فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٣٬٢٨٤المقنعالحنابلةج ٥ ص ١٥٢ج ٥ ص ١٥٢

وَهُوَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ مِثْلَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ، أَوْ يَجْعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأْذَنَ لَهُمْ فِي الدَّفْنِ فِيهَا أَوْ سِقَايَةً وَيَشْرَعُهَا لَهُمْ

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

كتابُ الوَقْفِ (وهو تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعةِ) وهو مُسْتَحَبٌ. والأصْلُ فيه ما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، قال: أصابَ عُمَرُ أرْضًا بخيبرَ، فأتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَأمِرُه فيها، فقال: يا رسولَ الله إنِّي أصَبْتُ أرْضًا بخَيبَرَ، لم أُصِبْ قَطُّ مالًا أنْفَسَ عِنْدِي منه، فما تَأمُرُنِي فيه؟ قال:«إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَهَا، وتَصَدَّقْتَ بِها، غَيرَ أنَّه لَا يُبَاعُ أصْلُهَا، ولا يُبْتَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ». قال: فتَصَدَّقَ بها عُمَرُ في الفُقَراءِ، وذَوي القُرْبَى، والرِّقابِ، وابْنِ السَّبِيلِ، والضَّيفِ، لا جُنَاحَ على مَن وَلِيَها أن يَأكلَ منها، أو يُطْعِمُ صَدِيقًا بالمَعْرُوفِ، غَيرَ مُتَأثِّلٍ فيه، أو غيرَ مُتَمَوِّلٍ فيه.

مُتَّفَقٌ عليه . ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال:«إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ، انْقَطَعَ عَمَلُه إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ؛ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِه، أوْ وَلَدٍ صَالِح يَدْعُو لَهُ». قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. ورَواه مسلمٌ .

فصل: والقولُ بصِحَّةِ الوَقْفِ قولُ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ مِن السَّلَفِ ومَن بعدَهم. قال جابِرٌ: لم يَكُنْ أحَدٌ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذو مَقْدِرَةٍ إلَّا وَقَف. ولم يَرَه شُرَيحٌ،

٢٠٬٤٠١

وقال: لا حَبْسَ عن فرائِضِ اللهِ. قال أحمدُ: هذا مَذْهَبُ أهْلِ الكُوفةِ. وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ حُجةٌ على مَن خالفَه، وهو صَرِيحٌ في الحُكْمِ مع صِحَّتِه، وقولُ جابِرٍ نَقْلٌ للإِجْماعِ، فلا يُلْتَفَتُ إلى خِلافِ ذلك. ٢٥٥٣ - مسألة: (وَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أنهُ يَحْصُل بِالقوْلِ والفِعْلِ الدَّال عَلَيهِ؛ مِثْلَ أنْ يبنِيَ مَسْجِدًا وَيَأذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، أوْ يَجْعَلَ أرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأذَنَ لَهُمْ فِي الدَّفْنِ فِيهَا، أوْ سِقَايَةً وَيَشرَعَهَا لَهُمْ) ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ الوَقْفَ يَحْصُلُ بالفِعْلِ مع القَرائِنِ الدّالَّةِ عليه التي ذكرناها.

قال أحمدُ في روايةِ أبي داودَ، وأبي طالبٍ، في مَن أدْخَلَ بَيتًا في المَسْجِدِ وأذِن فيه: لم يَرْجِعْ فيه.

٢٠٬٤٠٢

وكذلك إذا اتَّخَذَ المَقابِرَ وأذِن للناسِ، والسِّقايَةَ، فليس له الرُّجُوعُ. هذا قولُ أبي حنيفةَ.

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

كِتَابُ الْوَقْفِ][تَعْرِيفُ الْوَقْفِ] وَهُوَ مَصْدَرُ وَقَفَ، يُقَالُ: وَقَفَ الشَّيْءُ، وَأَوْقَفَهُ، وَحَبَسَهُ، وَأَحْبَسَهُ، وَسَبَّلَهُ - كُلُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، لَكِنْ أَوْقَفَ لُغَةٌ شَاذَّةٌ عَكْسُ أَحْبِسُهُ، وَهُوَ مِمَّا اخْتَصَّ بِهِ الْمُسْلِمُونَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَمْ يَحْبِسْ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِنَّمَا حَبَسَ أَهْلُ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِنَ الْقُرَبِ الْمَنْدُوبِ إِلَيْهَا، وَالْأَصْلُ فِيهِ مَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، قَالَ:«أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ، فَأَتَى النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أَصَبْتُ مَالًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ قَطُّ مَالًا أَنْفَسَ عِنْدِي مِنْهُ، فَمَا تَأْمُرُنِي فِيهِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا تُوهَبُ وَلَا تُورَثُ، قَالَ: فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْقُرْبَى، وَالرِّقَابِ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَابْنِ السَّبِيلِ، وَالضَّيْفِ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ بِالْمَعْرُوفِ، أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ، وَفِي لَفْظٍ - غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ -» ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

١٣٬٧٨٤

وَقَالَ جَابِرٌ: لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ذُو مَقْدِرَةٍ إِلَّا وَقَفَ. وَلَمْ يَرَهُ شُرَيْحٌ،

١٣٬٧٨٥

وَقَالَ: لَا حَبْسَ عَنْ فَرَائِضِ اللَّهِ. قَالَ أَحْمَدُ: هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَلَعَلَّهُ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ وَنَحْوِهَا.

قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي تَحْبِيسِ الْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ سَلَفًا وَخَلَفًا. قَالَ أَحْمَدُ: مَنْ يَرُدُّ الْوَقْفِ إِنَّمَا يَرُدُّ السُّنَّةَ الَّتِي أَجَازَهَا النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفَعَلَهَا أَصْحَابُهُ،

١٣٬٧٨٦

وَمِنَ الْغَرَائِبِ مَا حَكَاهُ صَاحِبُ " الْمَبْسُوطِ " أَنَّ لُزُومَ الْوَقْفِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ السَّلَامُ - خَاصَّةً، وَجَوَابُهُ بِأَنَّ الْوَقْفَ قُرْبَةٌ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَافْعَلُوا الْخَيْرَ} . (وَهُوَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ) كَذَا فِي " التَّلْخِيصِ " وَ " الْوَجِيزِ "، وَمُرَادُهُمْ بِتَسْبِيلِ الْمَنْفَعَةِ أَنْ يَكُونَ عَلَى بِرٍّ أَوْ قُرْبَةٍ، وَأَحْسَنُهُ حَبْسُ مَالٍ يُمْكِنُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ مَمْنُوعٌ مِنَ التَّصَرُّفِ فِي عَيْنِهِ بِلَا عُذْرٍ، مَصْرُوفٌ مَنَافِعُهُ فِي الْبِرِّ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ: الْوَاقِفُ،

١٣٬٧٨٧

وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ جَائِزَ التَّصَرُّفِ، وَالْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ، وَمَا يَنْعَقِدُ بِهِ، وَسُمِّيَ وَقْفًا لِأَنَّ الْعَيْنَ مَوْقُوفَةٌ، وَحَبْسًا لِأَنَّ الْعَيْنَ مَحْبُوسَةٌ (وَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ يَحْصُلُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ الدَّالِّ عَلَيْهِ) عُرْفًا (مِثْلَ أَنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا وَيَأْذَنَ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ فِيهِ، أَوْ يَجْعَلَ أَرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأْذَنَ لَهُمْ فِي الدَّفْنِ فِيهَا) ، هَذِهِ الرِّوَايَةُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَنَصَّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةٍ جَمَاعَةٌ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ جَارٍ بِذَلِكَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى الْوَقْفِ، فَجَازَ أَنْ يَحْصُلَ بِهِ كَالْقَوْلِ.

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَوْ أَذَّنَ فِيهِ وَأَقَامَ، نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ وَجَعْفَرٌ،

١٣٬٧٨٨

وَلَوْ نَوَى خِلَافَهُ (أَوْ سِقَايَةً وَيَشْرَعُهَا لَهُمْ) ، أَيْ لِلنَّاسِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْبَيْتُ الْمَبْنِيُّ لِقَضَاءِ حَاجَةِ النَّاسِ، وَلَيْسَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ، وَإِنَّمَا الْمَذْكُورُ فِيهَا أَنَّ السِّقَايَةَ - بِكَسْرِ السِّينِ - الْمَوْضِعُ الَّذِي يُتَّخَذُ فِيهِ الشَّرَابُ فِي الْمَوَاسِمِ وَغَيْرِهَا

الإنصافالمرداوي

كتابُ الْوَقْفِ وَهُوَ تَحْبِيسُ الأصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ.

كتابُ الوَقْفِ وهو تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المنْفَعَةِ.

٢٥٬٤٦٣

وكذا قال في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الكافِي»، و «التَّلْخيصِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»، و «الوَجيزِ»، و «الفائقِ»، وغيرِهم. قال الزرْكَشِيُّ: وأرادَ مَن حَدَّ بهذا الحَدِّ، مع شُروطِه المُعْتَبَرَةِ، وأدْخَلَ غيرُهم الشروطَ في الحَدِّ. انتهى.

٢٥٬٤٦٤

وقال في «المُطْلِعِ»: وحَدُّ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

المُصَنِّفِ لم يجْمَعْ شُروطَ الوَقْفِ، وحدَّه غيرُه، فقال: تَحْبِيسُ مالِكٍ مُطْلَقِ التَّصَرُّفِ ماله المُنْتَفَعَ به مع بَقاءِ عَينه، بقَطْعِ تصَرُّفِ الواقِفِ في رقَبَتِه، يُصْرَف رِيعُه إلى جِهَةِ برٍّ؛ تقَرُّبًا إلى الله تعالى. انتهى.

٢٥٬٤٦٥

وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وأقْرَبُ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أنهُ يَحْصُل بِالقوْلِ والفِعْلِ الدَّال عَلَيهِ؛ مِثْلَ أنْ يبنِيَ مَسْجِدًا وَيَأذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، أوْ يَجْعَلَ أرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأذَنَ لَهُمْ فِي الدَّفْنِ فِيهَا، أوْ سِقَايَةً وَيَشرَعَهَا لَهُمْ. وَالأُخْرَى، لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْقَوْلِ.

الحُدودِ في الوَقْفِ، أنَّه كلُّ عَينٍ تجوزُ عارِيَّتُها. فأدخَلَ في حدِّه أشياءَ كثيرةً لا يجوزُ وَقْفُها عندَ الإِمامِ أحمدَ، والأصحابِ، يأتي حُكْمُها. وفيه رِوايَتان؛ إحْداهما، أنَّه يَحْصُلُ بالقَوْلِ والفِعْلِ الدَّالِ عليه. كما مَثَّلَ به المُصَنِّفُ. وهذا المذهبُ. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ , وصاحِبُ «الفائقِ»، وغيرُهم: هذا ظاهِرُ المذهبِ. قال الحارِثِيُّ: مذهبُ أبي عبدِ اللهِ، انْعِقادُ الوَقْفِ . . . . . . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . .

به، وعليه الأصحابُ. انتهى. وجزَم به في «الجامِعِ الصَّغِيرِ»، و «رُءُوسِ المَسائلِ» للقاضي، و «رُءُوسِ المَسائِل» لأبِي الخَطَّابِ، و «الكافِي»، و «العُمْدَةِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه في «الفُروعِ» وغيرِه. والروايَةُ الأخْرَى، لا يصِحُّ إلَّا بالقَوْلِ وَحْدَه، كما مثَّلَ المُصَنِّفُ. ذكَرَها القاضي في «المُجَرَّدِ»، واخْتارَه أبو محمدٍ الجَوْزِيُّ. ومنَع المُصَنِّفُ دلالتَها، وجعَل المذهبَ رِوايَةً واحدَةً،

٢٥٬٤٦٦

وكذلك الحارِثِيُّ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

٢٥٬٤٦٧

فائدة: قال في «المُطْلِعِ»: السقايَةُ، بكَسْرِ السِّينِ، المَوْضِعُ الذي يُتَّخَذُ فيه الشرابُ في المَواسِمِ وغيرِها. عن ابنِ عبَّادٍ ، قال: والمُرادُ هنا بالسِّقايَةِ؛ البَيتُ المَبْنيُّ لقَضاءِ حاجَةِ الإنْسانِ، سُمِّيَ بذلك تَشْبِيهًا بذلك. قال: ولم أرَه مَنْصُوصًا عليه في شيءٍ مِن كُتُبِ اللُّغَةِ والغَرِيبِ، إلَّا بمَعْنَى مَوْضِعِ الشَّرابِ، وبمَعْنَى الصُّواعِ. انتهى. قال الحارِثِيُّ: أرادَ بالسِّقايَةِ مَوْضِعَ التَّطَهُّرِ وقَضاءِ الحاجَةِ، بقَيدِ وُجودِ الماءِ. قال: ولم أجِدْ ذلك في كُتُبِ اللُّغَويين، وإنَّما هي عندَهم مَقُولَةٌ بالاشْتِراكِ على الإنْاءِ الذي يُسْقَى به، وعلى مَوْضِعِ السقْي، أي المَكانِ المُتَّخَذِ به الماءُ.

غيرَ أنَّ هذا يُقَربُ ما أرادَ المُصَنِّفُ بقوْلِه: وشرَعَها. أي فتَح بابَها. وقد يُريدُ به مَعْنَى الوُرودِ. انتهى

٢٥٬٤٦٨

قلتُ: لعَلَّه أرادَ أعَمَّ ممَّا قالا، فيَدْخُل في كلامِه: لو وقَف خابِيَةً للماءِ على الطَّريقِ ونحوه، وبَنَى عليها، ويكونُ ذلك تَسْبِيلًا له. وقد صرَّح بذلك المُصَنف في «المُغْنِي» وغيرِه. قال الزَّرْكَشِي: لو وقَف سِقَايَةً، ملَك الشُّرْبَ منها، لكِنْ يَرِدُ على ذلك قوْله: ويشْرَعها لهم. وَصَرِيحُه: وَقَفْتُ، وَحَبَّسْتُ، وَسَبَّلْتُ. وَكِنَايَتُهُ: تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمْتُ، وَأبدتُ. فَلَا يَصِح الْوَقْفُ بِالْكِنَايَةِ إِلا أنْ يَنْويَهُ، أوْ يَقْرِنَ بِهَا أحَدَ الألفَاظِ الْبَاقِيَةِ، أوْ حُكْمَ الْوَقْفِ، فيَقُولَ: تَصَدَّقْتُ

٢٥٬٤٦٩

تنبيه: قولُه: مِثْلَ أنْ يَبْنِيَ مَسْجِدًا -أي يَبْنِيَ بُنْيانًا على هَيئَةِ المَسْجِدِ- ويَأذَنَ للنَّاسِ في الصلاةِ فيه. أي إذْنًا عامًّا؛ لأنَّ الإذْنَ الخاص قد يقَعُ على غيرِ المَوْقُوفِ، فلا يُفيدُ دلالةَ الوَقْفِ. قاله الحارِثِي.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

كتاب الوقف] الوقف: مصدر وقف. يقال: وَقَفْتُ وقفاً، ولا يُقال: أوقَفْتُ إلا في لُغة شاذةٍ.

وهو من القُرَبِ المندوبِ إليها.

والأصل فيه ما روى عبدالله بن عمر قال:«أصابَ عمرُ أرضاً بخيبرَ. فأتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم يستأمرُه فيها. فقال: يا رسولَ الله! إني أصبتُ أرضاً بخيبرَ. لم أُصِبْ مالاً أنفسُ عندي منه فما تأمرني فيها؟ قال: إن شئتَ حبستَ أصلهَا وتصدقتَ بثمرتها. غير أنه لا يباعُ أصلُها ولا يوهبُ ولا يورثُ. قال: فتصدقَ بها عمر في الفقراءِ، وذوي القربى، والرقاب، وابن السبيل، والضيف. لا جناحَ على من وليها أن يأكلَ منها، أو يُطعم صَديقاً بالمعروفِ غير مُتَأَثِّلٍ فيه، أو غيرَ متمولٍ فيه».

متفق عليه.

وعن النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا ماتَ ابنُ آدم انقطعَ عملُه إلا من ثلاث: صدقةٍ جارية، أو علمٍ ينتفعُ به من بعده، أو ولدٍ صالح يدعُو لَه».

وعن جابر: لم يكن أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف.

قال المصنف رحمه الله: (وهو تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة. وفيه روايتان: إحداهما: أنه يحصل بالقول والفعل الدال عليه؛ مثل: أن يبني مسجداً ويأذن للناس في الصلاة فيه، أو يجعل أرضه مقبرة ويأذن لهم في الدفن فيها، أو سقاية ويشرعها لهم. والأخرى: لا يصح إلا بالقول).

٩٬١٥١

أما قول المصنف رحمه الله: وهو تحبيس الأصل وتسبيل المنفعة؛ فبيان لمعنى الوقف شرعاً. وقد دل عليه قوله عليه السلام:«إن شئتَ حبستَ أصلَها وتصدقتَ بثمرتها».

٩٬١٥٢

وأما ما يحصل الوقف به.

فعلى ضربين:

أحدهما: متفق عليه. وهو القول؛ لأنه صريح فيه. فحصل به؛ كحصول سائر العقود بصرائحها.

وثانيهما: الفعل.

وفي حصول الوقف به روايتان:

إحداهما: يحصل؛ لأن العرف جارٍ بذلك. وفيه دلالة على الوقف. فجاز أن يحصل به؛ كالقول.

والثانية: لا يحصل به؛ لأنه تحبيس أصلٍ على وجهِ القربة. فوجب أن يفتقر إلى القول؛ كالوقف على الفقراء.

قال المصنف رحمه الله في المغني: ظاهر المذهب أن الوقف يحصل بالفعل مع القرائن الدالة عليه مثل ما تقدم. ويعضد ذلك: أن القرائن جارية مجرى صريح القول في كثير من المواضع. فليكن هاهنا كذلك. بيانه: أن من قدّم إلى ضيفٍ طعاماً كان ذلك إذناً في الأكل،

٩٬١٥٣

ومن ملأ خابية ماء ووضعها على الطريق كان ذلك تسبيلاً لمائها، وجاز لكل أحدٍ الشربُ منها،

٩٬١٥٤

ومن نثرَ على الناس شيئاً من اللوز والسكر وغيرهما أُبيح التقاطه. وقد تقدم أن البيع بالمعاطاة جائز ؛ لدلالة الحال. فكذلك هاهنا.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.