وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَالْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ وَغُسْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَالْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ وَلِدُخُولِ مَكَّةَ وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَالطَّوَافِ
الشروح عليها
لا يتكلم على هذه المسألة.
(وَمِنْ غُسْلِ الْمَيِّتِ) عَلَى الْأَصَحِّ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ غَسَّلَ مَيِّتًا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَ جَمَاعَةٌ وَقْفَهُ عَلَيْهِ، وَعَنْ عَلِيٍّ نَحْوُهُ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، بِدَلِيلِ أَنَّ أَسْمَاءَ غَسَّلَتْ أَبَا بَكْرٍ، وَسَأَلَتْ هَلْ عَلَيَّ غُسْلٌ: قَالُوا: لَا، رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلًا، وَالثَّانِيَةُ: يَجِبُ مُطْلَقًا، وَاخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، مِنْهُمْ: أَبُو إِسْحَاقَ الْجَوْزَجَانِيُّ،
وَعَنْهُ: مِنْ كَافِرٍ، «لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يُوَارِيَ أَبَا طَالِبٍ، فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ: اغْتَسِلْ رَوَاهُ أَحْمَدُ» ،
وَعَنْهُ: حَتَّى الْحَيِّ قَالَهُ الْقَاضِي،
وَفِي " الْمُغْنِي ": لَا نَعْلَمُ لِقَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ حُجَّةً تُوجِبُهُ، وَأَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى خِلَافِهِ، وَفِيهِ وَجْهٌ: لَا يُسْتَحَبُّ مُطْلَقًا، قَالَ أَحْمَدُ، وَابْنُ الْمَدِينِيِّ: لَا يَثْبُتُ فِيهِ شَيْءٌ.
[الْغُسْلُ لِلْمَجْنُونِ وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ] (وَالْمَجْنُونِ، وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ إِذَا أَفَاقَا مِنْ غَيْرِ احْتِلَامٍ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثَبَتَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اغْتَسَلَ مِنَ الْإِغْمَاءِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَالْجُنُونُ فِي مَعْنَاهُ بَلْ أَوْلَى، لِأَنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ فِي نَفْسِهِ لَا يُوجِبُهُ كَالنَّوْمِ، وَوُجُودُ الْإِنْزَالِ مَشْكُوكٌ فِيهِ، فَلَا يُزَالُ عَنِ الْيَقِينِ،
وَإِنْ وُجِدَ مَعَهُ بِلَّةٌ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنَ الْمَذْهَبِ قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِ شَهْوَةٍ أَوْ مَرَضٍ،
فَإِنْ تَيَقَّنَ مَعَهُمَا الْإِنْزَالَ وَجَبَ، لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُوجِبَاتِ كَالنَّائِمِ،
وَعَنْهُ: يَجِبُ مُطْلَقًا، لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي أَفْعَالِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - الْوُجُوبُ، وَتَكَرَّرَ مَعَ مَشَقَّتِهِ، وَلَمْ يَتْرُكْهُ.
[غُسْلُ الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ] (وَغُسْلِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِكُلِّ صَلَاةٍ) لِمَا رُوِيَ «أَنَّ أُمَّ حَبِيبَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - اسْتُحِيضَتْ، فَسَأَلَتِ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ ذَلِكَ، فَأَمَرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، فَكَانَتْ تَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَفَهِمَتْ مِنَ الْأَمْرِ بِهِ الِاغْتِسَالَ لِكُلِّ صَلَاةٍ،
وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ أَمَرَهَا بِهِ لِكُلِّ صَلَاةٍ، وَعَنْ عَائِشَةَ:«أَنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ اسْتُحِيضَتْ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: اغْتَسِلِي لِكُلِّ صَلَاةٍ رَوَاهُ» أَبُو دَاوُدَ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ،
وَعَنْهُ: بَلَى، لِأَمْرِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - زَيْنَبَ وَأُخْتَهَا بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَهُوَ أَشَدُّ مَا قِيلَ فِيهَا، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى أَنَّ انْقِطَاعَ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ يُوجِبُ الْغُسْلَ.
[الْغُسْلُ لِلْإِحْرَامِ] (وَالْغُسْلِ لِلْإِحْرَامِ) لِمَا رَوَى زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَجَرَّدَ لِإِهْلَالِهِ، وَاغْتَسَلَ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الزِّنَادِ، وَهُوَ مُتَكَلَّمٌ فِيهِ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا،
وَظَاهِرُهُ، وَلَوْ مَعَ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ، «لِأَنَّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ نُفِسَتْ بِمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِالشَّجَرَةِ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَبَا بَكْرٍ أَنْ يَأْمُرَهَا أَنْ تَغْتَسِلَ، وَتُهِلَّ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ.
لَا يُقَالُ: أَمَرَهَا بِهِ لِأَجْلِ النِّفَاسِ، فَلَا يَنْتَهِضُ دَلِيلًا، لِأَنَّ حَدَثَ النِّفَاسِ مُسْتَمِرٌّ، وَالْغُسْلَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ، فَتَعَيَّنَ مَا قُلْنَا (وَلِدُخُولِ مَكَّةَ) أَيْ: حَرَمِهَا، لِفِعْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَكَانَ يَفْعَلُهُ،
وَلَوْ مَعَ حَيْضٍ قَالَهُ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَاخْتَارَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لَا.
[الْغُسْلُ لِلْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ] (وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ) رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ عَلِيٍّ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مَرْفُوعًا.
[الْغُسْلُ لِلْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالطَّوَافِ] (وَالْمَبِيتِ بِمُزْدَلِفَةَ، وَرَمْيِ الْجِمَارِ، وَالطَّوَافِ) لِأَنَّهَا مَوَاضِعُ يَجْتَمِعُ لَهَا النَّاسُ، وَيَزْدَحِمُونَ فَيَعْرَقُونَ، فَيُؤْذِي بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَاسْتُحِبَّ كَالْجُمُعَةِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ وَالْوَدَاعِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَلَكِنْ نَقَلَ صَالِحٌ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِدُخُولِ الْحَرَمِ،
وَفِي " مَنْسَكِ ابْنِ الرَّاغُونِيِّ ": وَلِسَعْيٍ،
وَفِي " الْإِشَارَةِ "، و" الْمَذْهَبِ "، وَلَيَالِي مِنًى،
وَعَنْهُ: وَلِحِجَامَةٍ، وَنَصَّ أَحْمَدُ، وَلِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -،
وَقِيلَ: وَلِكُلِّ اجْتِمَاعٍ مُسْتَحَبٌّ قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ " فِي قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
فَرْعٌ: يَتَيَمَّمُ لِلْكُلِّ فِي الْأَصَحِّ، لِحَاجَةٍ، نَقَلَهُ صَالِحٌ فِي الْإِحْرَامِ،
وَلِمَا يُسَنُّ الْوُضُوءُ لَهُ لِعُذْرٍ، وَظَاهِرُ مَا قَدَّمَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " لَا لِغَيْرِ عُذْرٍ.
[صِفَةُ الْغُسْلِ] فَصْلٌ فِي صِفَةِ الْغُسْلِ لَمَّا تَمَّمَ الْكَلَامَ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبِّ، شَرَعَ فِي بَيَانِ صِفَتِهِ، وَالْعِلْمُ بِالْمَوْصُوفِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى الْعِلْمِ بِالصِّفَةِ
ومِنْ غُسْلِ الميِّتِ. الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ اسْتِحْبابُ الغُسْلِ مِن غُسلِ المَيِّتِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، ونصَّ عليه.
وعنه، لا يُسْتَحَبُّ. وهو وَجْهٌ ذكَره القاضي، وابنُ عَقِيل؛ قال ابنُ عَقِيل: لا يجِبُ ولا يُسْتَحَبُّ. قال: وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ.
وعنه، يجبُ مِنَ الكافرِ. وقيل: يجبُ مِن غُسلِ الحَيِّ أيضًا.
وقيل: يجبُ مُطْلقًا. والمَجْنُونُ، والمُغْمَى عليه، إذا أفاقا مِن غَيرِ احْتِلامِ، والمَجْنُونُ، والمُغْمَى عليه، إذا أفاقا مِن غَيرِ احْتِلامِ. هذا المذهبُ بهذا القَيدِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وعنه، لا يجبُ والحالةُ هذه. وأطْلَقهما في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «التَّلْخيص»، و «البُلْغَةِ».
وقيل: يجبُ مع وجودِ البِلَّةِ. قاله أبو الخَطَّاب.
وقال ابنُ تَميم: ولا يجبُ بالجُنونِ والإِغمْاءِ غُسْل وإنْ وجَد بِلَّةً، إلَّا أنْ يَعلَمَ أنه مَنِي.
وعنه، يجبُ بهما. وفيه وَجْهٌ؛ يجبُ إنْ كان ثَمَّ بِلةٌ مُحْتَمِلَةٌ، وإلَّا فلا. ويأتي كلامُه في «الهِداية» وغيرِها. قال ابنُ البَنا: إنْ قيل: إنَّ المَجْنونَ يُنْزِلُ. وجَب عليه الغُسْلُ. قال الطوفِي في «شَرْحِ الخِرَقي»، بعدَ كلام ابنِ البَنَّا: وهذا إشارةٌ إلى تَرْتيبِ الخِلافِ على أنَّ المجْنونَ يُنْزِلُ أو لا يُنْزِلُ.
وقال بعضُ أصْحابِنا: إنْ تيَقَّنَ الحُلُمَ وجَب، وإلَّا فلا؛ لأنَّ الأصْلَ عدَمُه.
وقال بعضُهم: إنْ تيقَّنَ وجَب، وإلَّا فرِوايَتَان.
قلتُ: مأخَذُها إمَّا الترتِيبُ على احْتِمالِ الإنْزالِ وعدَمِه، أو النَّظر إلى أنَّ الأصْلَ عدَمُ الإِنْزالِ تارةً، وإلى الاحْتِياطِ لأنَّه مَظنةُ الإِنزالِ تارةً أخْرَى.
قلتُ: التحْقيقُ أنْ يقال: إنْ تَيَقَّنَ الإنْزال وجَب الغُسْلُ، أو عَدَمَه فلا يجبُ،
وإنْ تَرَدَّدَ فيه فهو مَحَلُّ الخِلافِ،
وإنْ ظنه ظنًّا فهل يَلْحَقُ بما إذا تَيَقَّنَ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو بما إذا شَكَّ فيه؟ أو يُخَرَّجُ على تَعَارُضِ الأصْلِ والظَّاهِرِ؟ إذِ الظاهِرُ الإنْزالُ، والأصْلُ عدَمُه. ويَحْتَمِلُ أنْ يقال: إنْ تَحَقَّقَ الإِنْزالُ وجَب، وإلَّا خُرِّجَ على فِعْلِه، عليه أفضلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، هل هو للوُجوبِ، أو للنَّدْبِ؟ على ما عُرِفَ في الأصولِ.
والمشْهورُ عندَ أصحابِنا أنَّه للوُجوبِ. هذا التقْريرُ يَقْتَضِي أنه واجب مُطْلقًا، تَيَقَّنَ الإنْزال أولًا، ولكنِ المشْهورُ عندَهم أنه لا يجبُ بدُونِ تَيَقنِ الإنْزالِ؛ اطِّراحًا للشَّكِّ، واسْتِصْحابًا لليَقِينِ. وحكَى ذلك ابنُ المُنْذِرِ إجْماعًا، وهو مع احْتِمالِه والاخْتِلافِ فيه عن أحمدَ وأصحابِه عجيب. انتهى كلامُ الطوفِيِّ.
تنبيه: مفْهومُ قولِه: إذا أفاقا مِن غيرِ احْتِلام. أنهما إذا احْتَلَما مِن ذلك يجبُ الغُسْلُ. وهو الصَّحيحُ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقال في «الرعاية الصُّغْرى»: وفي وُجوبِ الغُسْلِ بالإغْماءِ والجنونِ مُطْلقًا رِوايَتان.
وقيل: إنْ أنزلَا وجَب، وإلا فلا.
وقال في «الكُبْرَى»: وفي الإغْماءِ والجنونِ مُطْلقًا،
وقيل: بلا وغُسْلُ المُسْتَحاضَةِ لكلِّ صلاةٍ، احْتِلام، رِوايَتان.
وقيل: إنْ أنزلَا مَنِيًّا، وقيل: أو ما يَحْتَمِلُه، وجَب الغُسْلُ، وإلَّا سُنَّ.
وقال في «الحاوي الصَّغيرِ»: وفي الإغْماءِ والجُنونِ بلا حُلُم رِوايتان.
وقال أبو الخطَّابِ: إنْ لم يُتَيَقَّنْ منهما الإِنْزالُ فلا غُسْلَ عليهما. انتهى. وقد يُفْهَمُ مِنَ «الرِّعايتَين» أنَّ لنا رِواية بعدَمِ الوُجوبِ وإنْ أنَزل، ولم أجِدْ أحدًا صرَّح بذلك، وهو بعيدٌ جدًّا مع تَحَقُّقِ الإنْزالِ. وغُسْلُ المُستَحاضةِ لكُلِّ صلاةٍ. هذا المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثير منهم.
وعنه، يجبُ. حكَاها في «التبصِرَةِ» ومَن بعدَه.
قال في «الرِّعايتَين»: يُسَنُّ غُسْلُها لكلِّ صلاة، ثمَّ لوقْتِ كلِّ صلاةٍ، ثم لكلِّ صلاةِ جَمْع في وَقْتِ الثَّانيةِ.
وقيل: في السَّفَرِ، ثم في كلِّ يوم مرَّة مع الوضوءِ لوقْتِ كلِّ صلاةٍ.
وعنه، يجبُ غُسْلُها لكلِّ صلاةٍ.
وقيل: إذا جمَعتْ بينَ صلاتين فلا. انتهى. والغسل للإحرام، ودُخُول مَكَّةَ، والوُقُوف بعَرَفَةَ. والمَبِيت بمُزْدَلِفَةَ، ورمي الجمار، والطواف.
تنبيه: ظاهرُ قولِه: والغُسْلُ للإحْرامِ. دُخولُ الذَّكَرِ والأنثى، والطَّاهرُ والحائضُ والنُّفَساءُ. وهو صحيح. صرَّح به الأصحابُ. ودخول مكَّةَ، والوُقوف بِعرَفَةَ، والمَبِيت بِمُزْدَلِفَةَ، ورَمْي الجِمَارِ، والطواف. هذا المذهبُ، وعليه الأصحابُ. واخْتارَ الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَدَمَ اسْتِحْبَابِ الغُسْلِ للوُقوفِ بعَرَفَةَ، وطَوافِ الوَداعِ، والمَبيتِ بمُزْدَلِفَةَ، ورَمْي الجِمارِ،
وقال: ولو قُلْنا باسْتِحْبابِ الغُسْلِ لدُخولِ مكَّةَ، كان الغُسْلُ للطوافِ بعدَ ذلك فيه نوْعُ عبَثٍ لا معْنى له.
فائدة: قال في «المُسْتَوْعِبِ» وغيرِه: يُسْتَحَبُّ الغُسْلُ لدخولِ مكَّةَ،
ولو كانت حائضًا أو نُفَسَاءَ.
وقال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: لا يُسْتَحَبُّ لها ذلك.
قال في «الفُروعِ»: ومثْلُه أغْسالُ الحَجِّ.
تنبيه: ظاهرُ حَصْرِه الأغْسال المُسْتَحَبَّةَ في الثلاثَةَ عشرَ المُسمَّاةِ، أنه لا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
يُسْتَحَبُّ الغُسْلُ لغيرِ ذلك، وبَقِي مسائلُ لم يذْكُرْها؛ منها، ما نقلَه صالِح أنَّه يُسْتَحَبُّ لدُخولِ الحرَمِ. ومنها، ما ذكره ابنُ الزَّاغُونِيِّ أيضًا في «مَنْسَكِه»، أنَّه يُسْتَحَبُّ للسَّعْي. ومنها، ما ذكره ابنُ الزَّاغُونِي في «منْسَكِه» أيضًا، وصاحِبُ «الإِشارَةِ»، و «المُذْهَبِ»، أنَّه يُستحَبُّ لَيالِي مِنًى. ومنها، استِحْبابُه لدُخولِ المدينَةِ المُشَرَّفَةِ، على ساكِنِها أفضْلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، في أحَدِ الوَجْهَينَ. قال الشيخُ تَقِي الدِّينِ: نصَّ أحمدُ على اسْتِحْبابِه.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ أنه لا يُسْتَحب. قدَّمه في «الفُروعِ». ومنها، اسْتِحْبابُه لكلِّ اجْتِماع يُستَحَبُّ، على أحَدِ الوَجْهَين. قال ابنُ عُبَيدان: هذا قِياسُ المذهبِ.
والصَّحيحُ مِنَ المذهبِ؛ أنه لا يُسْتحَبُّ. قدَّمه في «الفُروعِ». ومنها، ما اختاره صاحِبُ «الرعاية»، أنَّه يُسْتَحَبُّ للصَّبِي إذا بلَغ بالسِّنِّ والإِنْباتِ. ولم أره لغيرِه. ومنها، الغُسْلُ للحِجَامَةِ، على إحْدَى الرِّوايتَين. اختاره القاضي في «المُجَرَّدِ»، والمَجْدُ في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«شَرْحِ الهِدَايةِ»، وصاحِبُ «مَجْمَع البَحْرَين»، وصَحَّحاه. وقدَّمه في «الرعاية الكُبْرى».
وعنه، لا يُسْتَحَبُّ. وهو الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ. قدَّمه في «الفُروعِ». وأطْلَقَهُما ابنُ تَميم، وابنُ عُبَيدان.
فوائد؛ الأولى، الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ أنَّ الغُسْلَ مِن غُسْلِ المَيِّتِ آكَدُ الأغْسالِ، ثم بعدَه غُسْلُ الجُمُعَةِ آكَدُ الأغْسالِ.
وقيل: غُسْلُ الجُمُعَةِ آكَدُ مُطْلقًا. [صَحَّحَه في «الرعاية»
قلتُ: وهو الصَّوابُ] . وأطْلقَهما ابنُ تَميم. والثَّانيةُ، يجوزُ أنْ يَتَيَمَّمَ لِمَا يُسْتحَبُّ الغُسْلُ له للحاجَةِ، على الصَّحيح مِنَ المذهبِ. ونقَله صالِحٌ في الإحْرامِ.
وقيل: لا يَتَيمَّمُ. واختاره جماعةٌ مِنَ الأصحابِ في الإحْرام، على ما يأتي. وأطْلَقَهما ابنُ عُبَيدان.
وقيل: يَتَيَمَّمُ لغير الإحْرامِ. والثَّالثةُ، يتَيمَّمُ لِمَا يُسْتَحَبُّ الوضوءُ له لعُذْرٍ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وظاهرُ ما قدَّمه في «الرعاية»، أنه لا يَتَيَمَّمُ لغيرِ عُذْرٍ.
قال في «الفُروعِ»: وتَيَمُّمُه، عليه أفْضَلُ الصَّلاةِ والسَّلامِ، يَحْتَمِلُ عدَمَ الماء. قال: ويَتَوَجَّهُ احْتِمال في رَدِّه السَّلامَ، عليه أفْضَلُ الصلاةِ والسَّلامِ؛ لِئَلا يفُوتَ المقْصودُ، وهو رَدُّه على الفَوْرِ. وجوَّزَ المَجدُ. وغيرُه التيَّمِّمَ لِمَا يُسْتَحَبُّ له الوضوءُ مُطْلقًا؛ لأنها مُسْتَحَبَّة فَخَفَّ أمْرُها. وتقدَّم ما تُسَنُّ له الطَّهارةُ في بابِ الوضوءِ،
عندَ قولِه: فإنْ نوَى ما تُسَنُّ له الطهارَةُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.