وَعَنْهُ: أَنَّهُ نَجِسٌ وَمَنِيُّ الْآدَمِيِّ طَاهِرٌ وَفِي رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ رِوَايَتَانِ وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ و الطَّيْرِ، وَالْبَغْلُ وَالْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ نَجِسَةٌ وَسُؤْرُ الْهِرِّ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ طَاهِرٌ
الشروح عليها
مسألة: (ومَنِيُّ الآدَمِيِّ طاهِرٌ. وعنه، أنَّه نَجِسٌ، وَيُجْزِئُ فَرْكُ يابِسِه) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في المَنِيِّ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، فرُوِيَ عنه أنَّه طاهِرٌ، وهو ظاهِرُ المذهبِ. ورُوي عنه، أنَّه كالدَّمِ نَجسٌ، يُعْفَى عن يسِيرِه. ورُوي عنه، أنَّه كالبَوْلِ، ويُجْزِئُ فَرْكُ يابِسِه بَكلِّ حالٍ؛ لحديثِ عائشةَ، والرِّوايَةُ الأولَى المَشْهُورَةُ في المَذْهَبِ. وهو قَوْلُ سعدِ بنِ أبي وَقّاصٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ. ونَحْوُه قَوْلُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ. وهو مذهبُ الشَّافعي، وأبي ثوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: هو نَجِسٌ، ويُجْزِئُ فَرْكُ يابِسِه.
وقال مالكٍ: غَسْلُ الاحْتِلامِ أمْرٌ واجِبٌ. وهو مذهبُ الثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّها كانت تَغْسِلُ المَنِيَّ مِن ثَوْبِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - . وهو حديثٌ صحيحٌ. ولأنَّه خارِجٌ مُعْتادٌ مِن السَّبِيلِ، أشْبَهَ البَوْلَ. ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كُنْتُ أفْرُكُ المَنِيَّ مِن ثَوْبِ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرْكًا، فيُصَلِّي فيه. مُتَّفَقٌ عليه .
وقال ابنُ عباسٍ: امْسَحْه عنك بإذْخِرَة أو خِرْقَةٍ، ولا تَغْسِلْه، إنَّما هو كالبُزاقِ. رَواه الدّارَقُطْنِيّ مَرْفوعًا ، [ورَواه الإِمامُ أحمدُ بمَعْناه]. ولأنَّه لا يَجبُ غَسْلُه إذا جَفَّ، فأشْبَهَ المُخاطَ، ولأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ الطِّينَ. وبهذا فارَقَ البَوْلَ.
فصل: وإن خَفِيَ مَوْضِعُ المَنِي، فَرَكَ الثَّوْبَ كلَّه، إن قُلْنا بنَجاسَتِه.
وإن قُلنا بطَهارَتِه، اسْتُحِبَّ فرْكُه،
وإن صَلَّى مِن غَيرِ فَرْكٍ أجْزأه. وهو قَوْلُ الشافعيِّ،
ومَن قال بالطهارةِ. وقال ابنُ عباسِ، وعائِشَةُ، وعَطاءٌ: يَنْضَحُ الثَّوْبَ كلَّه.
وقال ابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيرَةَ، والحسنُ: يَغْسِلُه كلَّه. ولَنا، أنَّ فَرْكَه يُجْزِيء إذا عُلِم مَكانُه، فكذلك إذا خَفِيَ،
وأمّا النَّضْحُ فلا يفِيدُ؛ لأنَّه لا يُطَهِّرُه إذا عُلِم مَكانُه، فكذلك إذا خَفِيَ. قال أحمد: إنَّما يُفْرَك مَنِيُّ الرجلِ خاصَّةً؛ لأنَّ الذي للرجلِ ثخِينٌ، والذي للمرأةِ. رَقِيقٌ. والمعنى في هذا أنَّ الفَرْكَ يُرادُ للتَّخْفِيفِ، والرقيقُ لا يَبْقَى له جِسْمٌ بعدَ جَفافِه، فلا يفيدُ فيه الفَرْكُ. فعلى هذا، إن قُلْنا بنَجاسَتِه، فلا بُدَّ مِن غَسْلِه رَطْبًا كان أو يابِسًا، كالبَوْلِ.
وإن قُلنا بطَهارَتِه، اسْتُحِبَّ غَسْلُه، كما يُسْتَحَبُّ فَرْكُ مَنِيِّ الرجلِ.
فأمَّا الطهارةُ والنَّجاسَةُ فلا يَفْتَرِقان فيه؛ لأنَّه مَنِيٌّ خارجٌ مِن السَّبِيلِ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ.
فصل: ومَن أمْنَى وعلي فَرْجِه نَجاسَةٌ، نَجُسَ مَنِيُّه؛ لإِصابَتِه النَّجاسَةَ. وذَكَر القاضي في المَنِيِّ مِن الجِماعِ أنَّه نَجِسٌ؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ مِن المَذْي. وهذا فاسِدٌ،
فإن مَنِيَّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما كان مِن جِماعٍ؛ لأنَّ الأنْبِياءَ لا يَحْتَلِمُون. وهو الذي وَرَدَتِ الأخْبارُ بفَرْكِه، والطهارةُ لغيرِه
فَرْعٌ عليه. واللهُ أعلمُ.
٢٠٩ - مسألة: (وفي رُطُوبَةِ فَرْجَ المرأةِ رِوايَتان) إحْداهما، نَجاسَتُه؛ لأنَّه بلَلٌ في الفَرْجِ لا يُخْلَقُ منه الوَلَدُ، أشْبَهَ المَذْيَ. والثانيةُ، طَهارَتُه؛ لأنَّ المَنِيَّ طاهِرٌ؛ لِما بَيَّنّا،
وإذا كان مِن جِماعٍ، فلابُدَّ أن يُصِيبَ رُطُوبَةَ الفَرْجِ، ولأنَّنا لو حَكَمْنا بنَجاسَتِه لحَكَمْنا بنَجاسَةِ مَنِيِّها؛ لأنَّه يَتَنَجَّسُ برُطُوبَةِ فَرْجِها؛ لخُرُوجِه منه.
وقال القاضي: ما أصابَ منه في حالِ الجِماعِ، فهو نَجِسٌ؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ مِن المَذْي. وهذا مَمْنُوعٌ؛
فإن الشهْوَةَ إذا اشْتَدَّتْ، خَرَج المَنِيُّ دُونَ المَذْي، كحالةِ الاحتِلامَ. ٢١٠ - مسألة: (وسِباعُ البَهائِمِ والطَّيرِ، والبَغْلُ، والحِمارُ الأهْلِيّ، نَجِسَةٌ. وعنه، أنَّها طاهِرَةٌ) رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَة اللهُ، في سِباعِ البهائمِ وجَوارِحِ الطَّيرِ، ما خَلا الكَلْبَ، والخِنْزِيرَ، والسِّنَّوْرَ، وما دُونَها في الخِلْقَةِ، رِوايَتان؛ إحْداهُما، أنَّ سُورَها وعَرَقَها نَجِسٌ. وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لِما رُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه سُئِل عن الماءِ وما يَنُوبُه مِن السِّباعِ؛ فقال:«إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَينِ، لَمْ يَنْجُس».
ولو كانت طاهِرَةً لم يُحَدَّ بالقُلَّتَين، ولأنَّه حَيَوانٌ حَرُمَ أكلُه، لا لحُرْمَتِه، يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه غالِبًا، أشْبَهَ الكلبَ، ولأنَّ الغالِبَ عليها أكْلُ المَيتاتِ والنَّجاساتِ، فيَنْبَغِي أن يُقْضَى بنَجاسَتِها، كالكلابِ. والرِّوايَةُ الثانيةُ، أنَّها طاهِرَة. رَواها عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ. يُرْوَى ذلك عن الحسنِ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، والشافعي، وابنِ المُنْذِرِ؛ لمِا روَى أبو سعيدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن الحِياضِ التي بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، تَرِدُها السِّباعُ والكِلابُ والحُمُرُ، وعن الطهارةِ بها؟
فقال:«لَهَا مَا أخذَتْ في أفْوَاهِهَا، وَلَنا مَا غَبَرَ طَهُورٌ». رَواه ابنُ ماجَه . ومَرَّ عُمَرُ وعَمْرُو بنُ العاص بحَوْض، فقال عَمْرُو: يا صاحِبَ الحَوْضِ، تَرِدُ على حَوْضِكَ السِّباعُ؟ فقأل عُمَرُ: يا صاحِبَ الحَوْضِ، لا تُخْبِرْنا، فإنّا نَرِدُ عليها وتَرِدُ علينا. رَواه مالكٌ في «المُوَطَّأ». ولأنَّه حيوانٌ يَجُوزُ بَيعُه، فكان طاهِرًا، كبَهِيمَةِ الأنْعامِ.
فصل: وفي البَغْلِ والحِمارِ ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداها، أنَّها نَجِسَةٌ. تروَى كَراهَتُها عن ابنِ عُمَرَ. وهو قَوْلُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وإسحاقَ؛ لِما ذَكَرْنا في السِّباعِ، ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّها رِجْسٌ». والثانية، أنَّه مَشْكُوك فيها؛ لأنَّ أحمدَ
قال في البَغْلِ والحِمارِ: إذا لم يَجِدْ غيرَ سُورِهما، تَيَمَّمَ معه. وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِي؛ لأنَّه تَرَدَّدَ بينَ أمارَةِ تَنْجِيسِه وأمارَةِ تَطْهِيرِه. فأمارَةُ تَنْجِيسِه، إنّه محرّمٌ، أشبهَ الكلب. وأمارَةُ تَطْهيره، أنَّه ذُو حافِر يَجُوزُ بيعُه، أشْبهَ الفَرَسَ. والثالثةُ، أنَّه طاهِرٌ، وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ. وهذا اخْتِيارُ شَيخِنا ؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَرْكَبُهما وتُرْكَبُ في زَمَنِه،
ولو كان نَجِسًا لبَيَّنَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لهم ذلك، ولأنَّهما لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منهما لمُقتنيهِما، فأشْبَها السنوْرَ،
فأمّا قَوْلُه - صلى الله عليه وسلم - «إنَّهَا رِجْس». أراد به التَّحْرِيمَ، كقَوْلِ اللهِ تعالى في الأنْصابِ والأزْلامِ إنَّها {رِجْسٌ}. ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد لَحْمَها الذي كان في قُدُورِهم، فإنَّه نَجِس؛ لأنَّ ذَبْحَ ما لا يُباحُ أكْلُه لا يُطَهِّرُه.
فصل: وفي الجَلّالةِ رِوايَتان؛ إحْداهما، نَجاسَتُها؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن رُكُوبِ الجَلّالةِ وألْبانِها. رواه أبو داودَ . ولأنَّها تَنَجَّسَتْ بالنَّجاسَةِ، والرِّيقُ لا يَطْهُرُ. والثانيةُ، أنَّها طاهِرَة؛ لأنَّ الهِرَّ والضبعَ يَأكلان النَّجاسَةَ، وهما طاهِران، وحُكْمُ أجْزاء الحيوانِ؛ مِن شَعَرِه ورِيشِه وجِلْدِه ودَمْعِه وعَرَقه، حُكْمُ سورِه؛ لأَنَّه مِن أجْزائِه، فأشْبَهَ السُّؤرَ في الطهارةِ والنَّجاسَةِ؛ لأنَّه في مَعْناه. واللهُ أعلمُ. ٢١١ - مسألة: (وسُؤرُ الهِرَّةِ وما دُونَها في الخِلْقَةِ طاهِرٌ) سُؤرُ الهِرَّةِ وما دُونَها في الخِلْقَةِ؛
كابنِ عِرْس والفَأرَةِ، ونَحْو ذلك مِن حَشَراتِ الأرضِ طاهِرٌ. لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا في المَذْهَبِ، أنَّه يَجُوزُ شُرْبُه والوُضُوءُ به،
ولا يُكْرَهُ. هذا قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ مِن الصَّحابَةِ، والتَّابِعِين،
ومَن بعدَهم، إلَّا أبا حنيفةَ، فإنَّه كَرِه الوُضُوءَ بسُؤرِ الهِرِّ،
فإن فَعَل أجْزأه، ورُويَتْ كَراهَتُه عن ابنِ عُمَرَ، ويَحْيَى الأنْصارِيِّ، وابنِ أبي لَيلَى.
وقال أبو هُرَيرَةَ: يُغْسَلُ مَرَّةً أو مَرَّتَين. وهو قولُ ابنِ المُسَيَّبِ. ونَحْوُه قَوْلُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ؛ لِما روَى أبو داودَ ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرُّ يُغْسَلُ مَرَّةً».
وقال طاوُسٌ: يُغْسَلُ سَبْعًا، كالكَلْبِ. ولَنا، ما رُوِيَ عن كَبْشَةَ بنتِ كَعْبِ بنِ مالكٍ، أنَّ أبا قَتادةَ دَخَل عليها، فسَكَبَتْ له وَضُوءًا، قالت: فجاءَتْ هِرَّةٌ فأصغَى لها الإِناءَ حتَّى شَرِبَتْ، قالت كَبْشَةُ: فرآنِي أنظرٌ إليه، قال: أتعْجَبِين يا ابْنَةَ أخِي؟ فقُلتُ: نعم. فقال: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«إنَّها لَيسَتْ بِنَجَس، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ». أخْرَجَه أبو داودَ، والنَّسائِيّ، والترمِذِيّ ،
وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ. دَلَّ بلَفْظِه علي نَفْىِ الكَراهَةِ عن سُؤرِ الهِرِّ، وبتَعْلِيله علي نَفْي الكراهةِ عَمّا دُونَها مِمّا يَطُوفُ علينا. وعن عائشةَ، أنها قالت: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال:«إنَّها لَيسَتْ بِنَجَس، إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيكُمْ». وقد رَأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأ بفَضْلِها. رَواه أبو داودَ . وحَدِيثُهم ليس فيه تَصْرِيحٌ بنَجاسَتِها مع صِحَّةِ حَدِيثنا واشْتِهارِه.
فصل: وإذا أكَلَتِ الهِرَّةُ نَجاسَةً، ثم شَرِبَتْ مِن مائِعِ بعدَ الغَيبَةِ، فهو طاهِرٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَفَى عنها النَّجاسَةَ، وتَوَضَّأ بفَضْلِها، مع عِلْمه بأكْلِها النَّجاساتِ.
وإن شَرِبَتْ قبلَ الغَيبَةِ، فقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: يَنْجُسُ؛ لأنَّه مائِعٌ وَرَدَتْ عليه نَجاسَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ.
وقال أبو الحسنِ الآمِدِيُّ: ظاهِرُ قَوْلِ أصحابِنا طَهارَتُه؛ لأنَّ الخَبَرَ دَلَّ على العَفْو عنها مُطْلَقًا، وعَلَّل بعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ عنها، ولأنَّنا حَكَمْنا بطَهارَتِها بعدَ الغَيبَةِ في مَكانٍ لا يَحْتَمِلُ وُرُودَها على ماءٍ كَثِيرٍ يُطَهِّرُ فاها،
ولو احْتَمَل ذلك فهو شَكّ لا يُزِيلُ يَقِينَ النَّجاسَةِ، فوجَبَ إحالةُ الطهارةِ على العَفْو عنها، وهو شامِلٌ لِما قبلَ الغَيبَةِ. فصل: والخَمْرُ نَجسٌ؛ لقَوْلِه تعالى:{إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ}. إلى قولِه:{رِجْسٌ}. ولأنَّه يَحْرُمُ تَناوُلُه مِن غيرِ ضَرَرٍ، أشْبَهَ الدَّمَ.
وكذلك النَّبِيذُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:«كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَام». رَواه مسلمٌ . ولأنَّه شَراب فيه شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ، أشْبَهَ الخَمْرَ. واللهُ تعالى أعلمُ. [
(وَعَنْهُ: أَنَّهُ نَجِسٌ) لِأَنَّهُ رَجِيعٌ مِنْ حَيَوَانٍ أَشْبَهَ غَيْرَ الْمَأْكُولِ (وَمَنِيُّ الْآدَمِيِّ طَاهِرٌ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، «لِقَوْلِ عَائِشَةَ: كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ يَذْهَبُ فَيُصَلِّي فِيهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: امْسَحْهُ عَنْكَ بِإِذْخِرَةٍ أَوْ خِرْقَةٍ، فَإِنَّمَا هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمُخَاطِ وَالْبُصَاقِ، رَوَاهُ سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْهُ، وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَرْفُوعًا، وَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ إِذَا جَفَّ، فَلَمْ يَكُنْ نَجِسًا كَالْمُخَاطِ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا أَوْجَبَ غُسْلًا أَوْ لَا، وَصَرَّحَ بِهِ فِي " الرِّعَايَةِ " وَهُوَ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ فَكَانَ طَاهِرًا كَالطِّينِ، وَبِهَذَا فَارَقَ الْبَوْلَ، فَعَلَى هَذَا يُسْتَحَبُّ فَرْكُ يَابِسِهِ «لِقَوْلِ عَائِشَةَ: كُنْتُ أَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا كَانَ يَابِسًا» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَلِأَنَّهُ مُسْتَحِيلٌ مِنَ الدَّمِ، أَشْبَهَ الْقَيْحَ، فَعَلَى هَذَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ،
وَعَنْهُ: كَالْبَوْلِ لِمَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَائِشَةَ: «أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -» وَلِأَنَّهُ خَارِجٌ مُعْتَادٌ مِنَ السَّبِيلِ أَشْبَهَ الْبَوْلَ، فَعَلَى هَذَا لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ، وَظَاهِرُ " الْمُغْنِي " و" الشَّرْحِ " أَنَّهُ يُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ، وَجَزَمَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ كَالْبَوْلِ فِي مَنِيِّ الْخَصِيِّ لِاخْتِلَاطِهِ بِمَجْرَى بَوْلِهِ،
وَقِيلَ: وَقْتُ جِمَاعٍ، لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنَ الْمَذْيِ، وَبَعْدَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَفِي " الْمُحَرَّرِ " عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ يُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ فِي الرَّجُلِ، وَتَمَسَّكَ بِقَوْلِ أَحْمَدَ، لِأَنَّهُ ثَخِينٌ فَيُؤَثِّرُ فِيهِ الْفَرْكُ تَخْفِيفًا
بِخِلَافِ مَنِيِّ الْمَرْأَةِ، فَإِنَّهُ رَقِيقٌ، وَلَا يَبْقَى لَهُ جِسْمٌ بَعْدَ جَفَافِهِ، فَلَا يُفِيدُ الْفَرْكُ فِيهِ شَيْئًا،
فَإِنْ خَفِيَ مَوْضِعُ الْفَرْكِ فِيهِ فَرَكَهُ كُلَّهُ، لَكِنْ لَوْ أَمْنَى وَعَلَى فَرْجِهِ نَجَاسَةٌ، تَنَجَّسَ مَنِيُّهُ لِإِصَابَتِهِ النَّجَاسَةَ، وَلَمْ يُعْفَ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ.
فَرْعٌ: حُكْمُ بَقِيَّةِ الْخَارِجِ مِنْ بَدَنِ الْآدَمِيِّ كَالْعَرَقِ، وَالرِّيقِ، وَالْمُخَاطِ، وَنَحْوِهَا طَاهِرٌ، حَتَّى الْبَلْغَمِ، سَوَاءٌ كَانَ مِنَ الرَّأْسِ أَوِ الصَّدْرِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي،
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ نَجِسٌ،
وَقِيلَ: بَلْغَمُ الصَّدْرِ جَزَمَ بِهِ ابْنُ الْجَوْزِيِّ، لِأَنَّهُ اسْتَحَالَ فِي الْمَعِدَةِ أَشْبَهَ الْقَيْءَ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ نَجِسًا لَنَجَّسَ الْفَمَ، وَنَقَضَ الْوُضُوءَ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ اسْتَحَالَ فِي الْمَعِدَةِ، بَلْ هُوَ مُنْعَقِدٌ مِنَ الْأَبْخِرَةِ كَالْمُخَاطِ، وَمَا سَالَ مِنَ الْفَمِ وَقْتَ النَّوْمِ طَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِمْ. (وَفِي رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأَةِ) وَهُوَ مَسْلَكُ الذَّكَرِ (رِوَايَتَانِ) إِحْدَاهُمَا نَجِسَةٌ، لِأَنَّهَا بَلَلٌ فِي الْفَرْجِ لَا يُخْلَقُ مِنْهَا الْآدَمِيُّ، أَشْبَهَ الْمَذْيَ، وَالثَّانِيَةُ وَهِيَ الصَّحِيحَةُ، وَجَزَمَ بِهَا الْأَكْثَرُ: أَنَّهَا طَاهِرَةٌ، لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَفْرُكُ الْمَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ جِمَاعٍ، لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يَحْتَلِمُونَ، وَهُوَ يُصِيبُ الرُّطُوبَةَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ حَكَمْنَا بِنَجَاسَتِهَا، لَحَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ مَنِيِّهَا، لِكَوْنِهِ يُلَاقِي رُطُوبَتَهُ بِخُرُوجِهِ مِنْهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: مَا أَصَابَ مِنْهُ فِي حَالِ الْجِمَاعِ فَهُوَ نَجِسٌ، لِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنَ الْمَذْيِ، وَهُوَ مَمْنُوعٌ،
فَإِنَّ الشَّهْوَةَ إِذَا اشْتَدَّتْ خَرَجَ الْمَنِيُّ وَحْدَهُ كَالِاحْتِلَامِ.
[سِبَاعُ الْبَهَائِمِ وَالطَّيْرِ وَالْبَغْلُ وَالْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ نَجِسَةٌ] (وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ و) سِبَاعُ (الطَّيْرِ، وَالْبَغْلُ) إِذَا كَانَ مِنَ الْحِمَارِ الْأَهْلِيِّ (وَالْحِمَارُ الْأَهْلِيُّ نَجِسَةٌ) نَصَرَهُ فِي " التَّحْقِيقِ " وَجَزَمَ بِهِ فِي " الْخِرَقِيِّ " و" الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا سُئِلَ عَنِ الْمَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ، مِنَ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ فَقَالَ:«إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ» فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ يَنْجُسُ إِذَا لَمْ يَبْلُغْهَا.
«وَقَالَ يَوْمَ خَيْبَرَ عَنِ الْحُمُرِ: إِنَّهَا رِجْسٌ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالرِّجْسُ: النَّجِسُ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ حُرِّمَ أَكْلُهُ لِخُبْثِهِ لَا لِحُرْمَتِهِ، وَيُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُ، فَكَانَ نَجِسًا وَجَمِيعُ أَجْزَائِهِ وَفَضَلَاتِهِ كَذَلِكَ
(وَعَنْهُ: أَنَّهَا طَاهِرَةٌ) نَقَلَهَا عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ، وَاخْتَارَهَا الْآجُرِّيُّ،
وَقَالَ فِي " الْمُحَرَّرِ ": مَا عَدَا الْكَلْبَ وَالْخِنْزِيرَ، وَهُوَ مُرَادٌ، لِمَا رَوَى جَابِرٌ:«أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سُئِلَ: أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أَفْضَلَتِ الْحُمُرُ؛ قَالَ: نَعَمْ، وَبِمَا أَفْضَلَتِ السِّبَاعُ كُلُّهَا» رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي حَبِيبَةَ، قَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَعْنَاهُ، وَفِيهِ قَالَ:«لَهَا مَا أَخَذَتْ فِي أَفْوَاهِهَا، وَلَنَا مَا غَبَرَ طَهُورٌ» وَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى حَوْضٍ، فَقَالَ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ تَرِدُ عَلَى حَوْضِكَ السِّبَاعُ؛
فَقَالَ عُمَرُ: يَا صَاحِبَ الْحَوْضِ لَا تُخْبِرْنَا فَإِنَّا نَرِدُ عَلَيْهَا وَتَرِدُ عَلَيْنَا. رَوَاهُ مَالِكٌ، وَلِأَنَّهُ حَيَوَانٌ يَجُوزُ بَيْعُهُ فَكَانَ طَاهِرًا كَبَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ،
وَعَنْهُ: طَهَارَةُ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ، اخْتَارَهُ الْمُؤَلِّفُ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَرْكَبُهُمَا، وَرُكِبَا فِي زَمَنِهِ، وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ مِنْهُمَا لِمُقْتَنِيهِمَا، فَكَانَا طَاهِرَيْنِ كَالسِّنَّوْرِ،
وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهَا رِجْسٌ أَرَادَ بِهِ التَّحْرِيمَ كَقَوْلِهِ فِي الْأَنْصَابِ وَالْأَزْلَامِ: إِنَّهُ رِجْسٌ،
وَقِيلَ: لَحْمُهَا نَجِسٌ، وَعَلَيْهِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْآدَمِيِّ
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ: إِلَّا فِي مَنِيِّهَا،
فَإِنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ بَوْلِهَا، وَذَكَرَ السَّامَرِّيُّ وَغَيْرُهُ: أَنَّ فِي طَهَارَةِ مَنِيِّهَا، وَلَبَنِهَا، وَبَيْضِهَا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَجْهَيْنِ، وَعَنْ أَحْمَدَ: أَنَّهُمَا مَشْكُوكٌ فِيهِمَا، لِتَرَدُّدِهِ بَيْنَ أَمَارَةِ تَنَجُّسِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ يَحْرُمُ أَكْلُهُ كَالْكَلْبِ، وَأَمَارَةِ تَطْهِيرِهِ، لِأَنَّهُ ذُو حَافِرٍ يَجُوزُ بَيْعُهُ، أَشْبَهَ الْفَرَسَ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُ رَأْسِهِ إِذَا وُجِدَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ، فَعَلَى هَذِهِ إِذَا لَمْ يَجِدْ غَيْرَ سُؤْرِهِمَا تَوَضَّأَ بِهِ، ثُمَّ تَيَمَّمَ زَادَ فِي " الرِّعَايَةِ " يَنْوِي الْحَدَثَ وَالنَّجَاسَةَ،
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَتَيَمَّمُ، ثُمَّ يُصَلِّي ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي،
وَيَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ دُونَ الْوُضُوءِ،
قَالَ فِي " الرِّعَايَةِ ": فِي الْأَقْيَسِ فِيهِمَا.
[سُؤْرُ الْهِرِّ وَالسِّنَّوْرِ وَمَا دُونَهُمَا فِي الْخِلْقَةِ طَاهِرٌ] (وَسُؤْرُ) بِضَمِّ السِّينِ مَهْمُوزًا، وَهُوَ بَقِيَّةُ طَعَامِ الْحَيَوَانِ، وَشَرَابِهِ (الْهِرِّ) وَيُسَمَّى الضَّيْوَنَ بِضَادٍ مُعْجَمَةٍ وَيَاءٍ وَنُونٍ، وَالسِّنَّوْرُ الْقِطُّ (وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ) كَابْنِ عِرْسٍ، وَالْفَأْرَةِ (طَاهِرٌ) غَيْرُ مَكْرُوهٍ، نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْهِرِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِمَا رَوَى مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -
«قَالَ فِي الْهِرِّ: إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» شَبَّهَهَا بِالْخَدَمِ أَخْذًا مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ} وَلِعَدَمِ إِمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهَا كَحَشَرَاتِ الْأَرْضِ كَالْحَيَّةِ، قَالَهُ الْقَاضِي، فَطَهَارَتُهَا مِنَ النَّصِّ، وَمَا دُونَهَا مِنَ التَّعْلِيلِ، قَالَ السَّامِرِيُّ: سُؤْرُ مَا دُونَ الْهِرِّ طَاهِرٌ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَفِيهِ وَجْهٌ وَبُعْدٌ.
تَنْبِيهٌ: إِذَا عُلِمَتْ نَجَاسَةُ فَمِ هِرٍّ، فَأَوْجُهٌ، ثَالِثُهَا: إِنْ غَابَ فَطَاهِرٌ، وَإِلَّا فَلَا، وَرَابِعُهَا إِنِ احْتُمِلَ وُلُوغُهَا فِي مَاءٍ كَثِيرٍ طَهُورٍ فَطَاهِرٌ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: قَالَ شَيْخُنَا: يُعْتَبَرُ مُضِيُّ زَمَنٍ بَعْدَ أَكْلِهَا، يَزُولُ فِيهَا أَثَرُ النَّجَاسَةِ بِرِيقِهَا،
قَالَ: وَكَذَا أَفْوَاهُ الْأَطْفَالِ وَالْبَهَائِمِ إِذَا تَنَجَّسَتْ، قَالَ ابْنُ تَمِيمٍ: فَيَكُونُ الرِّيقُ مُطَهِّرًا لَهَا، وَدَلَّ أَنَّهُ لَا يُعْفَى عَنْ نَجَاسَةٍ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا، نَصَّ عَلَيْهِ. وَلَا عَنْ يَسِيرِ نَجَاسَةٍ فِي طَعَامٍ خِلَافًا لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ. وَذَكَرَهُ قَوْلًا فِي الْمَذْهَبِ، لِأَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا حَرَّمَ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ، وَلِفِعْلِ الصَّحَابَةِ، وَلِعُمُومِ الْبَلْوَى بِبَعْرِ الْفَأْرِ وَغَيْرِهِ.
[
ومَنِيُّ الآدَمِيِّ طَاهِرٌ. هذا المذهبُ مُطْلقًا، وعليه جماهيرُ الأصْحابِ، ونَصرُوه. سواءٌ كان مِنِ احْتِلام أو جِمَاع، مِن رجلٍ أو امرأةٍ، لا يجبُ فيه فَرْكٌ ولا غَسْلٌ.
وقال أبو إسْحاقَ: يجبُ أحَدُهما،
فإن لم يفْعَلْ، أعادَ ما صلَّى فيه قبلَ ذلك.
وعنه، أنَّه نَجسٌ، يُجْزِئُ فَرْكُ يابِسِه، ومَسْحُ رَطْبِه. واخْتارَه بعْضُ الأصحاب.
وعنه، أنَّه نَجِسٌ، يُجْزِئُ فرْكُ يابِسِه مِنَ الرَّجلِ دُونَ المرأةِ. قدَّمها . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
في الفَرْكِ، في «الحاوي». وعنه، أنَّه كالبَوْلِ، فلا يُجْزِئ فَرْكُ يابسِه. وقطَع به ابنُ عَقِيلٍ في مَنِيِّ الخَصِيِّ؛ لاخْتِلاطِه بمَجْرَى بوْلِه.
وقيل: مَنِع الجِماعِ نَجِسٌ، دُونَ مَنِيِّ الاحْتِلامِ. ذكره القاضي.
وقيل: مَنِيُّ المرأةِ نَجِسٌ، دُونَ مَنِيِّ وَفِي رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأةِ رِوَايَتَانِ.
الرَّجلِ. حكَاه بعْضُ الأصحابِ. وقيل: مَنِع المُسْتَجْمِرِ نَجِس دونَ غيرِه.
فائدة: الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ أن الوَدْي نَجِسٌ.
وعنه، أنه كالمَذْي. جزَمَ به ناظِمُ «الهداية». وتقدَّم حُكْمُ المَذْي قرِيبًا، وحكْمُ المَعْفُوّ عنه، وعنِ الوَدْي. وفي رُطُوبَةِ فَرْجِ المرأة روايتان. أطْلقَهما في «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «الكافي»، و «النَّظْمِ»، و «ابنِ تَميم»؛ ذكرَه في بابِ الاسْتِنْجاءِ، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين»، و «الفائقِ»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . .
وغيرِهم؛ إحْداهما، هو طاهر. وهو الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ مطْلقًا. صَحَّحَه في «التَّصْحيحِ»، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والمَجْدُ، وصاحِبُ «مَجْمَعِ البَحْرَين»، وابنُ مُنَجَّى، وابنُ عُبَيدان، في «شُروحِهم»، وغيرُهم. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُنَوِّرِ»، و «المُنْتَخَبِ». وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «المُحَرَّرِ». والرِّوايةُ الثَّانيةُ، هي نَجِسَةٌ. اخْتارَها أبو إسْحاقَ بنُ شاقْلا. وجزَمَ به في «الإِفاداتِ». وقدَّمه ابنُ رَزِين في «شَرْحِه».
وقال القاضي: ما أصابَ منه في حالِ الجِمَاعِ نَجِسٌ؛ لأنَّه لا يسْلَمُ مِنَ المَذْي. ورَدَّه المُصَنِّفُ وغيرُه.
فائدة: بَلْغَمُ المَعِدَةِ طاهرٌ، على الصَّحيحِ مِنَ المذهب. اخْتارَه القاضي وغيرُه. وقدَّمه في «الفُروعِ»، و «الرعايتَين»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاويَين»، و «الفائقِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه.
وعنه، أنَّه نَجِسٌ. اخْتارَه أبو الخَطَّابِ.
وقيل: كالقَىْءِ. وأمَّا بلْغَمُ الرأسِ إذا انْعَقَدَ وازْرَقَّ، وبَلْغَمُ الصَّدْرِ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ طَهارَتُهما.
قال في «الفُروعِ»: والأشْهَرُ طَهارَتُهما. وجزَم به في «الرعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاويَين». وهو ظاهرُ ما جزَم به «الفائقِ». وقدَّمه في «الرعاية الكُبْرى»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، ونَصَراه.
وقيل: فيهما الرِّوايَتان وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ وَالطَّيرِ، وَالْبَغْلُ وَالْحِمَارُ الأهْلِي نَجسَةٌ.
وَعَنْهُ، أنَّهَا طَاهِرَةٌ.
اللتان في بَلْغَمِ المَعِدَةِ.
قلت: ذكرَ الرِّوايتَين فيهما في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين».
وقيل: بَلْغَمُ الصَّدْرِ نَجِسٌ. جزَم به ابنُ الجَوْزِيّ في «المُذْهَبِ».
وقيل: بَلْغَمُ الصَّدْرِ إنِ انْعَقَدَ وازْرَقَّ كالقَىْءِ. وتقدَّم في أوَّلِ نَواقضِ الوضوءِ؛ هل يَنْقُضُ خروجُ البَلْغَمِ أم لا؟ وسِبَاعُ البَهَائِمِ والطَّيرِ، والبَغلُ، والْحِمارُ الأهلي، نَجِسَةٌ. هذا المذهبُ في الجميعِ، وعليه جماهيرُ الأصْحابِ. قال الزَّرْكَشِيّ: هي المشْهورَةُ عندَ الأصْحابِ.
قال في «المُذْهَبِ»: هذا الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ.
قال في «مَجْمَعِ البَحْرَين»: هذا أظْهَرُ الروايتَين. واخْتارَه ابنُ عَبْدُوس في «تَذْكِرَتِه». وقطَع به الْخِرَقِيُّ، وصاحِبُ «الوَجيزِ». وقدَّمه في «الفُروعَ»، وغيرِه.
وعنه، أنَّها طاهرَة غيرَ الكلْبِ والخِنْزِير. واخْتارَها الآجُرِّي. وقدَّمه ابنُ رَزِين في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«شَرْحِه». وأطْلقَهما في «الكافي»، و «ابنِ تَميم»، و «المُسْتَوْعِبِ»،
وعنه طهارةُ البَغْلِ والحِمارِ. اخْتارَها المُصَنِّفُ.
قلتُ: وهو الصَّحيحُ، والأقْوَى دليلًا.
وعنه، في الطَّير: لا يُعْجِبُني عَرَقُه إنْ أكلَ الجِيَفَ. فدَلَّ أنَّه كَرِهَه؛ لأكلِه النَّجاسةَ فقط. ذكرَه الشيخُ تَقِيّ الدِّينِ، ومال إليه.
وعنه، سُورُ البَغْلِ والحمارِ مَشْكوك فيه، فيُتَيَمَّمُ معه للحدَثِ بعَدَ اسْتِعْمالِه، وللنَّجَسِ؛
فلو توَضَّأ به ثم لَبِسَ خُفًّا، ثم أحْدَثَ، ثم توَضَّأ فمَسَحَ وتَيَمَّمَ، صَلَّى به، وهو لُبْسٌ على طهارَةٍ لا يُصَلَّى بها، فيُعايىَ بها.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَحْتَمِلُ أنْ يَلْزَمَه البَدَاءَةُ بالتَّيَمُّمِ،
وأنْ يُصَلِّيَ بكُلِّ واحدٍ منهما صلاةً، ليُؤدِّيَ فرْضَه بيَقين؛ لأنَّه إن كان نَجِسًا، تأدَّى فرْضُه بالتَّيَمُّمِ،
وإنْ كان طاهِرًا، كانتِ الثَّانيةُ فَرْضَه، ولم يَضُرَّه فَسادُ الأولَى،
أمَّا إذا تَوَضَّأ، ثم تَيَمَّمَ، ثم صَلَّى، لم يتيَقَّنِ الصِّحَّةَ؛ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
لاحْتِمالِ أنه صَلَّى حامِلًا للنَّجاسَة.
قال في «الحاويَين»: وهذا أصَحُّ عندِي.
ومتى تَيَمَّمَ معه، ثم خرجَ الوَقْتُ، بَطَلَ تَيَمُّمُه دُونَ وُضوئِه. قاله ابنُ تَميم، وابنُ حَمْدانَ.
تنبيهان؛ أحدُهما، قوْلُه: وسِبَاعُ البهائمِ. مُرادُه غيرُ الكلْبِ والخِنْزِيرِ؛ فإنَّهما نَجِسانِ، قوْلًا واحِدًا عندَه، بدَليلِ ما ذكرَه أوَّلَ الكتابِ، ومُرادُه غيرُ الهِرِّ وما دُونَها في الخِلْقَةِ، بدَليلِ ما يأتي بعدَه. الثَّاني، ظاهرُ كلامِه دخولُ شَعَرِ سِباعِ البَهائمِ في ذلك، وأنَّه نَجس. وهو المذهبُ. قدَّمه في «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، وغيرِهم. قال المُصَنِّفُ، والشَّارِح، وابنُ رَزِين، وابنُ تَميم، و «مَجْمَعِ البَحْرَين»، وابنُ عُبَيدان، وغيرُهم: كلُّ حَيوانٍ حُكْمُ . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
شَعَرِه حُكْمُه في الطهارةِ والنَّجاسةِ.
وعنه، أنه طاهر. قدَّمه في «الفُروعِ»، في بابِ الآنِيَةِ. وتقدَّم ذلك مُسْتَوْفًى في آخرِ بابِ الآنِيَةِ.
فائدة: لَبَنُ الآدَمِي والحيوانِ المأكُولَ طاهرٌ، بلا نِزاع، ولَبَنُ الحيوانِ النَّجِسِ نَجِس، ولَبَنُ الحَيوانِ الطَّاهرِ غيرِ المأكولِ؛ قيل: نَجِسٌ. ونقلَه أبو طالب، في وَسُؤرُ الْهِرَّةِ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ طَاهِرٌ.
لَبَنِ حمارٍ. قال القاضي: هو قِياسُ قوْلِه في لَبَنِ السنوْرِ. وجزَم به في «مَجْمَعِ البَحْرَين». ونصرَه المَجْدُ، وابنُ عُبَيدان. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الصُّغْرى».
وقيل: طاهر. وقدَّمه في «الرِّعايَةِ الكُبْرى». وأطْلقَهما في «الفُروعَ»، و «ابنِ تَميم»، و «الفائقِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الحاويَين». وحُكْمُ. بَيضِه حُكْمُ لَبَنِه؛ فعلَى القوْلِ بطَهارَتِهما لا يُؤكَلانِ. صَرَّحَ به في «الرِّعايَة»، و «الحاوي». أوَسُؤرُ الهِرِّ وما دُونَها في الخِلْقَةِ طاهِرٌ. وهو بقِيَّةُ طَعامِ الحيوانِ وشَرابِه، وهو مَهْمُوزٌ. يعْني أنَّها وما دُونَها طاهِرٌ. وهذا المذهبُ مُطْلقًا بلا رَيبٍ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وقطَع به كثيرٌ منهم.
وقيل: فيما دُونَ الهِرِّ مِنَ الطيرِ.
وقيل: وغيرُه وَجْهان، وأطْلقَهما في الطيرِ ابنُ تَميم. قال الزَرْكَشِيُّ: الوَجْهُ بنَجاسَتِه ضعيفٌ. قال الآمِدِي: سُؤرُ ما دُونَ الهِرِّ طاهر في ظاهرِ المذهبِ. وحكَى القاضي وَجْهًا بنَجاسةِ شَعَرِ الهِرِّ المُنْفَصِلِ في حَياتِها.
فوائد؛ إحْداها، لا يُكْرَهُ سُؤرُ الهِرِّ وما دُونَها في الخِلْقَةِ. على الصَّحيحِ مِنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبِ. ونصَّ عليه في الهِر والفأرِ. وقدَّمه في «مُخْتَصَر» ابنِ تَميم. وجزَم به في «المُذْهَبِ»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «التَّلْخيص». وقدَّمه في «الفُروع»،
وقال: وجزَم به الأكْثَرُ؛ لأنَّها تَطوفُ، ولعدَمِ إمكانِ التَّحَرُّزِ منها، كحشَراتِ الأرْض، كالحَيَّةِ.
قال في «الفُروعِ»: فدَلَّ على أنَّ مِثْلَ الهِرِّ كالهِرِّ.
وقال في «المُسْتَوْعِب»: يُكْرَهُ سُؤرُ الفأرِ؛ لأنَّه يُنْسِي، وحُكِيَ روايةً.
قال في «الحاويَين»: وسُؤرُ الفأرِ مَكْروه، في ظاهرِ المذهبِ.
قال في «الفُروعِ»: يُكْرَهُ في الأشْهَرِ. وأطْلقَ الزَّرْكَشِي في كَراهَةِ سُؤرِ ما دُونَ الهِرِّ رِوايتَين. الثَّانيةُ، لو وقَعَتْ هِرَّة، أو فأرَة، أو نحوُها، ممَّا ينْضَمُّ دُبُرُه إذا وقعَ في مائع، فخرجَتْ حَيَّةً، فهو طاهِر، على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه.
وقيل: لا. وأطْلقَهما في «المُذْهَب»، و «الحاويَين».
وكذا الحكْمُ لو وقعَتْ في جامِدٍ.
وإنْ وقَعَتْ ومعها رُطوبَةَ في دَقيقٍ ونحوه، ألقِيَتْ وما حوْلَها، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وإنِ اخْتلَطَ ولم يَنْضَبِطْ، حَرُمَ. نقلَه صالِحٌ، وغيرُه. وتقدَّم ما حدُّ الجامِدِ مِنَ المائِع، عندَ قوْلِه: ولا تَطْهُرُ الأدهانُ النَّجِسَةُ. وتقدَّم اخْتِيارُ الشيخِ تَقِي الدِّينِ، وصاحبِ «مَجْمَعِ البَحْرَين»، في آخرِ ما يُعْفَى عنه. الثَّالثةُ، لو أكلَتِ الهِرَّةُ نَجاسةً، ثم وَلَغَتْ في ماءٍ يسيرٍ، فلا يَخْلُو؛
إمَّا أنْ يكونَ ذلك بعدَ غَيبَتِها أو قبلَها،
فإن كان بعدَها، فالماءُ طاهرٌ، على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. جزَم به في «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الكافي»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «شَرْحِ ابنِ رَزِين»، وغيرِهم. وقدَّمه ابنُ تَميم. واخْتارَه في «مَجْمَع البَحْرَين».
وقيل: نَجِس. وأطْلقَهما في «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين»، و «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِي»، وغيرِهم. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وقال المَجْدُ في «شَرْحِه»: والأقوَى عندِي، أنَّها إنْ وَلَغَتْ عَقِيب الأكْلِ، نَجُسَ،
وإن كان بعدَه بزَمَن يزُولُ فيه أثر النَّجاسَةِ بالريقِ، لم يَنْجُسْ.
قال: وكذلك يَقْوَى عندِي جَعْلُ الرِّيقِ مُطَهِّرًا أفْواهَ الأطْفالِ وبهِيمَةِ الأنْعامِ، وكلُّ بَهِيمَةٍ طاهرَةٌ كذلك. انتهى. واخْتارَه في «الحاوي الكبيرِ». وجزَم في «الفائقِ»، أنّ أفْواهَ الأطْفالِ والبَهَائمِ طاهِرَةٌ. واخْتارَه في «مَجْمَعِ البَحْرَين». ونقلَ أنَّ ابْنَةَ المُوَفَّقِ، نقلَتْ أنَّ أباهَا سُئِلَ عن أفْواهِ الأطْفالِ؟ فقال الشَّيخُ: قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في الهرَّةِ «هم مِنَ الطَّوَّافِين عَلَيكُمْ والطَّوَّافاتِ». قال الشيخُ: هم البنون والبَناتُ. قال: فشَبَّهَ الهِرَّ بهم في المَشَقَّةِ.
انتهى. وقيل: طاهر إنْ غابَتْ غَيبَة يمكِنُ ورُودُها على ما يُطَهِّرُ فَمَها، وإلَّا فنَجِس.
وقيل: طاهر إنْ كانت الغَيبَةُ قَدْرَ ما يَطْهُرُ فَمُها، وإلَّا فنَجِسٌ. ذكرَه في «الرعايَة الكُبْرى».
وإنْ كان الوُلُوغُ قبلَ غَيبَتِها، فقيل: طاهر. قدَّمه ابنُ تَميم. واخْتارَه في «مَجْمَع البَحْرَين». قال الآمِدِيُّ: هذا ظاهرُ مذهبِ أصحابِنا.
قلتُ: وهو الصَّوابُ. وقيل: نجِسٌ. اخْتارَه القاضي، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وابنُ عَقِيل. وجزَم به ابنُ الجَوْزِيِّ، في «المُذْهَبِ». وقدَّمه ابنُ رَزِين، في «شَرْحِه». وتقدَّم كلامُ المَجْدِ. وأطْلَقهما في «المُسْتَوْعِبِ»، و «الفُروع»، و «الكافي»، و «المُغْنِي»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاويَين»، و «مَجْمَعِ البَحْرَين»، و «ابنِ عُبَيدان»، و «الفائقِ»، و «الزَّرْكَشِيِّ»، وغيرِهم. الرَّابعةُ، سُؤرُ الآدَمِي طاهر مُطْلقًا.
وعنه، سُؤرُ الكافِر نَجِسٌ. وتأوَّلَه القاضي. وهما وَجْهان مُطْلَقَان في «الحاويَين»، و «الرعاية الكُبْرى».
وقال: وقيل: إنْ لابسَ النَّجاسةَ غالِبًا، أو تدَيَّنَ بها، أو كان وَثَنِيًّا، أو مَجُوسيًّا، أو يأكلُ المَيتَةَ النَّجِسَةَ، فسُؤرُه نَجِس. قال الزَّرْكَشي: وهي رواية مشْهورة مُخْتارة لكثيرٍ مِنَ الأصْحابِ. الخامسةُ، يُكْرَهُ سُؤرُ الدَّجاجَةِ إذا لم تكُنْ مَضْبوطَةً. نصَّ عليه. قاله ابنُ تَميم، وغيرُه. وتقدَّم أوَّلَ البابِ رواية بأنَّ سُؤرَ الكَلْبِ والخِنْزِيرِ طاهِرٌ. ويُخَرَّجُ مِن ذلك في كلِّ حيوانٍ نَجِس. [
قال: (ومني الآدمي طاهر. وعنه أنه نجس، ويجزئ فرك يابسه. وفي رطوبة فرج المرأة روايتان) .
أما كون مني الآدمي طاهرًا على المذهب فلقوله تعالى:{وهو الذي خلق من الماء بشرًا}. أطلق عليه اسم الماء فوجب أن يطلق عليه حكمه في الطهارة.
ولما روت عائشة رضي الله عنها قالت:«كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم يذهب. فيصلي فيه» رواه مسلم.
ولو كان نجسًا لم يَطهر بالفرك كالعَذِرَة.
وقال ابن عباس:«امسحه عنك بإذخرة أو خرقة. ولا تغسله إنما هو كالبصاق والمخاط». ورواه الدارقطني مرفوعًا.
ولأنه بدء خلق آدمي فكان طاهرًا كالطين.
وأما كونه نجسًا على روايةٍ؛ فلأنه مستحيل من الدم أشبه القيح والصديد.
ولأنه خارج لشهوة أشبه المذي.
وأما كونه يجزئ فرك يابسه على هذه الرواية فلقول عائشة رضي الله عنها:«كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يابسًا وأغسله إذا كان رطبًا» رواه الدارقطني. و «لأنه نزل بعائشة ضيف فأمرت له بملحفة صفراء ينام فيها. فاحتلم. فاستحيا أن يرسل بها وفيها أثر الاحتلام. فغمسها في الماء. ثم أرسلها. فقالت عائشة رضي الله عنها: لِمَ أفسد علينا ثوبنا. إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه. وربما فركته من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصابعي» رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وتقييد الإجزاء بكون المني يابسًا مشعر بأنه إذا كان رطبًا لا بد من غسله.
وهو صحيح لوجوه:
الأول: أن المجزئ الفرك وذلك لا يتأتى في الرطب.
الثاني: أن المحل نجس فلم يكن بد من تطهيره.
الثالث: أن الآثار وردت بغسله. منها: ما تقدم من قول عائشة: «وأغسله إذا كان رطبًا».
ومنها ما روي عن عائشة رضي الله عنها:«كنت أغسل المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم يخرج فيصلي فيه. وأنا أنظر إلى البقع فيه من أثر الغسل» متفق عليه.
فإن قيل: إجزاء الفرك عام في كل مني أم لا؟
قيل: لا. بل هو مختص بمني الرجل؛ لأن أحمد نص على أنه لا يجزئ فرك مني المرأة لأنه رقيق. وإنما أجزأ فرك مني الرجل لأنه غليظ فيؤثر الفرك فيه تخفيفًا
بخلاف مني المرأة.
وأما كون رطوبة فرج المرأة نجسة في روايةٍ؛ فلأنها لا تخلو من مذي.
وأما كونها طاهرة في روايةٍ -وهي الصحيحة- لما ذكر في طهارة المني المستدل عليه بفرك مني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان مني جماع لا مني غيره ضرورة أن الأنبياء لا يحتلمون.
قال: (وسباع البهائم، والطير، والبغل، والحمار الأهلي نجسة. وعنه أنها طاهرة) .
أما كون سباع البهائم كالأسد والنمر وغير ذلك نجسة على روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الماء وما ينوبه من السباع. فقال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء». فمفهومه أنه ينجس إذا لم يبلغهما. وإنما ينجس أن لو كان الذي نابه نجسًا.
ولأنه حيوان حرم أكله يمكن التحرز منه فكان نجسًا كالكلب.
وأما كونها طاهرة على روايةٍ فلما روى أبو سعيد الخدري «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الحِياض التي بين مكة والمدينة. تردها الكلاب والسباع والحمر. فقال: لها ما أخذت في أفواهها، ولنا ما غَبَرَ طَهور» رواه ابن ماجة.
و«لأن عمر بن الخطاب وعمرو بن العاصي مرا بحوض فقال عمرو: يا صاحب الحوض! ترد على حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض! لا تخبرنا. فإنا نرد عليها وترد علينا» رواه مالك في الموطأ.
وأما كون جوارح الطير كالعقاب والنسر ونحو ذلك نجسة على روايةٍ، وطاهرة على روايةٍ؛ فلأنها تساوي سباع البهائم معنى فكذا يجب أن يكون حكمًا.
وأما كون كل واحد من البغل والحمار الأهلي نجسًا على روايةٍ فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر «إنها رجس» متفق عليه.
ولما ذكرنا في السباع. وأما كونه طاهرًا على روايةٍ فلما روى جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أنتوضأ بما أفضلته الحمر؟ قال: نعم. وبما أفضلت السباع كلها» رواه الشافعي في مسنده.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يركب الحمار والبغل. و «ركب يومًا حمارًا مُعْرَوْرَى في الحر» أي عريانًا. ذكره البخاري.
والظاهر أنه لا يسلم من عرقه.
وكان أصحابه عليه السلام يقتنون البغال والحمير ويصحبونها في أسفارهم.
فلو كانت نجسة لبين لهم نجاستها.
ولأنه لا يمكن التحرز منها للمشقة أشبها الهر.
ولأنه يجوز بيعهما أشبها مأكول اللحم.
قال: (وسؤر الهر (٣) وما دونها في الخلقة طاهر).
أما كون سؤر الهر طاهرًا فلما روت كبشة بنت كعب بن مالك قالت:«دخل عليّ أبو قتادة. فسكبت له وضوءًا. فجاءت هرة فأصغى لها الإناء حتى شربت. فرآني أنظر إليه. فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قلت: نعم. قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنها ليست بنجس. إنها من الطوافين عليكم والطوافات» رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح. وأما كون سؤر ما دون الهر في الخلقة كالفأرة ونحوها طاهرًا؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل طهارة الهر بكونها من الطوافين والطوافات وذلك موجود فيما دونها لكونه مما يطوف علينا.
ولأنه لا يمكن التحرز منه أشبه الهر. [باب الحيض] قال المصنف رحمه الله: (وهو دم طبيعة وجِبِلَّة. ويمنع عشرة أشياء: فعل الصلاة، ووجوبها، وفعل الصيام، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث في المسجد، والطواف، والوطء في الفرج، وسنة الطلاق، والاعتداد بالأشهر، ويوجب الغسل، والبلوغ، والاعتداد (١) به).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو دم طبيعة وجبلة فبيان لمعنى الحيض.
وأما كون الحيض يمنع فعل الصلاة فـ «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش: دعي الصلاة أيام أقرائك» متفق عليه.
وأما كونه يمنع وجوبها فلقول عائشة رضي الله عنها:«كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» متفق عليه.
وأما كونه يمنع فعل الصوم فلقول عائشة رضي الله عنها:«إن كان ليكون علي الصوم من رمضان. فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان» متفق عليه. يعني صومًا أفطر به بالحيض. ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل؟ قلن: بلى» رواه البخاري.
وأما كونه يمنع قراءة القرآن فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن» رواه الترمذي.
وأما كونه يمنع مس المصحف فلقول الله تعالى:{لا يمسه إلا المطهرون}.
وأما كونه يمنع اللبث في المسجد فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» رواه أبو داود.
وأما كونه يمنع الطواف فلما روت عائشة قالت:«قدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بالصفا والمروة. فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: افعلي ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» متفق عليه.
وأما كونه يمنع الوطء في الفرج فلقوله تعالى:{فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن}.
وأما كونه يمنع سنة الطلاق؛ فلأنه يحرم طلاق المدخول بها لما فيه من تطويل العدة.
وأما كونه يمنع الاعتداد بالأشهر؛ فلأن الحائض يجب عليها الاعتداد بالأقراء لما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما كونه يوجب الغسل فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «دعي الصلاة أيام أقرائك التي كنت تحيضين فيها. ثم اغتسلي وصلي» متفق عليه.
وأما كونه يوجب البلوغ؛ فلأن حيض المرأة يحصل به البلوغ لما يأتي في المحجور عليه.
وأما كونه يوجب الاعتداد به فلقوله تعالى:{والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء}.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.