وَشَرْطٌ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ: طَهَارَةٌ
الشروح عليها
(وَشُرِطَ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ) أَيْ شُرِطَ لِصِحَّةِ بَيْعِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ثَمَنًا أَوْ مُثَمَّنًا (طَهَارَةٌ) وَانْتِفَاعٌ بِهِ وَإِبَاحَةٌ وَقُدْرَةٌ عَلَى تَسْلِيمِهِ وَعَدَمِ نَهْيٍ وَجَهْلٍ بِهِ، وَقَوْلُهُ: طَهَارَةٌ أَيْ أَصْلِيَّةٌ بَاقِيَةٌ أَوْ عَرَضَ لَهَا نَجَاسَةٌ يُمْكِنُ إزَالَتُهَا كَالثَّوْبِ إذَا تَنَجَّسَ
وَيَجِبُ تَبْيِينُهُ مُطْلَقًا جَدِيدًا أَوْ لَا يُفْسِدُهُ الْغُسْلُ أَوْ لَا كَانَ الْمُشْتَرِي يُصَلِّي أَوْ لَا؛ لِأَنَّ النُّفُوسَ تَكْرَهُهُ،
فَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ وَجَبَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ.
(قَوْلُهُ: وَعَدَمُ نَهْيٍ) أَيْ عَنْ بَيْعِهِ
(قَوْلُهُ: وَجَهْلٍ بِهِ) أَيْ وَعَدَمُ جَهْلٍ بِهِ
(قَوْلُهُ: أَيْ أَصْلِيَّةٌ بَاقِيَةٌ إلَخْ) فِيهِ أَنَّهُ يُرَدُّ عَلَى مَفْهُومِهِ الْخَمْرُ إذَا تَحَجَّرَ أَوْ خُلِّلَ
فَلَوْ قَالَ عِوَضٌ أَصْلِيَّةٌ بَاقِيَةٌ أَوْ عَرَضٌ إلَخْ حَالِيَّةٌ أَوْ مَآلِيَّةٌ أَوْ يَقُولُ: حَاصِلَةٌ أَوْ مُسْتَحْصِلَةٌ لَكَانَ ظَاهِرًا وَيَدْخُلُ الثَّوْبُ الْمُتَنَجِّسُ وَلَا يَدْخُلُ الْخَمْرُ فِي قَوْلِنَا أَوْ مَآلِيَّةٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَحَجَّرَ أَوْ خُلِّلَ لَا يَبْقَى خَمْرًا فَهُوَ مَا دَامَ خَمْرًا لَا يَطْهُرُ أَبَدًا تَأَمَّلْ.
(قَوْلُهُ: أَوْ عُرِضَ لَهَا) لَعَلَّ الْأَوْلَى لَهُ أَيْ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْمُتَّصِفِ بِالطَّهَارَةِ الْأَصْلِيَّةِ
(قَوْلُهُ: وَيَجِبُ تَبْيِينُهُ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنْ النَّجَاسَةِ،
وَلَوْ قَالَ: تَبْيِينَهَا كَانَ أَوْضَحَ.
(قَوْلُهُ: وَجَبَ لِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ) أَيْ وَلَوْ كَانَ لَا يُصَلِّي وَلَا يَنْقُصُ الثَّوْبَ الْغُسْلُ عَلَى مَا اسْتَظْهَرَهُ ح
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَشَرْطُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ طَهَارَةٌ) ش: لَمَّا فَرَغَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - مِنْ الْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الثَّانِي مِنْ أَرْكَانِ الْبَيْعِ أَتْبَعَهُ بِالْكَلَامِ عَلَى الرُّكْنِ الثَّالِثِ الَّذِي هُوَ آخِرُ الْأَرْكَانِ، وَهُوَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ، وَهُوَ الثَّمَنُ، وَالْمَثْمُونُ، وَعَبَّرَ عَنْهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ كَمَا فَعَلَ فِي الْعَاقِدِ فَأَرْكَانُ الْبَيْعِ فِي الْحَقِيقَةِ خَمْسَةٌ الدَّالُ عَلَى الرِّضَا، وَالْبَائِعُ وَالْمُشْتَرِي، وَالثَّمَنُ، وَالْمَثْمُونُ لَكِنْ لَمَّا كَانَ الثَّانِي،
وَالثَّالِثُ - حُكْمُهُمَا - وَاحِدًا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ عَبَّرَ عَنْهُمَا بِلَفْظٍ وَاحِدٍ
وَكَذَلِكَ الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ، فَصَارَ ثَلَاثَةً بِهَذَا الِاعْتِبَارِ،
وَقَالَ الشَّارِحُ: فِي الْكَبِيرِ الْمُرَادُ بِالْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الْمَثْمُونُ، وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَجَعَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَاقِدِ الْبَائِعُ، وَالْمُشْتَرِي احْتِمَالًا، وَهُوَ الْمُتَعَيِّنُ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ رُكْنًا سَادِسًا فَقَالَ السَّادِسُ: نَفْسُ الْعَقْدِ، وَيَعْنِي بِهِ الْهَيْئَةَ الْحَاصِلَةَ مِنْ مُقَارَنَةِ الْإِيجَابِ لِلْقَبُولِ، وَصُدُورَهُمَا مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ خَمْسَةَ شُرُوطٍ، وَاحْتَرَزَ بِكُلِّ شَرْطٍ عَمَّا يُقَابِلُهُ الْأَوَّلُ الطَّهَارَةُ وَاحْتَرَزَ بِهِ مِنْ النَّجَسِ، وَلَا يُرِيدُ الْعُمُومَ فِي كُلِّ نَجِسٍ بَلْ مَا نَجَاسَتُهُ ذَاتِيَّةٌ كَالْعَذِرَةِ، وَالزِّبْلِ أَوْ كَالذَّاتِيَّةِ، وَهُوَ مَا لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ كَالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ، وَشِبْهِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَصَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ،
وَأَمَّا إذَا كَانَتْ نَجَاسَتُهُ عَرَضِيَّةٌ فَلَا اخْتِلَافَ فِي عَدَمِ اعْتِبَارِهَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَنْعِ بَيْعِ النَّجِسِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ نَهْيُهُ تَعَالَى عَنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ كَذَلِكَ لَا تَحْصُلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ لِلْمُسْلِمِ أَوْ تَحْصُلُ بِهِ مَنْفَعَةٌ يَسِيرَةٌ، فَكَأَنَّهُ غَيْرُ مُنْتَفَعٍ بِهِ أَصْلًا فَأَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ مِنْ أَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ الْمُنَاقِضِ لِلتِّجَارَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ أَتَى بَعْدَهُ بِأَدَاةِ الِاسْتِثْنَاءِ فَقَالَ {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} ، وَهِيَ مُوجِبَةٌ؛
لَأَنْ يَكُونُ مَا بَعْدَهَا مُنَاقِضًا لِمَا قَبْلَهَا فِي الِاسْتِثْنَاءِ الْمُتَّصِلِ
وَكَذَلِكَ هُنَا عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ، وَدَلِيلُهُ مِنْ السُّنَّةِ نَهْيُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «إنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ، وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ فَقِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ أَرَأَيْت شُحُومَ الْمَيْتَةِ فَإِنَّهَا تُطْلَى بِهَا السُّفُنُ، وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ، وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ فَقَالَ لَا هُوَ حَرَامٌ ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عِنْدَ ذَلِكَ قَاتَلَ اللَّهُ الْيَهُودَ إنَّ اللَّهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّحُومَ أَجْمَلُوهُ ثُمَّ بَاعُوهُ فَأَكَلُوا ثَمَنَهُ» هَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظٍ آخَرَ، وَمَعْنَى أَجْمَلُوهُ أَذَابُوهُ وَقَوْلُهُ حَرَّمَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: صَحَّتْ الرِّوَايَةُ بِإِسْنَادِهِ إلَى ضَمِيرِ الْوَاحِدِ تَأَدُّبًا مِنْهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ فِي ضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ كَمَا «رَدَّ عَلَى الْخَطِيبِ قَوْلَهُ مَنْ يَعْصِهِمَا فَقَالَ لَهُ بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ قُلْ، وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ» اُنْظُرْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
ص (لَا كَزِبْلٍ وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ) ش: يَعْنِي إذَا كَانَ الْمَعْقُودُ عَلَيْهِ مِنْ شُرُوطِهِ الطَّهَارَةُ فَيَجُوزُ بَيْعُ كُلِّ طَاهِرٍ حَاوٍ لِلشُّرُوطِ الْآتِيَةِ لَا غَيْرَ الطَّاهِرِ مِمَّا نَجَاسَتُهُ ذَاتِيَّةٌ كَزِبْلِ الدَّوَابِّ أَوْ كَالذَّاتِيَّةِ لِكَوْنِهِ لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ كَالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ، وَذَكَرَ هَذَيْنِ لِكَوْنِهِمَا مُخْتَلَفًا فِيهِمَا فَيُعْلَمَ أَنَّ الْمَشْهُورَ فِيهِمَا الْمَنْعُ، وَلْيُنَبَّهْ عَلَى أَنَّ الْمَمْنُوعَ إنَّمَا هُوَ بَيْعُ النَّجِسِ الذَّاتِيِّ أَوْ الَّذِي كَالذَّاتِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى أَنَّ الْأَعْيَانَ النَّجِسَةَ لَا يَصِحُّ بَيْعُهَا إلَّا أَنَّ فِي بَعْضِهَا خِلَافًا يَتَبَيَّنُ بِذِكْرِ آحَادِ الصُّوَرِ قَالَهُ فِي الْجَوَاهِرِ وَقَالَ اللَّخْمِيّ: بَيْعُ النَّجَاسَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: مُحَرَّمٌ، وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ بِالْجَوَازِ، وَالْكَرَاهَةِ، وَالتَّحْرِيمِ وَاسْتِعْمَالُهَا عَلَى وَجْهَيْنِ: جَائِزٌ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ كَذَلِكَ، وَأَكْلُ مَا اُسْتُعْمِلَ فِيهِ عَلَى، وَجْهَيْنِ: جَائِزٌ وَمُخْتَلَفٌ فِيهِ فَبَيْعُ كُلِّ نَجَاسَةٍ لَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَى اسْتِعْمَالِهَا، وَلَا تَعُمُّ بِهَا الْبَلْوَى حَرَامٌ كَالْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ لَحْمِهَا، وَشَحْمِهَا، وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَى اسْتِعْمَالِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ، وَذَكَرَ الْخِلَافَ،
وَقَالَ ابْنُ بَشِيرٍ النَّجَاسَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا، وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا، وَكُلُّ وَاحِدٍ عَلَى قِسْمَيْنِ مَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ، وَمَا لَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ فَالْمُجْمَعُ عَلَيْهِ الَّذِي لَا تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ لَا خِلَافَ فِي مَنْعِ بَيْعِهِ، وَالِانْتِفَاعِ بِهِ، وَاَلَّذِي تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَيْهِ مَجْمَعًا عَلَيْهِ كَانَ أَوْ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُهُ أَمْ لَا؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ انْتَهَى. وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ ذِكْرُ الْأَقْوَالِ الَّتِي ذَكَرَهَا، وَالصُّوَرِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا هِيَ كُلُّ مَا فِيهِ مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ فَلِأَجْلِ مُرَاعَاةِ تِلْكَ الْمَنْفَعَةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ إذْ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا مُنِعَ بَيْعُ النَّجِسِ؛
لِأَنَّهُ لَا مَنْفَعَةَ فِيهِ أَصْلًا أَوْ فِيهِ مَنْفَعَةٌ مَنَعَ الشَّارِعُ مِنْهَا فَصَارَ وُجُودُهَا كَالْعَدَمِ؛ لِأَنَّ الْمَعْدُومَ شَرْعًا كَالْمَعْدُومِ حِسًّا فَمِنْ تِلْكَ الصُّوَرِ الزِّبْلُ.
وَدَخَلَ تَحْتَ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ كَزِبْلٍ صُوَرٌ أُخَرُ نَجَاسَتُهَا ذَاتِيَّةٌ فِيهَا مَنْفَعَةٌ مِنْهَا الْعَذِرَةُ، وَمِنْهَا عِظَامُ الْمَيْتَةِ وَمِنْهَا جُلُودُ الْمَيْتَةِ،
وَمِنْ الصُّوَرِ أَيْضًا الزَّيْتُ الْمُتَنَجِّسُ، وَكَافُ التَّشْبِيهِ مُقَدَّرَةٌ فِيهِ لِيَدْخُلَ فِيهِ كُلُّ مُتَنَجِّسٍ لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ كَالسَّمْنِ الْمُتَنَجِّسِ، وَالْعَسَلِ الْمُتَنَجِّسِ، وَنَحْوِ ذَلِكَ
أَمَّا الْعَذِرَةُ وَهِيَ رَجِيعُ بَنِي آدَمَ فَنَسَبَ ابْنُ الْحَاجِبِ، وَابْنُ شَاسٍ لِلْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِهَا، وَاَلَّذِي فِي التَّهْذِيبِ الْكَرَاهَةُ
قَالَ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ: كَرِهَ مَالِكٌ بَيْعَ الْعَذِرَةِ لِيُزَبَّلَ بِهَا الزَّرْعُ أَوْ غَيْرُهُ قِيلَ لِابْنِ الْقَاسِمِ فَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي زِبْلِ الدَّوَابِّ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ عِنْدَهُ نَجِسٌ، وَإِنَّمَا كَرِهَ الْعَذِرَةَ؛ لِأَنَّهَا نَجَسٌ،
وَكَذَلِكَ الزِّبْلُ أَيْضًا وَأَنَا لَا أَرَى بِبَيْعِهِ بَأْسًا قَالَ أَشْهَبُ: وَالْمُبْتَاعُ فِي زِبْلِ الدَّوَابِّ أَعْذَرُ مِنْ الْبَائِعِ قَالَ: الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ فِي الْأُمَّهَاتِ قَالَ
وَأَمَّا الرَّجِيعُ فَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَوَقَعَ لَهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ الْمُشْتَرِي أَعْذَرُ مِنْ الْبَائِعِ فِي الرَّجِيعِ أَيْضًا وَيَعْنِي أَعْذَرَ: أَكْثَرَ اضْطِرَارًا،
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا أَعْذَرَ اللَّهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا،
وَقَالَ قَبْلَهُ الشَّيْخُ، وَكَرَاهَةُ بَيْعِ الْعَذِرَةِ عَلَى بَابِهَا انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ ظَاهِرُ اللَّخْمِيّ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى بَابِهَا وَقَالَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّوْضِيحِ: بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ الْمُتَقَدِّمِ فَانْظُرْ كَيْفَ عَبَّرَ بِالْكَرَاهَةِ فِي مَوْضِعَيْنِ نَعَمْ عَبَّرَ أَبُو عِمْرَانَ وَعِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ بِلَا يَجُوزُ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْمُصَنِّفِ، وَلَعَلَّ الَّذِي حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ التَّعْلِيلُ بِالنَّجَاسَةِ انْتَهَى.
وَكَذَلِكَ ابْنُ عَرَفَةَ نَسَبَ الْمَنْعَ لِلْمُدَوَّنَةِ وَيَأْتِي لَفْظُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَا فَهِمَهُ ابْنُ بَشِيرٍ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ، وَالْمَنْعُ مَذْهَبُ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَنَقَلَ اللَّخْمِيّ كَلَامَهُ بِلَفْظِ مَا عَذَرَ اللَّهُ وَاحِدًا مِنْهُمَا، وَأَمْرُهُمَا فِي الْإِثْمِ سَوَاءٌ انْتَهَى.
كَذَا نَقَلَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالْمُصَنِّفُ،
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَا أَعْذَرَ اللَّهُ بِالْأَلِفِ مِنْ بَابِ أَكْرَمَ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ أَيْ مَا قَبِلَ اللَّهُ الْعُذْرَ مِنْ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَنَقَلَ اللَّخْمِيّ أَيْضًا كَلَامَ أَشْهَبَ بِلَفْظِ،
وَقَالَ أَشْهَبُ: فِي الزِّبْلِ، وَالْمُشْتَرِي فِيهِ أَعْذَرُ مِنْ الْبَائِعِ،
وَأَمَّا الْعَذِرَةُ فَلَا خَيْرَ فِيهَا،
وَقَالَ: فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ فِي الْعَذِرَةِ بَيْعُهَا لِلِاضْطِرَارِ وَالْعُذْرِ جَائِزٌ، وَالْمُشْتَرِي أَعْذَرُهُمَا انْتَهَى فَقَوْلُ أَشْهَبَ هَذَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الِاضْطِرَارِ، وَغَيْرِهِ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ فَاعِلَ
قَالَ فِي كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَشْهَبُ،
وَكَذَا فَهِمَ الْمُصَنِّفُ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فَنَسَبَاهُ لَهُ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ أَنَّهُ لِمُحَمَّدٍ،
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: بِجَوَازِ بَيْعِ الْعَذِرَةِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ بَشِيرٍ وَالْمُصَنِّفِ أَنَّهُ قَوْلُهُ هُوَ، وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ عَنْ ابْنِ مُحْرِزٍ أَنَّهُ رَوَاهُ، وَسَيَأْتِي لَفْظُهُ فَتَحَصَّلَ فِي بَيْعِ الْعَذِرَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ: الْمَنْعُ لِمَالِكٍ عَلَى مَا فَهِمَهُ الْأَكْثَرُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ وَلِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَالْكَرَاهَةُ عَلَى مَا فَهِمَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْمُدَوَّنَةِ حَيْثُ
قَالَ: فِي قَوْلِهَا وَكُرِهَ بَيْعُ الْعَذِرَةِ لِيُزَبَّلَ بِهَا الزَّرْعُ أَوْ غَيْرُهُ إلَخْ، وَكَرَاهَةُ بَيْعِ الْعَذِرَةِ عَلَى بَابِهَا انْتَهَى.
وَظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى بَابِهَا، وَالْجَوَازُ لِابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الِاضْطِرَارِ فَيَجُوزُ، وَعَدَمِهِ فَيُمْنَعُ لِأَشْهَبَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ، وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ لِابْنِ الْقَاسِمِ الْجَوَازَ مِنْ إجَازَةِ الزِّبْلِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ بَشِيرٍ بِأَنَّهُ غَيْرُ الْمَقْصُودِ؛ لِأَنَّهُ تَخْرِيجٌ فِي الْأُصُولِ مِنْ الْفُرُوعِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا شِبْهُ الزِّبْلَ فِي الْمَنْعِ، وَيُمْكِنُهُ لَوْ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الْعَذِرَةِ أَنْ يَقُولَ لَا أُجِيزُهُ؛ لِأَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَالزِّبْلُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ،
وَأَشَارَ إلَى هَذَا صَاحِبُ التَّنْبِيهَاتِ قَالَ: وَمَسَاقُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ حِينَ سَاوَى بَيْنَهُمَا فِي النَّجَاسَةِ ثُمَّ أَبَاحَ بَيْعَ الزِّبْلِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْعَذِرَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا الِاخْتِلَافُ فِي نَجَاسَتِهِ انْتَهَى.
وَنَقَلَ فِي التَّوْضِيحِ هَذَا الْفَرْقَ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ: ابْنُ عَرَفَةَ، وَيُفْهَمُ مِنْ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ رَدُّهُ بِأَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ فَارِقًا مَا صَحَّ تَخْرِيجُ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَنْعَ فِي الزِّبْلِ لِمَالِكٍ مِنْ مَنْعِهِ بَيْعَ الْعَذِرَةِ انْتَهَى بِالْمَعْنَى، وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَالضَّمِيرُ فِي رَدِّهِ عَائِدٌ إلَى التَّعَقُّبِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ لِابْنِ بَشِيرٍ لِتَقَدُّمِ الْمَازِرِيِّ عَلَيْهِ،
وَكَذَلِكَ قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: رَدَّ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: تَعَقَّبَ ابْنُ بَشِيرٍ بِقَوْلِهِ هُوَ بِنَاءٌ عَلَى مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ، وَتَرْكُ مُرَاعَاتِهِ لَا يُوجِبُ تَخْطِئَةَ الْأَئِمَّةِ انْتَهَى.
وَهُوَ كَذَلِكَ فِي ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ، وَقَبِلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَرَدَّهُ ابْنُ عَرَفَةَ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ لَا يَصْلُحُ وَحْدَهُ دُونَ كَلَامِ الْمَازِرِيِّ الْمُتَقَدِّمِ رَدًّا؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مَعْنَى كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ أَجَازَ بَيْعَ الزِّبْلِ مَعَ كَوْنِهِ نَجِسًا، وَأَلْغَى كَوْنَ النَّجَاسَةِ مَانِعَةً مِنْ جَوَازِ الْبَيْعِ وَلَمْ يُرَاعِ دَلِيلَ الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ فَيَلْزَمُهُ حِينَئِذٍ إبَاحَةُ الْعَذِرَةِ؛ لِأَنَّهَا حِينَئِذٍ مُسَاوِيَةٌ لِلزِّبْلِ وَهَذَا لَا يَتِمُّ أَعْنِي لَمْ يُرَاعِ دَلِيلَ الْقَوْلِ بِطَهَارَةِ الزِّبْلِ؛
لِأَنَّ دَلِيلَ الْقَوْلِ بِطَهَارَتِهِ مَعْنًى مُنَاسِبٌ لِلْحُكْمِ بَلْ نَجَاسَتُهُ لَا تَمْنَعُ بَيْعَهُ فَجَازَ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْقَاسِمِ اعْتَبَرَهُ فَارِقًا فَلَا يَصِحُّ حِينَئِذٍ أَنْ يَلْزَمَ إبَاحَةُ الْعَذِرَةِ، وَلَا جَوَابَ عَنْ كَوْنِ مَا ذَكَرَهُ أَنَّهُ فَارِقٌ غَيْرُ فَارِقٍ عِنْدَهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَعْزُهُ سِوَى أَنَّهُ لَوْ اُعْتُبِرَ مَا ذَكَرَ فَارِقًا لَمَا صَحَّ لَهُ إلْزَامُ مَالِكٍ مَنْعَ بَيْعِ الزِّبْلِ مِنْ مَنْعِهِ بَيْعَ الْعَذِرَةِ، وَهُوَ كَلَامُ الْمَازِرِيِّ الْمُتَقَدِّمُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ، وَنَصُّ كَلَامِ ابْنِ عَرَفَةَ الْمَوْعُودُ بِهِ فِي نَقْلِ الْخِلَافِ فِي الْعَذِرَةِ،
وَفِي الْعَذِرَةِ ثَلَاثَةٌ فِيهَا مَنْعُهَا ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ أَثَّمَ الْعَاقِدَيْنِ سَوَاءٌ ابْنُ مُحْرِزٍ وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ جَوَازَهُ وَخَرَّجَهُ اللَّخْمِيّ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي إجَازَتِهِ بَيْعِ الزِّبْلِ، وَنُقِلَ عَنْ مُحَمَّدٍ جَوَازُهَا لِلِاضْطِرَارِ وَالْمُشْتَرِي أَعْذَرُ انْتَهَى.
وَأَمَّا الزِّبْلُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: قِيَاسٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى الْعَذِرَةِ فِي الْمَنْعِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِجَوَازِهِ، وَقَوْلُ أَشْهَبَ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ الْمُدَوَّنَةِ الْمُشْتَرِي أَعْذَرُ مِنْ الْبَائِعِ هَكَذَا نَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ، وَنَصُّهُ فِي الزِّبْلِ الثَّلَاثَةُ تَخْرِيجُ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَقَوْلُهُ وَقَوْلُ أَشْهَبَ فِيهَا الْمُشْتَرِي أَعْذَرُ مِنْ الْبَائِعِ انْتَهَى. وَعَلَى مَا فَهِمَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ اللَّخْمِيِّ مِنْ أَنَّ الْكَرَاهَةَ عَلَى بَابِهَا تَكُونُ الْأَقْوَالُ فِيهِ أَيْضًا أَرْبَعَةٌ، وَمَشَى الْمُؤَلِّفُ عَلَى قِيَاسِ ابْنِ الْقَاسِمِ الزِّبْلَ عَلَى الْعَذِرَةِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعَذِرَةَ مَمْنُوعَةٌ بِالْأَحْرَوِيَّةِ، وَجَمَعَ ابْنُ بَشِيرٍ بَيْنَ الْعَذِرَةِ، وَالزِّبْلِ وَحَكَى فِيهِمَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ الْمَنْعُ، وَالْجَوَازُ وَجَعَلَهُمَا شَاذَّيْنِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْعَذِرَةِ فَيُمْنَعُ، وَالزِّبْلِ فَيَجُوزُ عَلَى مَا ارْتَضَاهُ مِنْ رَدِّ تَخْرِيجِ اللَّخْمِيِّ، وَلَمْ يُصَرِّحْ فِيهِ بِمَشْهُورِيَّةٍ، وَلَا تَرْجِيحٍ، وَهَذِهِ هِيَ الْأَقْوَالُ الَّتِي تَقَدَّمَ فِي كَلَامِهِ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا
وَكَذَلِكَ اللَّخْمِيُّ جَمَعَ بَيْنَ الْعَذِرَةِ، وَالزِّبْلِ، وَحَكَى فِيهَا ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ الْجَوَازُ لِابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى مَا خَرَّجَهُ لَهُ فِي الْعَذِرَةِ وَالْكَرَاهَةُ لِمَالِكٍ، وَالْمَنْعُ لِابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، وَهِيَ الْأَقْوَالُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ فِي كَلَامِهِ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا وَاعْلَمْ أَنَّ الْقَوْلَ بِالْمَنْعِ هُوَ الْجَارِي عَلَى أَصْلِ الْمَذْهَبِ فِي الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِ النَّجَاسَاتِ، وَالْقَوْلَ بِالْجَوَازِ لِمُرَاعَاةِ الضَّرُورَةِ،
وَمَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ تَعَارَضَ عِنْدَهُ الْأَمْرَانِ، وَرَأَى أَنَّ أَخْذَ الثَّمَنِ عَنْ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ رَأَى أَنَّ الْعِلَّةَ فِي الْجَوَازِ إنَّمَا هِيَ الِاضْطِرَارُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْقِيقِهَا بِوُجُودِ الِاضْطِرَارِ إلَيْهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[تَنْبِيهٌ بَيْعُ خَثَاءِ الْبَقَر وَبَعْرِ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ] (تَنْبِيهٌ) : قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ إثْرَ الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ: وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ خَثَاءِ الْبَقَرِ، وَبَعْرِ الْغَنَمِ وَالْإِبِلِ قَالَ أَبُو الْحَسَنِ: لِأَنَّهُ عِنْدَهُ طَاهِرٌ،
وَإِنْ كَانَ الشَّافِعِيُّ يُخَالِفُ فِيهِ،
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَجَازَ بَيْعُ إبِلٍ، وَبَقَرٍ وَغَنَمٍ، وَنَحْوِهَا انْتَهَى.
وَقَالَ عِيَاضٌ: صَوَابُهُ خِثْيُ الْبَقَرِ، وَالْجَمْعُ أَخْثَاءٌ انْتَهَى. وَهُوَ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ، وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ، وَآخِرُهُ يَاءٌ تَحْتِيَّةٌ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ قَالَ: وَالْمَصْدَرُ بِالْفَتْحِ تَقُول خَثَى الْبَقَرُ يَخْثُو خَثْيًا،
وَأَمَّا عِظَامُ الْمَيْتَةِ وَقُرُونُهَا، وَأَظْلَافُهَا فَفِي طَهَارَةِ ذَلِكَ، وَنَجَاسَتِهِ خِلَافٌ مَذْكُورٌ فِي الطَّهَارَةِ
وَالْمَشْهُورُ النَّجَاسَةُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ،
وَفِي أَنْيَابِ الْفِيلِ فَيُمْنَع الْبَيْعُ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ هُنَا، وَعِظَامُ الْمَيْتَةِ ثَالِثُهَا يَجُوزُ فِي نَابِ الْفِيلِ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْخِلَافِ فِي الطَّهَارَةِ،
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ نَجِسٌ فَلَا يُبَاعُ انْتَهَى. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ فِي الطَّهَارَةِ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ إنْ وَقَعَ الْبَيْعُ فَإِنْ كَانَتْ الْعِظَامُ أَوْ أَنْيَابُ الْفِيلِ صُلِقَتْ فَلَا يُفْسَخُ إنْ فَاتَ،
وَإِنْ لَمْ تُصْلَقْ فَيُفْسَخُ، وَلَوْ فَاتَ انْتَهَى. وَهَذَا عَلَى قَوْلِهِ إنَّهَا تَطْهُرُ بِالصَّلْقِ فَعَلَى الْمَشْهُورِ يَكُونُ الْحُكْمُ وَاحِدًا قَبْلَ الصَّلْقِ وَبَعْدَهُ،
وَكَذَلِكَ جُلُودُ الْمَيْتَةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا،
وَإِنْ دُبِغَتْ، وَقِيلَ يَجُوزُ وَقَالَ فِي التَّوْضِيحِ: الْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ لِابْنِ وَهْبٍ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ بَعْدَ الدَّبْغِ بِشَرْطِ الْبَيَانِ انْتَهَى. وَنَقَلَ ابْنُ عَرَفَةَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بَعْدَ الدَّبْغِ،
وَأَمَّا قَبْلَهُ فَنَقَلَ فِي ذَلِكَ طَرِيقَيْنِ الْأُولَى ابْنُ حَارِثٍ لَا يَجُوزُ اتِّفَاقًا الثَّانِيَةُ لِابْنِ رُشْدٍ فِي جَوَازِ الْبَيْعِ، وَالِانْتِفَاعِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ الْجَوَازُ فِيهِمَا لِابْنِ وَهْبٍ مَعَ قِيَامِهِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي صَابُونٍ طُبِخَ بِزَيْتٍ وَقَعَتْ فِيهِ فَأْرَةٌ الثَّانِي الْمَنْعُ فِيهِمَا، وَهُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَرِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ، وَقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالثَّالِثُ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ لَا الْبَيْعُ وَهُوَ رِوَايَةٌ لِابْنِ الْقَاسِمِ فِي جَامِعِ الْعُتْبِيَّةِ، وَمَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ الْمَنْعُ مِنْ بَيْعِ ذَلِكَ كُلِّهِ
قَالَ فِي الْبُيُوعِ الْفَاسِدَةِ مِنْهَا: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مَيْتَةٍ، وَلَا جِلْدِهَا،
وَإِنْ دُبِغَ، وَلَا يُؤَاجَرُ بِهَا عَلَى طَرْحِهَا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ بَيْعٌ ثُمَّ قَالَ: وَلَا أَرَى أَنْ تُشْتَرَى عِظَامُ الْمَيْتَةِ، وَلَا تُبَاعَ، وَلَا أَنْيَابُ الْفِيلِ، وَلَا يُتَّجَرُ بِهَا، وَلَا يُمْتَشَطُ، وَلَا يُدَّهَنُ بِمَدَاهِنِهَا اهـ.
وَأَمَّا الْكَلَامُ عَلَى طَهَارَتِهَا، وَجَوَازِ اسْتِعْمَالِهَا فَمَحِلُّهُ كِتَابُ الطَّهَارَةِ.
[فُرُوعٌ الْأَوَّلُ بَيْعُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ] (فُرُوعٌ الْأَوَّلُ) : عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ جِلْدِ الْمَيْتَةِ،
وَإِنْ دُبِغَ قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ سَمِعَ عِيسَى ابْنَ الْقَاسِمِ: لَوْ اشْتَرَى بِثَمَنِهِ غَنَمًا فَنَمَتْ ثُمَّ تَابَ تَصَدَّقَ بِالثَّمَنِ لَا الْغَنَمِ عِيسَى إنْ وَجَدَ بَائِعَهُ أَوْ وَارِثَهُ رَدَّ إلَيْهِ، وَإِلَّا تَصَدَّقَ بِهِ فَإِنْ جَاءَ مُسْتَحِقُّهُ خُيِّرَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ، وَالثَّمَنِ كَمَا فِي اللُّقَطَةِ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ يَتَصَدَّقُ بِالثَّمَنِ اسْتِحْسَانٌ، وَقِيَاسُ قَوْلِهِ، وَرِوَايَتِهِ جَوَازُ الِانْتِفَاعِ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ، وَإِغْرَامُ مُسْتَهْلِكِهَا قِيمَتَهَا صَدَقَةً بِفَضْلِ الثَّمَنِ عَلَى قِيمَةِ الِانْتِفَاعِ بِهَا؛ لِأَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ عَلَى مَتَاعِهَا بِقِيمَةِ الِانْتِفَاعِ يُقَاصُّهُ بِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛
لِأَنَّ الْغَلَّةَ إنَّمَا تَكُونُ لِلْمُبْتَاعِ بِالضَّمَانِ، وَهُوَ لَا يَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ وَقَوْلُ عِيسَى يُرَدُّ الثَّمَنُ الصَّوَابُ فَضْلُهُ،
وَيَلْزَمُ الْمُشْتَرِي إنْ بَاعَهَا مَا لَزِمَ الْبَائِعَ (قُلْت) : لَعَلَّ قَوْلَهُ يَتَصَدَّقُ بِكُلِّ الثَّمَنِ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ انْتِفَاعِ الْمُبْتَاعِ بِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي ابْتِدَالِ رُءُوسِ الضَّحَايَا اهـ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي رَسْمِ أَمْكَنَنِي مِنْ سَمَاعِ عِيسَى مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ، وَقَوْلُ عِيسَى لَيْسَ
بِخِلَافٍ لِابْنِ الْقَاسِمِ إنَّمَا هُوَ تَبْيِينٌ لَهُ كَذَا بَيَّنَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ الْمَسْأَلَةِ، وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَرَفَةَ نَحْوَهُ لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَنَصُّهُ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ ابْنِ رُشْدٍ غَيْرُ مَعْزُوٍّ لَهُ
قُلْت: إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي سِوَى الْغَلَّةِ خَاصَّةً فَلَعَلَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُ فِي الرِّوَايَةِ بِالتَّصَدُّقِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ الْمُشْتَرِي هَلْ انْتَفَعَ بِالْجِلْدِ وَاغْتَلَّهُ أَمْ لَا؟ ،
وَإِنْ كَانَ انْتَفَعَ بِهِ فَمَا مِقْدَارُ الْمَنْفَعَةِ فَأَمَرَهُ بِالتَّصَدُّقِ لِهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[الفرع الثَّانِي بَيْعِ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ الْوَحْشِيِّ] (الثَّانِي) : قَالَ فِي رَسْمِ الْجَامِعِ مِنْ سَمَاعِ أَصْبَغَ مِنْ كِتَابِ الْبُيُوعِ: وَسَمِعْتُ ابْنَ الْقَاسِمِ يَقُولُ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ شَعْرِ الْخِنْزِيرِ الْوَحْشِيِّ، وَهُوَ كَصُوفِ الْمَيْتَةِ كَذَلِكَ رَوَاهَا أَبُو زَيْدٍ عَنْ أَصْبَغَ هَذَا خَطَأٌ لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ لَيْسَ كَصُوفِ الْمَيْتَةِ، وَلَا حَقَّ لِبَائِعِهِ، وَهَلْ مِثْلُ الْمَيْتَةِ الْخَالِصَةِ أَوْ أَشَدُّ كُلُّ شَيْءٍ مِنْهُ حَرَامٌ حَيٌّ، وَمَيِّتٌ، وَصُوفُ الْمَيْتَةِ إنَّمَا حَلَّ؛ لِأَنَّهُ حَلَالٌ مِنْهَا، وَهِيَ حَيَّةٌ، وَشَعْرُ الْخِنْزِيرِ لَيْسَ بِحَلَالٍ حَيًّا، وَلَا مَيِّتًا، وَلَا يُبَاعُ، وَلَا يُؤْكَلُ ثَمَنُهُ.
وَلَا تَجُوزُ التِّجَارَةُ فِيهِ، وَالْكَلْبُ أَحَلُّ مِنْهُ، وَأَطْهُرُ، وَثَمَنُهُ لَا يَحِلُّ قَدْ حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ نَهَى عَنْ ثَمَنِهِ ابْنُ رُشْدٍ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الصَّحِيحُ عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ فِي أَنَّ الشَّعْرَ لَا تُحِلُّهُ الرُّوحُ، وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَخْذُهُ مِنْ الْحَيِّ، وَالْمَيِّتِ كَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ أَوْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَبَنِي آدَمَ، وَالْخَيْلِ، وَالْبِغَالِ وَالْقُرُودِ الَّتِي أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ لُحُومُهَا أَوْ مِمَّا يُكْرَهُ أَكْلُ لَحْمِهِ كَالسِّبَاعِ، فَوَجَبَ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنْ يَكُونَ شَعْرُ الْخِنْزِيرِ طَاهِرُ الذَّاتِ أُخِذَ مِنْهُ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا تَحِلُّ الصَّلَاةُ بِهِ وَبَيْعُهُ، وَقَوْلُ أَصْبَغَ لَيْسَ بِبَيِّنٍ، وَقِيَاسُهُ فَاسِدٌ، وَقَوْلُهُ وَالْكَلْبُ إلَخْ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إذْ يَحْرُمُ ثَمَنُهُ لِنَجَاسَتِهِ إذْ لَيْسَ بِنَجِسٍ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ فِي جُبٍّ، وَخَرَجَ مِنْهُ لَمْ يَتَنَجَّسْ ذَلِكَ الْمَاءُ بِإِجْمَاعٍ وَقَدْ حَرَّمَ الشَّرْعُ أَثْمَانَ كَثِيرٍ مِنْ الطَّاهِرَاتِ كَالْحُرِّ، وَلَحْمِ النُّسُكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اهـ.
وَقَالَ فِي الشَّامِلِ: وَجَازَ بَيْعُ صُوفِهَا كَشَعْرِ خِنْزِيرٍ خِلَافًا لِأَصْبَغَ اهـ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ [الفرع الثَّالِث بَيْعُ مُصْحَفٍ كُتِبَ مِنْ دَوَاةٍ مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ] (الثَّالِثُ) : تَقَدَّمَ أَنَّهُ دَخَلَ تَحْتَ كَافِ التَّشْبِيهِ الْمُقَدَّرَةِ فِي قَوْلِهِ، وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ كُلُّ زَيْتٍ مُتَنَجِّسٍ لَا يَقْبَلُ التَّطْهِيرَ، وَمِنْهُ مَا ذَكَرَهُ الْبُرْزُلِيُّ عَنْ أَحْكَامِ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ،
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ مُصْحَفٍ كُتِبَ مِنْ دَوَاةٍ مَاتَتْ فِيهَا فَأْرَةٌ وَتَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ مَا يُفْعَلُ فِيهِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ خَرَجَ بِقَوْلِهِ، وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ مَا كَانَتْ نَجَاسَتُهُ عَارِضَةٌ وَيُمْكِنُ زَوَالُهَا،
وَأَنَّ النَّجَاسَةَ الْعَارِضَةَ لَا تَمْنَعُ الْبَيْعَ،
وَأَنَّ ذَلِكَ يُفْهَمُ مِنْ تَمْثِيلِ الْمُؤَلِّفِ لِلنَّجِسِ الْمَمْنُوعِ بِالزِّبْلِ وَالزَّيْتِ النَّجِسِ،
وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ غَازِيٍّ فِي قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ: وَزَيْتٍ تَنَجَّسَ خَرَجَ بِهِ نَحْوُ ثَوْبٍ تَنَجَّسَ مِمَّا نَجَاسَتُهُ عَارِضَةٌ وَزَوَالُهَا مُمْكِنٌ،
وَيَجِبُ تَبْيِينُهُ إذَا كَانَ الْغَسْلُ يُفْسِدُهُ اهـ. وَذَكَرَ أَبُو عِمْرَانَ الزَّنَانِيُّ فِي مَسَائِلِ الْبُيُوعِ لَهُ أَنَّ مِنْ عُيُوبِ الثَّوْبِ كَوْنَهُ نَجِسًا، وَهُوَ جَدِيدٌ فَإِنَّهُ يُوجِبُ الرَّدَّ اهـ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ اللَّخْمِيُّ قَالَ: لِأَنَّ الْمُشْتَرِي يَجِبُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهِ جَدِيدًا قَالَ سَنَدٌ: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ لَبِيسًا يَنْقُصُ بِالْغَسْلِ كَالْعِمَامَةِ وَالثَّوْبِ الرَّفِيعِ،
وَالْخُفِّ قَالَ: وَإِنْ كَانَ لَا يُنْقِصُ مِنْ ثَمَنِهِ فَلَيْسَ عَيْبًا قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الصَّلَاةِ بِثِيَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ وَتَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي شَرْحِ قَوْلِهِ، وَلَا يُصَلِّي بِلِبَاسِ كَافِرٍ
قُلْت: وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ التَّبْيِينِ، وَإِنْ كَانَ لَا يُفْسِدُهُ الْغَسْلُ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيْبًا خَشْيَةَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ مُشْتَرِيهِ خُصُوصًا إذَا كَانَ بَائِعُهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الطَّهَارَةِ.
[الفرع الرَّابِع بَيْعِ قَاعَةِ الْمِرْحَاضِ] (الرَّابِعُ) : قَالَ الْبُرْزُلِيُّ فِي مَسَائِلِ الْغَرَرِ: سُئِلَ الصَّائِغُ عَنْ بَيْعِ قَاعَةِ الْمِرْحَاضِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إلَّا مَا يُجْتَمَعُ فِيهِ لِحَاجَةِ الْمُشْتَرِي إلَيْهِ وَهَلْ يَطِيبُ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ فَأَجَابَ الْبَيْعُ فِي الْبَيْتِ لَا يُرَدُّ قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: قُلْت ظَاهِرُهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّهُ تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْدَ الْوُقُوعِ فَيَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي فِيهِ، وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْجَوَازُ لِأَنَّ الْمَبِيعَ إنَّمَا هُوَ الْقَاعَةُ وَلَوَاحِقُهَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ كَمَالِ الْعَبْدِ، وَحِلْيَةِ السَّيْفِ الَّتِي النَّصْلُ تَبَعٌ لَهَا، وَبَيْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ بُدُوِّ صَلَاحِهَا تَابِعَةً لِأَصْلِهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَمِنْهُ مَسْأَلَةُ شَيْخِنَا فِي بَيْعِ الْفَدَّانِ الَّذِي لَهُ مَسَاقٍ، وَلَوْلَا هِيَ لَمَا كَانَتْ لَهُ قِيمَةٌ يُعَوَّلُ عَلَيْهَا انْتَهَى.
قُلْت: الظَّاهِرُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْمَنْعُ ابْتِدَاءً؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الصَّفْقَةِ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ،
وَأَمَّا بَعْدَ الْوُقُوعِ فَيَمْضِي عَلَى مَا قَالَ مُرَاعَاةً لِلْخِلَافِ فَتَأَمَّلْهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
[مَسْأَلَةٌ أَكْرَى أَرْضَهُ بِمَائِهَا وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِي أَحْمَالًا مِنْ الزِّبْلِ مَعْلُومَةً] ،
وَفِي مَسَائِلِ الْإِجَارَةِ مِنْهُ سُئِلَ السُّيُورِيُّ عَمَّنْ أَكْرَى أَرْضَهُ بِمَائِهَا، وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يُعْطِيَ أَحْمَالًا مِنْ الزِّبْلِ مَعْلُومَةً لِلْأَرْضِ الْمُكْتَرَاةِ فَأَجَابَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إذَا كَانَتْ عَذِرَةً أَوْ هِيَ مَعَ غَيْرِهَا، وَعَقَدَ عَلَى الْجَمِيعِ عَقْدًا وَاحِدًا قَالَ الْبُرْزُلِيُّ: هَذَا يَجْرِي عَلَى الْخِلَافِ فِي بَيْعِ الزِّبْلِ، وَالْعَذِرَةِ مِمَّنْ يُجِيزُهُ أَوْ يُكْرِهُهُ فَكَذَا هُنَا وَيُحْتَمَلُ الْأَمْرُ مَعَ الْمَنْعِ هُنَا؛ لِأَنَّهُ هُنَا تَابِعٌ لِلْكِرَاءِ فَهُوَ أَضْعَفُ، وَهُوَ عِنْدِي ظَاهِرٌ الْمُدَوَّنَةُ مِنْ قَوْلِهِ إذَا اكْتَرَى أَرْضًا عَلَى أَنْ يُكْرِبَهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَزْرَعَهَا الْكِرَابَ الرَّابِعَ جَازَ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يُزَبِّلَهَا إنْ كَانَ الَّذِي يُزَبِّلُهَا بِهِ شَيْئًا مَعْرُوفًا فَظَاهِرُهَا الْعُمُومُ
إمَّا الْجَوَازُ مُطْلَقًا أَوْ؛ لِأَنَّهَا تَبَعٌ لِمَا يُبَاحُ بَيْعُهُ، وَالْعُرْفُ الْيَوْمَ عَلَى الْجَوَازِ انْتَهَى.
وَمَسْأَلَةُ الْمُدَوَّنَةِ فِي أَوَاخِرِ أَكْرِيَةِ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ مِنْهَا، وَنَقَلَهَا الْمُصَنِّفُ فِي فَصْلِ كِرَاءِ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ، وَقَوْلُهُ يَكْرُبَهَا بِضَمِّ الرَّاءِ، وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَكْرِيبُ الْأَرْضِ تَطْيِيبُهَا، وَإِثَارَتُهَا لِلْحَرْثِ وَالزِّرَاعَةِ، وَهُوَ الْكَرَابُ بِفَتْحِ الْكَافِ،
وَأَمَّا الزَّيْتُ النَّجِسُ، وَشِبْهُهُ فَيُمْنَعُ بَيْعُهُ قَالَ ابْنُ شَاسٍ: عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ، وَعَلَى ذَلِكَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُهُ إلَّا ابْنَ وَهْبٍ انْتَهَى
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَصَرَّحَ الْمَازِرِيُّ بِمَشْهُورِيَّتِهِ وَمُقَابِلُهُ رِوَايَةٌ وَقَعَتْ لِمَالِكٍ كَانَ يُفْتِي بِهَا ابْنُ اللَّبَّادِ وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ بِجَوَازِ بَيْعِهِ لِغَيْرِ الْمُسْلِمِ انْتَهَى.
(ص) وَشُرِطَ لِلْمَعْقُودِ عَلَيْهِ طَهَارَةٌ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ثَمَنًا أَوْ مُثَمَّنًا طَهَارَتُهُمَا فَاللَّامُ بِمَعْنَى فِي فَإِنْ قِيلَ إجَازَةُ بَيْعِ الثَّوْبِ الْمُتَنَجِّسِ يُنَافِي اشْتِرَاطَ الطَّهَارَةِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ الطَّهَارَةُ الْأَصْلِيَّةُ وَمَا عَرَضَ عَلَيْهَا مِمَّا يُمْكِنُ إزَالَتُهُ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الطَّهَارَةِ الْأَصْلِيَّةِ لَكِنَّهُ يَجِبُ تَبْيِينُهُ عِنْدَ الْبَيْعِ كَانَ الْغَسْلُ يُفْسِدُهُ أَوْ لَا كَانَ يُنْقِصُهُ أَوْ لَا كَانَ الْمُشْتَرِي يُصَلِّي أَمْ لَا كَانَ لَبِيسًا أَمْ لَا كَمَا جَزَمَ بِهِ ح فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ كَالزَّيْتِ الْمُتَنَجِّسِ فَلَا يَصِحُّ بَيْعُهُ كَمَا قَالَهُ الْمُؤَلِّفُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ كَانَ لَبِيسًا) عَلَى وَزْنِ كَرِيمٍ كَمَا أَفَادَهُ الْمِصْبَاحُ أَيْ مَلْبُوسًا كَثِيرًا خِلَافًا لِمَا يَتَبَادَرُ مِنْ الشَّارِحِ مِنْ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقِرَاءَتُهُ بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ مَكْسُورَةً خَطَأٌ
(قَوْلُهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْحَطَّابُ) قَالَهُ اسْتِظْهَارًا وَلَفْظُهُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ مَا نَقَلَهُ وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ التَّبْيِينِ،
وَلَوْ كَانَ لَا يُفْسِدُهُ الْغَسْلُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَيْبًا خَشْيَةَ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ خُصُوصًا إذَا كَانَ بَائِعُهُ مِمَّنْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَحْمِلُهُ عَلَى الطَّهَارَةِ اهـ.
وَفِي تت الصَّغِيرِ مَا نَصُّهُ،
وَأَمَّا مَا نَجَاسَتُهُ عَارِضَةٌ وَيُمْكِنُ زَوَالُهَا كَالثَّوْبِ يَقَعُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ فَجَائِزٌ بَيْعُهُ،
وَيَجِبُ بَيَانُهُ إنْ كَانَ الْغَسْلُ يُفْسِدُهُ أَوْ كَانَ مُشْتَرِيهِ مُصَلِّيًا وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ تَضْعِيفُهُ
(الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ) ثَمَنًا كَانَ أَوْ مُثَمَّنًا (طَهَارَةٌ) حَاصِلَةٌ بِالْفِعْلِ أَوْ يُمْكِنُ حُصُولُهَا كَثَوْبٍ تَنَجَّسَ مَعَ الِاخْتِيَارِ،
وَأَمَّا مَعَ الِاضْطِرَارِ الْمُبِيحِ لِأَكْلِ الْمَيْتَةِ وَشُرْبِ النَّجِسِ فَلَا تُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ لَا بِالْفِعْلِ وَلَا بِالْقُوَّةِ، فَ
وأشار المص إلى المعقود عليه بقوله: وشرط للمعقود عليه طهارة؛ يعني أنه يشترط في المعقود عليه ثمنا أو مثمنا أن يكون طاهرا أو يمكن تطهيره كالثوب المتنجس بدليل ما يأتي، وذكر المؤلف للمعقود عليه خمسة شروط، الأول: الطهارة واحترز به من النجس كما قال: لا كزبل؛ يعني أن الزبل ونحوه مما كانت نجاسته ذاتية لا يجوز بيعه، فالكاف مدخلة لما كانت نجاسته ذاتية كالميتة ولحم الخنزير، ومثل النجاسة الذاتية ما لا يمكن تطهيره كزيت تنجس، ونحوه مما قدمه بقوله: ولا يطهر زيت خولط ولحم طبخ وزيتون ملح لخ، وكاللبن والعسل المتنجسين؛
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.