وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا مَسْحُ جَمِيعِهَا وَيُسْمَحُ عَلَى جَمِيعِ الْجَبِيرَةِ إِذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ قَدْرَ الْحَاجَةِ
الشروح عليها
مسألة: (ويَمْسَحُ على جَمِيعِ الجَبِيرَةِ، إذا لم تَتَجاوَزْ قَدْرَ الحاجَةِ) لأنَّه لا يَشُقُّ المَسْحُ عليها كلِّها،
بخِلافِ الخُفِّ، فإنَّه يشُقُّ تَعْمِيمُ جَمِيعِه، ويُتْلِفُه المَسْحُ، ولأنَّه مَسْحٌ للضَّرُورَةِ، أشْبَهَ التَّيَمُّمَ.
وإن كان بَعْضُها في مَحَلِّ الفَرْضِ وبَعْضُها في غيرِه، مَسَح ما حاذَى مَحَلَّ الفَرْضِ. نَصَّ عليه أحمدُ. وإنَّما يَجُوزُ المَسْحُ عليها، إذا لم يَتَعَدَّ بها مَوْضِعَ الكَسْرِ، إلَّا بما لا بُدَّ مِن وَضْعِ الجَبِيرَةِ عليه؛ فإنَّها لا بُدَّ أن تُوضَعَ على طَرَفَيِ الصَّحِيحِ، ليَرْجِعَ الكَسْرُ.
فإن شَدَّها على مَكانٍ يَسْتَغْنِى عن شَدِّها عليه، كان تارِكًا لغَسْلِ ما يُمْكِنُه غَسْلُه، مِن غيرِ ضَرَرٍ، فلم يَجُزْ، كما لو شَدَّها على ما لا كَسْرَ فيه. وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه سَهَّلَ في ذلك في مَسْألَةِ المَيمُونِيِّ، والمَرُّوذِيِّ ؛ لأنَّ هذا مِمّا لا يَنْضَبِطُ، وهو شَدِيدٌ جِدًّا. فعلى هذا، لا بَأْسَ بالمَسْحِ على العَصائِبِ كيفَ شَدَّها. والأوَّلُ أوْلَىَ؛ لِما ذَكَرْنا. فعلى هذا، إذا تَجاوَزَ بها مَوْضِعَ الحاجَةِ، لَزِمَه نَزْعُها، إن لم يَخَفِ الضَّرَرَ،
وإن خافَ مِن نَزْعِها، تَيَمَّمَ لها؛ لأنَّه مَوْضِعٌ يَخافُ الضَّرَرَ باسْتِعْمالِ الماءِ فيه، فجازَ التَّيَمُّمُ له ، كالجُرْحِ.
(وَقِيلَ: لَا يُجْزِئُ إِلَّا مَسْحُ جَمِيعِهَا) قِيلَ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ، وَأَخَذَهُ مِنْ نَصِّ الْإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: يَمْسَحُ الْعِمَامَةَ كَمَا يَمْسَحُ رَأْسَهُ، لَكِنْ
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيهَ فِي صِفَةِ الْمَسْحِ دُونَ الِاسْتِيعَابِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ التَّشْبِيهَ فِي الِاسْتِيعَابِ فَيَخْرُجُ فِيهَا مِنَ الْخِلَافِ مَا فِي وُجُوبِ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ، وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: أَظْهَرُهُمَا وُجُوبُهُ فِيهِ، فَكَذَا هُنَا، وَلِأَنَّهَا بَدَلٌ مِنْ جِنْسِ الْمُبْدَلِ، فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهِ، كَقِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عِوَضًا عَنْهَا إِذَا عَجَزَ عَنْهَا،
بِخِلَافِ التَّسْبِيحِ، وَبِهِ يُجَابُ عَنْ مَسْحِ بَعْضِ الْخُفِّ.
فَرْعٌ: مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَمْسَحَ عَلَيْهِ مَعَ الْعِمَامَةِ، نَصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مَسَحَ عَلَى عِمَامَتِهِ، وَنَاصِيَتِهِ، وَتَوَقَّفَ أَحْمَدُ عَنِ الْوُجُوبِ،
وَالْأَصَحُّ عَدَمُهُ، لِأَنَّ الْفَرْضَ انْتَقَلَ إِلَى الْعِمَامَةِ، فَلَمْ يَبْقَ لِمَا ظَهَرَ حُكْمٌ،
وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْأُذُنَيْنِ، أَنَّهُ لَا يَجِبُ مَسْحُهُمَا، لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ، وَلَيْسَا مِنَ الرَّأْسِ إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ.
[الْمَسْحُ عَلَى الْجَبِيرَةِ] (وَيُسْمَحُ عَلَى جَمِيعِ الْجَبِيرَةِ) سَوَاءٌ كَانَتْ عَلَى كَسْرٍ أَوْ جُرْحٍ، نَصَّ عَلَيْهِ لِحَدِيثِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ، لِأَنَّهُ لَا يَشُقُّ الْمَسْحُ عَلَيْهَا كُلِّهَا
بِخِلَافِ الْخُفِّ، وَهُوَ مَسْحٌ لِلضَّرَرِ، أَشْبَهَ التَّيَمُّمَ، هَذَا إِذَا كَانَتْ فِي مَحَلِّ الْفَرْضِ،
فَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ غَسَلَ مَا حَاذَى مَحَلَّ الْفَرْضِ، نَصَّ عَلَيْهِ،
وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي اسْتِيعَابَهَا بِالْمَسْحِ، وَأَنَّهُ لَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهَا طَهَارَةُ عُذْرٍ فَأَسْقَطَتِ الْفَرْضَ كَالتَّيَمُّمِ.
وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، وَابْنُ عَبْدُوسٍ ثَانِيَةً بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ، لَكِنَّهُمْ بَنَوْهَا عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَتَطَهَّرْ لَهَا، وَقُلْنَا بِالِاشْتِرَاطِ، فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَكْتَفِي بِالْمَسْحِ وَحْدَهُ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ، لِأَنَّهُ مَسَحَ عَلَى حَائِلٍ، فَأَجْزَأَ مِنْ غَيْرِ تَيَمُّمٍ، كَمَسْحِ الْخُفِّ، بَلْ أَوْلَى، إِذْ صَاحِبُ الضَّرُورَةِ أَحَقُّ بِالتَّخْفِيفِ، وَالثَّانِيَةُ: يَتَيَمَّمُ مَعَهُ لِظَاهِرِ قِصَّةِ صَاحِبِ الشَّجَّةِ، وَضَعُفَ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ " الْوَاوَ " فِيهِ بِمَعْنَى " أَوْ "، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ التَّيَمُّمَ فِيهِ لِشَدِّ الْعِصَابَةِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ (إِذَا لَمْ يَتَجَاوَزْ) بِشَدِّهَا (قَدْرَ الْحَاجَةِ) لِأَنَّهُ مَوْضِعُ حَاجَةٍ، فَتُقَيَّدُ بِقَدْرِهَا، وَاقْتَضَى أَنَّهُ إِذَا تَجَاوَزَ بِشَدِّهَا إِلَى مَوْضِعٍ لَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِهِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ، وَهُوَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ يَكُونُ تَارِكًا لِغَسْلِ مَا يُمْكِنُهُ غَسْلُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَعَلَى هَذَا يَنْزِعُهَا،
فَإِنْ خَافَ التَّلَفَ بِهِ سَقَطَ،
وَكَذَا إِنْ خَافَ الضَّرَرَ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَيَمْسَحُ قَدْرَ الْحَاجَةِ، وَيَتَيَمَّمُ لِلزَّائِدِ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ مَسْحُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ، لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ يُجْزِئُهُ الْمَسْحُ عَلَى الزَّائِدِ، اخْتَارَهُ الْخَلَّالُ وَغَيْرُهُ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَتْ ضَرُورَةٌ إِلَى الْمَسْحِ عَلَيْهِ، أَشْبَهَ مَوْضِعَ الْكَسْرِ،
وَفِي ثَالِثٍ: يَجْمَعُ فِي الزَّائِدِ بَيْنَهُمَا، وَنَقَلَ الْمَيْمُونِيُّ، وَالْمَرْوُذِيُّ، عَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْمَسْحِ عَلَى الْعَصَائِبِ كَيْفَ شَدَّهَا، لِأَنَّ هَذَا لَا يَنْضَبِطُ، وَهُوَ شَدِيدٌ جِدًّا، وَالْأَوَّلُ: أَوْلَى، وَأَصَحُّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
مَسْأَلَةٌ: تُفَارِقُ الْجَبِيرَةُ الْخُفَّ مِنْ أَوْجُهٍ. الْأَوَّلُ: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَيْهَا إِلَّا عِنْدَ التَّضَرُّرِ بِنَزْعِهَا.
الثَّانِي: أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِيعَابُهَا.
الثَّالِثُ: أَنَّ الْمَسْحَ عَلَيْهَا مُقَيَّدٌ بِالْحَلِّ أَوِ الْبُرْءِ.
الرَّابِعُ: أَنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيْهَا فِي الْكُبْرَى.
الْخَامِسُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لَهَا تَقَدُّمُ طَهَارَةٍ فِي رِوَايَةٍ.
السَّادِسُ: أَنَّهَا تَجُوزُ مِنْ خَرْقٍ وَنَحْوِهِ، وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ مِنْ حَرِيرٍ وَنَحْوِهِ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيْهَا عَلَى رِوَايَةِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ.
السَّابِعُ: أَنَّ مَسْحَهَا عَزِيمَةٌ، وَالْخُفُّ
بِخِلَافِ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَتَقَدَّمَ أَوْجُهٌ أُخَرُ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (ويمسح على جميع الجبيرة إذا لم تتجاوز قدر الحاجة) .
أما كون الجبيرة يمسح على جميعها؛ فلأنه مسح ضرورة ولا ضرر في مسح جميع الجبيرة فوجب الاستيعاب قياسًا على التيمم.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا لم تتجاوز قدر الحاجة فشرط في جواز المسح لأنه موضع حاجة فيقيد بقدرها.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.