وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَالَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ
الشروح عليها
بابُ جَزاءِ الصَّيْدِ (وهو ضَربان؛ أحَدُهما، له مِثْلٌ مِن النَّعَمِ، فَيَجِبُ مِثْلُه. وهو نَوْعان؛ أحَدُهما، قَضَتْ فيه الصَّحابَةُ، ففيه ما قَضَتْ) يَجِبُ على المُحْرِمِ الجَزاءُ بقَتْلِ صيْدِ البَرِّ بمِثْلِه مِن النَّعَمِ، إن كان له مِثْلٌ. هذا قولُ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ، منهم الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: الواجِبُ القِيمَةُ،
ويَجُوزُ صَرْفُها إلى المِثْلِ؛ لأنَّ الصَّيْدَ ليس بمِثْلِىٍّ. ولَنا، قَوْلُه تعالى:{فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ}. وجَعَل النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - في الضبع كَبْشًا . وأجْمَعَ الصَّحابَةُ، رَضِىَ اللهُ عنهم، على إيجابِ المِثْلِ، فقال عُمَرُ، وعلىٌّ، وعثمانُ، وزَيْدٌ، وابنُ عباسٍ، ومُعاوِيَةُ: في النَّعامَةِ بَدَنَةٌ. وحَكَم عُمَرُ وعلىٌّ في الظَّبْىِ بِشاةٍ. وحَكَم عُمَرُ في حِمارِ الوَحْشِ ببَقَرَةٍ. حَكَمُوا بذلك في الأزْمِنَةِ المُخْتَلِفَةِ، والبُلْدانِ المُتَفَرِّقَةِ، فدَلَّ على أنَّ ذلك ليس على وَجْهِ القِيمَةِ؛
لأنَّه لو كان على وَجْهِ القِيمَةِ لاعتَبَرُوا صِفَةَ المُتْلَفِ التى تَخْتَلِفُ بها القِيمَةُ،
إمّا برُؤْيَةٍ أو إخْبارٍ، ولم يُنْقَلْ عنهم السُّؤالُ عن ذلك حالَ الحُكْمِ، ولأنَّهم حَكَمُوا في الحَمامِ بشاةٍ، والحَمَامَةُ لا تَبْلُغُ قِيمَةَ الشّاةِ غالِبًا. إذا ثَبَت هذا، فليس المُرادُ حَقِيقَةَ المُماثَلَةِ، فإنَّها لا تَتَحَقَّقُ بينَ الأنْعامِ والصَّيْدِ، لكنْ أُرِيدَ المُماثَلَةُ مِن حيثُ الصُّورَةُ. والمِثْلِىُّ مِن الصَّيْدِ قِسمان؛ أحَدُهما، قَضَتْ فيه الصَّحابَةُ، فيَجِبُ قيه ما قَضَتْ. وبه قال عَطاءٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ.
وقال مالكٍ: يُسْتَأنَفُ الحُكْمُ فيه؛ لأنَّ الله تعالى قال:{يحكُمُ بِهِ ذَوَا عَدلٍ منكُم}. ولَنا، قولُ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أصْحَابِى كالنُّجُومِ، بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» . وقال:«اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنَ مِنْ بَعْدِى، أبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ». ولأنَّهم أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، وأبْصَرُ بالعِلْمِ، فكانَ حُكْمُهم حُجَّةً على غيرِهم، كالعالِمِ مع العامِّىِّ، فالذى بَلَغَنا قَضاؤهم فيه النَّعامَةُ. حَكَم فيها عُمَرُ، وعلىٌّ، وعثمانُ، وزَيْدٌ، وابنُ عباسٍ، ومُعاوِيَةُ، رَضِىَ الله عنهم، بِبَدَنَةٍ. وبه قال عَطاءٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وأكْثَرُ العُلَماءِ.
وحُكِىَ عن النَّخَعِىِّ، أنَّ فيها قِيمَتَها. وبه قال أبو حنيفةَ. وخالَفَه في ذلك صاحِباه. واتِّباعُ النَّصِّ والآثارِ أوْلَى. ولأنَّ النَّعامَةَ تُشْبِهُ البَعِيرَ في خَلْقِه، فكانَ مِثْلًا لها، فيَدخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ. وفى حِمارِ الوَحشِ بَقَرَةٌ. رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ. وبه قال عُروَةُ، ومُجاهِدٌ، والشافعىُّ. وعن أحمدَ، فيه بَدَنَةٌ. رُوِىَ ذلك عن أبِى عُبَيْدَةَ، وابنِ عباس. وبه قال عَطاء، والنَّخَعِىُّ. وفى بَقَرَةِ الوَحْشِ بَقَرَةٌ. رُوِىَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ، وعَطاءٍ، وعُروةَ، وقَتَادَةَ، والشافعىِّ.
والأيِّلُ فيه بَقَرَةٌ، قاله ابنُ عباسٍ. قال أصْحابُنا: في الثَّيْتَلِ والوَعْلِ بقَرَةٌ كالأيِّلِ. والأرْوَى فيها بَقَرَةٌ. قاله ابنُ عُمَرَ.
وقال القاضى: فيها عَضْبٌ؛ وهو مِن أوْلادِ البَقَرِ ما بَلَغ أن يُقْبَضَ على قَرْنِه، ولم يَبْلُغْ أن يَكُونَ ثَوْرًا. وفى الضَّبُعِ كَبْشٌ لِما روَى أبو داودَ عن جابِرٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَعَل في الضَّبُعِ يَصِيدُها المُحْرِمُ كَبْشًا. قال أحمدُ: حَكَم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الضَّبُعِ بكَبْشٍ، وقَضى به عُمَرُ، وابنُ عباسٍ. وبه قال عَطاءٌ، والشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الأوْزاعِىُّ: كان العُلَماءُ بالشّام يَعُدُّونها مِن السِّباعِ، ويَكْرَهُون أكْلَها. وهو القِياسُ، إلَّا أنَّ اتِّباعَ السُّنَّةِ والآثارِ أوْلَى. وفى الغَزالِ شاةٌ. ثَبَت ذلك عن عُمَرَ. ورُوِىَ عن علىٍّ. وبه قال عَطاءٌ، وعُرْوَةُ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ. ولا يُحْفَظُ عن غيرِهم خِلافُهم. وقد روَى جابِرٌ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «فِى الظَّبْىِ شَاةٌ، وَفِى الأرْنَبِ عَنَاقٌ ، وَفِى الْيَرْبُوعِ جَفْرَةٌ». قال ابنُ الزُّبَيْرِ: والجَفْرَةُ التى قد فُطِمَتْ ورَعَتْ.
رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ . وفى الثَّعْلَبِ شاةٌ أيْضًا؛ لأنَّه يُشْبِهُ الغَزالَ. وممَّن قال: فيه الجَزاءُ؛ قَتادَةُ، وطاوُسٌ، ومالكٌ، والشافعىُّ. وعن أحمدَ، لا شَئَ فيه؛ لأنَّه سَبُعٌ.
وأمّا الوَبْرُ ، فقالَ القاضى: فيه جَفْرَةٌ؛ لأنَّه ليس بأكْبَرَ منها. وهو قولُ الشافعىِّ.
وقيلَ: فيه شاةٌ. رُوِىَ ذلك عن مُجاهِدٍ، وعَطاءٍ. وفى الضَّبِّ جَدْىٌ. قَضَى به عُمَرُ، وأرْبَدُ . وبه قال الشافعىُّ. وعن أحمدَ، فيه شاةٌ، لأنَّ جابِرَ بنَ عبدِ اللهِ، وعَطاءً، قال فيه ذلك.
وقال مُجاهِدٌ: حَفْنَةٌ مِن طَعام.
[وقال قَتادَةُ: صاعٌ. وقال مالكٌ: قِيمَتُه مِن الطَّعامِ]. والأُولَى أوْلَى؛ لأنَّ قَضاءَ عُمَرَ أوْلَى مِن قَضاءِ غيرِه. والجَدْىُ أقرَبُ إليه مِن الشّاةِ.
(وَهُوَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَالَهُ مِثْلٌ مِنَ النَّعَمِ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حَقِيقَةَ الْمُمَاثَلَةِ فَإِنَّهَا لَا تَتَحَقَّقُ بَيْنَ الْأَنْعَامِ وَالصَّيْدِ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِهَا مِنْ حَيْثُ الصُّورَةِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
باب جزاء الصيد] جزاء الصيد واجب لقوله سبحانه وتعالى:{ومن قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النعم}.
قال المصنف رحمه الله: (وهو ضربان: أحدهما: له مِثْل من النَّعم فيجب فيه مثله.
وهو نوعان:
أحدهما: قضت فيه الصحابة ففيه ما قضت).
أما كون جزاء الصيد ضربين فلأن منه ما هو مثلي ومن ما لا مثل له.
أما وجوب المثل فيما له مثل؛ فلقوله تعالى:{فجزاءٌ مثلُ ما قتل من النعم}.
وأما تنويع ما لَه مِثْل نوعين فلأنه منه ما قضت الصحابة فيه بالمثل ومنه ما لم تقض فيه بذلك.
وأما وجوب ما قضت به الصحابة فيما قضت به فلأنهم أعرف بمواقع الخطاب وأقرب إلى الصواب.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم:«أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم».
وقال:«اقتدوا باللّذَيْن من بعدي أبي بكر وعمر».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.