فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٥٬١٠٧المقنعالحنابلةج ٦ ص ٤٢٥ج ٦ ص ٤٢٥

وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَيَطَؤُهَا فِي الْقُبُلِ وَأَدْنَى مَا يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

فصل: فإنِ اخْتَلَفَا في الإصابَةِ فقال: قد أصَبْتُكِ، فلي رَجْعَتُكِ. فأنْكَرَتْه، أو قالت: قد أصابَنِي، فلِيَ المَهْرُ كاملًا. فالقَوْلُ قَوْلُ المُنْكِرِ منهما؛ لأنَّ الأصْلَ معه، فلا يَزُولُ إلَّا بيَقِينٍ، وليس له رَجْعَتُها في الموْضِعَينِ؛ لأنَّه إن أنْكَرَ الإِصابَةَ، فهو يُقِرُّ على نَفْسِه بِبَينُونَتِها، وأنَّه لا رَجْعَةَ له عليها.

٢٩٬٧٧٤

وإن أنْكَرَتْها هي، فالقَوْلُ قَوْلُها, ولا تَسْتَحِقُّ إلَّا نِصْفَ المَهْرِ،

٢٩٬٧٧٥

وإن أنْكَرَها، فالقَوْلُ قَوْلُه. هذا إذا كان المَهْرُ غيرَ مَقْبُوضٍ،

٢٩٬٧٧٦

فإن كان اخْتِلافُهُما بعدَ قَبْضِها له، وادَّعَى إصابَتَها فأنْكَرَته، لم يَرْجِعْ عليها بشيءٍ؛ لأنه يُقِرُّ لها به ولا يَدَّعِيهِ.

٢٩٬٧٧٧

وإن كان هو المُنْكِرَ، رَجَعَ عليها بنِصْفِه. وبهذا قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.

٢٩٬٧٧٨

فإن قيلَ: فلِمَ قَبِلْتُمْ قَوْلَ المُولِي والعِنِّينِ في الإِصابَةِ، ولم تَقْبَلُوه ههُنا؟ قُلْنا: لأنَّ المُولِيَ والعِنِّينَ يَدَّعِيان ما يُبْقِي النِّكاحَ على الصِّحَّةِ، ويَمْنَعُ فَسْخَه، والأصْلُ صِحَّةُ العَقْدِ وسَلامَتُه، فكان قَوْلُهما مُوافِقًا للأصْلِ، فقُبِلَ،

٢٩٬٧٧٩

وفي مسْألَتِنا قد وَقَعَ ما يَرْفَعُ النِّكاحَ ويُزِيلُه، وهو ما والى بَينُونَتِه، وقد اخْتَلَفا فيما يَرْفَعُ حُكْمَ الطَّلاقِ، ويُثْبِتُ له الرَّجْعَةَ، والأصْلُ عدَمُ ذلك، فكان قَوْلُه مُخالِفًا للأصْلِ، فلم يُقْبَلْ، ولأنَّ المُولِيَ والعِنِّينَ يَدَّعِيان الإِصابَةَ في مَوْضِعٍ تحَقّقَتْ فيه الخَلْوَةُ والتَّمْكِينُ مِن الوَطْءِ؛ لأنَّه لو لم يُوجَدْ ذلك لَمَا اسْتَحَقَّتا الفَسْخَ بعَدَمِ الوَطْءِ، فكان الاخْتِلافُ فيما يَخْتَصُّ به،

٢٩٬٧٨٠

وفي مسْألَتِنا لم تَتَحقَّقْ خَلْوَةٌ ولا تَمْكِينٌ؛ لأنَّه لو تَحَقَّقَ ذلك لَوجَبَ المَهْرُ كامِلًا، فكان الاخْتِلافُ في أمْرٍ ظاهِرٍ لا يَخْتَصُّ به، فلم يُقْبَلْ فيه قَوْلُ مُدَّعِيه إلَّا ببَيِّنَةٍ. وهل تُشْرَعُ اليَمِينُ في حَقِّ مَن القَوْلُ قَوْلُه؟ على وَجْهَينِ. فصل: والخَلْوَةُ كالإِصابَةِ في إثْباتِ الرَّجْعَةِ للزَّوْجِ على المرْأَةِ التي خَلا بها، في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لقَوْلِه: حُكْمُها حُكْمُ الدُّخولِ في جَميعِ أُمُورها. وهذا قَوْلُ الشافعيِّ [القَدِيمُ.

٢٩٬٧٨١

وقال أبو بكرٍ: لا رَجْعَةَ له عليها، إلَّا أن يُصِيبَها. وبه قال أبو حنيفةَ، وصَاحِباه، والشافعيُّ] في الجدِيدِ؛ لأنَّها غَيرُ مُصابَةٍ، فلا يَسْتَحِقُّ رَجْعَتَها، كالتي لم يَخْلُ بها. ووَجْهُ الأوَّلِ قَوْلُه تعالى:{وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ}. إلى قَوْلِه:{وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ}. ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ مِن طَلاقٍ لا عِوَضَ فيه، ولم تَسْتَوْفِ عَدَدَه، فثَبَتَتْ عليها الرَّجْعَةُ، كالمَوْطُوءَةِ، ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ يَلْحَقُها طَلاقُه، فَمَلَكَ رَجْعَتَها، كالتي أصابَها.

وفارَقَ التي لم يَخْلُ بها، فإنَّها بائِنٌ منه لا عِدَّةَ لها, ولا يَلْحَقُها طَلاقُه، وإنَّما تكون الرَّجْعَةُ للمُعْتَدَّةِ التي يَلْحَقُها طَلاقُه. والخِلافُ في هذا مَبْنِيٌّ على وُجوبِ العِدَّةِ بالخَلْوَةِ مِن غيرِ إصابَةٍ، ويُذْكَرُ في مَوْضِعِه، إن شاءَ اللهُ تعالى.

٢٩٬٧٨٢

فصل: فإنِ ادَّعَى زَوْجُ الأمَةِ بعدَ عِدَّتِها [أنَّه كان راجَعَها في عِدَّتِها]، فأنْكَرَتْه، وصَدَّقَه مَوْلاها، فالقَوْلُ قَوْلُها. نَصَّ عليه. وبذلك قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ.

٢٩٬٧٨٣

وقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: القَوْلُ قَوْلُ الزَّوْجِ، وهو أحَقُّ بها؛ لأنَّ إقْرارَ مَوْلَاها مَقْبُولٌ في نِكاحِها، فقُبِلَ في رَجْعَتِها، كالحُرَّةِ إذا أقَرَّتْ. ولَنا، أنَّ قَوْلَها في انْقِضاءِ عِدَّتِها مَقْبُولٌ، فقُبِلَ إنْكارُها للرَّجْعَةِ كالحُرَّةِ، ولأنَّه اخْتِلافٌ منهما فيما يَثْبُتُ به النِّكاحُ، فيَكونُ المُنازِعُ هي دُونَ سَيِّدِها، كما لو اخْتَلَفا في الإِصابَةِ، وإنَّما قبِلَ قَوْلُ السَّيِّد في النِّكاحِ؛ لأنَّه يَمْلِكُ إنْشاءَه، فَمَلَكَ الإِقْرارَ به،

٢٩٬٧٨٤

بخِلافِ الرَّجْعَةِ. وإن صَدَّقَتْه وكَذَّبَه مَوْلَاها, لم يُقْبَلْ إقْرارُها؛ لأنَّ حَقَّ السَّيِّدِ تعَلَّقَ بها، وحَلَّتْ له بانْقِضَاء عِدَّتِها، فلم يُقْبَلْ قَوْلُها في إبْطالِ حَقِّه، كما لو تَزَوَّجَتْ، ثم أقَرَّتْ أنَّ مُطَلِّقَها كان راجَعَها,

٢٩٬٧٨٥

ولا يَلْزَمُ مِن قَبُولِ إنْكارِها قَبُولُ تَصْدِيقِها، كالتي تَزَوَّجَتْ، فإنَّه يُقْبَلُ إنْكارُها ولا يُقْبَلُ تَصْدِيقُها. إذا ثَبَتَ هذا،

٢٩٬٧٨٦

فإنَّ مَوْلَاها إذا عَلِمَ صِدْقَ الزَّوْجِ، لم يَحِلَّ له وَطْؤُها، ولا تَزْويجُها،

٢٩٬٧٨٧

وإن عَلِمَتْ هي صِدْقَ الزَّوْجِ في رَجْعَتِها، فهي حَرامٌ على سَيِّدِها, ولا يَحِلُّ لها تَمْكِينُه مِن وَطْئِها إلَّا مُكْرَهَةً، كما قبلَ طَلاقِها.

فصل: ولو قالت: انْقَضتْ عِدَّتِي. ثم قالت: ما انْقَضَتْ بَعْدُ. فلَه رَجْعَتُها؛ لأنَّها أقَرَّتْ بكَذِبِها فيما يَثْبُتُ به حَقٌّ عليها، فقُبِلَ إقْرارُها.

تعليق

ولو قال: أخْبَرَتْنِي بانْقِضاءِ عِدَّتِها. ثم راجَعَها ، ثم أقَرَّتْ بكَذِبِها في انْقِضاءِ عِدَّتِها، أو أنْكَرَتْ ما ذَكَرَ عنها، وأقَرَّتْ بأنَّ عِدَّتَهَا لم تَنْقَضِ، فالرَّجْعَةُ صَحِيحَةٌ؛ لأنَّه لِم يُقِرَّ بانْقِضاءِ عِدَّتِها، وإنَّما أخْبَرَ بخَبَرِها عن ذلك، وقد رَجَعَتْ عن خبَرِها، فقُبِلَ رُجُوعُها؛ لِما ذَكَرْناه.

فصل: قال الشَّيخُ، رَحِمَهُ اللهُ: (وإن طَلَّقَها ثلَاثًا، لم تَحِلَّ له حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَه، ويَطَأها في القُبُلِ، وأدْنَى ما يَكْفي مِن ذلك تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرْجِ، وإن لم يُنْزِلْ) وجملةُ ذلك، أنَّ المرْأةَ إذا لم يُدْخَلْ بها تُبِينُها طَلْقَةٌ ، وتُحَرِّمُها الثَّلاثُ مِن الحُرِّ، والاثْنَتان من العَبْدِ. وقد أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على أنَّ غيرَ المدْخُولِ بِها تَبِينُ بطَلْقَةٍ واحدةٍ، ولا يَسْتَحِقُّ مُطَلِّقُها رَجْعَتَها؛ لأنَّ الرَّجْعَةَ إنَّما تكونُ في العِدَّةِ، ولا عِدَّةَ قبلَ الدُّخُولِ، لقَوْلِ الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا}.

فبَيَّنَ سبحانَهُ أنَّه لا عِدَّةَ عليها، فتَبِينُ بِمُجَرَّدِ طَلاقِهَا، وتَصِيرُ كالمدْخُولِ بها بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها, لا رَجْعَةَ عليها, ولا نَفَقَةَ لها.

٢٩٬٧٨٨

فإن رَغِبَ فيها مُطَلِّقُها، فهو خاطِبٌ مِن الخُطَّابِ، لا تَحِلُّ له إلَّا أن يتَزَوَّجَها برِضَاهَا نِكاحًا جَدِيدًا، وتَرْجِعُ إليه بطَلْقَتَين.

٢٩٬٧٨٩

وإنْ طَلَّقَها اثْنَتَين، ثم تَزَوَّجَها، رَجَعَتْ إليه بطَلْقَةٍ واحدةٍ، بغيرِ خِلافٍ، إن لم تَكُنْ تَزَوَّجَتْ غيرَه، بغيرِ خِلافٍ.

٢٩٬٧٩٠

فإن طَلَّقَها ثلاثًا بلَفْظٍ واحدٍ، حَرُمَت عليه حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه، في قَوْلِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ. وقد ذَكَرْنا ذلك فيما مَضَى، ولا خِلافَ بينَهم في أنَّ المُطَلَّقَةَ ثلَاثًا بعدَ الدُّخول، لا تَحِلُّ له حتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه، لقَولِ اللهِ سبحانَه:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ}. ورَوَتْ عائشةُ أنَّ امرأةَ رِفاعَةَ القُرَظِيِّ جاءتْ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: إنَّها كانت عندَ رِفاعَةَ، فَطَلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطْليقاتٍ، فتَزوَّجَتْ بعدَه بعبدِ الرَّحمنِ بنِ الزَّبِيرِ، [وإنَّه] واللهِ ما معه إلَّا مِثْلُ هذه الهُدْبَةِ .

وأخَذَتْ بهُدْبَةٍ مِن جِلْبابِها. فتَبَسَّمَ رَسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ضَاحِكًا،

٢٩٬٧٩١

وقال: «لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ؟ لا، حَتَّى يَذُوقَ عُسَيلَتَكِ، وَتَذُوقِي عُسَيلَتَهُ». مُتَّفَق عليه .

٢٩٬٧٩٢

وفي إجْماعِ أهْلِ العِلْمِ على هذا غُنْيَةٌ عن الإِطالةِ فيه. وجُمْهُورُ العُلَماءِ على أنَّها لا تَحِلُّ للزَّوْجِ الأوَّلِ حتَّى يَطَأها الثَّانِي وَطْئًا يُوجَدُ فيه الْتِقاءُ الخِتانَين، إلَّا أنَّ سعيدَ بنَ المُسَيَّبِ مِن بينِهم، قال: إذا تَزَوَّجَها تَزْويجًا صَحِيحًا، لا يُرِيدُ به إحْلالًا، فلا بأْسَ أن يَتَزَوَّجَها الأوَّلُ . قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلَمُ أحدًا مِن أهلِ العِلْمِ قال بقَوْلِ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ هذا، إلَّا الخَوارِجَ أخَذُوا بظاهِرِ قوْلِه سبحانَه:{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ}.

ومع تَصْرِيحِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ببَيَانِ المُرادِ مِن كتابِ اللهِ تعالى، وأنَّها لا تَحِلُّ للأوَّلِ حتَّى يَذُوقَ الثّانِي عُسَيلَتَها وتَذُوقَ عُسَيلَتَه، لا يُعَرَّجُ على شيءٍ سِواه، ولا يَسُوغُ لأحدٍ المَصِيرُ إلى غيرِه، مع ما عليه جُمْلَةُ أهلِ العِلْمِ؛ منهم عليُّ بنُ أبي طالبٍ، وابنُ عمرَ ، وابنُ عبَّاس، وجابِرٌ، وعائشةُ، رَضِيَ الله عنهم، ومِمَّن بعدَهم مَسْرُوقٌ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، وأهلُ المدِينَةِ، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي، والأوْزاعيُّ، وأهلُ الشَّامِ, والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وغيرُهم.

فصل: ويُشْتَرَطُ لحِلِّها للأوَّلِ ثلاثةُ شُرُوطٍ؛ أحَدُها، أن تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَه،

٢٩٬٧٩٣

فلو كانت أمَةً، فوَطِئَها سَيِّدُها, لم تَحِلَّ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى:{حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ}. وهذا ليس بزَوْجٍ. الشَّرْطُ الثَّاني، أن يكونَ نِكاحًا صَحِيحًا،

٢٩٬٧٩٤

فلو كان فاسِدًا لم يُحِلَّها الوَطْءُ فيه. وبهذا قال الحسَنُ، والشَّعْبِيُّ، وحَمَّادٌ، ومالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ في الجَدِيدِ.

٢٩٬٧٩٥

وقال في القَدِيمِ: يُحِلُّها ذلك . وهو قَوْلُ الحَكَمِ. وخَرَّجَه أبو الخطَّاب وَجْهًا في المَذْهَبِ؛ لأنَّه زَوْجٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لَعَنَ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ له . فسَمَّاه مُحَلِّلًا مع فسادِ نِكاحِه. ولَنا، قَوْلُه تعالى:{فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ}. وإطْلاقُ النِّكاحِ يَقْتَضِي الصَّحِيحَ، ولذلك لو حَلَف لا يَتَزَوَّجُ، فَتَزَوَّجَ تَزْويجًا فاسِدًا، لم يَحْنَثْ.

٢٩٬٧٩٦

ولو حَلَفَ لَيَتَزَوَّجَنَّ، لم يَبَرَّ بالتَّزَوُّجِ الفاسِدِ. ولأنَّ أكثَرَ أحْكامِ التَّزْويجِ غَيرُ ثابِتَةٍ فيه، مِن الإِحْصانِ، واللِّعانِ، والظِّهارِ، والإيلاءِ، والنَّفَقَةِ، وأشْباهِ ذلك.

٢٩٬٧٩٧

وأمَّا تَسْمِيَتُه مُحَلِّلًا، فلِقَصْدِه التَّحْلِيلَ فيما لا يَحِلُّ،

٢٩٬٧٩٨

ولو أحَلَّ حَقِيقَةً لَما لُعِنَ، ولا لُعِنَ المُحَلَّلُ له، وإنَّما هذا كقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «ما آمَنَ بالقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ».

٢٩٬٧٩٩

وقال اللهُ تعالى:{يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا}. ولأنَّه وَطْءٌ في غيرِ نِكاحٍ صَحِيحٍ، أشْبَه وَطءَ الشُّبْهَةِ. وعلى هذا، لو وَطِئَها بشُبْهَةٍ، لم تُبَحْ؛ لأنَّه غيرُ نِكاحٍ. الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أن يَطَأها في الفَرْجِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ عائشةَ. فعلى هذا، إن وَطِئَها دُونَ الفَرْجِ، أو في الدُّبُرِ، لم يُحِلَّها؛ لأنَّه عَلَّقَ الحِلَّ على ذَواقِ العُسَيلَةِ، ولا يَحْصُلُ إلَّا بالوَطءِ في الفَرْجِ، وأدْناهُ تَغْيِيبُ الحَشَفَةِ في الفَرْجِ وإن لم يُنْزِل؛ لأنَّ أحْكامَ الوَطْءِ تَتَعلَّقُ [به،

٢٩٬٨٠٠

ولو أوْلَجَ الحَشَفَةَ مِن غيرِ انْتِشارٍ لم تَحِلَّ؛ لأنَّ الحُكْمَ يَتَعَلَّقُ] بذَواقِ العُسَيلَةِ، ولا يَحْصُلُ مِن غيرِ انْتِشَارٍ.

٣٦٦٤ -

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَإِنْ طَلَّقَهَا) أَيِ: الْحُرُّ (ثَلَاثًا) وَالْعَبْدُ اثْنَتَيْنِ،

١٩٬٢٢٣

وَلَوْ عَبَّرَ كَـ " الْفُرُوعِ " بِقَوْلِهِ: مَنْ طَلَّقَ عَدَدَ طَلَاقِهِ لَكَانَ أَوْلَى (لَمْ تَحِلَّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) إِجْمَاعًا، وَسَنَدُهُ قَوْله تَعَالَى:{فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ} ، وَحَدِيثُ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ،

١٩٬٢٢٤

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: إِذَا تَزَوَّجَهَا تَزْوِيجًا صَحِيحًا لَا يُرِيدُ بِهِ إِحْلَالًا، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا الْأَوَّلُ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهَذَا إِلَّا الْخَوَارِجُ، وَلِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ فِي الْآيَةِ: الْجِمَاعُ.

١٩٬٢٢٥

وَحَاصِلُهُ: أَنَّ حِلَّهَا لِلْأَوَّلِ مَشْرُوطٌ بِأَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ،

١٩٬٢٢٦

فَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَوَطِئَهَا السَّيِّدُ فَلَا،

١٩٬٢٢٧

وَأَنْ يَكُونَ النِّكَاحُ صَحِيحًا عَلَى الْمَذْهَبِ،

١٩٬٢٢٨

فَلَوْ كَانَ فَاسِدًا فَلَا، وَأَنْ يَطَأَهَا فِي الْفَرْجِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ، وَنَبَّهَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: (وَيَطَؤُهَا فِي الْقُبُلِ) ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - عَلَّقَ الْحِلَّ عَلَى ذَوَاقِ الْعُسَيْلَةِ، وَلَا تَحْصُلُ إِلَّا بِالْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ (وَأَدْنَى مَا يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ تَغْيِيبُ الْحَشَفَةِ) مَعَ الِانْتِشَارِ (فِي الْفَرْجِ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ) ؛ لِأَنَّ أَحْكَامَ الْوَطْءِ تَتَعَلَّقُ بِهِ،

١٩٬٢٢٩

فَلَوْ أَوْلَجَ مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ لَمْ يُحِلَّهَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَتَعَلَّقُ بِذَوَاقِ الْعُسَيْلَةِ، وَلَا يَحْصُلُ مِنْ غَيْرِ انْتِشَارٍ، وَلَيْسَ الْإِنْزَالُ شَرْطًا فِيهِ؛ لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - جَعَلَ ذَوَاقَ الْعُسَيْلَةِ غَايَةً لِلْحُرْمَةِ، وَذَلِكَ حَاصِلٌ بِدُونِ الْإِنْزَالِ، وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذَا فِي الثَّيِّبِ،

١٩٬٢٣٠

فَأَمَّا الْبِكْرُ فَأَدْنَاهُ أَنْ يَفْتَضَّهَا بِآلَتِهِ

الإنصافالمرداوي

لا يتكلم على هذه المسألة.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

لا يتكلم على هذه المسألة.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.