وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْكِرَاءِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا وَفِي لَفْظِ الْبَيْعِ وَجْهَانِ
الشروح عليها
بابُ الإِجارَةِ (*) الأصْلُ في جَوازِها الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجماعُ؛
أمّا الكِتابُ، فقَوْلُه تعالى:{فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ}.
وقال تعالى: {قَالتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَويُّ الْأَمِينُ قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ} . ورَوَى ابنُ ماجه في «سُنَنِه» عن عُتْبةَ بنِ النُّدَّرِ قال: كُنّا عندَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقَرَأ:{طسم} حتى إذا بَلغ قِصَّةَ موسى قال: «إنَّ مُوسَى عَلَيهِ السَّلَامُ أجَرَ نَفْسَه ثَمَانِيَ حِجَج، أوْ عَشْرًا، عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ وَطَعَامِ بَطْنِهِ».
وقال الله تعالى:{لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا}. وهذا يَدُلُّ على جَوازِ أخْذِ الأجْرِ على إقامةِ الجِدارِ.
وأمَّا السُّنَّةُ، فثَبَتَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -[وأبا بَكْرٍ]، اسْتَأجَرَا رجلًا مِن بَنِي الدِّيل هادِيًا خِرِّيتًا . وروَى البُخاريُّ عن أبي هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«قَال الله عَزَّ وَجَلَّ: ثَلَاثة أنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ؛ رَجُلٌ أعْطَى بي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأجَرَ أجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُوَفِّهِ أجرَهُ». وأجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ في كل عَصْرٍ على جوازِ الإِجارَةِ، إلَّا ما يُحْكَى عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصَمِّ ، أنَّه قال: لا يَجُوزُ ذلك؛
لأنَّه غَرَرٌ. يَعْنِي أنَّه يَعْقِدُ على مَنافِعَ لم تُخْلَقْ. وهذا غَلَطٌ لا يَمْنَعُ انْعِقادَ الإجْماعِ الذي سَبَق في الأعْصارِ وسائِرِ الأمْصارِ. والعِبْرَةُ أيضًا دالَّةٌ عليها؛
فإنَّ الحاجَةَ إلى المَنافِعِ كالحاجَةِ إلى الأعْيانِ، فَلمّا جاز العَقْدُ على الأعْيانِ، وَجَب أن تَجُوزَ الإجارَةُ على المَنافِعِ، ولا تَخْفَى حاجَةُ النّاسِ إلى ذلك،. فإنَّه ليس لكل أحدٍ دارٌ يَمْلِكُها، ولا يَقْدِرُ كلُّ مُسافِرٍ على بَعِيرٍ أو دابَّةٍ يَمْلِكُها،
ولا يَلْزَمُ أصحابَ الأمْلاكِ إسْكانُهم وحَمْلُهم تَطَوُّعًا،
وكذلك أصحابُ الصَّنائعِ يَعْمَلُون بأجْر، ولا يُمْكِنُ كلَّ أحَدٍ عَمَلُ ذلك، ولا يَجِدُ مُتَطَوِّعًا به، فلا بُدَّ مِن الإجارَةِ؛ لذلك، بل ذلك ممّا جَعَلَه الله تعالى طَرِيقًا إلى الرِّزْقِ، حتى إنَّ أكْثَرَ المَكاسبِ بالصَّنائِعِ. وما ذَكَرَه مِن الغَرَرِ، لا يُلْتَفَتُ إليه مع ما ذَكَرْنا مِن الحاجَةِ،
فإنَّ العَقْدَ على المَنافِعِ لا يُمْكِنُ بعدَ وُجُودِها؛ لأنَّها تَتْلَفُ بمُضِيِّ الأوْقاتِ، فاحْتِيجَ إلى العَقْدِ عليها قبلَ وُجُودِها، كالسَّلَمِ في الأعْيانِ. واشْتِقاقُ الإجارَةِ مِن الأجْرِ، وهو العِوَضُ، قال الله تعالى:{لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْرًا}. ومنه سُمِّيَ الثَّوابُ أجْرًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى يُعَوِّضُ العَبْدَ به على طاعَتِه أو صَبْرِه على مُصِيبَتِه. ٢١٤٣ - مسألة: (وهي عَقْدٌ على المَنافِعِ، تَنْعَقِدُ بلَفْظِ الإجارَةِ، والكِرَاءِ، وما في مَعْناهما، وفي لَفْظِ البَيعِ وَجْهَان) الإجارَةُ عَقْدٌ على المَنافِعِ في قَولِ أكثَرِ العُلَماءِ؛
منهم أبو حنيفةَ، ومالكٌ، وأكثرُ الشافعيَّةِ. وذَكَر بعضُهم أنَّ المَعْقُودَ عليه العَينُ؛ لأنها المَوْجُودَةُ، والعَقْدُ يُضافُ إليها، فيقولُ: أجَرْتُكَ دارِي. ولَنا، أنّ المَعْقُودَ عليه هو المُسْتَوْفَى بالعَقْدِ، وذلك هو المَنافِعُ دُونَ الأعْيانِ، ولأنّ الأجْرَ في مُقابَلَةِ المَنْفَعَةِ، ولهذا تُضْمَنُ دُونَ العَينِ، وما كان العِوَضُ في مُقابَلَتِه، فهو المَعْقُودُ عليه، وإنَّما أضِيفَ العَقْدُ إلى العَينِ؛ لأنَّها مَحَلُّ المَنْفَعَةِ [ومَنشَؤُها]، وكما يُضافُ عَقْدُ المُساقاةِ إلى البُسْتانِ، والمَعْقُودُ عليه الثَّمرَةُ.
ولو قال: أجَرْتُك مَنْفَعَةَ دارِي. جازَ. فصل: وهي نوعٌ مِن البَيعِ؛ لأنَّها تَمْلِيكٌ مِن كلِّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه، فهي بَيعُ المَنافِعِ، والمَنافِعُ كالأعْيانِ؛ لأنها يَصِحُّ تَمْلِيكُها في الحياةِ وبعدَ المَوْتِ، وتُضْمَنُ باليَدِ والإتْلافِ، [وتكونُ عِوَضًا] عَينًا ودَيْنًا. وإنَّما اخْتَصَّتْ باسْمٍ، كالصَّرْفِ، والسَّلَمِ، مع كَوْنِه بَيعًا. فعلى هذا، تَنْعَقِدُ بلَفْظِ الإجارَةِ، والكِراءِ؛ لأنَّهما مَوْضُوعانِ لها.
وكذلك كلُّ ما يُؤَدِّي مَعْناهما؛ لحُصُول المَقْصُودِ به. وهل تَنْعَقِدُ بلَفظِ البَيعِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تنْعَقِدُ به؛ لأنها بَيعٌ، فانْعَقَدتْ بلَفْظِه، كالصَّرْفِ.
والثاني، لا تَنْعَقِدُ به لأنَّ فيها مَعْنًى خاصًّا، فافْتَقَرتْ إلى لَفْظٍ يَدُلُّ على ذلك المَعْنَى، ولأنَّ الإجارَةَ تُضافُ إلى العَينِ التي يُضافُ إليها البَيعُ إضافَةً واحِدَةً، فاحْتِيجَ إلى لَفْظٍ يُعَرِّفُ ويُفَرِّقُ بينَهما، كالعُقُودِ المُتَبايِنَةِ. ولأنَّه عَقْدٌ يُخالِفُ البَيعَ في الحُكْمِ والاسْمِ، أشْبَهَ النِّكاحَ.
فصل: ولا تَصِحُّ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّه عَقْدُ تَمْليكٍ في الحَياةِ، أشْبَهَ البَيعَ. ٢١٤٤ -
بَابُ الْإِجَارَةِ][مَا تَنْعَقِدُ بِهِ الْإِجَارَةُ] ِ هِيَ مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْأَجْرِ وَهُوَ الْعِوَضُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الثَّوَابُ أَجْرًا ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَوِّضُ الْعَبْدَ بِهِ عَلَى طَاعَتِهِ أَوْ صَبْرِهِ عَلَى مَعْصِيَتِهِ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْإِجْمَاعِ، وَلَا عِبْرَةَ بِمُخَالَفَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَصَمِّ، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} وَ {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ} الْآيَةَ، وَ {قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا} وَعَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ قَالَتْ: «وَاسْتَأْجَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَبُو بَكْرٍ رَجُلًا مِنْ بَنِي الدِّيلِ هَادِيًا خِرِّيتًا، وَالْخِرِّيتُ الْمَاهِرُ بِالْهِدَايَةِ» ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، «وَعَنْ عُتْبَةَ بْنِ النُّدَّرِ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، فَقَرَأَ " طسم " حَتَّى بَلَغَ قِصَّةَ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، فَقَالَ: ٣٢ إِنَّ مُوسَى آجَرَ نَفْسَهُ ثَمَانِ سِنِينَ، أَوْ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى عِفَّةِ فَرْجِهِ، وَطَعَامِ بَطْنِهِ» ٣٢ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ مَسْلَمَةَ بْنِ عَلِيٍّ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ جَمَاعَةٌ، وَالْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ إِلَيْهَا إِذْ كَلُّ أَحَدٍ لَا يَقْدِرُ عَلَى عَقَارٍ يَسْكُنُهُ، وَلَا عَلَى حَيَوَانٍ يَرْكَبُهُ، وَلَا عَلَى صَنْعَةٍ يَعْمَلُهَا، وَهُمْ لَا يَبْذُلُونَ ذَلِكَ مَجَّانًا، فَجَوَّزَتْ طَلَبًا لِتَحْصِيلِ الرِّزْقِ، وَحَدَّهَا فِي " الْوَجِيزِ " بِأَنَّهَا عِوَضٌ مَعْلُومٌ فِي مَنْفَعَةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ عَيْنٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ مَوْصُوفَةٍ فِي الذِّمَّةِ، أَوْ فِي عَمَلٍ مَعْلُومٍ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ دُخُولُ الْمَمَرِّ، وَعُلُوُّ بَيْتٍ وَنَحْوُهُ، وَالْمَنَافِعُ الْمُحَرَّمَةُ، وَمَا فُتِحَ عُنْوَةً وَلَمْ يُقْسَمْ فِيمَا فَعَلَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -. (وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَ بَعْضٌ أَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ الْعَيْنُ ;
لِأَنَّهَا الْمَوْجُودَةُ، وَالْعَقْدُ يُضَافُ إِلَيْهَا، فَتَقُولُ: أَجَرْتُكَ دَارِي، وَرُدَّ بِأَنَّ الْمَعْقُودَ عَلَيْهِ هُوَ الْمُسْتَوْفَى بِالْعَقْدِ، ذَلِكَ هُوَ الْمَنَافِعُ دُونَ الْأَعْيَانِ، إِذِ الْأَجْرُ فِي مُقَابَلَةِ الْمَنْفَعَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَضْمَنُ دُونَ الْعَيْنِ، وَإِضَافَةُ الْعَقْدِ إِلَى الْعَيْنِ ; لِأَنَّهَا مَحَلُّ الْمَنْفَعَةِ كَمَا يُضَافُ عَقْدُ الْمُسَاقَاةِ إِلَى الْبُسْتَانِ، وَالْمَعْقُودُ عَلَيْهِ الثَّمَرَةُ فَتُؤْخَذُ الْمَنَافِعُ شَيْئًا فَشَيْئًا، وَانْتِفَاعُهُ تَابِعٌ لَهُ، وَقَدْ قِيلَ: هِيَ خِلَافُ الْقِيَاسِ،
وَالْأَصَحُّ لَا ; لِأَنَّ مَنْ لَا يُخَصِّصُ الْعِلَّةَ لَا يُتَصَوَّرُ عِنْدَهُ مُخَالَفَةُ قِيَاسٍ صَحِيحٍ،
وَمَنْ خَصَّصَهَا فَإِنَّمَا يَكُونُ الشَّيْءُ خِلَافَ الْقِيَاسِ إِذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلْحِكَمِ مَوْجُودًا فِيهِ، وَتَخَلَّفَ الْحُكْمُ عَنْهُ،
وَفِي " الْبُلْغَةِ " لَهَا خَمْسَةُ أَرْكَانٍ: الصِّيغَةُ، وَالْأُجْرَةُ، وَالْمُتَعَاقِدَانِ، وَالْمَنْفَعَةُ. (تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الْإِجَارَةِ وَالْكِرَاءِ) لِأَنَّهُمَا مَوْضُوعَانِ لَهَا (وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ إِنْ أَضَافَهُ إِلَى الْعَيْنِ،
فَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى الْمَنْفَعَةِ بِأَنْ قَالَ: أَجَرْتُكَ مَنْفَعَةَ دَارِي شَهْرًا صَحَّ فِي الْأَصَحِّ (وَفِي لَفْظِ الْبَيْعِ وَجْهَانِ) كَذَا فِي " الْفُرُوعِ " أَحَدُهُمَا تَنْعَقِدُ بِهِ ; لِأَنَّهَا بَيْعٌ فَانْعَقَدَتْ بِلَفْظِهِ كَالصَّرْفِ،
وَالثَّانِي: لَا ; لِأَنَّ فِيهَا مَعْنًى خَاصًّا فَافْتَقَرَتْ إِلَى لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى، وَلِأَنَّهَا تُضَافُ إِلَى الْعَيْنِ الَّتِي يُضَافُ إِلَيْهَا إِضَافَةً وَاحِدَةً، فَافْتَقَرَتْ إِلَى لَفْظٍ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا كَالْعُقُودِ الْمُتَبَايِنَةِ، وَبَنَاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْمُعَاوَضَةَ نَوْعٌ مِنَ الْبَيْعِ، أَوْ شَبِيهٌ بِهِ،
وَفِي " التَّلْخِيصِ " مُضَافًا إِلَى النَّفْعِ كَبِعْتُكَ نَفْعَ هَذِهِ الدَّارِ شَهْرًا، وَإِلَّا لَمْ يَصِحَّ نَحْوَ: بِعْتُكَهَا شَهْرًا، وَلَا تَنْعَقِدُ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ كَالْبَيْعِ.
[شُرُوطُ صِحَّةِ الْإِجَارَةِ] [الشَّرْطُ الْأَوَّلُ مَعْرِفَةُ الْمَنْفَعَةِ]
بَابُ الإجَارَةِ بابُ الإِجارَةِ فائدتان؛ إحْداهما، في حدِّها.
قال في «الرعايَةِ»: قلتُ: وتَحْرِيرُه بذْلُ عِوَضٍ مَعْلومٍ في مَنْفَعَةٍ مَعْلومَةٍ مِن عَينٍ مُعَيَّنةٍ، أو مَوْصُوفَةٍ في الذِّمَّةِ، أو في عَمَلٍ مَعْلومٍ. وتَبِعه في «الوَجيزِ». قال الزرْكَشِيُّ: وليس بمانِعٍ؛ لدُخولِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المَمَرِّ، وعُلْوِ بَيتٍ، والمَنافِعِ المُحَرَّمَةِ. انتهى.
قلتُ: لو زِيدَ فيه: مُباحَةٍ مُدَّةً مَعْلُومَةً. لسَلِمَ. الثَّانيةُ، قيل: الإجارَةُ [وارِدةٌ على] خِلافِ القِياسِ.
قال في «الفُروعِ»: والأصحُّ، لا؛ لأنَّ مَن لم يُخَصِّصِ العِلَّةَ، لا يُتَصَوَّرُ عندَه مُخالفَةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
قِياسٍ صحيحٍ، ومَن خصَّصَها؛ فإنما يكونُ الشيءُ خِلافَ القِياسِ عندَه ، إذا كان المَعْنَى المُقْتَضِي للحُكْمِ مَوْجودًا فيه، وتَخَلَّف الحُكْمُ عنه. انتهى.
قال في «القواعِدِ الأُصُولِيَّةِ»، في آخِرِ «القاعِدَةِ الثانِيَةِ والعِشْرِين»: مِنَ الرُّخَصِ ما هو مُباحٌ كالعَرايا، والمُساقاةِ، والمُزارَعَةِ، والإجارَةِ، والكِتابَةِ، والشُّفْعَةِ، وغيرِ ذلك مِنَ العُقودِ الثابِتَةِ المُسْتَقِرِّ حُكْمُها على خِلافِ القِياسِ، هكذا يذْكُرُ أصحابُنا وغيرُهم.
وقال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: ليس شيءٌ مِنَ العُقودِ وغيرِها الثابِتَةِ المُسْتَقِرِّ حُكْمُها على خِلافِ القِياسِ. وقرَّرَ ذلك بأحْسَنِ تَقْريرٍ، وبَيَّنه بأحسَنِ بَيانٍ. وَهِيَ عَقْدٌ عَلَى الْمَنَافِعِ، تَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الإجارَةِ، وَالْكِرَاءِ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا،
وَفِي لَفْظِ الْبَيعِ وَجْهَانِ.
تنبيه: قولُه: تَنْعَقِدُ بلَفْظِ الإجارَةِ والكِراءِ، وما في مَعْناهما. كالتَّمْليكِ ونحوه. يعْنِي بقَوْلِه: وما في مَعْناهما. إذا أضافَه إلى العَينِ.
وكذا إذا أضافَه إلى النَّفْعِ، في أصحِّ الوَجْهَين. قاله في «الفُروعِ». قال الزَّرْكَشِيُّ: وتَنْعَقِدُ بلَفْظِ الإجارَةِ، والكِراءِ، وما في مَعْناهما، على الصَّحيحِ. انتهى. وقيلَ: لا تَنْعَقِدُ.
قال في «الرِّعايَةِ الكُبْرى»: فإنْ أجَر عَينًا مَرْئِيَّةً أو مَوصُوفَةً [في الذمةِ]، قال: أجَرْتُكَها. أو: أكْرَيتُكَها. أو: مَلَّكْتُكَ نَفْعَها سنَةٌ بكذا.
وإنْ قال: أجَرْتُكَ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أو: أكْرَيتُك نَفْعَها. فاحْتِمالان. انتهى. وفي لَفْظِ البَيعِ وَجْهان. بأنْ يقولَ: بِعْتُك نَفْعَها. وأطْلَقهما في «الهِدايةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبوكِ الذهَبِ»، و «المُسْتَوعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِي»، و «الهادِي»، و «المُغْنِي»، و «المَذْهَبِ وَلَا تَصِحُّ إلا بِشُرُوطٍ ثَلَاثَةٍ، أحَدُهَا، مَعْرِفَةُ الْمَنْفَعَةِ، إمَّا بِالْعُرْفِ، كَسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا، وخِدْمَةِ الْعَبْدِ سَنَةً، وَإمَّا الأحْمَدِ»، و «التلْخيصِ»، و «البُلْغةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابن مُنَجَّى»، و «الرِّعايَتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الفُروعِ»، و «الفائِقِ»، و «الزرْكَشِيِّ»، و «القواعِدِ الفِقْهِيِّةِ»، والطُّوفِيُّ في «شَرْحِ الخِرَقِي».
قال في «التَّلْخيصِ»، و «الفائقِ»: وأمَّا لَفْظُ البَيعِ،
فإنْ أضافَه إلى الدَّارِ، لم يصِحَّ،
وإنْ أضافَه إلى المَنْفَعَةِ، فوَجْهان. انْتَهيا. أحدُهما، يصِحُّ. اخْتارَه ابنُ عَبْدُوسٍ في «تَذْكِرَتِه»، والشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، فقال في قاعِدَةٍ له، في تَقْريرِ القِياسِ، بعدَ إطْلاقِ الوَجْهَين: والتحْقيقُ أن المُتعاقِدَين إنْ عرَفا المَقْصُودَ، انْعقَدَتْ بأي لَفْظٍ كان مِنَ الألفاظِ التي عرَف به المُتَعاقِدان مَقْصُودَهما. وهذا عامٌّ في جَميعِ العُقودِ،
فإنَّ الشَّارِعَ لم يحِدَّ حدًّا لألفاظِ العُقودِ، بل ذكَرَها مُطْلَقَةً. انتهى.
وكذا قال ابنُ القَيِّمِ في «أعْلامِ المُوَقِّعِين».
قال في «إدْراكِ الغايةِ»: لا تصِحُّ بلَفْظِ البَيعِ في وَجْهٍ. وقدَّمه ابنُ رَزِينٍ في «شَرْحِه». والوَجْهُ الثاني، لا يصِحُّ. صحَّحه في «التَّصْحيحِ»، و «النَّظْمِ». قال الشيخُ تَقِيُّ الدِّينِ بعدَ ذِكْرِ الوَجْهَين: بِناءً على أنَّ هذه المُعاوَضَةَ نَوْعٌ مِنَ البَيعِ، أو شَبِيهَةٌ به.
فوائد؛ إحْداها، قولُه: أحَدُها، مَعْرِفَةُ المَنْفَعَةِ؛
إما بالعُرْفِ، كسُكْنَى الدَّارِ شَهْرًا. وهذا بلا نِزاعٍ، لكِنْ لو اسْتَأجَرَها للسُكْنَى، لم يعْمَلْ فيها حِدادَةً، ولا قِصارَةً، ولا يُسْكِنُها دابَّةً.
والصحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّه لا يَجْعَلُها مَخْزَنًا للطَّعامِ.
قال في «الفُروعِ»: هذا الأشْهَرُ.
وقيل: له ذلك. وقيل للإمامِ أحمدَ: يَجِيئُه بِالْوَصْفِ كَحَمْلِ زُبْرَةِ حَدِيدٍ وَزْنُهَا كَذَا إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ، وَبِنَاءِ حَائِطٍ يَذْكُرُ طُولَهُ وَعَرْضَهُ وَسُمْكَهُ وَآلتَهُ، زُوَّارٌ، عليه أنْ يُخْبِرَ صاحِبَ البَيتِ؟ قال: رُبَّما كَثُروا، وأرَى أنْ يُخْبِرَه.
وقال أيضًا: إذا كان يَجِيئُه الفَرْدُ، ليس عليه أنْ يُخْبِرَه.
وقال الأصحابُ: له إسْكانُ ضَيفٍ وزائر. واخْتارَ في «الرِّعايةِ»، يجِبُ ذِكْرُ السُّكْنَى، وصِفَتِها، وعدَدِ مَن يَسْكُنُها، وصِفَتِهم، إنِ اخْتَلَفَتِ الأجْرَةُ. الثَّانيةُ، قولُه: وخِدْمَةِ العَبْدِ سَنَةً. فتَصِحُّ بلا نِزاعٍ، لكِنْ تكونُ الخِدْمَةُ عُرْفًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقال في «النوادِرِ»، و «الرِّعايَةِ»: يَخْدِمُ ليلًا ونَهارًا. انتهيا.
وأمَّا إنِ اسْتَأجَرَه للعَمَلِ، فإنه يَسْتَحِقُّه ليلًا. الثَّالثةُ،
قولُه: وإمَّا بالوَصْفِ، كحَمْلِ زُبْرَةِ حَدِيدٍ وَزْنُها كذا إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ. وهذا بلا نِزاعٍ، لكِنْ لو اسْتَأجَرَه لحَمْلِ كتابٍ، فحمَلَه، فوَجَد المَحْمُولَ إليه غائِبًا، فله الأجْرَةُ لذَهابِه ورَدِّه أيضًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. وجزَم به في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. وصحَّحه في «النَّظْمِ» وغيرِه. وقدَّمه في «الفروعِ» وغيرِه.
وقال في «الرعايةِ»، وهو ظاهِرُ «التَّرْغيبِ»: إنْ وجَدَه مَيِّتًا، فله المُسَمَّى فقط، ويَرُدُّه.
وقال في «التَّلْخيصِ»: وإنْ وجَدَه مَيِّتًا، اسْتَحَقَّ الأُجْرَةَ، وما يصْنَعُ بالكتابِ؟ قال الشَّيخُ أبو حَكِيمٍ، شَيخُ السَّامَريِّ: الصَّحيحُ، أنَّه يَلْزَمُه رَدُّ الكِتابِ إلى المُسْتَأجِرِ؛ لأنه أمانَة، فوَجَب رَدُّه. انتهى. نقَل حَرْبٌ، إنِ اسْتَأجَرَ دابَّةً، أو . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَكِيلًا؛ ليَحْمِلَ له شيئًا مِنَ الكُوفَةِ، فلمَّا وصَلَها، لم يَبْعَثْ وَكِيلَه بما أرادَ، فله الأُجْرَةُ مِن هنا إلى ثَمَّ. قال أبو بَكْرٍ: هذا جَوابٌ على أحَدِ القَوْلَين. والقَوْلُ الآخَرُ، له الأجْرَةُ في ذَهابِه ومَجِيئه،
فإنْ جاءَ، والوَقْتُ لم يَبْلُغْه، فالأُجْرَةُ له، ويَسْتَخْدِمُه بَقِيَّةَ المُدَّةِ. الرَّابِعَةُ، قولُه: وبِناء حائطٍ، يَذكُرُ طُولَه، وعَرْضَه، وسُمْكَه، وآلتَه. فيَصِحُّ بلا نِزاع. لكِنْ لو اسْتَأجَرَه لحَفْرِ بِئْرٍ، طُولُه عَشَرَة، وعَرْضُه عَشَرَة، وعُمْقُه عشَرَةٌ، فحفَر طُولَ خَمْسَةٍ، في عَرْضِ خَمْسَةٍ، في عُمْقِ خَمْسَةٍ؛ فاضْرِبْ عَشَرَةً في عَشَرَةٍ، فما بلَغ فاضْرِبْه في عَشَرَةٍ، تَبْلُغُ ألْفًا، واضْرِبْ خَمْسَةً في خَمْسَةٍ، فما بلَغ فاضْرِبْه في خَمْسَةٍ، تَبْلُغُ مِائَةً وخَمْسًا وعِشْرِين , وذلك ثُمْنُ الألفِ، فله ثُمْنُ الأجْرَةِ، إنْ وجَب له شيءٌ.
قاله في «الرعايةِ». وهو واضِحٌ، وهو مِنَ التمْرِينِ. وَإجَارَةِ أرْضٍ مُعَينَّةٍ لِزَرْعِ كَذَا، أوْ غَرْسٍ، أوْ بِنَاءٍ مَعْلُومٍ.
باب الإجارة] الإجارة جائزة بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن}، وقوله تعالى:{قالت إحداهما يا أبتِ استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين}، وقوله:{إني أريد أن أُنْكِحَكَ إحدى ابنتي هاتين على أن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَج}.
وأما السنة فثبت «أن النبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر استأجرَا رجلاً من بني الدِّيلِ هَادِياً خِرِّيتاً».
وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«يقولُ اللهُ تعالى: ثلاثةٌ أنا خصمهمْ يومَ القيامةِ: رجلٌ أعطى بي ثمَّ غَدرْ، ورجلٌ باعَ حُراً وأكلَ ثمنهُ، ورجلٌ استأجرَ أجيراً فاستوفَى منهُ ولم يوفّهِ أجرَهُ». والأخبار في هذا كثير.
وأما الإجماع فأجمع أهل العلم على جواز الإجارة في الجملة.
قال المصنف رحمه الله: (وهي: عقد على المنافع. تنعقد بلفظ الإجارة والكراء وما في معناهما. وفي لفظ البيع وجهان) .
أما قوله رحمه الله: وهي عقد على المنافع فبيان لمعنى الإجارة ليحصل به معرفة حقيقتها وتمييزها عن الأعيان.
وأما كونها تنعقد بلفظ الإجارة والكراء؛ فلأنهما موضوعان لذلك.
وأما كونها تنعقد بلفظ البيع في وجه؛ فلأنها حقيقة فانعقدت بلفظه كسائر أنواعه.
وأما كونها لا تنعقد به في وجه؛ فلأن فيها معنى خاصاً فافتقرت إلى لفظ يدل على ذلك المعنى.
ولأن الإجارة تضاف إلى العين التي يضاف البيع إليها إضافة واحدة فاحتيج لفظ يفرق بينهما كالعقود المتباينة.
ولأنها تخالف البيع في الاسم والحكم. أشبهت النكاح.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.