، وَكَوْنُهَا كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ رُكْنًا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ؛ إذْ لَا شَكَّ أَنَّهَا تَحْرِيمَةٌ يَدْخُلُ بِهَا فِي الصَّلَاةِ؛ وَلِذَا خُصَّتْ بِرَفْعِ الْأَيْدِي، فَهِيَ شَرْطٌ مِنْ وَجْهٍ رُكْنٌ مِنْ وَجْهٍ فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ وَهِيَ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مَاتَ) لَفْظُ عَلَى بِمَعْنَى اللَّامِ التَّعْلِيلِيَّةِ مِثْلَ {وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ} أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ خَبَرٌ ثَانٍ لِلضَّمِيرِ الْمُبْتَدَإِ أَوْ مُتَعَلِّقٌ بِهِ لِأَنَّهُ عَائِدٌ لِلصَّلَاةِ بِمَعْنَى الْمَصْدَرِ، وَالتَّقْدِيرُ: وَالصَّلَاةُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ مَاتَ فَرْضٌ: أَيْ مُفْتَرِضٍ عَلَى الْمُكَلَّفِينَ،
وَلَوْ أَسْقَطَ الشَّارِحُ لَفْظَ فَرْضٍ لَكَانَ أَصْوَبَ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ تَصْرِيحُ الْمُصَنِّفِ بِهِ، وَلِئَلَّا يُوهِمَ تَعَلُّقَ الْجَارِّ بِهِ فَيَفْسُدُ الْمَعْنَى فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ خَلَا أَرْبَعَةٍ) بِالْجَرِّ عَلَى أَنَّ خَلَا حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ
(قَوْلُهُ بُغَاةٍ) هُمْ قَوْمٌ مُسْلِمُونَ خَرَجُوا عَنْ طَاعَةِ الْإِمَامِ بِغَيْرِ حَقٍّ
(قَوْلُهُ فَلَا يُغَسَّلُوا إلَخْ) فِي نُسْخَةٍ فَلَا يُغَسَّلُونَ وَهِيَ أَصْوَبُ، إنَّمَا لَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِمْ إهَانَةً لَهُمْ وَزَجْرًا لِغَيْرِهِمْ عَنْ فِعْلِهِمْ. وَصَرَّحَ بِنَفْيِ غُسْلِهِمْ لِأَنَّهُ قِيلَ يُغَسَّلُونَ وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الشَّهِيدِ كَمَا ذَكَرَهُ الزَّيْلَعِيُّ وَغَيْرُهُ، وَهَذَا الْقِيلُ رِوَايَةٌ. وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى ضَعْفِهَا، لَكِنْ مَشَى عَلَيْهَا فِي الدُّرَرِ وَالْوِقَايَةِ.
وَفِي التَّتَارْخَانِيَّة وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى
(قَوْلُهُ: وَلَوْ بَعْدَهُ إلَخْ) قَالَ الزَّيْلَعِيُّ: وَأَمَّا إذَا قُتِلُوا بَعْدَ ثُبُوتِ يَدِ الْإِمَامِ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ يُغَسَّلُونَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِمْ، وَهَذَا تَفْصِيلٌ حَسَنٌ أَخَذَ بِهِ كِبَارُ الْمَشَايِخِ لِأَنَّ قَتْلَ قَاطِعِ الطَّرِيقِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ حَدٌّ أَوْ قِصَاصٌ،
وَمَنْ قُتِلَ بِذَلِكَ يُغَسَّلُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَتْلُ الْبَاغِي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لِلسِّيَاسَةِ أَوْ لِكَسْرِ شَوْكَتِهِمْ فَيَنْزِلُ مَنْزِلَتَهُ لِعَوْدِ نَفْعِهِ إلَى الْعَامَّةِ اهـ وَقَوْلُهُ أَوْ قِصَاصٌ أَيْ بِأَنْ كَانَ ثَمَّ مَا يُسْقِطُ الْحَدَّ كَقَطْعِهِ عَلَى مُحْرِمٍ وَنَحْوِهِ مِمَّا ذُكِرَ فِي بَابِهِ، وَقَدْ عُلِمَ مِنْ هَذَا التَّفْصِيلِ أَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ حَتْفَ أَنْفِهِ قَبْلَ الْأَخْذِ أَوْ بَعْدَهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ كَمَا بَحَثَهُ فِي الْحِلْيَةِ،
وَقَالَ: وَلَمْ أَرَهُ صَرِيحًا.
قُلْت: وَفِي الْأَحْكَامِ عَنْ أَبِي اللَّيْثِ: وَلَوْ قُتِلُوا فِي غَيْرِ الْحَرْبِ أَوْ مَاتُوا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ اهـ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَطْلُوبِ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.