وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ وَقَيَّدَتْ إنْ نَافَتْ
الشروح عليها
(وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ) لَفْظَهُ الْعَامَّ (وَقَيَّدَتْ) لَفْظَهُ الْمُطْلَقَ، وَأَرَادَ بِالتَّقْيِيدِ مَا يَشْمَلُ تَبَيُّنَ الْمُجْمَلِ كَقَوْلِهِ زَيْنَبُ طَالِقٌ، وَلَهُ زَوْجَتَانِ اسْمُ كُلٍّ زَيْنَبُ وَقَالَ أَرَدْت بِنْتَ فُلَانٍ وَالْعَامُّ لَفْظٌ يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ وَتَخْصِيصُهُ قَصْرُهُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ وَالْمُطْلَقُ مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ، وَتَقْيِيدُهُ رَدُّهُ إلَى بَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ بِحَيْثُ لَا يَتَنَاوَلُ غَيْرَهُ فَمَنْ حَلَفَ لَا أُكَلِّمُ رَجُلًا وَنَوَى جَاهِلًا أَوْ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي اللَّيْلِ جَازَ لَهُ تَكْلِيمُهُ الْعَالِمَ أَوْ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ أَوْ فِي النَّهَارِ (إنْ نَافَتْ) نِيَّتُهُ أَيْ خَالَفَتْ لَفْظَهُ الْعَامَّ فَهَذَا رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ خَصَّصَتْ فَقَطْ، وَلَا حَاجَةَ لَهُ إذْ لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهَا إلَّا مُنَافَاتُهَا لِظَاهِرِ لَفْظِهِ، وَلَا يَرْجِعُ لِقَيَّدَتْ؛
لِأَنَّ التَّقْيِيدَ لَا يَكُونُ إلَّا مُوَافِقًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ كَمَا لَوْ قَالَ أَحَدُ عَبِيدِي حُرٌّ،
وَقَالَ أَرَدْت فُلَانًا كَذَا قِيلَ
وَالْأَظْهَرُ رُجُوعُهُ لَهُمَا، وَأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَهُ
(قَوْلُهُ: الْمُجْمَلُ) أَيْ الْمُشْتَرَكُ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا كَالْمِثَالِ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ، وَكَحَلِفِهِ لَيَنْظُرَنَّ لِعَيْنٍ، وَيُرِيدُ أَحَدَ مَعَانِيهَا فَتُقْبَلُ نِيَّتُهُ فِي الْفَتْوَى وَالْقَضَاءِ
(قَوْلُهُ: يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ إلَخْ) أَيْ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَفْرَادِ الصَّالِحِ لَهَا ذَلِكَ اللَّفْظُ دَفْعَةً وَبِهَذَا يَخْرُجُ الْمُطْلَقُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ مَا يَصْلُحُ لَهُ دَفْعَةً بَلْ عَلَى سَبِيلِ الْبَدَلِ فَعُمُومُ الْعَامِّ شُمُولِيٌّ، وَعُمُومُ الْمُطْلَقِ بَدَلِيٌّ، وَصَلَاحِيَّةُ اللَّفْظِ لِتِلْكَ الْأَفْرَادِ مِنْ جِهَةِ انْدِرَاجِهَا فِي مَعْنَاهُ الْمَوْضُوعِ لَهُ فَتَكُونُ دَلَالَةُ الْعَامِّ عَلَى إفْرَادِهِ دَلَالَةَ كُلِّيٍّ عَلَى جُزْئِيَّاتِ مَعْنَاهُ لَا دَلَالَةَ كُلٍّ عَلَى أَجْزَاءِ مَعْنَاهُ
(قَوْلُهُ: مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ) أَيْ حَالَةَ كَوْنِ الْأَفْرَادِ الصَّالِحِ لَهَا ذَلِكَ اللَّفْظُ غَيْرَ مَحْصُورَةٍ
(قَوْلُهُ: عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ) أَيْ فَمَنْ حَلَفَ لَا آكُلُ اللَّبَنَ وَنَوَى لَبَنَ الْإِبِلِ جَازَ لَهُ أَكْلُ لَبَنِ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ،
وَكَذَا لَوْ قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَعَبِيدِي أَحْرَارٌ ثُمَّ فَعَلَ ذَلِكَ،
وَقَالَ أَرَدْت بِعَبِيدِي غَيْرَ زَيْدٍ فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ، وَكَحَلِفِهِ لَا أَلْبَسُ الثِّيَابَ وَنَوَى الْكَتَّانَ فَيَنْفَعُهُ ذَلِكَ،
وَيَجُوزُ لَهُ لُبْسُ الثِّيَابِ مِنْ غَيْرِ الْكَتَّانِ كَالْقُطْنِ وَالصُّوفِ
(قَوْلُهُ: بِلَا قَيْدٍ) أَيْ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ لِتَحَقُّقِهَا فِي فَرْدٍ مُبْهَمٍ أَوْ مُعَيَّنٍ فَهُوَ مُرَادِفٌ لِاسْمِ الْجِنْسِ
بِخِلَافِ النَّكِرَةِ فَإِنَّهُ مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ أَيْ بِقَيْدِ وُجُودِهَا فِي فَرْدٍ مُبْهَمٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّفْظَ فِي الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ وَاحِدٌ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ فَإِنْ اُعْتُبِرَ فِي اللَّفْظِ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ فَهُوَ الْمُطْلَقُ وَاسْمُ الْجِنْسِ،
وَإِنْ اُعْتُبِرَ مَعَ قَيْدِ الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ سُمِّيَ نَكِرَةً كَمَا قَالَهُ ابْنُ السُّبْكِيّ،
وَقَالَ الْقَرَافِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ إنَّهُمَا وَاحِدٌ ذَاتًا وَاعْتِبَارًا، وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِقَيْدِ وُجُودِهَا فِي فَرْدٍ مُبْهَمٍ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ أُسْلُوبُ الْمَنَاطِقَةِ وَالْأُصُولِيِّينَ
(قَوْلُهُ: فَمَنْ حَلَفَ إلَخْ) ،
وَكَذَا لَوْ حَلَفَ لَيُكْرِمَنَّ رَجُلًا وَنَوَى زَيْدًا فَلَا يَبَرُّ بِإِكْرَامِ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ رَجُلًا مُطْلَقٌ قَيَّدَهُ بِخُصُوصِ زَيْدٍ فَصَارَ مَعْنَى الْيَمِينِ لَأُكْرِمَنَّ زَيْدًا
(قَوْلُهُ: أَيْ خَالَفْت لَفْظَهُ الْعَامَّ) أَشَارَ بِهَذَا إلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمُنَافَاةِ النِّيَّةِ لِلْعَامِّ مُخَالِفَتُهَا لِمُقْتَضَى لَفْظِهِ،
وَلَوْ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ، سَوَاءٌ كَانَتْ مُنَافِيَةً لَهُ حَقِيقَةً بِأَنْ كَانَ اللَّفْظُ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِأَمْرٍ، وَالنِّيَّةُ تَنْفِيهِ عَنْهُ أَوْ بِالْعَكْسِ أَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُنَافِيَةٍ لَهُ فَالْأَوَّلُ كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا آكُلُ سَمْنًا وَنَوَى سَمْنَ الضَّأْنِ، وَإِبَاحَةُ سَمْنِ غَيْرِ الضَّأْنِ وَالثَّانِي كَمَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا وَنَوَى سَمْنَ الضَّأْنِ أَيْ أَنَّهُ قَصَدَ هَذَا الْمَعْنَى الْخَاصَّ مُعَبَّرًا عَنْهُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ، وَلَمْ يُلَاحِظْ إبَاحَةَ سَمْنِ غَيْرِهِ فَنِيَّةُ سَمْنِ الضَّأْنِ لَيْسَتْ مُنَافِيَةً لِعُمُومِ السَّمْنِ بَلْ فَرْدٌ مِنْهُ،
وَإِنْ كَانَتْ مُغَايِرَةً لَهُ فَالنِّيَّةُ نَافِعَةٌ لِلْحَالِفِ فِي الصُّورَتَيْنِ عَلَى الْمُعْتَمَدِ فَلَهُ أَكْلُ سَمْنِ غَيْرِ الضَّأْنِ فِيهِمَا.
وَاشْتَرَطَ الْقَرَافِيُّ فِي تَخْصِيصِ النِّيَّةِ لِلْعَامِّ مُنَافَاتُهَا لَهُ حَقِيقَةً فَجَعَلَهَا مُخَصِّصَةً فِي الْمِثَالِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الْمُنَافَاةَ إنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي الْمُخَصَّصِ الْمُنْفَصِلِ عَنْ الْعَامِّ الْمُسْتَقِلِّ لَا الْمُتَّصِلِ بِهِ كَالتَّخْصِيصِ بِالْوَصْفِ، وَحِينَئِذٍ فَنِيَّةُ الضَّأْنِ فِي حُكْمِ مَا لَوْ قَالَ وَاَللَّهِ لَا آكُلُ سَمْنًا ضَأْنًا فَلَا يَحْنَثُ بِغَيْرِهِ هَذَا،
وَلَا يَصِحُّ كَوْنُ نَافَتْ مِنْ نَافَ يُنِيفُ بِمَعْنَى يَزِيدُ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ الَّتِي تُنِيفُ أَيْ تَزِيدُ عَلَى مُقْتَضَى الْعَامِّ لَا تُخَصِّصُ، وَلَا تُقَيِّدُ نَعَمْ هِيَ تُعَمِّمُ الْمُطْلَقَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْفُرُوعِ الْآتِيَةِ نَحْوُ وَاَللَّهِ لَأُكْرِمَنَّ أَخًا لَك وَتُرِيدُ جَمِيعَ إخْوَتِهِ فَأَخًا مُطْلَقٌ فَإِذَا أَرَادَ جَمِيعَ إخْوَتِهِ كَانَتْ تِلْكَ النِّيَّةُ زَائِدَةً عَلَى الْمُطْلَقِ، وَمُعَمِّمَةً لَهُ فَلَا يَبْرَأُ إلَّا بِإِكْرَامِ الْجَمِيعِ
(قَوْلُهُ: إذْ لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهَا) أَيْ لِلْعَامِّ، وَقَوْلُ إلَّا مُنَافَاتُهَا أَيْ لَهُ أَيْ مُخَالَفَتُهَا، وَمُغَايَرَتُهَا لَهُ؛ لِأَنَّ تَخْصِيصَهَا لَهُ قَصْرُهُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ وَبَعْضِ أَفْرَادِهِ مُغَايِرٌ، وَمُخَالِفٌ لِعُمُومِهِ وَحَيْثُ كَانَ لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهَا لِلْعَامِّ إلَّا مُخَالَفَتُهَا لَهُ فَاشْتِرَاطُ الْمُنَافَاةِ فِي تَخْصِيصِهَا مِنْ اشْتِرَاطِ الشَّيْءِ فِي نَفْسِهِ تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: وَالْأَظْهَرُ رُجُوعُهُ لَهُمَا) أَيْ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ رَجُلًا وَنَوَى جَاهِلًا فَالْجَاهِلُ لَيْسَ مُوَافِقًا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ بَلْ الْمُوَافِقُ لَهُ أَيُّ رَجُلٍ كَانَ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمُنَافَاةِ النِّيَّةِ مُخَالَفَتُهَا لِظَاهِرِ اللَّفْظِ، وَهَذَا مُتَأَتٍّ فِي كُلٍّ مِنْ الْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(ص) وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ وَقَيَّدَتْ إنْ نَافَتْ وَسَاوَتْ فِي اللَّهِ وَغَيْرِهَا كَطَلَاقٍ (ش) يَعْنِي أَنَّ النِّيَّةَ تُقَيِّدُ الْمُطْلَقَ وَتُخَصِّصُ اللَّفْظَ الْعَامَّ حَيْثُ كَانَتْ النِّيَّةُ مُنَافِيَةً أَيْ مُخَالِفَةً بِنَقْصِ حَالِ كَوْنِ قَصْدِ مُخَالَفَتِهَا وَعَدَمِهِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ أَيْ يُمْكِنُ إرَادَتُهُ وَعَدَمُ إرَادَتِهِ بِالسُّوءِ وَأَحْرَى لَوْ خَالَفَتْ بِزِيَادَةٍ كَمَا لَوْ قَصَدَ مَعْنًى عَامًّا وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظٍ خَاصٍّ كَالْحَالِفِ لَا أَشْرَبُ لِفُلَانٍ مَاءً أَوْ لَا أَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِ امْرَأَتِهِ بِقَصْدِ قَطْعِ الْمَنِّ فَإِنَّهُ يَحْنَثُ بِكُلِّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْهُمَا وَأَحْرَى لَوْ وَافَقَتْ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَهِيَ الْمُقَيِّدَةُ لِلْمُطْلَقِ وَالْمُبَيِّنَةُ لِإِجْمَالِ الْمُشْتَرَكِ وَصَوَّرَهَا ابْنُ رُشْدٍ بِمَا إذَا حَلَفَ إنْ كَلَّمْته فَأَحَدُ عَبِيدِي حُرٌّ أَوْ فَعَائِشَةُ طَالِقٌ وَلَهُ زَوْجَتَانِ تُسَمَّى كُلٌّ مِنْهُمَا بِذَلِكَ وَقَالَ أَرَدْت فُلَانًا أَوْ بِنْتَ فُلَانٍ وَلَا فَرْقَ فِي تَخْصِيصِ النِّيَّةِ لِلَّفْظِ الْعَامِّ وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْيَمِينُ بِاَللَّهِ أَوْ بِغَيْرِهِ كَطَلَاقٍ وَعِتْقٍ قَالُوا وَمِنْ قَوْلِهِ وَسَاوَتْ وَاوُ الْحَالِ مِنْ فَاعِلِ نَافَتْ أَيْ خَصَّصَتْ النِّيَّةُ الْمُنَافِيَةُ أَيْ لِمُخَالَفَةٍ بِنَقْصِ حَالِ كَوْنِ قَصْدِ مُخَالَفَتِهَا وَعَدَمِهِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ كَمَا مَرَّ وَانْظُرْ الْكَلَامَ فِي الْعَامِّ وَالْمُطْلَقِ فِي شَرْحِنَا الْكَبِيرِ.
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ إنْ نَافَتْ) أَصْلُهُ نَافَيَتْ تَحَرَّكَتْ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلِفًا ثُمَّ حُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ
(قَوْلُهُ حَيْثُ إلَخْ) ظَاهِرُ الْعِبَارَةِ أَنَّ إنْ نَافَتْ رَاجِعٌ لِمَسْأَلَتَيْ التَّخْصِيصِ وَالتَّقْيِيدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ أَيْ نَافَتْ رَاجِعٌ لِمَسْأَلَةِ التَّخْصِيصِ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ حِلُّهُ
وَأَمَّا الْمُقَيِّدَةُ لِلْمُطْلَقِ فَسَيَأْتِي آخِرَ الْعِبَارَةِ أَنَّهَا مُوَافِقَةٌ لِظَاهِرِ اللَّفْظِ أَيْ فَهِيَ لَيْسَتْ مُخَالِفَةً لَا بِنَقْصٍ وَلَا بِزِيَادَةٍ وَقَوْلُهُ أَيْ مُخَالِفَةً بِنَقْصٍ أَيْ مُضَادَّةٌ حَالَةَ كَوْنِهَا مُلْتَبِسَةً بِنَقْصٍ كَقَوْلِهِ وَاَللَّهِ لَا آكُلُ سَمْنًا وَيَنْوِي أَكْلَ سَمْنِ الْبَقَرِ فَهَذِهِ نِيَّةٌ مُضَادَّةٌ مُلْتَبِسَةٌ بِنَقْصٍ أَيْ بِإِخْرَاجِ شَيْءٍ مِنْ الْعَامِّ وَقَوْلُهُ حَالَ كَوْنِ قَصْدِ الْمُخَالَفَةِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ حَالَةَ كَوْنِ وُجُودِهَا وَعَدَمِهَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ
ثُمَّ إنَّ قَضِيَّةَ الْعِبَارَةِ رُجُوعُهُ أَيْ سَاوَتْ لِقَوْلِهِ وَخَصَّصَتْ أَيْ وَيُمَثَّلُ بِقَوْلِهِ كَلَا أَتَزَوَّجُ حَيَاتَهَا
وَأَمَّا قَوْلُهُ كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ تَخْصِيصُ الْعَامِّ مَعَ الْمُنَافَاةِ الْمَذْكُورَةِ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ مُسَاوَاةً بَلْ قَرِيبٌ مِنْ الْمُسَاوَاةِ وَلِذَا كَانَ فِي الْأَوَّلِ يُقْبَلُ مُطْلَقًا فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ مَعَ الْمُرَافَعَةِ وَغَيْرِهَا بِخِلَافِ الثَّانِي.
(قَوْلُهُ حَالَ كَوْنِ إلَخْ) ظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَهُ وَسَاوَتْ مُتَعَلِّقٌ بِالْمَسْأَلَتَيْنِ أَيْضًا وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الْمُحَقِّقِينَ الْمُوَافِقِ لِلْمَنْقُولِ أَنَّهُ قَيْدٌ فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ فَحَاصِلُهُ أَنَّ إنْ نَافَتْ قَيْدٌ فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ وَقَوْلُهُ وَسَاوَتْ قَيْدٌ فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ وَمَعْنَى الْمُسَاوَاةِ كَمَا فِي تَوْضِيحِهِ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَقْصِدَ بِاللَّفْظِ الصَّادِرَ مِنْهُ مَا نَوَاهُ وَأَنْ لَا يَقْصِدَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ قَالَ مُحَشِّي تت وَهَذَا يُتَصَوَّرُ فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ وَتَعْيِينِ أَحَدِ مَحَامِلِ الْمُشْتَرَكِ وَقَالَ عَجَم ثُمَّ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْمُسَاوَاةِ أَنْ يَحْتَمِلَ اللَّفْظُ مَا نَوَاهُ الْحَالِفُ وَغَيْرُهُ عَلَى السَّوَاءِ لُغَةً وَعُرْفًا
فَلَوْ احْتَمَلَ ذَلِكَ لُغَةً وَكَانَ احْتِمَالُهُ فِي الْعُرْفِ لِلْمَعْنَى الْمَنْوِيِّ مَرْجُوحًا كَانَتْ النِّيَّةُ كَالْمُخَالَفَةِ قَرِيبَةً فَيُقْبَلُ إلَّا فِي الْقَضَاءِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَطَأُ أَمَتَهُ وَنَوَى بِرِجْلِهِ فَإِنْ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ فِي هَذَا مَرْجُوحٌ عُرْفًا
وَالرَّاجِحُ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْجِمَاعِ وَإِنْ كَانَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِيهِمَا لُغَةً عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ أَطْرَافِ الْكَلَامِ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ تَكُونُ فِي الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ وَمَعَ وُجُودِهَا تَنْفَعُ النِّيَّةُ عِنْدَ الْمُفْتِي وَعِنْدَ الْقَاضِي مُطْلَقًا وَمَعَ عَدَمِهَا فَمَعَ الْقُرْبِ تَنْفَعُ عِنْدَ الْمُفْتِي وَعِنْدَ الْقَاضِي فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ وَالْعِتْقِ الْمُعَيَّنِ لَا فِيهِمَا عِنْدَهُ.
(قَوْلُهُ وَأَحْرَى لَوْ خَالَفَتْ بِزِيَادَةٍ) أَيْ فِي الِاعْتِبَارِ لَا فِي التَّخْصِيصِ وَالْإِطْلَاقِ الْمُحْدَثِ عَنْهُمَا وَقَوْلُهُ وَأَحْرَى لَوْ وَافَقَتْ ظَاهِرَ اللَّفْظِ أَيْ بِأَنْ لَمْ تَكُنْ مُخَالِفَةً لَا بِنَقْصٍ وَلَا بِزِيَادَةٍ وَهِيَ الْمُقَيِّدَةُ لِلْمُطْلَقِ وَالْمُبَيِّنَةُ لِإِجْمَالِ الْمُشْتَرَكِ وَكَانَ عَلَى الْمُصَنِّفِ أَنْ يَزِيدَ وَيَقُولَ وَبَيَّنَتْ إجْمَالَ الْمُشْتَرَكِ وَيُمْكِنُ الْجَوَابُ بِأَنَّ مُرَادَهُ بِتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ مَا يَشْمَلُ تَبْيِينَ إجْمَالِ الْمُشْتَرَكِ وَقَوْلُهُ وَصُوَرُهُ إلَخْ فِيهِ لَفٌّ وَنَشْرٌ مُرَتَّبٌ مَعَ مَا قَبْلَهُ.
(تَنْبِيهٌ) : لَا يَخْفَى أَنَّ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ تَنَافِيًا وَذَلِكَ لِأَنَّ قَوْلَهُ حَيْثُ كَانَتْ إلَخْ يُفِيدُ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ بِنَقْصٍ تَكُونُ مُقَيِّدَةً لِلْمُطْلَقِ وَقَوْلُهُ وَأَحْرَى لَوْ وَافَقَتْ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُقَيِّدَةَ لِلْمُطْلَقِ لَمْ تَكُنْ مُخَالِفَةً بِنَقْصٍ بَلْ مُوَافِقَةً وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ أَيْ النِّيَّةُ الْمُقَيِّدَةُ لِلْمُطْلَقِ لَا تَكُونُ أَبَدًا مُخَالِفَةً بِنَقْصٍ بَلْ مُوَافِقَةً
(قَوْلُهُ قَالُوا وَإِلَخْ) أَقُولُ حَيْثُ عَلِمْت أَنَّ إنْ نَافَتْ رَاجِعٌ لِتَخْصِيصِ الْعَامِّ وَقَدْ جَعَلَ الشَّارِحُ قَوْلَهُ وَسَاوَتْ لِلْحَالِ يُعْلِمُ أَنَّ قَوْلَهُ وَسَاوَتْ قَاصِرًا عَلَى تَخْصِيصِ الْعَامِّ فَلَا يَجْرِي فِي الْمُطْلَقِ.
(تَنْبِيهٌ) : إذَا عَلِمْت مَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ مَعْنَى الْمُنَافَاةِ هُوَ مَا يُفِيدُهُ الشَّارِحُ فِي قَوْلِهِ الْآتِي فَقَوْلُهُ كَسَمْنِ ضَأْنٍ مَعَ نِيَّةِ إخْرَاجِ غَيْرِهِ أَوَّلًا إلَى آخِرِ مَا سَيَأْتِي وَهُوَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَرَافِيُّ فِي فُرُوقِهِ وَذَخِيرَتِهِ حَيْثُ قَالَ الْحَالِفُ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ إنْ أَرَادَ بَعْضَ أَفْرَادِهِ لَا يُلْتَفَتُ لِنِيَّتِهِ وَيُعْتَبَرُ عُمُومُ لَفْظِهِ لِأَنَّ هَذِهِ النِّيَّةَ مُؤَكَّدَةٌ وَإِنْ أَرَادَ إخْرَاجَ غَيْرِهِ اُعْتُبِرَتْ نِيَّتُهُ إذْ مِنْ شَرْطِ النِّيَّةِ الْمُخَصِّصَةِ أَنْ تَكُونَ مُنَافِيَةً لِمُقْتَضَى اللَّفْظِ قَالَ مُحَشِّي تت وَهُوَ بَعِيدٌ مِنْ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ هُنَا وَفِي تَوْضِيحِهِ
ثُمَّ ذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ كَوْنُهُ يَقْصِدُ فَرْدًا مِنْ الْعَامِّ كَأَنْ يَحْلِفَ بِأَنَّهُ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا وَيَنْوِي بِذَلِكَ سَمْنَ الضَّأْنِ وَإِنْ لَمْ يُلَاحِظْ إخْرَاجَ غَيْرِهِ أَوَّلًا فَخُلَاصَتُهُ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ مَا نَوَى وَلَيْسَ مِنْ شَرْطِ ذَلِكَ أَنْ يَتَعَرَّضَ عِنْدَ نِيَّةِ مَا نَوَى مِنْ الْأَفْرَادِ إلَى إخْرَاجِ غَيْرِهِ
فَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ صَحِيحًا لَنَبَّهُوا عَلَيْهِ وَلِأَنَّ نِيَّةَ بَعْضِ الْأَفْرَادِ تَسْتَلْزِمُ إخْرَاجَ غَيْرِهِ فَلَا يَتَعَرَّضُ لِإِخْرَاجِهِ فَعَلَيْهِ فَقَوْلُ الْمُصَنِّفِ إنْ نَافَتْ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى خَالَفَتْ وَلَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ بَلْ كَاشِفٌ لِصُورَةِ التَّخْصِيصِ لِأَنَّ الْمُنَافَاةَ حِينَئِذٍ سَبَبُ الْخُصُوصِ وَالْعُمُومِ لَا غَيْرَ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ شَارِحُنَا نَظَرَ إلَيْهِ حَيْثُ قَالَ أَيْ مُخَالِفَةٌ بِنَقْصٍ إلَخْ غَيْرَ أَنَّهُ يُنَافِي مَا سَيَأْتِي لَهُ فِي قَوْلِهِ كَسَمْنِ ضَأْنٍ فِي لَا آكُلُ سَمْنًا فَتَدَبَّرْ
(قَوْلُهُ حَالَ كَوْنِ إلَخْ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ حَالَ كَوْنِ وُجُودِهَا وَعَدَمِهَا عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ
(قَوْلُهُ وَانْظُرْ الْكَلَامَ فِي الْعَامِّ) لَا يَخْفَى أَنَّ الْعَامَّ اللَّفْظُ الَّذِي يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ وَالْمُطْلَقُ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِلْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ وَالنَّكِرَةُ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِلْفَرْدِ الْمُنْتَشِرِ وَاللَّفْظُ فِيهِمَا وَاحِدٌ كَرَجُلٍ وَأَسَدٍ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُصَنِّفَ أَرَادَ بِقَوْلِهِ وَقَيَّدْت أَيْ الْمُطْلَقَ وَيُرَادُ بِهِ أَنَّ هَذَانِ وَالْمُشْتَرَكُ اللَّفْظِيُّ كَعَيْنٍ
(وَخَصَّصَتْ) أَيْ قَصَرَتْ (نِيَّةُ) الشَّخْصِ (الْحَالِفِ) لَفْظَهُ الْعَامَّ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ وَهُوَ لَفْظٌ يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ بِلَا حَصْرٍ، أَيْ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا يَصْلُحُ هُوَ لَهُ دَفْعَةً وَبِهَذَا خَرَجَ الْأَعْلَامُ وَمِنْهَا أَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُطْلَقُ، وَهُوَ اللَّفْظُ الْمَوْضُوعُ لِلْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ كَأَسَدٍ، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بِلَا حَصْرِ أَسْمَاءِ الْعَدَدِ فَإِنَّهَا تَسْتَغْرِقُ مَا تَصْلُحُ لَهُ دَفْعَةً مَعَ حَصْرِهِ فَهِيَ نَصٌّ فِي مَعْنَاهَا فَلَا تَقْبَلُ التَّخْصِيصَ بِالنِّيَّةِ وَنَحْوِهَا،
فَإِذَا حَلَفَ أَنَّ لَهُ عِنْدَهُ عَشْرَةً وَقَالَ نَوَيْت تِسْعَةً مَثَلًا تُقْبَلُ نِيَّتُهُ، وَتَقْبَلُ التَّخْصِيصَ بِالِاسْتِثْنَاءِ نَحْوُ عَشْرَةٍ إلَّا تِسْعَةً مَثَلًا وَطَالِقٌ ثَلَاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ فَمَعْنَى تَخْصِيصِ النِّيَّةِ الْعَامَّ قَصْرُهُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ زَمَانًا أَوْ مَكَانًا أَوْ صِفَةً، كَلَا أُكَلِّمُ زَيْدًا نَاوِيًا فِي اللَّيْلِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ، أَوْ حَالَ كَوْنِهِ جَاهِلًا.
وَلِلْعَامِّ صِيَغٌ كَثِيرَةٌ: مِنْهَا الْمَوْصُولَاتُ وَأَسْمَاءُ الشُّرُوطِ وَالِاسْتِفْهَامُ وَالْجَمْعُ الْمُحَلَّى بِأَلْ وَالنَّكِرَةُ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ وَالْمُفْرَدُ الْمُضَافُ لِمَعْرِفَةٍ. ابْنِ أَبِي شَرِيفٍ قَيْدٌ يَسْتَغْرِقُ الصَّالِحَ لَهُ يُغْنِي عَنْ قَيْدٍ بِلَا حَصْرٍ، لِأَنَّ مَعْنَى الِاسْتِغْرَاقِ الْمَعْرُوفِ دَلَالَةُ الْكُلِّيِّ عَلَى جُزْئِيَّاتِ مَعْنَاهُ وَدَلَالَةُ اسْمِ الْعَدَدِ عَلَى آحَادِهِ الَّتِي تَأَلَّفَ، هُوَ مِنْهَا دَلَالَةَ كُلٍّ عَلَى أَجْزَائِهِ. الْقَرَافِيُّ: الْأَلْفَاظُ قِسْمَانِ نُصُوصٌ وَظَوَاهِرُ، فَالنُّصُوصُ لَا تَقْبَلُ الْمَجَازَ وَلَا التَّخْصِيصَ، وَالظَّوَاهِرُ تَقْبَلُهُمَا، وَالنُّصُوصُ قِسْمَانِ: أَسْمَاءُ الْأَعْدَادِ كَالْعَشَرَةِ فَلَا يَجُوزُ إطْلَاقُهَا عَلَى أَحَدَ عَشَرَ وَلَا عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْأَعْدَادِ، فَهَذَا هُوَ الْمَجَازُ.
وَأَمَّا التَّخْصِيصُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ تَقُولَ وَقَيَّدَتْ إنْ نَافَتْ وَسَاوَتْ [منح الجليل] رَأَيْت عَشْرَةً ثُمَّ تُبَيِّنُ أَنَّك أَرَدْت خَمْسَةً، وَالتَّخْصِيصُ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ مَعْنَى الْعَامِّ وَهُوَ مِنْ الْمَجَازِ فَالْمَجَازُ أَعَمُّ إذْ قَدْ لَا يَبْقَى مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمُسَمَّى كَرَأَيْت بَحْرًا فِي الْجَامِعِ،
فَإِذَا قُلْت رَأَيْت إخْوَتَك مُرِيدًا نِصْفَهُمْ فَهُوَ تَخْصِيصٌ وَمَجَازٌ،
وَإِنْ أَرَدْت مَسَاكِنَهُمْ فَهُوَ مَجَازٌ لَا تَخْصِيصٌ.
الْقِسْمُ الثَّانِي مِنْ النَّصِّ الْأَلْفَاظُ الْمُخْتَصَّةُ بِاَللَّهِ تَعَالَى نَحْوُ لَفْظِ الْجَلَالَةِ وَلَفْظِ الرَّحْمَنِ فَلَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا فِي غَيْرِ اللَّهِ إجْمَاعًا. (وَقَيَّدَتْ) أَيْ صَرَفَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ لَفْظَهُ الْمُطْلَقَ إلَى بَعْضِ أَفْرَادِهِ الَّتِي يَحْتَمِلُهَا عَلَى الْبَدَلِيَّةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا يَشْمَلُ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيَّ وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدِ وُجُودِهَا فِي فَرْدٍ مُبْهَمٍ وَهُوَ اسْمُ الْجِنْسِ كَأَسَدٍ، وَالنَّكِرَةُ وَهُوَ مَا دَلَّ عَلَيْهَا بِقَيْدِ وُجُودِهَا فِي فَرْدٍ مُبْهَمٍ كَرَجُلٍ، فَاللَّفْظُ فِي الْمُطْلَقِ وَالنَّكِرَةِ وَاحِدٌ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا بِالِاعْتِبَارِ فَإِنْ اُعْتُبِرَتْ دَلَالَتُهُ عَلَى الْمَاهِيَّةِ بِلَا قَيْدٍ سُمِّيَ مُطْلَقًا وَاسْمَ جِنْسٍ،
وَإِنْ اُعْتُبِرَتْ مَعَ قَيْدِ الْوَحْدَةِ الشَّائِعَةِ سُمِّيَ نَكِرَةً وَعَدَّ الْقَرَافِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَالْآمِدِيُّ الْمُطْلَقَ وَالنَّكِرَةَ وَاحِدًا. ابْنُ السُّبْكِيّ وَعَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا الْمَنَاطِقَةُ وَالْأُصُولِيُّونَ وَالْفُقَهَاءُ حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِيمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ إنْ كَانَ حَمْلُك ذَكَرًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَكَانَ ذَكَرَيْنِ فَقِيلَ: لَا تَطْلُقُ نَظَرًا لِلتَّنْكِيرِ الْمُشْعِرِ بِالْوَحْدَةِ.
وَقِيلَ تَطْلُقُ حَمْلًا عَلَى الْجِنْسِ وَالْمُشْتَرَكِ اللَّفْظِيِّ كَعَائِشَةَ طَالِقٌ وَلَهُ زَوْجَتَانِ مِسْمَاتَانِ بِعَائِشَةَ وَكَحَلِفِهِ لَا يَنْظُرُ لِعَيْنٍ مُرِيدًا أَحَدَ مَعَانِيهَا (إنْ نَافَتْ وَسَاوَتْ) .
ابْنُ غَازِيٍّ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ قَلَقٌ لِأَنَّ النِّيَّةَ الَّتِي تُنِيفُ أَيْ تَزِيدُ وَاَلَّتِي تُسَاوِي أَيْ تُطَابِقُ لَيْسَتْ مُخَصِّصَةً وَلَا مُقَيِّدَةً وَإِنَّمَا الْمُخَصِّصَةُ وَالْمُقَيِّدَةُ الَّتِي تَنْقُصُ فَالْوَجْهُ أَنْ يُقَالَ: وَاعْتُبِرَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ إنْ نَافَتْ أَوْ سَاوَتْ وَإِلَّا خُصِّصَتْ وَقُيِّدَتْ كَمَا قَالَ الْقَاضِي فِي تَلْقِينِهِ بِعَمَلٍ عَلَى النِّيَّةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . .
[منح الجليل] إذَا كَانَتْ مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ مِنْ اللَّفْظِ بِأَنْ كَانَتْ مُطَابِقَةً لَهُ أَوْ زَائِدَةً فِيهِ أَوْ نَاقِصَةً عَنْهُ بِتَقْيِيدِ مُطْلَقِهِ أَوْ تَخْصِيصِ عَامِّهِ، ثُمَّ قَالَ وَذَلِكَ كَالْحَالِفِ لَا آكُلُ رُءُوسًا أَوْ بَيْضًا أَوْ لَا أَسْبَحُ فِي نَهْرٍ أَوْ غَدِيرٍ،
فَإِنْ قَصَدَ مَعْنًى عَامًّا وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظٍ خَاصٍّ أَوْ مَعْنًى خَاصًّا وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظٍ عَامٍّ حُكِمَ بِنِيَّتِهِ إذَا قَارَنَهَا عُرْفُ التَّخَاطُبِ كَالْحَالِفِ لَا أَشْرَبُ لِفُلَانٍ مَاءً يَقْصِدُ قَطْعَ الْمَنِّ مِنْهُ فَيَحْنَثُ بِكُلِّ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ مَالِهِ،
وَكَذَا لَا أَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِ زَوْجَتِهِ بِقَصْدِ قَطْعِ الْمَنِّ دُونَ عَيْنِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ وَلِحُسْنِ عِبَارَةِ التَّلْقِينِ انْتَحَلَهَا صَاحِبُ الْجَوَاهِرِ إعْجَابًا بِهَا وَحَوْلَ دَنِّهَا دَنْدَنَ.
ابْنُ عَرَفَةَ إذْ قَالَ: وَالنِّيَّةُ إنْ وَافَقَتْ ظَاهِرَ اللَّفْظِ أَوْ خَالَفَتْهُ بِأَشَدَّ اُعْتُبِرَتْ وَإِلَّا فَطُرُقٌ إلَخْ،
فَلَوْ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَخَصَّصَتْ نِيَّةُ الْحَالِفِ وَقَيَّدَتْ كَأَنْ نَافَتْ أَوْ سَاوَتْ بِزِيَادَةِ الْكَافِ وَالْعَطْفِ بِأَوْ لَكَانَ أَمْثَلَ.
فَإِنْ قُلْت: لَعَلَّ نَافَتْ مِنْ بَابِ الْمُنَافَاةِ مُفَاعَلَةٌ مِنْ النَّفْيِ فَيَرْجِعُ لِمَعْنَى النَّقْصِ وَتَكُونُ الزَّائِدَةُ وَالْمُطَابَقَةُ أَحْرَى بِالِاعْتِبَارِ وَالْمُسَاوَاةِ عَلَى هَذَا بِمَعْنَى الْمُعَادَلَةِ فِي الِاحْتِمَالِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ، أَيْ أَمْكَنَ أَنْ يَقْصِدَ بِاللَّفْظِ الصَّادِرِ عَنْهُ مَا ادَّعَى أَنَّهُ نَوَاهُ وَأَمْكَنَ أَنْ لَا يَقْصِدَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٌ وَيَشْفَعُ لَهُ مُحَاذَاةُ قَوْلِ ابْنِ الْحَاجِبِ،
فَإِنْ تَسَاوَيَا قُبِلَتْ، وَيُنْعِشُهُ عَطْفُ سَاوَتْ بِالْوَاوِ دُونَ أَوْ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ كَأَنْ خَالَفَتْ كَأَنْ لَمْ تُسَاوِ.
قُلْت لَوْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا مِنْ التَّكَلُّفِ إلَّا اسْتِعْمَالُ نَافٍ فِي الْمُنَافَاةِ الَّتِي هِيَ الْمُضَادَّةُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى لَكَانَ كَافِيًا فِي عَدَمِ صِحَّتِهِ، وَلَوْلَا خَشْيَةُ السَّآمَةِ لَطَرَقْنَا فِيهِ احْتِمَالًا آخَرَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. اهـ. كَلَامُ ابْنِ غَازِيٍّ. عب إنْ نَافَتْ رَاجِعٌ لَخَصَّصَتْ مِنْ الْمُنَافَاةِ أَيْ خَالَفَتْ نِيَّتُهُ ظَاهِرَ لَفْظِهِ، وَأَصْلُهُ نَافَيَتْ تَحَرَّكَتْ الْيَاءُ وَانْفَتَحَ مَا قَبْلَهَا فَقُلِبَتْ أَلْفًا ثُمَّ حُذِفَتْ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ قَالَهُ الْحَطّ، أَيْ شَرْطُ الْمُخَصِّصِ كَوْنُهُ مُنَافِيًا لِلْعَامِّ فَمَنْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ سَمْنًا وَنَوَى سَمْنَ ضَأْنٍ فَإِنَّ نِيَّتَهُ لَا تُخَصِّصُ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مُنَافِيَةً لِلْعَامِّ خِلَافًا لِابْنِ يُونُسَ،
وَإِنْ نَوَى إخْرَاجَ سَمْنِ غَيْرِ الضَّأْنِ لِيَأْكُلَهُ نَافَتْ نِيَّتُهُ الْعَامَّ فَخَصَّصَتْهُ، وَعَلَى هَذَا الْقَرَافِيُّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] وَالْمُقْرِي وَابْنُ رَاشِدٍ وَغَيْرُهُمْ، وَهَلْ بِيَمِينٍ أَمْ لَا، وَالْأَقْرَبُ تَوَجُّهُهَا احْتِيَاطًا لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى قَالَهُ الْمُصَنِّفُ.
فَإِنْ قُلْت: الْحَالِفُ فِي الْحَالَتَيْنِ قَصْدُهُ عَدَمُ أَكْلِ سَمْنِ الضَّأْنِ وَأَكْلِ غَيْرِهِ فَلِمَ افْتَرَقَتْ نِيَّةُ سَمْنِ الضَّأْنِ مِنْ نِيَّةِ إخْرَاجِ سَمْنِ غَيْرِهِ. قُلْت أَشَارَ الْعِزُّ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لِلْفَرْقِ بِمَا حَاصِلُهُ: أَنَّ نِيَّةَ إخْرَاجِ سَمْنِ غَيْرِ الضَّأْنِ نِيَّةٌ مُنَافِيَةٌ وَنِيَّةَ سَمْنِ الضَّأْنِ غَيْرُ مُنَافِيَةٍ. وَشَرْطُ الْمُخَصِّصِ الْمُنَافَاةُ. الْبُنَانِيُّ مَا حَمَلَ عَلَيْهِ ز كَلَامَ الْمُصَنِّفِ أَصْلُهُ لِلْقَرَافِيِّ وَمَنْ تَبِعَهُ قَاسُوا التَّخْصِيصَ بِالنِّيَّةِ عَلَى التَّخْصِيصِ بِاللَّفْظِ فِي شَرْطِ الْمُنَافَاةِ، قَالَ الْأُصُولِيُّونَ لَا يُخَصِّصُ كَلَامٌ كَلَامًا إلَّا إذَا كَانَ مُنَافِيًا لَهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {وَأُولاتُ الأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ} مَعَ قَوْله تَعَالَى {وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} .
فَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُنَافٍ لَهُ كَقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «أَيُّمَا إهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ» ، مَعَ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ مَرَّ بِشَاةٍ مَيِّتَةٍ «هَلَّا أَخَذْتُمْ إهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ» فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُخَصِّصُهُ بِجِلْدِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ وَلِذَا قَالُوا ذِكْرُ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ لَا يُخَصِّصُهُ فَبَنَى الْقَرَافِيُّ عَلَى هَذَا الْفَرْقِ الْمُتَقَدِّمِ جَاعِلًا النِّيَّةَ كَاللَّفْظِ فِي تَفْصِيلِهِ زَاعِمًا أَنَّ أَكْثَرَ مُفْتِي عَصْرِهِ جَهِلُوهُ فِيمَنْ قَالَ لَا آكُلُ بَيْضًا وَنَوَى بَيْضَ الدَّجَاجِ،
فَإِنْ نَوَى إخْرَاجَ بَيْضِ غَيْرِهِ فَلَا يَحْنَثُ إلَّا بِبَيْضِ الدَّجَاجِ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ إخْرَاجَهُ وَنَوَى بِالْبَيْضِ بَيْضَ الدَّجَاجِ حَنِثَ بِالْجَمِيعِ وَهُمْ قَالُوا: لَا يَحْنَثُ إلَّا بِبَيْضِ الدَّجَاجِ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُتَقَدِّمِينَ كَابْنِ الْمَوَّازِ وَابْنِ يُونُسَ وَالْقَاضِي وَغَيْرِهِمْ، فَفِي التَّلْقِينِ فَإِنْ قَصَدَ مَعْنًى عَامًّا وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظٍ خَاصٍّ أَوْ مَعْنًى خَاصًّا وَعَبَّرَ عَنْهُ بِلَفْظٍ عَامٍّ حُكِمَ بِنِيَّتِهِ اهـ.
وَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ هِيَ الْحَقُّ وَقَدْ رَدَّ شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ ابْنُ مُبَارَكٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - مَا قَالَهُ الْقَرَافِيُّ بِأَنَّ قِيَاسَ النِّيَّةِ الْمَذْكُورَةِ عَلَى ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ بِحُكْمِهِ لَا يَصِحُّ لِظُهُورِ الْفَارِقِ وَهُوَ أَنَّ الْمُخَصَّصَ الْمَقِيسَ عَلَيْهِ لَفْظِيٌّ لَمْ يُقَارِنْ مُخَصِّصَهُ فِي الزَّمَانِ لِاسْتِحَالَةِ النُّطْقِ بِهِمَا دَفْعَةً، وَالْفَرْضُ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ عَلَيْهِ فَبَقِيَ ذَلِكَ الْعَامُّ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى خَصَّصَهُ الْمُخَصِّصُ
بِخِلَافِ الْمَقِيسِ فِي مَسْأَلَتِنَا، فَإِنَّ الْمُخَصِّصَ فِيهِ هِيَ النِّيَّةُ وَمُقَارَنَتُهَا مُمْكِنَةٌ بَلْ وَاجِبَةٌ إذْ لَوْ تَأَخَّرَتْ مَا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] أَفَادَتْ، وَإِذَا قَارَنَتْ أَوْ تَقَدَّمَتْ لَمْ يَبْقَ الْعَامُّ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى يُخَصَّصَ بِهَا فَلَمْ يُرِدْ بِهِ إلَّا الْمَنْوِيَّ فَهُوَ عَامٌّ أُرِيدَ بِهِ خَاصٌّ وَهِيَ الْمُحَاشَاةُ فَبَطَلَ قَوْلُهُ النِّيَّةُ هُنَا مُؤَكِّدَةٌ فِي بَعْضِ أَفْرَادِ الْعَامِّ فَلَا تَنْفِي الْحُكْمَ عَنْ غَيْرِهِ اهـ.
وَرَدَّ أَيْضًا بِأَنَّ النِّيَّةَ أَوَّلٌ مُعْتَبَرٌ فِي الْيَمِينِ ثُمَّ السَّبَبُ وَالْبِسَاطُ،
فَإِذَا اقْتَضَى السَّبَبُ أَوْ الْبِسَاطُ تَقْيِيدَهَا أَوْ تَخْصِيصَهَا لِدَلَالَتِهِمَا عَلَى قَصْدِ التَّخْصِيصِ أَوْ التَّقْيِيدِ، فَاعْتِبَارُ التَّقْيِيدِ وَالتَّخْصِيصِ الْمَنْوِيَّانِ أَوْلَى.
وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو زَيْدٍ الْفَاسِيُّ
وَالصَّحِيحُ فِي النَّظَرِ أَنَّ النِّيَّةَ تُخَصِّصُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُنَافِيَةً لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ الشَّرْعِيَّةَ أَنْ لَا تُرَتَّبَ الْأَحْكَامُ الشَّرْعِيَّةُ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْمُعَامَلَاتِ إلَّا عَلَى النِّيَّاتِ، وَالْمَقْصُودُ وَمَا لَيْسَ مَنْوِيَّا وَلَا مَقْصُودًا فَلَا يُعْتَبَرُ وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَكَادُ يَجْهَلُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الشَّرْعِ. ابْنُ الشَّاطِّ لَمْ يَحْمِلْ شِهَابُ الدِّينِ فِيمَا قَالَهُ فِي هَذَا إلَّا تَوَهُّمَهُ أَنَّ حُكْمَ النِّيَّاتِ كَحُكْمِ الْأَلْفَاظِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمَدْلُولَاتِ وَالْأَمْرُ لَيْسَ كَمَا تَوَهَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ السَّبْتِيُّ فِي اخْتِصَارِ الْفُرُوقِ يَرِدُ عَلَى الْقَرَافِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ وَاَللَّهِ لَا أَلْبَسُ نَاوِيًا لَكَانَ غَافِلًا عَنْ غَيْرِهِ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَا أَلْبَسُ ثَوْبًا كَتَّانًا غَافِلًا عَنْ غَيْرِهِ، وَهَذَا لَا يَحْنَثُ فِيهِ بِغَيْرِ الْكَتَّانِ إجْمَاعًا فَكَذَلِكَ الْأَوَّلُ.
ابْنُ مَرْزُوقٍ رَدَّ عَلَى الْقَرَافِيِّ جَمَاعَةٌ مِمَّنْ أَلَّفَ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُمْ مِنْهُمْ الْعَلَّامَةُ الْمُحَقِّقُ أَبُو مُوسَى الْإِمَامُ بِمَا يَطُولُ جَلْبُهُ وَتَأَمَّلْ كَثْرَةَ مَا وَقَعَ مِنْ مَسَائِلِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِغَيْرِ مَا نَوَى وَلَمْ يُقَيِّدُوهَا بِاشْتِرَاطِ ذَلِكَ بِأَنْ يَتَعَرَّضَ عِنْدَ نِيَّةِ مَا نَوَى مِنْ الْأَفْرَادِ إلَى إخْرَاجِ غَيْرِهِ،
فَلَوْ كَانَ مَا ذَكَرَهُ صَحِيحًا لَنَبَّهُوا عَلَيْهِ، وَيُقَالُ نِيَّةُ الْحَالِفِ بَعْضَ الْأَفْرَادِ عِنْدَ الْيَمِينِ تَسْتَلْزِمُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] إخْرَاجَ غَيْرِهِ، كَمَنْ حَلَفَ لَا دَخَلْت دَارَ فُلَانٍ وَنَوَى شَهْرًا أَوْ لَا أَكَلَتْ سَمْنًا وَنَوَى سَمْنَ بَقَرٍ اهـ. فَتَبَيَّنَ ضَعْفُ طَرِيقَةِ الْقَرَافِيِّ، وَأَنَّهُ لَا يَنْبَغِي حَمْلُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ عَلَيْهَا كَمَا فَعَلَ الْحَطّ وز، وَلَا سِيَّمَا الْمُصَنِّفُ لَمْ يَذْكُرْهَا فِي التَّوْضِيحِ وَلَمْ يُشِرْ إلَيْهَا وَإِنَّمَا يَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الطَّرِيقَةِ الْأُخْرَى فَيُفَسِّرُ نَافَتْ بِخَالَفَتْ، وَهِيَ إشَارَةٌ لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ تَخْصِيصُ الْعَامِّ يَلْزَمُ مِنْهُ مُخَالَفَةُ الظَّاهِرِ لِأَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْحُكْمِ لِصُورَةٍ أَوْ صُوَرٍ وَالنِّيَّةُ الْمُخَصِّصَةُ تَنْفِيهِ عَنْهَا.
اهـ. فَالْقَيْدُ لَيْسَ لِلِاحْتِرَازِ بَلْ كَاشِفٌ لِصُورَةِ التَّخْصِيصِ إذْ مِنْ ضَرُورِيَّاتِهَا ذَلِكَ فَالشَّرْطُ لَيْسَ فِي مَحِلِّهِ وَهَذَا الْحَمْلُ هُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ أَبُو زَيْدٍ وَبَابَا وطفي وَغَيْرُهُمْ.
طفي هَذَا أَمْثَلُ مَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ،
وَإِنْ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ فِيهِ قُبْحُ اسْتِعْمَالِ الْمُنَافَاةِ وَهِيَ الْمُضَادَّةُ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى لِقَوْلِ الْحَطّ لَا قُبْحَ فِيهِ لِوُقُوعِهِ فِي عِبَارَةِ الْقَرَافِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَغَيْرِهِمَا. قُلْت وَفِي اعْتِرَاضِ الْحَطّ عَلَى ابْنِ غَازِيٍّ نَظَرٌ لِأَنَّ الْقَرَافِيَّ اسْتَعْمَلَ الْمُنَافَاةَ فِي الْمُضَادَّةِ فِي الْحُكْمِ وَالْمُصَنِّفُ لَمْ يَشْتَرِطْ إلَّا الْمُخَالَفَةَ الصَّادِقَةَ بِمَا بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ مَعَ فَقْدِ الْمُنَافَاةِ بَيْنَهُمَا، لَكِنْ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْمُجَارَاةِ وَإِلَّا فَالتَّحْقِيقُ أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ قَيْدًا كَاشِفًا فَهِيَ بِمَعْنَى الْمُضَادَّةِ لِأَنَّهَا حَيْثُ كَانَتْ مُخَصِّصَةً لَزِمَهَا نَفْيُ الْحُكْمِ عَمَّا عَدَا الْمَنْوِيِّ، وَهَذَا مُضَادٌّ لِحُكْمِ الْعَامِّ فَسَقَطَ اعْتِرَاضُ ابْنِ غَازِيٍّ وَمَا انْبَنَى عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
عب وَسَاوَتْ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَقَيَّدَتْ أَيْ مِنْ شَرْطِ النِّيَّةِ الْمُقَيِّدَةِ لِلْمُطْلَقِ أَنْ تَكُونَ مُسَاوِيَةً بِأَنْ يَكُونَ لَفْظُ الْحَالِفِ يَحْتَمِلُ مَا نَوَاهُ وَغَيْرَهُ عَلَى السَّوَاءِ، فَتُقْبَلُ نِيَّتُهُ مُطْلَقًا فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ كَأَحَدِ عَبِيدِي حُرٌّ، وَيُرِيدُ نَاصِحًا مَثَلًا،
وَفِي تَعْيِينِ أَحَدِ مَحَامِلِ اللَّفْظِ الْمُشْتَرَكِ كَعَائِشَةَ طَالِقٌ وَلَهُ زَوْجَتَانِ كِلْتَاهُمَا اسْمُهَا عَائِشَةُ،
وَقَالَ أَرَدْت بِنْتَ فُلَانٍ وَكَلَا نَظَرْت عَيْنًا وَأَرَادَ الذَّهَبَ.
الْبُنَانِيُّ قَوْلُهُ رَاجِعٌ لِقَوْلِهِ وَقَيَّدَتْ إلَخْ هَذَا ظَاهِرُ التَّوْضِيحِ، وَعَلَيْهِ جَرَى الشَّارِحُ وَالتَّحْقِيقُ كَمَا ذَكَرَهُ اللَّقَانِيُّ وَأَحْمَدُ، أَصْلُهُ لِابْنِ غَازِيٍّ وَالْحَطّ أَنَّ الْمُسَاوَاةَ بِهَذَا الْمَعْنَى مُعْتَبَرَةٌ فِي تَخْصِيصِ الْعَامِّ وَتَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ مَعًا، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدُ كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ إلَخْ وَالْمُرَادُ الْمُوَافَقَةُ بَيْنَ الْمَنْوِيِّ وَظَاهِرِ اللَّفْظِ
إمَّا بِرُجْحَانِ كُلٍّ مِنْهُمَا بِاعْتِبَارَيْ اللُّغَةِ فِي لِلَّهِ غَيْرِهَا: كَطَلَاقٍ: كَكَوْنِهَا مَعَهُ فِي لَا يَتَزَوَّجُ حَيَاتَهَا كَأَنْ خَالَفَتْ ظَاهِرَ لَفْظِهِ:
[منح الجليل] وَالْعُرْفِ، وَهُوَ الْمُشَارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ كَكَوْنِهَا مَعَهُ،
وَإِمَّا فِي الِاحْتِمَالَيْنِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٌ كَمَا فِي تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ وَتَبْيِينِ الْمُشْتَرَكِ.
وَتَنَازَعَ خَصَّصَتْ وَقَيَّدَتْ
فقال: وخصصت نية الحالف؛ يعني أن نية الحالف تخصص لفظه أي تقصره على بعض أفراده زمانا أو مكانا أو صفة، كلا أكلمه وينوي في الليل أو في المسجد، أو لا أكلم رجلا ويريد جاهلا فالتخصيص هو قصر العام على بعض أفراده والعام لفظ يستغرق الصالح له من غير حصر؛ أي يتناول جميع ما يصلح له دفعة، وبهذا يخرج المطلق ومن غير حصر مخرج لأسماء العدد، فإنها نص في معناها، وقوله: يستغرق مخرج لأسماء الله عز وجل؛
لأنه لا استغراق فيها، ويمنع شرعا أن تستعمل في غير معناها،
فإذا حلف بالله وقال أردت بزيد من باب إطلاق الفاعل على أثره لم تقبل نيته. واعلم أن الألفاظ قسمان نصوص وظواهر، فالنصوص لا تقبل المجاز ولا التخصيص: والظواهر هي التي تقبلها. والنصوص قسمان: الأول أسماء العدد كالعشرة مثلا فلا يجوز أي يمتنع وضعا أن يطلقها ويريد التسعة ولا غيرها من الأعداد وهذا هو المجاز،
وأما التخصيص فلا يجوز أي يمتنع وضعا أن تقول رأيت عشرة ثم تبين أنك أردت خمسة مثلا؛ أي لا تقبل التخصيص بالنية،
وأما باللفظ كالاستثناء فإنها تقبله. الثاني من المنصوص الألفاظ التي هي مختصة بالله تعالى، نحو لفظ الجلالة ولفظ الرحمن، فإنه لا يجوز استعمالهما في غير الله إجماعا. واعلم أن التخصيص مجاز أيضا لكن المجاز أعم؛ لأنه قد لا يبقى معه من السمى شيء كما تقول: رأيت إخوتك وتريد مساكنهم. انظر حانتية الشيخ بناني. (وقيدت) يعني أن نية الحالف تقيد لفظه المطلق أي تحمله على فرد خاص، والمطلق هو اللفظ الدال على شائع في جنسه، فيخرج كل عام ولو نكرة في سياق الإثبات، نحو كل رجل، والمقيد هو الذي أضيف إلى مسماه قيد زائد عليه،
فإذا قال: والله لأكلمن رجلا،
وقال: نويت فلانا أو صالحا، فإنه لا يبر إلا بتكليم من نواه، والمطلق هنا يشمل شيئين، الأول النكرة نحو رجل في المثال المذكور، الثاني المشترك اللفظي سواء وقع في المعلم كمن له زوجتان كل منهما تسمى زينب، أو وقع في غيره نكرة كمن حلف لينظرن عينا،
وقال: نويت الباصرة أو نويت النقد، أو معرفة كمن قال: والله لأكرمن أخاك وقال نويت فلانا. وتحصل مما مر أن النية إنما تخصص وتقيد في المحل الذي يصلح أن تخصص أو تقيد فيه. إن نافت؛ راجع لقوله: "وخصصت" ؛ يعني أنه يشترط في النية المخصصة أن تكون منافية للفظ الذي وقعت فيه بأن يكون ظاهر اللفظ ينفيها وهي تنفيه، فقوله: "تافت" فاعلت من النفي، أصله نافيت قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها وحذفت لالتقاء الساكنين كما في ساوت.
والمنافاة المذكورة هي أن يكون لفظ الحالف يقتضي ثبوت الحكم لصور، والنية المخصصة تنفي ذلك الحكم عن تلك الصور، واحترز بقوله: "تافت" ، عما إذا لم تكن النية منافية فإنها لا تعتبر،
فمن حلف لا يأكل بيضا ونوى بيض الدجاج،
فإن نوى إخراج غيره من البيض لم يحنث إلا ببيض الدجاج؛ لأن هذه النية منافية،
وإن لم ينو إخراج بيض غير الدجاج من اليمين حنث بالجميع؛ لأن نيته حينئذ مؤكدة لا منافية، وسيأتي مزيد بيان لهذا إن شاء الله. وساوت، راجع لقوله: "وخصصت" ، كما في الخرشي، والواو للحال من الضمير في نافت، ورجعه غير واحد لقوله: "وقيدت" ، وعلى كل فهو في المعنى راجع لهما، ومنهم من قدر وافقت فيرجعها للتخصيص، ويرجع ساوت للتقييد. والله سبحانه أعلم؛ يعني أنه يشترك في النية المخصصة مع المنافاة أحد أمرين،
إما أن تكون مساوية لظاهر اللفظ أو مخالِفة له مخالَفَةً قريب، ومعنى كونها مساوية لظاهر اللفظ أن يشتمل الكلام على قرينة تشهد بصحة النية المدعاة، ومعنى المساواة في المطلق أنه يمكن أن يقصد باللفظ الصادر عنه ما ادعى أنه نواه، ويمكن أن لا يقصد على حد سواء فتقبل نيته في الفتوى والقضاء عند المساواة، فمثال النية المساوية في المطلق من له زوجتان كل منهما تسمى زينب ويقول: زينب طالق إن دخلت الدار، ويقول: أردت زينب بنت فلان، ومثال النية المساوية في العام سيذكره قريبا في الله يتنازعه "خصصت" "وقيدت" ؛
يعني أن النية تخصص وتقيد على ما مر في اليمين بالله، مثال المخصصة: والله لا تزوجت حياة عمرة وهي تحته، ثم إنه فارقها وتزوج امرأة غيرها وعمرة في قيد الحياة، فقيل له: حنثت حيث تزوجت غير عمرة وهي حية، فقال: أردت أن لا أتزوج ما دامت تحتي، وأخرجت من يميني ما إذا لم تكن في عصمتي، فهذا تقبل نيته في الفتوى والقضاء؛ لأن نيته منافية بإخراجه ما إذا لم تكن في عصمته مساوية؛
إذ يمكن على حد السواء أن هذا الحالف أراد ظاهر اللفظ أي مقتضاه، أو أنه أراد ما نوى؛ لأن العادة شاهدة بأنه يقول لها ذلك تطييبا لخاطرها ما دامت في عصمته، فالعرف يرجح النية المذكورة، واللغة ترجح ظاهر اللفظ ولو غفل عن حال خروجها من عصمته لم تكن منافية فلا تفيد، ومثال المقيدة: والله لأكلمن رجلا،
وقال نويت فلانا فتقبل نيته. والله سبحانه أعلم. وغيرها،
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.