وَتَصِحُّ مِنَ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ، عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا وَمِنَ السَّفِيهِ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إِذَا جَاوَزَ الْعَشْرَ
الشروح عليها
مسألة: (وتَصِح مِن البالِغِ الرّشِيدِ، عَدْلًا كان أو فاسِقًا، رجلًا أو امرأةً، مُسْلِمًا أو كافرًا) لأنَّ هِبَتَهم صَحِيحَةٌ، فالوَصِيَّةُ أوْلَى. ٢٦٥١ - مسألة: (و) تَصِحُّ (مِن السفِيهِ في أصَحِّ الوَجْهَين) المَحْجُورُ عليه للسَّفَهِ تَصِحُّ وَصِيته في قياسِ قولِ أحمدَ. قال الخَبْرِي: وهو قولُ الأكْثَرِين. وفيه وَجْه آخَرُ، أنها لا تَصِحُّ. حَكاه أبو الخَطّابِ؛ لأنّه مَحْجُورٌ عليه في تَصَرُّفاتِه، فلم تَصِحّ منه، كالهِبَةِ. ولَنا، أنّه عاقِلٌ مُكَلفٌ، فصَحَّت وَصِيَّتُه، كالرشِيدِ، ولأن وَصِيَّتُه مَحْضُ مَصلحةٍ مِن غيرِ ضَرَرٍ؛
لأنّه إن عاش لم يَذْهَبْ مِن مالِه شيءٌ،
وإن مات فهو مُحْتاجٌ إلى الثَّوابِ، فصَحَّتْ وَصِيَّتُه، كعِباداتِه. فصل: (و) تَصِحُّ (مِن الصبِيِّ العاقِلِ إذا جاوَزَ العَشْرَ، ولا تَصِحُّ ممن له دُونَ السَّبْعِ، وفيما بينَهما رِوايتان) المَنْصُوصُ عن أحمدَ صِحة وَصيةِ الصَّبِيِّ العاقِلِ إذا جاوَزَ العَشْرَ. رَواه عنه صالِحٌ، وحَنْبَلٌ. قال أبو بكر: لا يَخْتَلِفُ المَذْهَبُ أن مَن له عَشْرُ سِنِين تَصِحُّ وصيتُه،
ومَن له دُونَ السَّبْعِ لا تَصِحُّ وَصمته، وفيما بينَ السَّبْعِ والعَشْرِ رِوايتان.
وقال ابن أبي مُوسى: لا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الغُلامِ لدُونِ العَشْرِ، ولا الجارِيَةِ لدونِ تِسْعٍ، قولًا واحِدًا. وما زاد على العَشْرِ، فتَصِحُّ على المَنْصُوصِ. وفيه وَجْهٌ آخَرُ، لا تَصِح حتى يبلُغ.
وقال القاضي، وأبو الخَطّابِ: تَصِحُّ وصيةُ الصَّبِيِّ إذا عَقَل. وقد رُوِيَ عن عُمَرَ، رَضِيَ الله عنه، أنّه أجاز وَصِيَّةَ الصَّبِيِّ. وهو قولُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وشُرَيحٍ، وعَطاءٍ، والزُّهرِيِّ، وإياس، وعبدِ اللهِ بنِ عُتْبَةَ، والشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ. قال إسحاقُ: إذا بَلَغ اثنَتَى عَشْرَةَ. وحَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ. وعن ابنِ عباسٍ، لا تصِحُّ وصيتُه حتى يَبْلُغ. وبه قال الحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وأصحابُ الرأي. وللشافعيِّ قولان كالمَذْهَبَين. ولأنَّه تَبَرُّعٌ بالمالِ، فلا يَصِحُّ مِن الصَّبِي، كالهبة والعتقِ.
ولَنا، ما رُوِيَ أن صَبيًّا مِن غَسّانَ لَه عَشْرُ سِنين أوْصَى لأخوالٍ له، فرُفِعَ ذلك إلى عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه، فأجازَ وَصِيَّتَه. رَواه سعيد . وروَى مالكٍ في «مُوَطَّئِه» عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ، عن أبيه، أنَّ عمرو بنَ سُلَيم أخْبَرَه أنه قِيلَ لعُمَرَ بنِ الخَطّابِ: إنَّ ها هُنا غُلَامًا يَفَاعًا لم يَحْتَلِمْ، ووَرَثته بالشّامِ، وهو ذو مالٍ، وليس له ها هُنا إلَّا ابنَةُ عَمٍّ. فقال عُمَرُ: فلْيُوصِ لها.
فأوْصَى لها بمالٍ يُقالُ له: بِئْرُ جُشَمَ . قال عمرُو بنُ سليم: فبِعْتُ ذلك المال بثَلاثين ألْفًا. وابنةُ عَمِّه التي أوْصَى لها هي أُمُّ عمرٍو بنِ سُلَيمٍ. قال أبو بكرٍ: وكان الغُلامُ ابنَ عَشْر أو اثْنَتَى عَشْرَةَ سنة. وهذه قَضِيَّة انْتَشَرَتْ ولم تُنْكَرْ؛ ولأنه تَصَرُّفٌ تَمَحَّضَ نَفْعًا للصَّبِيِّ، فصَحَّ منه كالإسْلامِ والصلاةِ، وذلك لأنَّ الوَصِيَّةَ صَدَقَةٌ يَحْصُلُ ثَوابُها له بعدَ غِناه عن مِلْكِه، فلا يَلْحَقُه ضَرَرٌ في عاجِلِ دُنْياه ولا أخْراه،
بخِلافِ الهِبَةِ والعِتْقِ المُنْجَزِ، فإنَّه يُفَوِّت مِن مالِه ما يَحْتاجُ إليه،
وإذا رُدَّتْ رَجَعَتْ إليه، وها هُنا لا يَرْجِعُ إليه بالرَّدِّ، والطِّفْلُ لا عَقلَ له، ولا تَصِحُّ عِباداتُه ولا إسْلامُه.
وأمّا مَن له فوقَ السَّبْعِ ولم يَبْلُغِ العَشْرَ، فقد ذَكَرْنا فيه رِوايَتَين؛ إحْداهما، تَصِحُّ وَصِيته. وهو ظاهِرُ قولِ القاضي، وأبي الخَطّابِ؛ لأنه عاقِل يَصِحُّ إسلامُه، يُؤْمَرُ بالصلاةِ وتَصِحُّ منه، أشْبَهَ مَن جاوَزَ العَشْرَ. والثانيةُ، لا تَصِحُّ، كمن له دُونَ السبْعِ. والأولُ أقْيَسُ. واللهُ أعلمُ.
قال الخِرَقِي: ومَن جاوَزَ العَشْرَ فوَصِيته جائِزَة إذا وافَقَ الحَق. يُرِيدُ إذا وَصَّى وَصيَّة يَصِحُّ مِثْلُها مِن البالِغِ صَحَّتْ منه، وما لا فلا. قال شُرَيحٌ، وعبدُ اللهِ بنُ عُتْبَةَ، وهما قاضِيان: مَن أصاب الحَق أجَزْنا وَصِيَّتَه.
٢٦٥٢ -
(وَتَصِحُّ) الْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ (مِنَ الْبَالِغِ الرَّشِيدِ، عَدْلًا كَانَ أَوْ فَاسِقًا، رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا) لِأَنَّ هِبَتَهُمْ صَحِيحَةٌ، فَالْوَصِيَّةُ أَوْلَى.
وَحَاصِلُهُ أَنَّ مَنْ جَازَ تَصَرُّفُهُ فِي مَالِهِ، جَازَتْ وَصِيَّتُهُ، وَالْمُرَادُ مَا لَمْ يُعَايِنِ الْمَوْتَ، قَالَهُ فِي الْكَافِي؛ لِأَنَّهُ لَا قَوْلَ لَهُ، وَالْوَصِيَّةُ قَوْلٌ،
وَظَاهِرُهُ فِي الْكَافِرِ، لَا فَرْقَ بَيْنَ الذِّمِّيِّ وَالْحَرْبِيِّ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ؛ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ، وَلَا لِمَالِهِ.
وَمُقْتَضَاهُ: أَنَّهَا تَصِحُّ وَصِيَّةُ الْعَبْدِ إِنْ قُلْنَا: يَمْلِكُ أَوْ عُتِقَ، ثُمَّ مَاتَ بَعْدَهَا،
وَالْحَاصِلُ: أَنَّهَا تَصِحُّ مِنَ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ مُطْلَقًا،
قَالَ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي هَذَا، وَالضَّعِيفُ فِي عَقْلِهِ إِنْ مَنَعَ ذَلِكَ رُشْدَهُ فِي مَالِهِ، فَهُوَ كَالسَّفِيهِ، وَإِلَّا فَكَالْعَاقِلِ، ذَكَرَهُ فِي الشَّرْحِ، (وَ) تَصِحُّ (مِنَ السَّفِيهِ) بِمَالٍ، لَا عَلَى أَوْلَادِهِ (فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ) وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ. قَالَ الْخَبَرِيُّ: هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ؛ لِأَنَّهُ إِنَّمَا حَجَرَ عَلَيْهِ لِحِفْظِ مَالِهِ، وَلَيْسَ فِيهَا إِضَاعَةٌ لِمَالِهِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ عَاشَ كَانَ مَالُهُ لَهُ،
وَإِنْ مَاتَ فَلَهُ ثَوَابُهُ، وَهُوَ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِهِ،
وَالثَّانِي لَا تَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ، فَلَمْ تَصِحَّ مِنْهُ كَالْهِبَةِ، وَالْأَوَّلُ نَصَرَهُ فِي الشَّرْحِ بِأَنَّهُ عَاقِلٌ مُكَلَّفٌ، فَصَحَّتْ مِنْهُ كَعِبَادَتِهِ. (وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إِذَا جَاوَزَ الْعَشْرَ) نَقَلَهُ صَالِحٌ، وَحَنْبَلٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي صِحَّتِهَا، لِمَا رَوَى سَعِيدٌ أَنَّ صَبِيًّا مِنْ غَسَّانَ لَهُ عَشْرُ سِنِينَ أَوْصَى لِأَخْوَالٍ لَهُ، فَرُفِعَ ذَلِكَ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَأَجَازَ وَصِيَّتَهُ. وَرَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ بِإِسْنَادِهِ عَنْهُ نَحْوَهُ. وَانْتَشَرَ، وَلَمْ يُنْكِرْ، وَلِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ تَمَحَّضَ نَفْعًا لَهُ، فَصَحَّ مِنْهُ كَالْإِسْلَامِ وَالصَّلَاةِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ ضَرَرٌ فِي عَاجِلِ دُنْيَاهُ، وَلَا أُخْرَاهُ
بِخِلَافِ الْهِبَةِ، وَالْعِتْقِ الْمُنْجَزِ، فَإِنَّهُ تَفْوِيتٌ لِمَالِهِ، وَقَيَّدَهُ الْخِرَقِيُّ إِذَا وَافَقَ الْحَقَّ، وَهُوَ مُرَادٌ فِي جَمِيعِ الْوَصَايَا.
[مَنْ لَا تَصِحُّ وَصِيَّتُهُ]
مُسْلِمًا كان أو كافِرًا. تصِحُّ وَصِيَّةُ المُسْلِمِ، بلا نِزاع.
وكذا تصِحُّ وَصِيَّةُ الكافِرِ مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ، وعليه الأصحابُ، وقطَع به في «الفُروعِ» وغيرِه.
وقيل: لا تصِحُّ مِن مُرْتَدُّ. وأطْلَقَ الوَجْهَين في «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
[تنبيه: شَمِلَ كلامُ المُصَنفِ صِحَّةَ وَصِيَّةِ العَبْدِ. وهو صحيح. صرَّح به المُصَنِّفُ وغيرُه مِنَ الأصحابِ، فيَنْفُذُ فيما عَدا المال،
وأما المالُ؛ فإنْ ماتَ قبلَ العِتْقِ، فلا وَصِيَّةَ على المذهبِ.
وإنْ قيلَ: يمْلِكُ. صحَّتْ. ذكَرَه بعضُ الأصحابِ. نقَلَه الحارِثِي.
قلتُ: وهو ضعيفٌ. وإنْ ماتَ بعدَ] وَمِنَ السَّفِيهِ في أصَحِّ الْوَجْهَينِ، [العِتْقِ، نفَذَتْ، بلا خِلافٍ. والمُكاتَبُ والمُدَبرُ وأمُّ الوَلَدِ، كالقِنِّ.
فلو قال: متى عتَقْتُ، ثم مِتُّ، فثُلُثي لفُلانٍ. نفَذ. نقَلَه الحارِثي]. ومِنَ السفِيهِ في أصَحُّ الوَجْهَين. وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الوَجيزِ» وغيرِه. وصحَّحه. في «الفائقِ»، و «الحارِثِيِّ»، وغيرِهما. وقدمه في «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. والوَجْهُ الثاني، لا تصِحُّ منه. حكاه أبو الخَطَّابِ. وذكَر المَجْدُ في «شَرْحِه»، أنّه المَنْصوصُ.
قلتُ: وهو ضعيف. وأطْلَقَهما في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصةِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي الصَّغِيرِ».
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ، فيما إذا أوْصَى بمالٍ.
أمَّا وَصِيَّتُه على أوْلادِه، فلا تصِحُّ، قوْلًا واحدًا؛ لأنّه لا يمْلِكُ التَّصَرُّفَ بنَفْسِه، فوَصِيته أحقُّ وأوْلَى. قاله في وَمِنَ الصَّبِيِّ الْعَاقِلِ إذَا جَاوَزَ الْعَشْرَ، وَلَا تَصِحُّ مِمنْ لَهُ دُونَ السَّبْعِ، وَفِيمَا بَينَهُمَا رِوَايَتَانِ.
«المُطْلِعِ». قلتُ: ظاهِرُ كلامِ كثير مِنَ الأصحابِ، في بابِ المُوصَى إليه، صِحَّةُ وَصِيَّته بذلك، وهو أوْلَى بالصحةِ مِنَ الوَصِيِّةِ بالمالِ. والظاهِرُ أن الذي حَداه إلى ذلك، تَعْليلُ الأصحابِ بكَوْنِه مَحْجُورًا عليه في تصَرُّفاتِه، أو لكَوْنِه مُحْتاجًا إلى الثَّوابِ، وتصَرُّفُه في هذه مَحْضُ مَصْلَحَةٍ مِن غيرِ ضَرَرٍ؛ لأنّه إنْ عاشَ، لم يذْهَبْ مِن مالِه شيءٌ.
ولا يلْزَمُ مِن ذلك أن الوَصِيَّةَ على أوْلاده لا تصِحُّ، اللَّهُم إلَّا أنْ يكونَ في المَسْألةِ نَقْل خاصُّ. ومِنَ الصَّبِي العاقِلِ إذا جاوَزَ العَشْرَ. إذا جاوَزَ الصَّبِي العَشْرَ، صحَّتْ وَصِيته. على الصحيحِ مِنَ المذهبِ، نصَّ عليه، في رِوايَةِ الجماعَةِ، وعليه الأصحابُ، حتى قال أبو بَكْر: لا يخْتَلِفُ المذهبُ، أن مَن له عَشْرٌ، تصِحُّ وَصِيته. انتهى.
وعنه، تصِحُّ، إذا بلَغ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سنَةً. نقَلها ابنُ المُنْذِرِ. ونقَل الأثرَمُ، لا تصِحُّ مِن ابنِ اثنَتَيْ عَشْرَةَ سنَةً. فلم يطلِعْ أبو بَكْر على ذلك.
وقيل: لا تصِحُّ حتى يبلُغ. وهو احْتِمال في «الكافِي». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.