وجاز سواك كل النهار
الشروح عليها
(وَجَازَ) لِلصَّائِمِ أَرَادَ بِالْجَوَازِ الْإِذْنَ الْمُقَابِلَ لِلْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ جَائِزٌ مُسْتَوَى الطَّرَفَيْنِ كَالْمَضْمَضَةِ لِلْعَطَشِ وَبَعْضُهُ مَكْرُوهٌ كَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَبَعْضُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى كَالْإِصْبَاحِ بِالْجَنَابَةِ وَبَعْضُهُ مُسْتَحَبٌّ كَالسِّوَاكِ إذَا كَانَ لِمُقْتَضًى شَرْعِيٍّ مِنْ وُضُوءٍ وَصَلَاةٍ وَقِرَاءَةٍ وَذِكْرٍ أَيْ نُدِبَ (سِوَاكٌ) أَيْ اسْتِيَاكٌ (كُلَّ النَّهَارِ) خِلَافًا لِمَنْ قَالَ يُكْرَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ وَجَازَ سِوَاكٌ) أَيْ بِمَا لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ وَكُرِهَ بِالرَّطْبِ لِمَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ فَإِنْ تَحَلَّلَ مِنْهُ شَيْءٌ وَوَصَلَ لِحَلْقِهِ فَكَالْمَضْمَضَةِ إنْ وَصَلَ عَمْدًا كَانَ فِيهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَإِلَّا فَالْقَضَاءُ
(قَوْلُهُ كُلَّ النَّهَارِ) أَيْ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» وَهَذَا يَعُمُّ الصَّائِمَ وَغَيْرَهُ
(قَوْلُهُ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ) أَيْ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَاسْتَدَلَّا بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللَّهِ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» وَالْخُلُوفُ بِالضَّمِّ مَا يَحْدُثُ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ مِنْ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ فِي الْفَمِ وَشَأْنُ ذَلِكَ أَنْ يَحْدُثَ عِنْدَ الزَّوَالِ فَإِذَا اسْتَاك بَعْدَ الزَّوَالِ أَزَالَ ذَلِكَ الْخُلُوفَ الْمُسْتَطَابَ عِنْدَ اللَّهِ فَلِذَا كَانَ مَكْرُوهًا وَقَدْ يُقَالُ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْخُلُوفِ خُلُوُّ الْمَعِدَةِ وَخُلُوُّ الْمَعِدَةِ مَوْجُودٌ لَمْ يَذْهَبْ فَلْيَكُنْ الْخُلُوفُ بَاقِيًا لَمْ يُذْهِبْهُ السِّوَاكُ فَإِنْ قُلْت مَا مَعْنَى كَوْنِهِ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ مَعَ أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ اسْتِطَابَةِ الرَّوَائِحِ وَالِانْبِسَاطِ مِنْهَا؛
لِأَنَّ هَذَا مِنْ صِفَاتِ الْحَيَوَانِ قُلْت هَذَا كِنَايَةٌ عَنْ رِضَاهُ تَعَالَى بِهِ وَثَنَائِهِ عَلَى الصَّائِمِ بِسَبَبِهِ وَتَقْرِيبِهِ مِنْهُ كَتَقْرِيبِ ذِي الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ وَلَا يُخَصُّ ذَلِكَ بِالْآخِرَةِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
ص (وَجَازَ سِوَاكٌ كُلَّ النَّهَارِ) ش: ابْنُ عَرَفَةَ وَالسِّوَاكُ بِالْيَابِسِ كُلَّ النَّهَارِ وَفِيهَا وَلَوْ بُلَّ
وَيُكْرَهُ بِالرَّطْبِ خَوْفَ تَحَلُّلِهِ ابْنُ حَبِيبٍ إلَّا لِعَالِمٍ ثُمَّ قَالَ الْبَاجِيُّ فِي قَوْلِهِ إنْ جَهِلَ مَجَّ مَا اجْتَمَعَ مِنْ سِوَاكِ الرَّطْبِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ يُغَيِّرُ رِيقَهُ فَفِي عَمْدِهِ الْكَفَّارَةُ وَفِي نِسْيَانِهِ وَتَأْوِيلِهِ الْقَضَاءُ، انْتَهَى.
(فَائِدَةٌ) قَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ» . الْخُلُوفُ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَاللَّامِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَاءٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: بِفَتْحِ الْخَاءِ فَقِيلَ: خَطَأٌ،
وَقِيلَ: لُغَةٌ قَلِيلَةٌ وَهُوَ تَغْيِيرُ رَائِحَةِ الْفَمِ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ اسْتِطَابَةِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ: مَجَازٌ؛ لِأَنَّهُ جَرَتْ الْعَادَةُ بِتَقْرِيبِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ هُنَا فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ لِتَقْرِيبِ الصَّوْمِ مِنْ اللَّهِ فَالْمَعْنَى أَنَّهُ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْمِسْكِ عِنْدَكُمْ أَيْ يُقَرَّبُ إلَيْهِ أَكْثَرُ مِنْ تَقْرِيبِ الْمِسْكِ إلَيْكُمْ
وَقِيلَ: إنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَلَائِكَةِ وَإِنَّهُمْ يَسْتَطِيبُونَ رِيحَ الْخُلُوفِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَطِيبُونَ رِيحَ الْمِسْكِ
وَقِيلَ: الْمَعْنَى أَنَّ الْخُلُوفَ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ الْمِسْكِ الْمَنْدُوبِ إلَيْهِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَنَقَلَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ أَنَّ لِلطَّاعَاتِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رِيحًا فَرَائِحَةُ الصِّيَامِ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ كَالْمِسْكِ
(فَرْعٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ: وَقَعَ نِزَاعٌ بَيْنَ ابْنِ الصَّلَاحِ وَالشَّيْخِ ابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ فِي أَنَّ هَذَا الطِّيبَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَمْ فِي الْآخِرَةِ خَاصَّةً؟ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ: فِي الْآخِرَةِ خَاصَّةً؛ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: هُوَ عَامٌّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاسْتَدَلَّ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا مَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ حِينَ يَخْلُفُ إلَخْ وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ سِنِينَ فِي مُسْنَدِهِ «أُعْطِيت أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا قَالَ: وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَإِنَّهُمْ يُمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ إلَخْ» حَسَّنَهُ السَّمْعَانِيُّ فِي أَمَالِيهِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ وَقْتَ وُجُودِ الْخُلُوفُ فِي الدُّنْيَا يَتَحَقَّقُ وَصْفُهُ بِكَوْنِهِ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ قَالَ: وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ شَرْقًا وَغَرْبًا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ فِي تَفْسِيرِ الْخَطَّابِيِّ طِيبُهُ عِنْدَ اللَّهِ رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعْنَاهُ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْرَبُ إلَيْهِ وَأَرْفَعُ عِنْدَهُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ الْبَغَوِيّ مَعْنَاهُ الثَّنَاءُ عَلَى الصَّائِمِ وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ الْقُدُورِيُّ الْحَنَفِيُّ مَعْنَاهُ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ
وَمِثْلُهُ لِلْبَوْنِيِّ مِنْ قُدَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ
وَكَذَا قَالَ الصَّابُونِيُّ وَالسَّمْعَانِيُّ وَابْنُ الصَّفَّارِ الشَّافِعِيُّونَ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَذْكُرُوا سِوَى مَا ذَكَرْتُهُ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَجْهًا فِي تَخْصِيصِهِ بِالْآخِرَةِ مَعَ أَنَّ كُتُبَهُمْ جَامِعَةٌ لِلْمَشْهُورِ وَالْغَرِيبِ وَمَعَ أَنَّ رِوَايَةَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي الصَّحِيحِ بَلْ جَزَمُوا بِأَنَّهُ بِمَعْنَى الرِّضَا وَالْقَبُولِ لِمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ
وَأَمَّا ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَلِأَنَّهُ يَوْمُ الْجَزَاءِ وَفِيهِ يَظْهَرُ رُجْحَانُ الْخُلُوفِ عَلَى الْمِسْكِ، انْتَهَى. مِنْ حَاشِيَةِ الْمُوَطَّإِ لِلشَّيْخِ جَلَالِ الدِّينِ السُّيُوطِيّ وَانْظُرْ الْعَارِضَةَ
(وَجَازَ سِوَاكٌ كُلَّ النَّهَارِ) مِنْ الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ: لَا بَأْس بِالسِّوَاكِ أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ بِعُودٍ يَابِسٍ وَإِنْ بَلَّهُ بِالْمَاءِ وَأَكْرَهُهُ بِالْعُودِ الرَّطْبِ خَوْفَ تَحَلُّلِهِ. ابْنُ حَبِيبٍ: إلَّا لِعَالِمٍ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(ص) وَجَازَ سِوَاكٌ كُلَّ النَّهَارِ (ش) يَعْنِي: أَنَّ الصَّائِمَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَسَوَّكَ كُلَّ النَّهَارِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لِخَبَرِ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» فَعَمَّ الصَّائِمَ وَغَيْرَهُ، وَكَرِهَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بَعْدَ الزَّوَالِ لِخَبَرِ «لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ - بِضَمِّ الْخَاءِ - أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ»
قَالَ فِي تَوْضِيحِهِ: وَلَا دَلِيلَ عَلَى كَرَاهَتِهِ؛
لِأَنَّ الْخُلُوفَ هُوَ مَا يَحْدُثُ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ وَذَلِكَ لَا يُذْهِبُهُ السِّوَاكُ انْتَهَى لَا يُقَالُ: وَإِنْ لَمْ يُذْهِبْهُ فَيُخَفِّفُهُ وَهُوَ أَثَرُ عِبَادَةٍ فَلَا يَنْبَغِي إزَالَتُهَا وَلَا تَخْفِيفُهَا كَدَمِ الشُّهَدَاءِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ: الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ فَيُسْتَحَبُّ تَطْيِيبُ فَمِهِ
بِخِلَافِ الشَّهِيدِ، وَمَعْنَى طِيبِهِ عِنْدَ اللَّهِ رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ عَلَى الصَّائِمِ وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ، قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: وَالسِّوَاكُ يُبَاحُ كُلَّ النَّهَارِ بِمَا لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ
وَيُكْرَهُ بِالرَّطْبِ لِمَا يَتَحَلَّلُ فَإِنْ تَحَلَّلَ وَوَصَلَ إلَى حَلْقِهِ فَكَالْمَضْمَضَةِ انْتَهَى، وَأَرَادَ الْمُؤَلِّفُ بِالْجَوَازِ مَا قَابَلَ الْمُحَرَّمَ؛ لِأَنَّ بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْجَائِزَاتِ مُسْتَحَبٌّ كَالسِّوَاكِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ، وَصَوْمِ الدَّهْرِ، وَبَعْضُهُ مَكْرُوهٌ كَالْفِطْرِ فِي السَّفَرِ وَبَعْضُهُ خِلَافُ الْأَوْلَى كَالْإِصْبَاحِ بِالْجَنَابَةِ، بَعْضُهُ جَائِزٌ جَوَازًا مُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ كَالْمَضْمَضَةِ لِلْعَطَشِ وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى مَصَبُّ الْجَوَازِ فِي كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ قَوْلُهُ: كُلَّ النَّهَارِ أَيْ: وَجَازَ سِوَاكٌ لِغَيْرِ مُقْتَضٍ شَرْعِيٍّ،
وَأَمَّا لِمُقْتَضٍ شَرْعِيٍّ كَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ فَهُوَ مَنْدُوبٌ، السِّوَاكُ يُطْلَقُ عَلَى الْآلَةِ وَالْفِعْلِ وَهُوَ الْمُرَادُ هُنَا فَلَا يَرِدُ أَنَّهُ يُكْرَهُ الِاسْتِيَاكُ بِبَعْضِ الْآلَاتِ،
وَأَمَّا الِاسْتِيَاكُ الْمُحَرَّمُ وَهُوَ الِاسْتِيَاكُ بِالْجَوْزَاءِ فَقَدْ قَدَّمَهُ فَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ إطْلَاقٌ .
(قَوْلُهُ: لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ) أَيْ: أَمْرُ وُجُوبٍ وَإِلَّا فَأَمْرُ النَّدْبِ حَاصِلٌ
(قَوْلُهُ: بِضَمِّ الْخَاءِ) وَأَمَّا فَتْحُهَا فَهُوَ خَطَأٌ وَقِيلَ لُغَةً
(قَوْلُهُ:، وَذَلِكَ لَا يُذْهِبُهُ السِّوَاكُ) ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ مَوْجُودَةٌ وَهِيَ خُلُوُّ الْمَعِدَةِ
(قَوْلُهُ: وَهُوَ أَثَرُ عِبَادَةٍ) ؛ لِأَنَّهُ أَثَرُ الصَّوْمِ الْمُنَاسِبُ أَنْ يُنْظَرَ لِكَوْنِهِ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ فَيَكُونُ الْفَمُ طَيِّبًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خَبِيثًا مَعَ كَوْنِهِ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ
(قَوْلُهُ: كَدَمِ الشُّهَدَاءِ) أَثَرِ عِبَادَةٍ وَهِيَ الْجِهَادُ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّا نَقُولُ الْمُصَلِّي يُنَاجِي رَبَّهُ) أَيْ: يُخَاطِبُ رَبَّهُ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ تَطْيِيبُ فَمِهِ فِيهِ أَنَّهُ إذَا كَانَ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ فَيَكُونُ الْفَمُ طَيِّبًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خَبِيثًا مَعَ كَوْنِهِ أَطْيَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ.
(قَوْلُهُ: وَمَعْنَى طِيبِهِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا يُقَالُ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ اسْتِطَابَةِ الرَّوَائِحِ؟ وَحَاصِلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ اسْتِطَابَتَهُ بِحَيْثُ يَحْصُلُ لَهُ سُرُورٌ بِذَلِكَ، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ رِضَاهُ، وَرِضَا اللَّهِ عِبَارَةٌ عَنْ إنْعَامِهِ أَوْ إرَادَةِ إنْعَامِهِ فَهُوَ صِفَةُ فِعْلٍ أَوْ ذَاتٍ هَذَا عِنْدَ الْخَلَفِ،
وَأَمَّا عِنْدَ السَّلَفِ فَيُفَوَّضُ الْأَمْرُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي مَعْنَاهُ مَعَ تَنْزِيهِ الْمَوْلَى عَنْ اسْتِطَابَةِ الرَّوَائِحِ، وَقَوْلُهُ وَثَنَاؤُهُ عَلَى الصَّائِمِ أَيْ: بِكَلَامِهِ الْقَدِيمِ وَقَوْلُهُ: وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ أَيْ: فِعْلِ السِّوَاكِ يُرَادُ بِالسِّوَاكِ الْمَعْنَى الْحَاصِلُ بِالْمَصْدَرِ، وَيُرَادُ بِالْفِعْلِ الْمُضَافُ إلَيْهِ وَالْمَعْنَى الْمَصْدَرِيُّ عَلَى أَنَّهُ يُقَالُ إنَّ: مَدْحَهُ يَدُلُّ عَلَى فَضِيلَتِهِ لَا أَفْضَلِيَّتِهِ عَلَى غَيْرِهِ أَلَا تَرَى أَفْضَلَ مِنْ الْفَجْرِ، وَقَدْ قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا» وَكَمْ مِنْ عِبَادَةٍ أَثْنَى الشَّرْعُ عَلَيْهَا مَعَ فَضْلِ غَيْرِهَا
(قَوْلُهُ: وَالسِّوَاكُ مُبَاحٌ) بِمَعْنَى الْفِعْلِ
(قَوْلُهُ: بِمَا لَا يَتَحَلَّلُ) أَيْ: بِآلَةٍ لَا يَتَحَلَّلُ
(قَوْلُهُ: لِمَا يَتَحَلَّلُ) أَيْ: لِحُصُولِ الَّذِي يَتَحَلَّلُ
(قَوْلُهُ: فَكَالْمَضْمَضَةِ) إنْ وَصَلَ لِلْحَلْقِ عَمْدًا كَفَّرَ، وَغَلَبَةً قَضَى فَقَطْ
(قَوْلُهُ: كَالسِّوَاكِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِ) كَحُصُولِهِ قَبْلَ الزَّوَالِ إلَّا أَنَّهُ يَتَأَكَّدُ بِوَقْتِ صَلَاةٍ وَوُضُوءٍ،
وَأَمَّا بَعْدَ الزَّوَالِ فَجَائِزٌ وَلَوْ لِصَلَاةٍ وَوُضُوءٍ قَرَّرَهُ عج،
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ قَبْلَ الزَّوَالِ يُنْدَبُ وَلَكِنْ يَتَأَكَّدُ بِوَقْتِ صَلَاةٍ أَوْ وُضُوءٍ، أَوْ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَهُوَ مُبَاحٌ مُطْلَقًا بِوَقْتِ صَلَاةٍ، أَوْ وُضُوءٍ أَوْ غَيْرِهِمَا
(قَوْلُهُ: مَصَبُّ الْجَوَازِ قَوْلُهُ: كُلَّ النَّهَارِ) أَيْ: أَنَّ الْمَصَبَّ مُتَعَلِّقٌ بِالْكُلِّيَّةِ بِاعْتِبَارِ مَا بَعْدَ الزَّوَالِ،
وَأَمَّا مَا قَبْلَهُ فَهُوَ جَائِزٌ
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا لِمُقْتَضٍ شَرْعِيٍّ إلَخْ) ظَاهِرُهُ وَلَوْ بَعْدَ الزَّوَالِ فَيُنَافِي مَا تَقَدَّمَ وَلَكِنَّ هَذَا الْعُمُومَ هُوَ الَّذِي قَالَهُ التَّاجُورِيُّ وَظَاهِرُ الْمُوَطَّأِ وَشَارِحُهَا كَمَا أَفَادَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا.
(فَائِدَةٌ) يَجِبُ السِّوَاكُ إذَا تَوَقَّفَ زَوَالُ مُبِيحٍ تَخَلَّفَ عَنْ جُمُعَةٍ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: فَهُوَ مَنْدُوبٌ) أَيْ: مُتَأَكِّدٌ
(قَوْلُهُ: فَلَا يَرِدُ إلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ اعْتَرَضَ عَلَى الْمُصَنِّفِ بِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ السِّوَاكَ بِجَمِيعِ جُزْئِيَّاتِهِ جَائِزٌ مَعَ أَنَّ بَعْضَ الْجُزْئِيَّاتِ مَكْرُوهٌ فَأَجَابَ بِأَنَّ هَذَا لَوْ أَرَدْنَا بِالسِّوَاكِ الْآلَةَ،
فَإِذَا أَرَدْنَا بِهِ الْفِعْلَ فَلَا يَرِدُ (أَقُولُ) : وَهَذَا لَا يَظْهَرُ فَالِاعْتِرَاضُ بَاقٍ فَالْمُنَاسِبُ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْفِعْلَ؛ لِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ
(وَجَازَ) أَيْ: لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الصَّائِمِ وَلَمْ يُكْرَهْ (سِوَاكٌ) أَيْ: اسْتِيَاكٌ إذْ لَا تَكْلِيفَ إلَّا بِفِعْلٍ اخْتِيَارِيٍّ بِمَا لَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ شَيْءٌ وَكُرِهَ بِالرَّطْبِ لِمَا يَتَحَلَّلُ مِنْهُ،
فَإِنْ تَحَلَّلَ مِنْهُ شَيْءٌ وَوَصَلَ لِحَلْقِهِ عَمْدًا فَفِيهِ الْقَضَاءُ وَالْكَفَّارَةُ وَإِلَّا فَالْقَضَاءُ فَقَطْ (كُلَّ النَّهَارِ) لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» ، أَيْ: أَمْرَ إيجَابٍ وَهَذَا يَعُمُّ الصَّائِمَ وَغَيْرَهُ
فقال: وجاز سواك كل النهار؛ يعني أنه يجوز للصائم أن يستاك في جميع نهاره،
وفي الرسالة: ولا بأس بالسواك للصائم في جميع نهاره، وأراد المصنف بالجواز ما قابل المحرم؛ لأن بعض ما ذكره من الجائزات مستحب كالسواك في بعض أحواله، وصوم الدهر، وبعضه جائز جوازا مستوي الطرفين كالمضمضة للعطش، وبعضه مكروه كالفطر في السفرت وبعضه خلاف الأولى كالإصباح بالجنابة. واعلم أن السواك يطلق على الآلة والفعل، والمراد هنا الفعل؛ لأن التكليف إنما يكون بالفعل، وقوله: "وجاز سواك" ؛ أي وجاز باليابس، وكره للعالم والجاهل برطب لما يتحلل منه،
فإن تحلل ووصل إلى حلقه فكالمضمضة، إن كان غلبة أو سهوا قضى فقط،
وإن تعمد قضى وكفر، ويتأكد ندب السواك بوقت صلاة ووضوء ولو بصوم قبل الزوال برمضان،
وأما بعده فيه ولو لهما فجائز،
ويجب إذا توقف زوال مبيح تخلف عن جمعة عليه،
ويحرم بجوزاء برمضان، فقد اعترته الأحكام الخمسة، وتقدم ذلك في فضائل الوضوء، وقوله: كل النهار، يعني عندنا وفاقا لأبي حنيفة، وخلافا للشافعي وأحمد القائلين بكراهته بعد الزوال، ولم يختلفا معنا فيه فيما قبل الزوال، فالخلاف في كراهته وجوازه إنما هو بعد الزوال لا قبله،
فلو قال: وجاز سواك وإن بعد الزوال لكان أحسن، ليكون مشيرا بإن لخلاف الشافعي وأحمد، واستدلا بخبر: (لَخُلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك (١) )، والسواك بعد الزوال يذهبه، وقوله: لخلوف، بضم الخاء وفتحُها خطأٌ أو لغة قليلة: هو تغير ريح الفم، قال المصنف: ولا دليل فيه على الكراهة؛ لأن الخلوف هو ما يحدث من خلو المعدة، وذلك لا يذهبه السواك. انتهى.
فإن قيل: هو وإن لم يذهبه فهو يخففه وهو أثر عبادة فلا ينبغي إزالتها ولا تخفيفها كدم الشهيد، قلنا: المصلي يناجي ربه فيندب تطييب فيه،
بخلاف الشهيد. قاله عبد الباقي.
وقال الأمير: جاز سواك كل النهار، وكرهه الشافعي بعد الزوال، لنا أنه كناية عن مدح نفس الصوم،
وإن لم تبق حقيقة الخلوف كما يقال: فلان كثير الرماد كريم،
وإن لم يكن رماد وهذا خير مما قيل: إن السواك لا يزيل الخلوف فإنه من المعدة،
وفي الصحيح ما يقوي مذهب الشافعي من (أن موسى صام ثلاثين يوما، فوجد خلوفا فاستاك منه، فأمر بالعشرة كفارة لذلك (٢) )، ولعله لمعنى يخصه، أو أن العبرة في شريعتنا بعمومات أحاديث السواك، فإنها مبنية على التيسير
بخلاف الشرائع السابقة، وقد قال المعز بن عبد السلام في هذه المسألة بمذهبنا مع أنه شافعي، ورأيت خلافه لسيدي علي في مفاتيح الخزائن العلية، مع أنه مالكي. انتهى.
وقال الخرشي عند قوله. "وجاز سواك كل النهار" : أي وجاز لغير مقتض شرعي،
وأما لمقتض شرعي كالوضوء والصلاة والذكر فمندوب. انتهى. وقول المصنف: "وجاز سواك كل النهار" ، دليله قوله عليه الصلاة والسلام: لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة، فعم الصائم وغيره، وروى أبو داوود عن عامر بن ربيعة وأنس: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستاك وهو صائم ما لا أعد ولا أحصي (٣) )، وعن عمر رضي الله تعالى عنه أنه كان يستاك لكل صلاة وهو صائم،
فإن قيل الله تعالى يعلم الأشياء على ما هي عليه فيعلم الخلوف منتنا، فكيف يكون عنده أطيب من المسك؟ فالجواب أنه ليس المراد أن رائحته طيبة، بل شبه الحسن الشرعي بالحسن العرفي، أي هذا المنتن في الشرع أفضل من ريح المسك عند الطبع،
إما لصبر الصائم عليه، والصبر عمل صالح، أو للتسبب فيه بالصوم الذي هو عمل صالح، وإلا فالخلوف ليس من كسبه حتى يمدح عليه أو يمدح في نفسه،
وقال الحافظ أبو الفضل بن حجر في شرح البخاري: اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك مع أنه سبحانه وتعالى منزه عن استطابة الروائح؛ يعني،
وكذلك الاستلذاذت بالمحاسن والطيبات؛ لأن ذلك من صفات المخلوقات مع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه على وجهه. المازري: هو مجاز لأنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة منا، فاستعير ذلك للصوم لتقريبه من الله تعالى، فالمعنى أطيب عند الله تعالى من المسك عندكم؛ أي يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم،
وقيل: إن ذلك في حق الملائكة وأنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك،
وقيل: المعنى الخلوف أكثر ثوابا من المسك المندوب إليه في الجُمَعِ والأعياد، وصححه النووي، ونقل القاضي حسين أن للطاعات يوم القيامة ريحا، فرائحة الصيام بين العبادات كالمسك. النووي: وقع نزاع بين ابن الصلاح والشيخ ابن عبد السلام، في أن هذا الطيب عام في الدنيا والآخرة، أو خاص بالآخرة فقط، والصواب ما ذهب إليه ابن الصلاح من أنه عام في الدنيا والآخرة. قاله الشيخ إبراهيم. واستدل عز الدين بما ورد: يقومون من قبورهم ورائحة أفواههم أطيب من المسك.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.