وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ إِلَّا الْجَبِيرَةَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا الْجَبِيرَةَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا إِلَى حَلِّهَا، أَوْ بُرْئِهَا وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ
الشروح عليها
١١٣ - مسألة؛ قال: (ومِن شَرْطِه أن يَلْبَسَ الجَمِيعَ بعدَ كَمالِ الطهارةِ) لا نَعْلَمُ في اشْتِراطِ تَقَدُّمِ الطهارة لكُلِّ ما يَجُوزُ المَسْحُ عليه خِلافًا، إلَّا الجَبِيرَةَ، ووَجْهُه ما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: كنتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فأهْوَيتُ لأنْزِعَ خُفَّيه، فقال:«دَعْهُمَا فَإنِّي أَدخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَينِ». فمَسَحَ عليهما. مُتَّفَقٌ عليه .
وعنه قال: قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيَمْسَحُ أحَدُنا على خُفَّيه. فقال:«نَعَمْ، إذَا أَدخَلَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ». رَواه الدّارَقطْنِيُّ .
فأمّا إن غَسَل إحْدَى رِجْلَيه، ثم لَبِس الخُفَّ، ثم غَسَل الأخْرَى وأدْخَلَها الخُفَّ، لم يَجُزِ المَسْحُ أيضًا. وهو قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ. ونَحْوُه عن مالكٍ.
وعنه، أنَّه يَجُوزُ، رَواها أبو طالِبٍ عنه. وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّه أحْدَثَ بعدَ كَمالِ الطهارةِ واللُّبْسِ، فجازَ، كما لو نَزَع الخُفَّ الأوَّلَ ثم لَبِسَه.
وكذلك الحُكْمُ في مَن مَسَح رَأْسَه ولَبِس العِمامَةَ، ثم غَسَل رِجْلَيه، قِياسًا على الخفِّ. وقد قِيلَ، في مَن غَسَل رِجْلَيه ولَبِس خُفَّيه، ثم غَسَل بَقِيَّةَ أعْضائِه: إذا قُلْنا: إنَّ التَّرْتِيبَ ليس بشَرْطٍ. جازَ له المَسْحُ. ووَجْهُ الأولَى، ما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَين، وهو يَدُلُّ على وُجُودِ الطهارةِ فيهما جَمِيعًا وَقْتَ إدْخالِهِما، ولم يُوجَدْ ذلك وقتَ لُبْسِ الأولَى. ولأنَّ ما اعْتُبِرَ له الطهارةُ اعْتُبرَ له جَمِيعُها، كالصلاةِ. وفارَقَ ما إذا نَزَع الخُفَّ الأوَّلَ، ثم لَبِسَه؛
لأَنَّه لَبِسَه بعدَ كَمالِ الطهارةِ. فصل: كَرِهِ أحمدُ لُبْسَ الخُفِّ، وهو يُدافِعُ أحَدَ الأخْبَثَين؛ لأنَّ الصلاةَ مَكْرُوهَةٌ بهذه الطهارةِ، فكذلِكَ اللُّبْسُ الذي يُرادُ للصلاةِ. والأوْلَى، أن لا يُكْرَهَ. ورُوِيَ عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ، أنَّه كان إذا أرادَ أن يَبُولَ، لَبِس خُفَّيه. ولأنَّها طهارةٌ كامِلَةٌ، أشْبَهَ ما لو لَبِسَهُما عندَ غَلَبَةِ النُّعاسِ. والصلاةُ إنَّما كُرِهَتْ للحاقِنِ؛ لأنَّ اشْتِغال قَلْبِه بمُدافَعَةِ الأخْبَثَين، يَذْهَبُ بخُشُوعِ الصلاةِ، ويَمْنَعُ الإِتْيانَ بها على الكَمالِ، ويَحْمِلُه على العَجَلَةِ، ولا يَضُرُّ ذلك في اللبْسِ.
فصل: فإن تَطَهَّر، ثم لَبِس الخُفَّ، فأحْدَثَ قبلَ بُلُوغِ الرِّجْلِ قَدَمَ الخُفِّ، لم يَجُزْ له المَسْحُ؛ لأنَّ الرِّجْلَ حَصَلَتْا في مَقَرِّها وهو مُحْدِثٌ، فصارَ كما لو بَدَأ اللُّبْسَ وهو مُحْدِثٌ.
فصل: فإن تَيَمَّمَ، ثم لَبِس الخُفَّ، لم يَكُنْ له المَسْحُ؛ لأنَّه لَبِسَه على طهارةٍ غيرِ كامِلَةٍ. ولأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ، بَطَلَتْ مِن أصْلِها، فصارَ كاللّابِسِ له على غيرِ طهارةٍ. ولأنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، فقد لَبِسَه وهو مُحْدِث.
فأمّا إن تَطَهَّرَتِ المُسْتَحاضَةُ، ومَن به سَلَسُ البَوْلِ، وشِبْهُهُما، ولَبسُوا خِفافًا، فلهم المَسْحُ عليها. نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ طَهارَتَهُم كامِلَةٌ في حَقِّهم. قال ابنُ عَقِيل: لأنَّها مُضْطَرَّةٌ إلى التَّرَخُّصِ، وأحَقُّ مَن يَتَرَخَّصُ المُضْطرُّ.
فإنِ انْقَطعَ الدَّمُ، أو زالتِ الضَّرُورَةُ، بَطَلَتِ الطهارةُ مِن أصْلِها، ولم يَكُنْ لهما المَسْحُ، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ.
وإن لَبِسَ الخُفَّ بعدَ طهارةٍ مَسَح فيها على العِمامَةِ، أو العِمامَةَ بعدَ طهارةٍ مَسَح فيها على الخُفِّ، فقال بَعْضُ أصحابنا: ظاهِرُ كلام أحمدَ أنَّه لا يَجُوزُ المَسْح؛ لأنَّه لبِس على طهارةٍ مَمْسُوحٍ فيها على بَدَلٍ، فلم يُسْتَبَحِ المَسْحُ باللُّبْسِ فيها، كما لو لَبِس خُفًّا على طهارةٍ مَسَح فيها على خُفٍّ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ جَوازَ المَسْحِ؛ لأنَّها طهارة كامِلَة، وكل واحِدٍ منهما ليس ببَدَلٍ عن الآخَرِ،
بخِلَافِ الخُفِّ المَلْبُوسِ على خُفٍّ مَمْسُوحٍ عليه.
فصل: فإن لَبِس الجَبِيرَةَ على طهارةٍ مَسَح فيها على خُفٍّ أو عِمامَةٍ، وقُلْنا: ليس مِن شَرْطِها الطهارةُ. جاز المَسْحُ عليها.
وإنِ اشْتَرَطْنا الطهارةَ، احْتَمَلَ أن يَكُونَ كالعِمامَةِ المَلْبُوسَةِ على طهارةٍ مَسَح فيها على الخُفِّ، واحْتَمَلَ جَواز المَسْحِ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ مَسْحَها عَزِيمَة.
وإن لَبِس الخُفَّ على طهارةٍ مَسَح فيها على الجَبِيرَةِ، جازَ المَسْحُ عليه؛ لأنَّها عَزِيمَة، ولأنَّها إن كانت ناقِصَةً ، فهو لنَقْصٍ لم يَزَلْ، فلم يَمْنَعْ كطهارةِ المُسْتَحاضَةِ.
وإن لَبِس الجَبِيرَةَ على طهارةٍ مَسَح فيها على الجَبِيرَةِ، جازَ المَسْحُ؛ لِما ذَكَرْنا. ١١٤ - مسألة؛ قال: (إلَّا الجَبِيرَةَ، على إحْدَىْ الرِّوايَتَينِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أبي عبدِ اللهِ، رَحِمَه اللهُ، في الجَبِيرَةِ، فرُوِي أنَّه لا يَشْتَرِطُ تَقَدُّمَ الطهارَةِ لها. اخْتارَه الخَلّالُ، وذلك لِما ذكَرْنا مِن حديثِ جابِرٍ في الذي أصابَتْه، الشَّجَّةُ، فإَّنه قال:«إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُه أنْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ويَمْسَحَ عَليها». ولم يَذْكُرِ الطهارةَ.
وكذلك حديثُ عليٍّ، لم يَأْمُرْه بالطهارةِ . ولأنَّ اشْتِراطَ الطهارةِ لها، يَغْلُظُ على النّاسِ، ويَشُقُّ عليهم. ولأنَّ المَسْحَ عليها إنَّما جازَ لمَشَقةِ نَزْعِها، وهو مَوْجُودٌ إذا لَبِسَها على غيرِ طهارةٍ. ويَحْتَمِلُ أن يُشْتَرَطَ له التَّيمُّمُ عندَ العَجْزِ عن الطهارةِ،
فإنَّ في حديثِ جابرٍ:«إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ، أوْ يَعْصِرَ عَلَى جُرْحِهِ، ثُمَّ يَمْسَحَ عَليهَا». ولأنَّها عِبادَةٌ اشْتُرِطَتْ لها الطهارةُ، فقامَ التَّيَمَّمُ مَقامَها عندَ العَجْزِ عنها كالصلاةِ. ورُوِيَ عنه أنَّه يَشْتَرِطُ تَقَدُّمَ الطهارةِ عليها، وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه حائِلٌ يُمْسَحُ عليه، فاشْتُرِطَ تَقَدَّمُ الطهارةِ على لُبْسِه، كسائِرِ المَمْسُوحاتِ. فعلى هذا، إذا لَبِسَها على غيرِ طهارةٍ، ثم خاف مِن نَزْعِها، تَيَمَّمَ لها؛ لأنَّه مَوْضِعٌ يَخافُ الضَّرَرَ باسْتِعْمالِ الماءِ فيه، أشْبَهَ الجُرْحَ.
فصل: ولا يَحْتاجُ مع مَسْحِها إلى تَيَمُّمٍ. قال شيخُنا: ويَحْتَمِلُ أن يَتَيَمَّمَ مع مَسْحِها فيما إذا تَجاوَزَ بها مَوْضِعَ الحاجَةِ؛ لأنَّ ما على مَوْضِع الحاجَةِ يَقْتَضِي المَسْحَ، والزّائِدُ يَقْتَضِي التَّيَمُّمَ،
وكذلك فيما إذا شَدَّها على غيرِ طهارةٍ؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ في جَوازِ المَسْحِ عليها،
فإذا جَمَع بينَهما، خَرَج مِن الخِلافِ. وللشافعيِّ في الجَمْعِ بينَهما قولانِ في الجُمْلَةِ، لحديثِ صاحبِ الشَّجَّةِ. ولَنا، أنَّه مَحَلٌّ واحِدٌ، فلا يَجْمَعُ فيه بينَ بَدَلَين، كالخُفِّ . فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الشَّدِّ على كَسْرٍ أو جُرْحٍ، لحديثِ صاحبِ الشَّجَّةِ، فإنَّها جُرْحُ الرَّأسِ، وقِياسًا على الكَسْرِ.
وكذلك إن وَضَع على جُرْحِه دَواءً، وخاف مِن نَزْعِه، مَسَح عليه. نَصَّ عليه في رِوايةِ الأثرَمِ، وذلك لِما روَى الأثْرَمُ بإسنْادِه، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه خَرَجَتْ بإبْهامِه قُرْحَةٌ، فألْقَمَها مَرارَةً، وكان يَتَوَضَّأُ، ويَمْسَحُ عليها.
ولو انْقَلَعَ ظُفْرُ إنسانٍ، أو كان بأْصْبُعِه جُرْحٌ يَخافُ إن أصابَه الماءُ أن يَزرَقَّ الجُرْحُ، جازَ المَسْحُ عليه في المَنْصُوصِ.
وقال القاضي، في اللُّصُوقِ على الجُرُوحِ: إن لم يَكُنْ في نَزعِه ضَرَرٌ، نَزَعَه وغَسَل الصَّحِيحَ، وتَيَمَّمَ للجَرِيحِ، ويَمْسَحُ على مَوْضِع الجُرْحِ،
وإن كان في نَزْعِه ضَرَر مَسَح عليه، كالجَبِيرَةِ.
فإن كان في رِجْلِه شَقٌّ، فجَعَلَ فيه قِيرًا، فقال أحمدُ: يَنْزِعُه ولا يَمْسَحُ عليه، هذا أهْوَنُ، هذا لا يُخافُ منه. فقيلَ له: متى يَسَعُ صاحِبَ الجُرْحِ أن يَمْسَحَ عليه؟ قال: إذا خَشِيَ أن يَزْدادَ وَجَعًا، أو شِدَّةً. وتعليلُ أحمدَ في القِيرِ بسُهُولَتِه، يَقْتَضِي أنَّه متى كان يُخافُ منه، جاز المَسْحُ عليه، كالأُصْبُعِ المَجْرُوحَةِ إذا ألْقَمَها مَرارَةً أو عَصَبَها. قال مالكٌ، في الظُّفْرِ يَسْقطُ: يَكْسُوه مَصْطَكَا ، ويَمْسَحُ عليه وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي.
فصل: فإن لم يَكُنْ على الجرْحِ عِصابٌ، غَسَل الصَّحِيحَ، وتَيَمَّمَ للجَرِيحِ، ولم يَمْسحْ . وقد روَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ، في المَجْرُوحِ والمَجْدُورِ يُخافُ عليه: يَمْسَحُ مَوْضِعَ الجُرْحِ، ويَغْسِلُ ما حَوْلَه. يَعْنِي: يَمْسَحُ، إذا لم يَكُنْ عِصابٌ. واللهُ أعلمُ.
١١٥ - مسألة؛ قال: (ويَمْسَحُ المُقِيمُ يومًا ولَيلَةً، والمُسافِرُ ثلاثةَ أيامٍ ولَيالِيَهُنَّ) لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا في المذهبِ. وهو قولُ عُمَرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، رَضِي اللهُ عنهم. وبه قال شُرَيحٌ ، وعطاءٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأي. وهو ظاهِرُ قولِ الشافعيِّ.
وقال اللَّيثُ: يَمْسَحُ ما بَدا له. وهو قولُ أكثرِ أصحابِ مالكٍ.
وكذلك قولُ مالكٍ في المُسافرِ.
وعنه في المُقِيمِ رِوايتان، وذلك لِما روَى أُبَيُّ بنُ عِمارَةَ،
قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أنَمْسَحُ على الخُفَّين؟ قال:«نَعَمْ».
قلتُ: يَوْمًا؟ قال:«وَيَوْمَينِ». قلتُ: وثلاثةً؟ قال:«وَمَا شِئْتَ». رَواه أبو داودَ . ولأنَّه مَسْحٌ في طهارةٍ، فلم يَتَوَقَّتْ، كمَسْحِ الرَّأْسِ والجَبِيرَةِ. ولَنا، ما روَى عليٌّ قال: جَعَل رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثلاثةَ أيّامٍ ولَيالِيَهُنَّ للمُسافِرِ، ويومًا ولَيلَةً للمُقِيم. رَواه مسلمٌ . وعن عَوْفِ بنِ مالكٍ الأشْجَعِي، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر بالمَسْحِ على الخُفَّينِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثلاثةَ أيّام ولَيالِيَهُنَّ للمُسافِرِ، ويومًا ولَيلَةً للمُقِيمِ.
رواه الإِمام أحمدُ، والدّارَقُطْنِيُّ . قال الإمامُ أحمدُ: هذا أجْوَدُ حديثٍ في المَسْحِ؛ لأنَّه في غَزْوَةِ تَبُوكَ، آخِرِ غَزْوَةٍ غَزاها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. وحَدِيثُهم ليس بالقَويِّ، وقد اخْتُلِفَ في إسنادِه. قاله أبو داودَ . ويَحْتَمِلُ أنَّه، قال:«وَمَا شِئْتَ» مِنَ الْيَوْمِ واليَوْمَين والثَّلاثَةِ. ويَحْتَمِلُ أنَّه يَمْسَحُ ما شاءَ، إذا نَزَعَها عندَ انْتِهاء مُدَّتِه، ثم لَبِسَها. وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالتَّيَمُّمِ، ومَسْحُ الجَبِيرَةِ عِندَنا مُوَقَّتٌ بإمْكانِ نَزْعِها. واللهُ أعلمُ.
فصل: وسَفَرُ المَعْصِيَةِ كالحَضَرِ في مُدَّةِ المَسْحِ؛ لأنَّ ما زادَ على اليومِ واللَّيلَةِ رُخصَةٌ، والرُّخَصُ لا تُسْتَباحُ بِالمَعْصِيَةِ. واللهُ أعلمُ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن لا يُباحَ له المَسْحُ أصْلًا، لكَوْنِه رُخصَةً. واللهُ أعلمُ. ١١٦ - مسألة؛ قال: (إلَّا الجَبِيرَةَ، فإنَّه يَمْسَحُ عليها إلى حَلِّها) لأنَّ مَسْحَها للضَّرُورَةِ فيُقَدَّرُ بقَدْرِها، والضَّرُورَةُ تَدْعُو إلى مَسْحِها إلى حَلِّها،
بخِلافِ غيرِها.
فصل: ويُفارِقُ مَسْحُ الجَبِيرَةِ الخُفَّ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ والثاني، أنَّه لا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطهارةِ لها، ولا يَتَقَدَّرُ مَسْحُها بمُدَّةٍ. وقد ذَكَرناهما. الثالثُ، أنَّه يَجِبُ اسْتِيعابُها بالمَسْحِ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في تَعْمِيمِها،
بخِلافِ الخُفِّ. الرابعُ، أنَّه لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها إلَّا عندَ خَوْفِ الضَّرَرِ بنَزْعِها. الخامسُ، أنَّه يَمْسَحُ عليها في الطهارةِ الكُبْرَى؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بنَزْعِها فيها،
بخِلافِ الخُفِّ. ١١٧ - مسألة: (وابْتداءُ المُدَّةِ مِن الحَدَثِ بعدَ اللُّبْسِ. وعنه، مِن المَسْحِ بعدَه) يَعْنِي: بعدَ الحَدَثِ. ظاهِرُ المذهبِ، أنَّ ابْتِداءَ المُدَّةِ مِن الحَدَثِ بعدَ اللُّبْسِ. وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ ابْتِداءَها مِن المَسْحِ بعدَ الحَدَثِ. يُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه. وهو اخْتِيارُ ابنِ المُنْذِرِ، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ».
وقال الشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ: يَمْسَحُ المُقِيمُ خَمْس صَلَواتٍ، لا يَزِيدُ عليها. ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، ما نَقَلَه القاسِمُ بنُ زَكَرِيّا المُطَرِّزُ ، في حديثِ صَفْوانَ:«مِنَ الْحَدَثِ إلَى الْحَدَثِ». ولأنَّها عِبادَة مُؤقَّتَة، فاعْتُبِرَ أوَّلُ وَقْتِها مِن حينِ جَوازِ فِعْلِها، كالصلاةِ.
ويَجُوزُ أن يَكونَ أرادَ بالخَبَرِ اسْتِباحَةَ المَسْحِ، دُونَ فِعْلِه.
وأمّا تَقْدِيرُه بخَمْسِ صَلَواتٍ، فلا يَصِحُّ، لكَوْنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَدَّرَه بالوَقْتِ دُونَ الفِعْلِ، فعلى هذا يُمْكِنُ المُقِيمُ أن يُصَلِّيَ بالمَسْحِ سِتَّ صَلواتٍ، يُؤخِّرُ الصلاةَ، ثم يَمْسَحُ في اليومِ [الأوَّلِ ويُصَلِّيها في اليومِ] الثّاني في أوَّلِ وَقْتِها قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ،
وإن كان له عُذْرٌ يُبِيحُ الجَمْعَ مِن مَرَضٍ أو غيرِه، أمْكَنَه أن يُصَلِّيَ سَبْعَ صَلَواتٍ، ويمكنُ المُسافِرُ أن يُصَلِّيَ سِتَّ عَشْرَةَ صلاةً، إن لم يَجْمَعْ، وسَبْعَ عَشرةَ صلاةً إن جَمَعَ، على ما فَصَّلْناه. واللهُ أعلمُ.
(وَمِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ) هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ، وَالْمَجْزُومُ بِهِ عِنْدَ الْمُعْظَمِ، لِمَا رَوَى أَبُو بَكْرَةَ:«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً، إِذَا تَطَهَّرَ فَلَبِسَ خُفَّيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِمَا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَحَسَّنَهُ الْبُخَارِيُّ،
وَقَالَ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ. وَالطُّهْرُ الْمُطْلَقُ يَنْصَرِفُ إِلَى الْكَامِلِ، وَلِأَنَّ مَا اشْتُرِطَتْ لَهُ الطَّهَارَةُ اشْتَرَطَ كَمَالَهَا كَمَسِّ الْمُصْحَفِ، وَالثَّانِيَةُ: لَا، اخْتَارَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وِفَاقًا لِأَبِي حَنِيفَةَ لِمَا رَوَى الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ «قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي سَفَرٍ، فَأَهْوَيْتُ لِأَنْزِعَ خُفَّيْهِ، فَقَالَ: دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَلَفْظُهُ لِلْبُخَارِيِّ، وَهُوَ أَعَمُّ أَنْ يُوجِدَ ذَلِكَ مَعًا، أَوْ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى، لِأَنَّ حَدَثَهُ حَصَلَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ، وَاللُّبْسِ، فَجَازَ الْمَسْحُ كَمَا لَوْ نَزَعَ الْأَوَّلَ، ثُمَّ لَبِسَهُ،
فَلَوْ غَسَلَ رِجْلًا، ثُمَّ أَدْخَلَهَا الْخُفَّ خَلَعَ، ثُمَّ لَبِسَ بَعْدَ غَسْلِ الْأُخْرَى،
وَإِنْ لَبِسَ الْأُولَى طَاهِرَةً، ثُمَّ الثَّانِيَةَ، خَلَعَ الْأُولَى، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي بَكْرٍ: وَخَلَعَ الثَّانِيَةَ،
وَلَوْ نَوَى جُنُبٌ رَفْعَ حَدَثَيْهِ، وَغَسْلَ رِجْلَيْهِ، وَأَدْخَلَهُمَا الْخُفَّ، ثُمَّ تَمَّمَ طَهَارَتَهُ، أَوْ فَعَلَهُ مُحْدِثٌ، وَلَمْ يَعْتَبِرِ التَّرْتِيبَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ، وَعَلَى الْأُولَى: لَا،
وَكَذَا لُبْسُ عِمَامَةٍ قَبْلَ طُهْرٍ كَامِلٍ،
فَلَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ، ثُمَّ لَبِسَهَا، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، مَسَحَ عَلَى الثَّانِيَةِ، وَعَلَى الْأُولَى يَخْلَعُ ثُمَّ يَلْبَسُ،
وَكَذَا يَنْبَنِي عَلَيْهِمَا: لَوْ غَسَلَ رِجْلَيْهِ، ثُمَّ لَبِسَ خُفَّيْهِ، ثُمَّ غَسَلَ بَقِيَّةَ أَعْضَائِهِ، وَقُلْنَا: لَا تَرْتِيبَ،
وَإِنْ تَيَمَّمَ ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ حَدَثًا عَلَى الْمَذْهَبِ،
وَقِيلَ: بِالْجَوَازِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ رَافِعٌ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا فِيمَنْ تَيَمُّمُهُ لِعَدَمِ الْمَاءِ،
أَمَّا مَنْ تَيَمَّمَ لِمَرَضٍ كَالْجَرِيحِ، وَنَحْوِهِ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَتَعْلِيلُهُمْ يَقْتَضِيهِ،
وَمَنْ تَوَضَّأَ بِسُؤْرِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ، ثُمَّ لَبِسَ، ثُمَّ تَوَضَّأَ مِنْهُ مَرَّةً أُخْرَى، فَلَهُ الْمَسْحُ، وَلَا يَمْسَحُ عَلَى طَهَارَةٍ لَا تُبِيحُ الصَّلَاةَ غَيْرِ هَذِهِ، وَكَلَامُهُ شَامِلٌ لِأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ كَمَنَ بِهِ سَلَسُ الْبَوْلِ، وَالْمُسْتَحَاضَةِ، وَنَحْوِهِمَا، وَهُوَ الْمَنْصُوصُ، لِأَنَّ طَهَارَتَهُمْ فِي حَقِّهِمْ كَامِلَةٌ.
فَلَوْ زَالَ الْعُذْرُ لَزِمَهُمُ الْخَلْعُ، وَاسْتِئْنَافُ الطَّهَارَةِ كَالْمُتَيَمِّمِ يَجِدُ الْمَاءَ
بِخِلَافِ ذِي الطُّهْرِ الْكَامِلِ يَخْلَعُ، أَوْ تَنْقَضِي الْمُدَّةُ، وَقَدْ عُلِمَ مِمَّا سَبَقَ اشْتِرَاطُ تَقَدُّمِ الطَّهَارَةِ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، وَحَكَى الشِّيرَازِيُّ رِوَايَةً بِعَدَمِهِ رَأْسًا.
فَلَوْ لَبِسَ مُحْدِثًا، ثُمَّ تَوَضَّأَ، وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ جَازَ لَهُ الْمَسْحُ، وَهُوَ غَرِيبٌ بَعِيدٌ.
مَسْأَلَةٌ: يُكْرَهُ اللُّبْسُ عَلَى طَهَارَةٍ يُدَافِعُ أَحَدَ الْأَخْبَثَيْنِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يُرَادُ لِلصَّلَاةِ أَشْبَهَ الصَّلَاةَ. (إِلَّا الْجَبِيرَةَ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ) فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا تَقَدُّمُ الطَّهَارَةِ قَدَّمَهَا ابْنُ تَمِيمٍ، وَاخْتَارَهَا الْخَلَّالُ، وَابْنُ عَقِيلٍ، وَصَاحِبُ " التَّلْخِيصِ " فِيهِ، وَالْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " لِلْأَخْبَارِ، وَلِلْمَشَقَّةِ، لِأَنَّ الْجُرْحَ يَقَعُ فَجْأَةً، أَوْ فِي وَقْتٍ لَا يَعْلَمُ الْمَاسِحُ وُقُوعَهُ فِيهِ، وَالثَّانِيَةُ: يُشْتَرَطُ اخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَالشَّرِيفُ، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَابْنُ عَبْدُوسٍ وَقَدَّمَهَا فِي " الرِّعَايَةِ "، و" الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ مَسْحٌ عَلَى حَائِلٍ، أَشْبَهَ الْخُفَّ، فَعَلَيْهَا حُكْمُهَا حُكْمُ الْخُفِّ فِي الطَّهَارَةِ،
فَإِنْ شَدَّ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ نَزَعَ،
وَإِنْ شَقَّ نَزْعُهَا تَيَمَّمَ لَهَا،
وَقِيلَ: وَيَمْسَحُ، وَقِيلَ: هُمَا، وَكَذَا لَوْ تَعَدَّى بِالشَّدِّ مَحَلَّ الْحَاجَةِ وَخَافَ،
وَإِنْ كَانَ شَدٌّ عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا حَائِلًا،
فَإِنْ كَانَ جَبِيرَةً جَازَ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ،
وَكَذَا لُبْسُهُ خُفًّا عَلَى طَهَارَةٍ مَسَحَ فِيهَا عِمَامَةً أَوْ عَكْسُهُ،
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَتْ فِي رِجْلِهِ، وَقَدْ مَسَحَ عَلَيْهَا، ثُمَّ لَبِسَ الْخُفَّ لَمْ يَمْسَحْ عَلَيْهِ.
تَنْبِيهٌ: قَوْلُهُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْخِلَافَ رَاجِعٌ إِلَى مَا عَدَا الْجَبِيرَةَ مِنَ الْمَمْسُوحِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ إِلَيْهَا، وَهُوَ وَإِنْ قَرُبَ فَفِيهِ بُعْدٌ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْخِلَافَ فِيهَا لَيْسَ مُخْتَصًّا بِالْكَمَالِ،
وَأَنَّ الْخِلَافَ فِيمَا عَدَاهَا أَشْهَرُ مِنَ الْخِلَافِ فِيهَا، فِيهِ نَظَرٌ وَوَجْهُهُ ظَاهِرٌ.
فَرْعٌ: الدَّوَاءُ كَجَبِيرَةٍ، وَلَوْ جَعَلَ فِي شِقٍّ قَارًا، وَتَضَرَّرَ بِقَلْعِهِ، فَعَنْهُ: يَتَيَمَّمُ لِلنَّهْيِ عَنِ الْكَيِّ،
وَعَنْهُ: لَهُ الْمَسْحُ كَمَا لَوْ أَلْقَمَ إِصْبُعَهُ مَرَارَةً لِحَاجَةٍ، وَشَقَّ نَزْعُهَا، وَعِنْدَ ابْنِ عَقِيلٍ: يَغْسِلُهُ، وَعِنْدَ الْقَاضِي: إِنْ خَافَ تَلَفًا صَلَّى وَأَعَادَ. [مدة المسح للمُقِيم وَالْمُسَافِر] (وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيْلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ) لِأَخْبَارٍ: مِنْهَا مَا رُوِيَ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ قَالَ: «سَأَلْتُ عَائِشَةَ عَنِ الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ، فَقَالَتْ: سَلْ عَلِيًّا فَإِنَّهُ كَانَ يُسَافِرُ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَسَأَلْتُهُ، فَقَالَ: جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْمُسَافِرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: هُوَ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ» ، وَالْمُرَادُ بِهِ سَفَرُ الْقَصْرِ، لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ الرُّخَصُ،
فَإِنْ كَانَ دُونَ مَسَافَةِ الْقَصْرِ، أَوْ مُحْرِمًا مَسَحَ كَالْمُقِيمِ، جَعْلًا لِوُجُودِ هَذَا السَّفَرِ كَعَدَمِهِ، وَحِينَئِذٍ يَخْلَعُ عِنْدَ انْقِضَاءِ الْمُدَّةِ،
فَإِنْ خَافَ، أَوْ تَضَرَّرَ رَفِيقُهُ بِانْتِظَارِهِ تَيَمَّمَ،
فَلَوْ مَسَحَ وَصَلَّى أَعَادَ، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَقِيلَ: يَمْسَحُ كَالْجَبِيرَةِ اخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ،
وَقِيلَ: يَمْسَحُ الْعَاصِي بِسَفَرِهِ كَغَيْرِهِ ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ،
وَقِيلَ: لَا يَمْسَحُ أَصْلًا عُقُوبَةً لَهُ (إِلَّا الْجَبِيرَةَ فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا إِلَى حَلِّهَا، أَوْ بُرْئِهَا) لِأَنَّ مَسْحَهَا لِلضَّرُورَةِ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِهَا (وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ) أَيْ: مِنْ وَقْتِ جَوَازِ مَسْحِهِ بَعْدَ حَدَثِهِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، لِحَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ:«أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كُنَّا سَفْرًا، أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّا مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ، وَبَوْلٍ، وَنَوْمٍ» .
رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، يَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ أَنَّهَا تُنْزَعُ لِثَلَاثٍ يَمْضِينَ مِنَ الْغَائِطِ، وَلِأَنَّهَا عِبَادَةٌ مُؤَقَّتَةٌ، فَاعْتُبِرَ أَوَّلُ وَقْتِهَا مِنْ حِينِ جَوَازِ فِعْلِهَا كَالصَّلَاةِ،
فَلَوْ مَضَى مِنَ الْحَدَثِ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ أَوْ ثَلَاثَةٌ إِنْ كَانَ مُسَافِرًا، وَلَمْ يَمْسَحْ، انْقَضَتِ الْمُدَّةُ، وَمَا لَمْ يُحْدِثْ لَا تُحْتَسَبُ الْمُدَّةُ،
فَلَوْ بَقِيَ بَعْدَ لُبْسِهِ يَوْمًا عَلَى طَهَارَةِ اللُّبْسِ، ثُمَّ أَحْدَثَ، اسْتَبَاحَ بَعْدَ الْحَدَثِ الْمُدَّةَ
وابتِداءُ المدَّة من الحَدَثِ بعد اللُّبْس. هذا المذهبُ بلا رَيبٍ،
والمشْهورُ من الرِّوايتَين. وعليه الأصحابُ.
قال في «الفُروعِ»: أي مِن وَقْتِ جوازِ مسْحِه بعدَ حَدثِه،
فلو مضَى مِن الحدَثِ يومٌ وليلة، أو ثلاثةٌ إنْ كان مُسافِرًا، ولم يمْسَحِ انْقَضَتِ المُدَّةُ، وما لم يُحْدِثْ لا يُحْتَسَبُ مِن المدَّةِ،
فلو بَقِيَ بعدَ لُبْسِه يوْمًا على طَهَارَةِ اللُّبْسِ، ثم أحْدثَ اسْتباحَ بعدَ الحَدَثِ المُدَّةَ، وانْقِضاءُ المُدَّةِ وَقْتُ جوازِ مسْحِه بعدَ حدَثِه. انتهى.
وعنه، ابْتِداءُ المُدَّةِ مِن المسْحِ بعدَ الحدَثِ. وهي مِن المُفْرَداتِ. وانْتهاؤها وَقْتَ المسْحِ. وأطْلَقَهُما ابنُ تميمٍ.
فائدة: يُتَصَوَّرُ أنْ يصَلِّيَ المُقِيمُ بالمسْحِ سبْعَ صَلواتٍ، مِثْل أنْ يُؤخِّرَ صلاةَ الظُّهْرِ إلى وَقْتِ العصْرِ، لعُذْرٍ يُبِيحُ الجمْعَ مِن مَرضٍ ونحوه، ويَمْسَحَ مِن وَقْتِ وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا، ثُمَّ أَقَامَ، أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ.
صلاةِ العَصْرِ، ثم يَمْسَحَ إلى مِثْلِها مِنَ الغَدِ، ويُصَلِّيَ العَصْرَ قبلَ فراغِ المدَّةِ، فتَتِمَّ له سبْعُ صلَواتٍ. ويُتَصَوَّرُ أنْ يَصَلِّيَ المُسافِرُ بالمسْحِ سبْعَ عَشرةَ صلاةً، كما قُلْنا في المُقِيمٍ.
قال: (ومن شرطه أن يُلبس الجميع بعد كمال الطهارة، إلا الجبيرة على إحدى الروايتين) .
أما كون المسح من شرطه أن يلبس الجميع غير الجبيرة بعد كمال الطهارة [على] المذهب؛ فلما روى المغيرة بن شعبة قال:«كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأهويت لأنزع خفيه. فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما» متفق عليه.
وروي في بعض ألفاظ الحديث:«دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتين» علل جواز الترك بإدخالهما في حال كون كل واحدة طاهرة.
وفي روايةٍ:«أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال: نعم إذا أدخلهما وهما طاهران» رواه الحميدي في مسنده.
وفي روايةٍ:«رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفيه يمسح عليهما» رواه الأثرم.
ولأن ما ذكر يشترط له أصل الطهارة لما يأتي فاشترط له كمالها كالصلاة ومس المصحف.
والمراد بكمال الطهارة الفراغ منها
فلو توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل إحدى رجليه ثم لبس إحدى الخفين ثم غسل الأخرى ولبس الآخر لم يكن محصلاً كمال الطهارة.
وأما كون ذلك ليس من شرطه على روايةٍ لأن حدثه حصل بعد كمال الطهارة واللبس فجاز المسح كما لو نزع الخف الأول ثم لبسه.
وفي اشتراط كمال الطهارة إشعار باشتراط أصلها. ولا خلاف فيه عند الإمام أحمد فيما عدا الجبيرة لما تقدم من حديث المغيرة .
وأما كون المسح على الجبيرة لا يشترط له ذلك؛ فلأن اشتراط ذلك يؤدي إلى عدم استعمال رخصة المسح عليها غالبًا لأن الجرح وشبهه يقع فجأة أو في وقت لا يعلم الماسح وقوعه فيه.
وعن الإمام أحمد يشترط له الطهارة كالخف.
والأول أصح لما تقدم. وقياسه على الخف لا يصح لما ذكر من الفرق.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله على إحدى الروايتين إلى ماذا يعود.
قيل: إلى ما عدا الجبيرة من الممسوح كما تقدم شرحه، ويحتمل أن يعود إلى الجبيرة.
وفيه وإن قرب منها بُعْدٌ من وجهين:
أحدهما: أن الخلاف فيها ليس مختصًا بالكمال.
وثانيهما: أن الخلاف فيما عداها أشهر من الخلاف فيها.
قال: (ويمسح المقيم يومًا وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن إلا الجبيرة فإنه يمسح عليها إلى حَلِّها) .
أما كون المقيم يمسح يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن في غير الجبيرة فلما روى شريح بن هانئ قال:«سألت عليًا رضي الله عنه عن المسح فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة» رواه مسلم.
وأما كونه يمسح على الجبيرة إلى حَلها؛ فلأنه مسحٌ جاز للضرورة فيقدر بقدرها. وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وأما المسح على الجبيرة فغير مؤقت.
ويشترط أن لا يتجاوز بالشد موضع الحاجة؛ لأن ذلك للضرورة فتقيد بموضعها.
قال: (وابتداء المدة من الحدث بعد اللبس وعنه من المسح بعده) .
أما ابتداء مدة المسح من الحدث بعد اللبس على المذهب؛ فلأنه وقت يجوز له المسح فيه فكان أول مدة المسح منه.
ولأن المسح عبادة فاعتبر وقتها من وقت جواز فعلها كالصلاة.
فعلى هذه لو تطهر وقت الظهر ولبس الخف ثم أحدث وقت العصر ثم توضأ ومسح وقت المغرب يمسح إلى وقت العصر الذي أحدث في مثله.
وأما كونه من المسح بعد اللُّبس على روايةٍ فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المقيم يومًا وليلة». فقدره بالمسح فيجب أن يكون ابتداؤه من ابتداء المسح.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال:«امسح إلى مثل ساعتك التي مسحت» رواه الخلال.
فعلى هذه يمسح في الصورة المتقدمة إلى وقت المغرب.
والأول هو الصحيح؛ لما تقدم.
ولأن في حديث صفوان بن عسال:«من الحدث إلى الحدث». ولبس الخف جعل مانعًا من سريان الحدث إلى الرجل نفيًا للحرج وإنما يصير مانعًا بعد الحدث لا بعد المسح.
وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المقيم» وقول عمر: «امسح إلى مثل ساعتك» فالمراد استباحة المسح دون فعله.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.