فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبيرالدردير

(كَوَرِعٍ) وَهُوَ مَنْ يَتْرُكُ الشُّبُهَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ (غَنِيٍّ) أَيْ ذِي مَالٍ يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ مِنْهُ لِأَنَّ الْغِنَى مَظِنَّةُ التَّنَزُّهِ وَتَرْكِ الطَّمَعِ خُصُوصًا إذَا انْضَمَّ لَهُ وَرَعٌ (حَلِيمٍ) لَيْسَ سَيِّئَ الْأَخْلَاقِ فَإِنَّ سُوءَ الْخُلُقِ مَنْشَأٌ لِلظُّلْمِ وَأَذِيَّةِ النَّاسِ (نَزِهٍ) أَيْ كَامِلِ الْمُرُوءَةِ بِتَرْكِ مَا لَا يَلِيقُ مِنْ سَفَاسِفِ الْأُمُورِ. (نَسِيبٍ) أَيْ مَعْرُوفِ النَّسَبِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قُرَشِيًّا لِئَلَّا يَتَسَارَعَ النَّاسُ لِلطَّعْنِ فِيهِ كَابْنِ الزِّنَا وَاللِّعَانِ (مُسْتَشِيرٍ) لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْمَسَائِلِ فَلَا يَسْتَقِلُّ بِرَأْيِهِ،

٤٬٤٣٨

وَإِنْ مُجْتَهِدًا؛ لِأَنَّ الصَّوَابَ لَا يَتَقَيَّدُ بِهِ بَلْ رُبَّمَا ظَهَرَ الصَّوَابُ عَلَى يَدِ جَاهِلٍ. (بِلَا دَيْنٍ) عَلَيْهِ لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ بِهِ عِنْدَ النَّاسِ. (وَ) بِلَا (حَدٍّ) أَيْ يُنْدَبُ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْدُودًا فِي زِنًا، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ شُرْبٍ أَوْ سَرِقَةٍ، أَوْ غَيْرِهَا؛ لِأَنَّ رُتْبَتَهُ أَحَطُّ مِنْ رُتْبَةِ الْمَدِينِ عِنْدَ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ الْمَوْضُوعُ أَنَّهُ تَابَ.

حاشية الدسوقيالدسوقي، حاشية على الشرح الكبير

(قَوْلُهُ: وَهُوَ مَنْ يَتْرُكُ إلَخْ) أَيْ

١٣٬١١٨

وَأَمَّا الْأَوْرَعُ فَهُوَ مَنْ يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الْغِنَى مَظِنَّةُ إلَخْ) أَيْ وَلِهَذَا كَانَ وُجُودُ الْمَالِ عِنْدَ ذَوِي الدِّينِ زِيَادَةٌ لَهُمْ فِي الْخَيْرِ لَا سِيَّمَا مَنْ نَصَبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ.

(قَوْلُهُ: بِتَرْكِ) أَيْ بِسَبَبِ تَرْكِهِ مَا لَا يَلِيقُ فَلَا يَصْحَبُ الْأَرْذَالَ وَلَا يَجْلِسُ مَجَالِسَ السُّوءِ وَلَا يَتَعَاطَى مُحَقَّرَاتِ الْأُمُورِ.

(قَوْلُهُ: نَسِيبٍ) ظَاهِرُهُ أَنَّ تَوْلِيَةَ غَيْرِ النَّسِيبِ جَائِزَةٌ سَوَاءٌ كَانَ انْتِفَاءُ نَسَبِهِ مُحَقَّقًا أَمْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ رُشْدٍ مِنْ الصِّفَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ أَنْ يَكُونَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ لَيْسَ بِابْنِ لِعَانٍ اهـ وَحِينَئِذٍ فَتَجْوِيزُ سَحْنُونٍ تَوْلِيَةَ وَلَدِ الزِّنَا مُوَافِقٌ لِلْمَذْهَبِ زَادَ وَلَكِنْ لَا يَحْكُمُ فِي الزِّنَا لِعَدَمِ شَهَادَتِهِ فِيهِ.

(قَوْلُهُ: مُسْتَشِيرٍ لِأَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْمَسَائِلِ) أَيْ الدَّقِيقَةِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا

١٣٬١١٩

وَأَمَّا الَّتِي فِيهَا النَّصُّ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَحَكَمَ بِقَوْلِ مُقَلَّدِهِ قَالَهُ شَيْخُنَا الْعَدَوِيُّ قَالَ بْن إنْ حُمِلَ قَوْلُهُ بَعْدُ " وَأَحْضَرَ الْعُلَمَاءَ وَشَاوَرَهُمْ عَلَى الْوُجُوبِ كَانَ مُخَالِفًا لِهَذَا وَإِنْ حُمِلَ عَلَى النَّدْبِ كَانَ تَكْرَارًا مَعَ هَذَا وَيُمْكِنُ أَنْ يُخْتَارَ الثَّانِي وَالْمُرَادُ أَنْ يُوَلَّى مَنْ شَأْنُهُ الِاسْتِشَارَةُ وَعُرِفَ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ بِرَأْيِهِ فِي الْأُمُورِ وَالْآتِي مَعْنَاهُ يُنْدَبُ لَهُ بَعْدَ تَوْلِيَتِهِ الْعَمَلُ بِذَلِكَ الشَّأْنِ فِي كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ، أَوْ يُخْتَارَ الْأَوَّلُ وَالْمَعْنَى وَنُدِبَ تَوْلِيَةُ مَنْ شَأْنُهُ الِاسْتِشَارَةُ لِلْعُلَمَاءِ وَمَعْنَى الْآتِي وَوَجَبَ عَلَيْهِ بَعْدَ التَّوْلِيَةِ الْعَمَلُ بِهَذَا الشَّأْنِ فِي كُلِّ أَمْرٍ مُهِمٍّ يَحْتَاجُ لِدِقَّةِ النَّظَرِ فِيهِ فَتَدَبَّرْ.

(قَوْلُهُ: بِلَا دَيْنٍ) لَا يُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُهُ " غَنِيٍّ " لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَنِيًّا بِأَشْيَاءَ إنَّمَا تَأْتِي لَهُ عِنْدَ تَمَامِ عَامٍ فَيَحْتَاجُ لِلدَّيْنِ فَذَكَرَ هُنَا أَنَّ مِنْ مَنْدُوبَاتِهِ كَوْنَهُ بِلَا دَيْنٍ.

.

(قَوْلُهُ: أَيْ يُنْدَبُ أَنْ لَا يَكُونَ مَحْدُودًا إلَخْ) عُلِمَ مِنْهُ أَنَّ تَوْلِيَةَ الْمَحْدُودِ جَائِزَةٌ وَأَنَّ حُكْمَهُ نَافِذٌ

١٣٬١٢٠

وَظَاهِرُهُ قَضَى فِيمَا حُدَّ فِيهِ، أَوْ فِي غَيْرِهِ

١٣٬١٢١

بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَلَوْ تَابَ وَتُقْبَلُ فِي غَيْرِهِ إذَا تَابَ وَإِلَّا فَلَا وَالْفَرْقُ بَيْنَ كَوْنِ الْقَضَاءِ يُقْبَلُ مِنْ الْقَاضِي فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الشَّاهِدِ فِي ذَلِكَ اسْتِنَادُ الْقَاضِي لِبَيِّنَةٍ

١٣٬١٢٢

بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فَبَعُدَتْ التُّهْمَةُ فِي الْقَاضِي دُونَ الشَّاهِدِ.

(قَوْلُهُ: وَإِنْ كَانَ الْمَوْضُوعُ إلَخْ) الْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ مَوْضُوعَ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ تَابَ أَيْ إنَّ مَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ نَدْبِ كَوْنِهِ غَيْرَ مَحْدُودٍ حَكَمَ فِيمَا حُدَّ فِيهِ أَمْ لَا مَوْضُوعُهُ أَنَّهُ تَابَ مِمَّا حُدَّ فِيهِ بِالْفِعْلِ وَإِلَّا كَانَ فَاسِقًا لَا تَصِحُّ تَوْلِيَتُهُ.

مواهب الجليلالحطاب

ص (كَوَرَعٍ نَزِهٍ) ش: الْفَرْقُ بَيْنَ الْوَرِعِ وَالنَّزِهِ أَنَّ الْوَرِعَ هُوَ التَّارِكُ لِلشُّبُهَاتِ، قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: وَفَائِدَةُ كَوْنِهِ وَرِعًا ظَاهِرَةٌ وَهُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِذَلِكَ وَالنَّزِهُ هُوَ الَّذِي لَا يَطْمَعُ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ،

٢٩٬٥٦١

قَالَ فِي الْمُقَدِّمَاتِ: رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فِي صِفَاتِ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ عَالِمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ذَا نَزَاهَةٍ عَنْ الطَّمَعِ، انْتَهَى.

٢٩٬٥٦٢

وَفِي الذَّخِيرَةِ، قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ: لَا يَأْتِي بِمَا نُصِبَ لَهُ حَتَّى يَكُونَ ذَا نَزَاهَةٍ وَنَصِيحَةٍ وَرَحْمَةٍ وَصَلَابَةٍ لِيُفَارِقَ بِالنَّزَاهَةِ التَّشَوُّفَ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ وَبِالنَّصِيحَةِ لِيُفَارِقَ حَالَ مَنْ يُرِيدُ الظُّلْمَ وَلَا يُبَالِي بِوُقُوعِ الْغِشِّ وَالْغَلَطِ وَالْخَطَإِ وَبِالرَّحْمَةِ حَالَ الْقَاسِي الَّذِي لَا يَرْحَمُ الصَّغِيرَ وَالْيَتِيمَ وَالْمَظْلُومَ وَبِالصَّلَابَةِ حَالَ مَنْ يَضْعُفُ عَنْ اسْتِخْرَاجِ الْحُقُوقِ، انْتَهَى. ص (غَنِيٍّ) ش: قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِالْغَنِيِّ عَنْ عَدَمِ الدَّيْنِ فَإِنَّ وُجُودَ الدَّيْنِ مَعَ الْغِنَى رُبَّمَا يَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ الدَّيْنِ لَا أَثَرَ لَهُ، انْتَهَى.

٢٩٬٥٦٣

قَالَ فِي التَّوْضِيحِ خَلِيلٌ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ، انْتَهَى.

٢٩٬٥٦٤

وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ: وَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ فَقِيرًا وَهُوَ أَعْلَمُ مَنْ فِي الْبَلَدِ وَأَرْضَاهُمْ اسْتَحَقَّ الْقَضَاءَ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْلِسَ حَتَّى يَغْنَى وَيَقْضِيَ دَيْنَهُ، قَالَ الْمَازِرِيُّ: وَهَذَا مِنْ الْمَصْلَحَةِ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَعَاهُ فَقْرُهُ إلَى اسْتِمَالَةِ الْأَغْنِيَاءِ وَالضَّرَاعَةِ لَهُمْ وَتَمْيِيزِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِالْإِكْبَارِ إذَا تَخَاصَمُوا مَعَ الْفُقَرَاءِ فَإِذَا كَانَ غَنِيًّا بَعُدَ عَنْ ذَلِكَ، انْتَهَى. مِنْ تَبْصِرَةِ ابْنِ فَرْحُونٍ وَنَقَلَهُ غَيْرُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

٢٩٬٥٦٥

(تَنْبِيهٌ) زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنْ يَكُونَ بَلَدِيًّا وَلَا يَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَالْمُصَنِّفُ إنَّمَا تَرَكَ الْأَوَّلَ؛ لِأَنَّ ابْنَ رُشْدٍ وَابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ، قَالَا: إنَّ الْوُلَاةَ الْيَوْمَ يُرَجِّحُونَ غَيْرَ الْبَلَدِيِّ عَلَى الْبَلَدِيِّ وَتَرَكَ الثَّانِيَ؛ لِأَنَّهُ،

٢٩٬٥٦٦

قَالَ فِي التَّوْضِيحِ تَبَعًا لِابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنْ لَوْمَةِ اللَّائِمِ رَاجِعٌ إلَى الْفِسْقِ، انْتَهَى. ص (نَسِيبٍ) ش: قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ، قَالَ سَحْنُونٌ: وَلَا بَأْسَ بِوِلَايَةِ وَلَدِ الزِّنَا وَلَا يَحْكُمُ فِي حَدٍّ، قَالَ الْبَاجِيُّ: الْأَظْهَرُ مَنْعُهُ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَوْضِعُ رِفْعَةٍ فَلَا يَلِيهَا وَلَدُ الزِّنَا كَالْإِمَامَةِ الصَّقَلِّيُّ عَنْ أَصْبَغَ لَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَفْتَى مَنْ حُدَّ فِي الزِّنَا إذَا تَابَ وَرُضِيَتْ حَالُهُ أَوْ كَانَ عَالِمًا

٢٩٬٥٦٧

وَيَجُوزُ حُكْمُهُ فِي الزِّنَا وَإِنْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَحْوِطَ يَجُوزُ حُكْمُهُ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِجَوْرٍ أَوْ خَطَإٍ وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ وَعَزَاهُ الْبَاجِيُّ لِأَصْبَغَ، انْتَهَى. ص (بِلَا دَيْنٍ وَحَدٍّ) ش،

٢٩٬٥٦٨

قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَجَوَّزَ أَصْبَغُ حُكْمَهُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَمَنَعَهُ سَحْنُونٌ قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ، انْتَهَى.

التاج والإكليلالمواق

(كَوَرَعٍ غَنِيٍّ حَلِيمٍ نَزْهٍ نَسِيبٍ مُسْتَشِيرٍ بِلَا دَيْنٍ وَحُرٍّ) ابْنُ رُشْدٍ لِلْقَضَاءِ خِصَالٌ مُسْتَحَبَّةٌ

١١٬٥٨١

وَيُسْتَحَبُّ لِعَدَمِهَا زِيَادَةُ عَزْلِهِ وَهِيَ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ وَرِعًا، غَنِيًّا، لَيْسَ بِمُحْتَاجٍ وَلَا مِدْيَانٍ، مَعْرُوفَ النَّسَبِ، جَزْلًا نَافِذًا فَطِنًا غَيْرَ مَخْدُوعٍ لِغَفْلَةٍ وَلَا مَحْدُودٍ فِي زِنًا وَلَا قَذْفٍ وَلَا مَقْطُوعٍ فِي سَرِقَةٍ.

١١٬٥٨٢

قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: وَأَنْ يَكُونَ ذَا نَزَاهَةٍ عَنْ الطَّمَعِ مُسْتَخِفًّا بِالْأَئِمَّةِ، يُرِيدُ أَنَّهُ يُدِيرُ الْحَقَّ عَلَى مَنْ دَارَ عَلَيْهِ وَلَا يُبَالِي بِمَنْ لَامَهُ عَلَى ذَلِكَ، حَلِيمًا عَنْ الْخَصْمِ مُسْتَشِيرًا لِأُولِي الْعِلْمِ

شرح الخرشيالخرشي

(ص) كَوَرِعٍ غَنِيٍّ حَلِيمٍ نَزِهٍ نَسِيبٍ مُسْتَشِيرٍ بِلَا دَيْنٍ وَحَدٍّ وَزَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ وَبِطَانَةِ سُوءٍ (ش) يَعْنِي أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي حَقِّ الْقَاضِي أَنْ يَكُونَ مَوْصُوفًا بِصِفَاتِ الْكَمَالِ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ وَرِعًا أَيْ تَارِكًا لِلشُّبُهَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ بَلَدِيًّا لِعِلْمِهِ بِأَحْوَالِ الشُّهُودِ عَلَى الرَّاجِحِ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا؛ لِأَنَّ الْفَقِيرَ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ مَقَالَةُ السُّوءِ وَالْغَنِيَّ مَظِنَّةُ التَّنَزُّهِ عَنْ الطَّمَعِ لِكَوْنِهِ أَكْثَرَ فَضِيلَةً؛ لِأَنَّ الْمَالَ عِنْدَ ذَوِي الدِّينِ زِيَادَةٌ لَهُمْ فِي الْخَيْرِ وَالْفَضْلِ لَا سِيَّمَا مَنْ نَصَّبَ نَفْسَهُ لِلنَّاسِ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ وُلِّيَ الْقَضَاءَ وَلَمْ يَفْتَقِرْ فَهُوَ سَارِقٌ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ حَلِيمًا عَلَى الْأَخْصَامِ مَا لَمْ تُنْتَهَكْ حُرْمَةُ الشَّرْعِ أَوْ يُوصِي أَحَدٌ عَلَيْهِ فِي مَجْلِسِهِ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ نَزِهًا قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَنْ يَكُونَ ذَا نَزَاهَةٍ عَنْ الطَّمَعِ مُسْتَخِفًّا بِالْأَئِمَّةِ أَيْ يُدِيرُ الْحَقَّ عَلَى مَنْ دَارَ عَلَيْهِ وَلَا يُبَالِي بِمَنْ لَامَهُ عَلَى ذَلِكَ هَذَا مَعْنَى نَزِهٍ تَأَمَّلْ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْقَاضِي نَسِيبًا وَهَذَا مِنْ أَلْفَاظِ الْمُبَالَغَةِ وَمَعْنَاهَا مَعْرُوفُ النَّسَبِ لِئَلَّا يَتَسَارَعَ إلَيْهِ أَلْسُنُ النَّاسِ بِالطَّعْنِ

٩٬٧٧٩

وَظَاهِرُهُ أَنَّ تَوْلِيَةَ غَيْرِ النَّسِيبِ جَائِزَةٌ سَوَاءٌ كَانَ انْتِفَاءُ نَسَبِهِ مُحَقَّقًا أَمْ لَا وَهُوَ كَذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَتَجْوِيزُ سَحْنُونَ وِلَايَةَ وَلَدِ الزِّنَا مُوَافِقٌ لِلْمَذْهَبِ زَادَ وَلَكِنْ لَا يَحْكُمُ فِي الزِّنَا لِعَدَمِ شَهَادَتِهِ فِيهِ وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ عَرَفَةَ اسْتِقْلَالًا لَا عَلَى أَنَّهُ خِلَافٌ فَقَالَ

٩٬٧٨٠

وَأَمَّا الْمَحْدُودُ فِي الزِّنَا فَعِنْدَ أَصْبَغَ أَنَّهُ يَحْكُمُ فِيهِ وَلَا يَشْهَدُ فِيهِ وَعِنْدَ سَحْنُونَ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ فِيهِ كَوَلَدِ الزِّنَا وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَشِيرًا لِأَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُعِينُهُ وَيُوصِلُهُ إلَى حُصُولِ الصَّوَابِ وَبِعِبَارَةٍ أَيْ كَثِيرَ الِاسْتِشَارَةِ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُجْتَهِدًا أَوْ أَمْثَلَ مُقَلِّدٍ مَا تَقَيَّدَ الصَّوَابُ بِهِ بِإِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ الصَّوَابُ عِنْدَ مَنْ هُوَ أَدْنَى مِنْهُ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَدِينٍ؛ لِأَنَّ الدَّيْنَ يَحُطُّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ وَلَا يُغْنِي عَنْ هَذَا قَوْلُهُ غَنِيٍّ؛

لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ غَنِيًّا وَهُوَ مَدِينٌ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَحْدُودٍ فِي زِنًا أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُوجِبُ الْحَدَّ،

٩٬٧٨١

وَظَاهِرُهُ سَوَاءٌ قَضَى فِيمَا حُدَّ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ

٩٬٧٨٢

بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَيُقْبَلُ فِي غَيْرِهِ وَفُرِّقَ بِأَنَّ الْقَضَاءَ وَصْفٌ زَائِدٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَا سَقَطَ اعْتِبَارُهُ فِي غَيْرِهِ وَاسْتِنَادُ الْقَاضِي لِلْبَيِّنَةِ

٩٬٧٨٣

بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فَبَعُدَتْ التُّهْمَةُ وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي حُدَّ فِيهِ وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ غَيْرَ زَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ بِفَتْحِ الدَّالِ وَبِالْمَدِّ وَهَمْزَتُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ الْيَاءِ لَا عَنْ الْوَاوِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْفِطْنَةُ وَالْحَذْقَةُ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْمِلُهُ عَلَى أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِالْفِرَاسَةِ وَيُعَطِّلَ أَبْوَابَ الشَّرِيعَةِ مِنْ إقَامَةِ بَيِّنَةٍ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ خَالِيًا عَنْ بِطَانَةِ - بِكَسْرِ الْبَاءِ - السُّوءِ فَإِنَّهَا تُسْرِعُ بِالضَّرَرِ لِمَنْ هِيَ حَوْلَهُ فَإِنَّ السَّلَامَةَ مِنْهَا رَأْسُ كُلِّ خَيْرٍ وَبِعِبَارَةٍ أَيْ الْبِطَانَةُ الَّتِي يُتَّهَمُ مِنْهَا السُّوءُ وَإِلَّا فَالسَّلَامَةُ مِنْ بِطَانَةِ السُّوءِ وَاجِبَةٌ.

حاشية العدويالعدوي، حاشية على شرح الخرشي

(قَوْلُهُ: تَارِكًا لِلشُّبُهَاتِ إلَخْ) أَيْ أَوْ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ،

١١٬٨٢٤

وَأَمَّا الْأَوْرَعُ فَهُوَ الَّذِي يَتْرُكُ بَعْضَ الْمُبَاحَاتِ خَوْفَ الْوُقُوعِ فِي الشُّبُهَاتِ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ اللَّقَانِيِّ.

(قَوْلُهُ: أَنْ يَكُونَ بَلَدِيًّا لِعِلْمِهِ بِأَحْوَالِ الشُّهُودِ عَلَى الرَّاجِحِ) أَيْ لِيَعْرِفَ الْمَقْبُولِينَ وَالْمَسْخُوطِينَ مِنْ الشُّهُودِ وَيَعْرِفَ حَالَ الْمُحَقِّقِ وَالْمُبْطِلِ مَا لَا يَعْرِفُهُ غَيْرُ الْبَلَدِيِّ وَمُقَابِلُهُ أَنَّ الْأَوْلَى غَيْرُ الْبَلَدِيِّ عَلَى الْبَلَدِيِّ أَيْ لِئَلَّا يَفْرِضَ لِبَعْضِهِمْ دُونَ الْبَعْضِ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ بَلَدِيًّا لَا يَخْلُو عَنْ أَعْدَاءٍ وَأَصْدِقَاءٍ.

(قَوْلُهُ: مَنْ وُلِّيَ الْقَضَاءَ وَلَمْ يَفْتَقِرْ) أَيْ لَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ أَثَرُ الْفَقْرِ وَمَحَلُّ ذَلِكَ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّهُ يُبَاحُ لِلْفَقِيرِ لِيَسْتَعِيرَ بِمُرَتَّبِهِ مِنْ نَحْوِ بَيْتِ الْمَالِ عَلَى عِيَالِهِ؛ لِأَنَّهُ فِي الْمُبَاحِ وَمَا هُنَا فِي الْمَنْدُوبِ.

(قَوْلُهُ: مُسْتَخِفًّا بِالْأَئِمَّةِ) الْمُرَادُ بِالْأَئِمَّةِ وُلَاةُ الْأُمُورِ كَالسَّلَاطِينِ.

(قَوْلُهُ: أَيْ يُدِيرُ الْحَقَّ) أَيْ وَلَا يُبَجِّلُهُمْ بِحَيْثُ يُحَابِي فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِمْ أَيْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِخْفَافِ تَحْقِيرُهُمْ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ.

(قَوْلُهُ: هَذَا مَعْنَى نَزِهٍ) لَا يَخْفَى أَنَّهُ أَدْخَلَ فِي تَعْرِيفِ النَّزِهِ كَوْنَهُ مُسْتَخِفًّا بِالْأَئِمَّةِ، وَالظَّاهِرُ خُرُوجُهُ وَأَنَّهُ مَعْنًى آخَرُ مَطْلُوبٌ فِي حَقِّ الْقَاضِي وَلِذَلِكَ عَطَفَهُ فَقَالَ ذَا نَزَاهَةٍ عَنْ الطَّمَعِ مُسْتَخِفًّا فَذَكَرَهُ فِي مَقَامِ مَا يُطْلَبُ فِي حَقِّ الْقَاضِي لَا فِي مَقَامِ تَفْسِيرِ نَزِهٍ فَقَدْ فَسَّرَ ابْنُ غَازِيٍّ نَزِهًا بِكَامِلِ الْمُرُوءَةِ، وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ الَّذِي لَا يَتَشَوَّفُ لِمَا بِيَدِ النَّاسِ وَقَالَ الشَّيْخُ سَالِمٌ وَاَلَّذِي لَا يَتَشَوَّفُ لِمَا بِأَيْدِي النَّاسِ هُوَ الْكَامِلُ الْمُرُوءَةِ وَقَالَ اللَّقَانِيِّ النَّزِهُ هُوَ الَّذِي لَا يَتَعَاطَى مَا يَتَعَاطَاهُ أَمْثَالُهُ بِأَنْ لَا يُعَاشِرَ الْأَرَاذِلَ وَلَا غَيْرَ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ وَلَا السُّفَهَاءَ وَلَا الْخُفَرَاءَ وَلَا أَهْلَ الْأَهْوَاءِ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْوَرَعِ؛

لِأَنَّهُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ لِإِرْشَادِهِمْ وَنَحْوِ ذَلِكَ

١١٬٨٢٥

بِخِلَافِ النَّزِهِ فَإِنَّهُ لَا يُخَالِطُهُمْ فَالنَّزَاهَةُ كَمَالُ الْمُرُوءَةِ، وَقَوْلُهُ: تَأَمَّلْ أَقُولُ تَأَمَّلْنَاهُ فَوَجَدْنَا قَوْلَهُ مُسْتَخِفًّا بِالْأَئِمَّةِ لَيْسَ مِنْ مَدْلُولِ نَزِهٍ لِوُجُودِ الْعَطْفِ نَعَمْ يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ نَزِهًا أَنْ يَسْتَخِفَّ بِالْأَئِمَّةِ.

(قَوْلُهُ: وَهَذَا مِنْ أَلْفَاظِ الْمُبَالَغَةِ) أَيْ الْأَصْلُ فَلَا يُنَافِي فِي أَنَّهُ مُبَالَغَةٌ هُنَا وَلِذَا قَالَ وَمَعْنَاهَا مَعْرُوفُ النَّسَبِ.

(قَوْلُهُ: كَوَلَدِ الزِّنَا) أَيْ لَا يَحْكُمُ فِي الزِّنَا فَلَا يُنَافِي أَنَّهُ يَصِحُّ جَعْلُهُ قَاضِيًا

١١٬٨٢٦

وَالْمُعْتَمَدُ قَوْلُ أَصْبَغَ أَنَّهُ يَحْكُمُ فِيهِ وَلَا يَشْهَدُ.

(قَوْلُهُ: وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مُسْتَشِيرًا) أَيْ فِي الْمَسَائِلِ الْغَامِضَةِ أَوْ الدَّقِيقَةِ أَوْ الْمُشْكِلَةِ أَوْ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا،

١١٬٨٢٧

وَأَمَّا الَّتِي فِيهَا النَّصُّ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ فَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فَحَكَمَ بِقَوْلِ مُقَلَّدِهِ قَالَ اللَّقَانِيِّ قَوْلُهُ: مُسْتَشِيرًا هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حُضُورَ الْعُلَمَاءِ لِلِاسْتِشَارَةِ مَنْدُوبٌ وَأَصْلُهُ مُسْتَشْوِرٌ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْمَشُورَةِ انْتَهَى. (أَقُولُ) فَإِذَنْ يَكُونُ قَوْلُهُ: أَوْ شَاوَرَهُمْ فِيمَا يَتَأَتَّى تَكْرَارًا أَيْ بَلْ يُقَالُ إنَّهُ مُخَالِفٌ لِمَا هُنَا؛ لِأَنَّهُ هُنَا اقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِشَارَةِ فَيُفْهَمُ أَنَّ النَّدْبَ مُتَعَلِّقٌ بِهَا فَقَطْ وَكَلَامُهُ الْآتِي يُفِيدُ أَنَّ النَّدْبَ مُتَعَلِّقٌ بِهَا أَوْ بِالْحُضُورِ.

(قَوْلُهُ: لِأَنَّ الدَّيْنَ يَحُطُّ مِنْ مَرْتَبَتِهِ) مِنْ زَائِدَةٌ أَوْ الْمَفْعُولُ مَحْذُوفٌ أَيْ شَيْئًا مِنْ مَرْتَبَتِهِ.

(قَوْلُهُ: بِأَنَّ الْقَضَاءَ وَصْفٌ زَائِدٌ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِأَنْ اُعْتُبِرَ فِي الْقَاضِي مِنْ الْأَوْصَافِ مَا لَمْ يُعْتَبَرْ فِي الشَّاهِدِ؛ لِأَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِيهِ الذُّكُورِيَّةُ وَالِاجْتِهَادُ وَقَوْلُهُ: وَاسْتِنَادُ فَرْقٍ ثَانٍ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ وَصْفٌ زَائِدٌ وَفِي الْعِبَارَةِ حَذْفٌ وَالتَّقْدِيرُ بِأَنَّ الْقَضَاءَ اسْتِنَادُ الْقَاضِي فِيهِ لِلْبَيِّنَةِ

١١٬٨٢٨

بِخِلَافِ الشَّاهِدِ وَقَوْلُهُ: وَالْمَوْضُوعُ أَنَّهُ تَابَ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي حُدَّ فِيهِ فَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُحَدَّ وَتَابَ فَلَا بَأْسَ بِهِ.

(قَوْلُهُ: الْفِطْنَةُ إلَخْ) هِيَ شِدَّةُ الْفِكْرِ وَجَوْدَتُهُ وَالْمَعْنَى يُنْدَبُ فِي حَقِّ الْقَاضِي أَنْ لَا يَكُونَ شَدِيدَ الْفِطْنَةِ وَالْحَذْقَةِ وَالْفِرَاسَةِ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَهَذَا

١١٬٨٢٩

بِخِلَافِ الْأَمِيرِ لِوُسْعِ عَمَلِهِ.

(قَوْلُهُ: خَالِيًا عَنْ بِطَانَةِ السُّوءِ) أَيْ خَالِيًا عَنْ الْجَمَاعَةِ الْمُصَاحِبِينَ لَهُ أَهْلُ السُّوءِ لِاكْتِسَابِهِ السُّوءَ مِنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ،

١١٬٨٣٠

وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبِطَانَةِ أَصْحَابُ الشَّخْصِ الْمُطَّلِعُونَ عَلَى أَحْوَالِهِ سُمُّوا بِهَا تَشْبِيهًا بِبِطَانَةِ الثَّوْبِ وَهُوَ خِلَافُ ظِهَارَتِهِ لِاطِّلَاعِهِمْ عَلَى بَاطِنِ حَالِهِ.

(قَوْلُهُ: أَيْ الْبِطَانَةَ الَّتِي يُتَّهَمُ مِنْهَا السُّوءُ) أَيْ فَلَيْسَ السُّوءُ مِنْهَا مُحَقَّقًا بَلْ مَشْكُوكٌ،

١١٬٨٣١

وَأَمَّا إذَا تَحَقَّقَ مِنْهَا السُّوءُ أَوْ غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ مِنْهَا السُّوءُ فَالسَّلَامَةُ مِنْهَا وَاجِبَةٌ هَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ وَإِلَّا فَالسَّلَامَةُ إلَخْ وَكَأَنَّهُ قَالَ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ مِنْهَا الْمُتَّهَمُ بَلْ أُرِيدَ الْمُحَقَّقُ أَوْ الَّتِي غَلَبَ عَلَى الظَّنِّ فَلَا يَصِحُّ الْحُكْمُ بِالنَّدْبِ؛ لِأَنَّ السَّلَامَةَ مِنْ ذَلِكَ وَاجِبَةٌ .

منح الجليلعليش

(غَنِيٍّ) سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ إذَا كَانَ الرَّجُلُ فَقِيرًا وَهُوَ أَعْلَمُ فِي الْبَلَدِ وَأَرْضَاهُمْ اسْتَحَقَّ الْقَضَاءَ، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْلِسَ لَهُ حَتَّى يَغْنَى وَيُقْضَى دَيْنُهُ.

الْمَازِرِيُّ وَهَذِهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا دَعَاهُ فَقْرُهُ إلَى اسْتِمَالَةِ الْأَغْنِيَاءِ وَالضَّرَاعَةِ لَهُمْ وَتَمْيِيزِهِمْ عَلَى الْفُقَرَاءِ بِالْإِكْبَارِ إذَا تَخَاصَمُوا مَعَ الْفُقَرَاءِ،

١٨٬٣٨٠

فَإِذَا كَانَ غَنِيًّا بَعُدَ ذَلِكَ. اهـ. زَادَ ابْنُ الْحَاجِبِ كَوْنَهُ بَلَدِيًّا وَلَا يَخَافُ فِي اللَّهِ تَعَالَى لَوْمَةَ لَائِمٍ وَتَرَكَ الْمُصَنِّفُ الْأَوَّلَ لِقَوْلِ ابْنِ رُشْدٍ وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ إنَّ الْوُلَاةَ الْيَوْمَ يُرَجِّحُونَ غَيْرَ الْبَلَدِيِّ عَلَى الْبَلَدِيِّ،

١٨٬٣٨١

وَالثَّانِي لِقَوْلِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ رَاجِعٌ إلَى النَّوْعِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ الْخَوْفَ مِنْ لَوْمَةِ لَائِمٍ رَاجِعٌ إلَى الْفِسْقِ. (حَلِيمٍ) حَسَنِ الْخُلُقِ يَتَحَمَّلُ مَا يَقَعُ بِحَضْرَتِهِ مِنْ الْخُصُومِ مِنْ غَيْرِ انْتِهَاكِ حُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَسْتَفِزُّهُ الْغَضَبُ وَلَا يَحْمِلُهُ عَلَى تَعْجِيلِ الْعُقُوبَةِ مَا لَمْ تُنْتَهَكْ حُرْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى (نَزِهٍ) نَسِيبٍ، مُسْتَشِيرٍ: بِلَا دَيْنٍ وَحَدٍّ، وَزَائِدٍ فِي الدَّهَاءِ [منح الجليل] بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الزَّايِ، أَيْ قَنُوعٍ بِمَا أَعْطَاهُ اللَّهُ تَعَالَى لَا يَتَطَلَّعُ لِمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ فَيَسْتَوِي عِنْدَهُ الْأَغْنِيَاءُ وَالْفُقَرَاءُ.

" غ " أَيْ كَامِلِ الْمُرُوءَةِ. ابْنُ مَرْزُوقٍ أَيْ مُتَرَفِّعٍ عَنْ الْوُقُوعِ فِي الرَّذَائِلِ وَالطَّمَعِ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ. الْجَوْهَرِيُّ النَّزَاهَةُ الْبُعْدُ عَنْ السُّوءِ (نَسِيبٍ) أَيْ مَعْرُوفِ النَّسَبِ لِئَلَّا يَتَسَارَعَ إلَى الطَّعْنِ فِيهِ حَسَدًا عَلَى مَنْصِبِ الْقَضَاءِ.

ابْنُ عَرَفَةَ سَحْنُونٌ لَا بَأْسَ بِوِلَايَةِ وَلَدِ الزِّنَا وَلَا يُحْكَمُ فِي حَدِّهِ. الْبَاجِيَّ الْأَظْهَرُ مَنْعُهُ لِأَنَّ الْقَضَاءَ مَوْضِعُ رِفْعَةٍ فَلَا يَلِيهِ وَلَدُ الزِّنَا كَالْإِمَامَةِ. أَصْبَغُ لَا بَأْسَ أَنْ يُسْتَفْتَى مَنْ حُدَّ فِي الزِّنَا إذَا تَابَ وَرُضِيَتْ حَالَتُهُ وَكَانَ عَالِمًا،

١٨٬٣٨٢

وَيَجُوزُ حُكْمُهُ وَإِنْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ فِيهِ لِأَنَّ الْمَسْخُوطَ يَجُوزُ حُكْمُهُ مَا لَمْ يَحْكُمْ بِجَوْرٍ أَوْ خَطَأٍ، وَلَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ، وَعَزَاهُ الْبَاجِيَّ لِأَصْبَغَ وَمَنَعَهُ سَحْنُونٌ قِيَاسًا عَلَى الشَّهَادَةِ. (مُسْتَشِيرٍ) لِلْعُلَمَاءِ وَلَا يَسْتَقِلُّ بِرَأْيِهِ أَيْ شَأْنِهِ ذَلِكَ خَوْفَ خَطَئِهِ (بِلَا دَيْنٍ) بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ لِأَنَّهُ ذُلٌّ بِالنَّهَارِ وَهَمٌّ بِاللَّيْلِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ. ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ الظَّاهِرُ الِاكْتِفَاءُ بِشَرْطِ الْغِنَى عَنْ شَرْطِ عَدَمِ الدَّيْنِ،

١٨٬٣٨٣

فَإِنَّ وُجُودَ الدَّيْنِ مَعَ الْغِنَى بِمَا يَزِيدُ عَلَيْهِ لَا أَثَرَ لَهُ خَلِيلٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَالظَّاهِرُ خِلَافُهُ (وَ) بِلَا (حَدٍّ) فِي قَذْفٍ أَوْ غَيْرِهِ، سَوَاءٌ قَضَى فِيمَا حُدَّ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِهِ،

١٨٬٣٨٤

بِخِلَافِ الشَّاهِدِ، فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ، وَيُقْبَلُ فِي غَيْرِهِ، وَالْفَرْقُ أَنَّ الْقَضَاءَ وَصْفٌ زَائِدٌ يُعْتَبَرُ فِيهِ مَا لَا يُعْتَبَرُ فِي الشَّاهِدِ،

١٨٬٣٨٥

وَإِذَا تَابَ الْقَاضِي مِمَّا حُدَّ فِيهِ فَلَهُ الْحُكْمُ فِيهِ،

١٨٬٣٨٦

بِخِلَافِ الشَّاهِدِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ فِيمَا حُدَّ فِيهِ وَلَوْ تَابَ، وَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا بِاسْتِنَادِ حُكْمِ الْقَاضِي لِلْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ، فَضَعُفَتْ تُهْمَتُهُ،

١٨٬٣٨٧

بِخِلَافِ الشَّاهِدِ.

وَعَطَفَ عَلَى دَيْنٍ فَقَالَ

لوامع الدرر في هتك أستار المختصرمحمد بن محمد سالم المجلسي

بلا دَيْن، يعني أنه يندب أن يكون القاضي غير مدين، لأن الدين يحط، ولا يغني عن هذا قوله: غني، لأنه قد يكون غنيا وهو مدين. وحد أي وبلا حد يعني أنه يندب أن يكون القاضي غير محدود في زنى وغيره مما يوجب الحد،

٦١٬٣٤٧

وظاهره سواء قضى فيما حد فيه أو في غيره،

٦١٬٣٤٨

بخلاف الشاهد فإنه لا يقبل فيما حد فيه، ويقبل في غيره، وفرق بأن القضاء وصف زائد يعتبر فيه ما يسقط اعتباره في غيره، واستناد القاضي لبينة

٦١٬٣٤٩

بخلاف الشاهد فبعدت التهمة، والموضوع أنه تاب مما حد فيه بالفعل،

٦١٬٣٥٠

فإن ترتب عليه ولم يحد وتاب فلا بأس به. قاله عبد الباقي. قوله: وفرق بأن القضاء لخ، قال بناني: هذا الكلام كله للتتائي، وبينه مصطفى فقال: ذكر فرقين، الأول: بين كون القضاء يطلب فيه أن يكون القاضي غير محدود مطلقا،

٦١٬٣٥١

قضى فيما حد فيه أو في غيره بقوله: فإن القضاء وصف زائد،

٦١٬٣٥٢

والثاني: بين كون القضاء يقبل من القاضي فيما حد فيه، ولا تقبل شهادة الشاهد في ذلك بقوله: استناد القاضي إلى بينة، وقوله: وحد،

٦١٬٣٥٣

قال في التوضيح: وجوز أصبغ حكمه. فيما حد فيه، ومنعه سحنون قياسا على الشهادة. انتهى. وزاندٍ في الدهاء، أي وبلا

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.