وَيَحْرُمُ لَبَنُ الْمَيْتَةِ وَاللَّبَنُ الْمَشُوبُ ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِهِمَا وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ غَلَبَ اللَّبَنُ حَرَّمَ
الشروح عليها
مسألة: (ويُحَرِّمُ لَبَنُ المَيِّتةِ واللّبَنُ المَشُوبُ. ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. وقال أَبُو بَكْرٍ: لا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بهما) المنصوصُ عن أحمدَ، في رِوايةِ إبراهيمَ الحَرْبِيِّ في لَبَنِ المَيِّتةِ، أنَّه يَنْشُرُ الحُرْمةَ. وهو اخْتِيارُ أبي بكرٍ. وقولُ أبي ثَوْرٍ، والأوْزاعِيِّ، وابنِ القاسمِ، وأصْحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أبو بكرٍ الخَلَّالُ: لا يَنْشُرُ الحُرْمَةَ. وتَوَقَّفَ عنه أحمدُ في رِوايَةِ مُهَنَّا. وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه لَبَنٌ ممَّن ليس هو بمَحَلٍّ للولادةِ، فلم يتَعَلَّقْ به التَّحْريمُ، كلَبَنِ الرَّجُلِ. ولَنا، أنَّه وُجِدَ الرَّضاعُ على وَجْهٍ يُنْبِتُ اللَّحْمَ ويُنْشِزُ العَظْمَ مِن امْرأةٍ، فأثْبَتَ التَّحْريمَ، كحالِ الحياةِ، ولأنه لا فارِقَ بينَ شُرْبِه في حَياتِها ومَوْتِها إلَّا الحياةُ والمَوْتُ أو النّجاسَةُ، وهذا لا أثَرَ له،
فإنَّ اللَّبَنَ لا يَمُوتُ، والنَّجاسَةُ لا تُؤثِّرُ، كما لو حُلِبَ في وَعاءٍ نَجِسٍ، ولأنَّه لو حُلِبَ منها في حَياتِها، فشَرِبَه بعدَ مَوْتِها, لنَشَرَ الحُرْمَةَ، فبَقاؤُه في ثَدْيِها لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ الحُرْمَةِ؛ لأنَّ ثَدْيَها لا يَزِيدُ على الإناءِ في عَدَمِ الحياةِ، وهي لا تزِيدُ على عَظْمِ المَيتَةِ في ثُبُوتِ النَّجاسةِ.
فصل: ولو حَلَبَتِ المرْأةُ لَبَنَها في إناءٍ، ثم ماتَتْ، فشَرِبَه صَبِيٌّ، نَشَرَ الحُرْمَةَ، في قولِ كلِّ مَن جَعَلَ الوَجُورَ مُحَرِّمًا. وبه قال أبو ثَوْرٍ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ وذلك لأنَّه لَبَنُ امْرأةٍ حُلِبَ في حَياتِها، فأشْبَهَ ما لو شَرِبَه وهي في الحياةِ. ٣٩٢٢ - مسألة: (ويُحَرِّمُ اللَّبَنُ المَشُوبُ) ذكَرَه الخِرَقِيُّ. والمَشُوبُ؛ المُخْتَلِطُ بغيرِه. وسَواءٌ اخْتَلَطَ بطَعامٍ أو شَرابٍ أو غيرِه، في قولِ الخِرَقِيِّ. وبه قال الشَّافعيُّ.
وقال أبو بكرٍ: قِياسُ قولِ أحمدَ، أنَّه لا يُحَرِّمُ؛ لأنَّه وَجُورٌ (وقال ابنُ حامدٍ: إن غَلَبَ اللَّبَنُ حَرَّمَ، وإلَّا فلا) وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، والمُزَنِيِّ؛ لأنَّ الحُكْمَ للأغْلَبِ، ولأنَّه يَزُولُ بذلك الاسْمُ والمعْنَى [المرادُ به]. ونحوُه قولُ أصْحابِ الرَّأْي، وزادوا فقالوا: إن كانتِ النَّارُ مَسَّتِ اللَّبنَ حتَّى أنْضَجَتِ الطعامَ، أو حتَّى تَغَيَّرَ، فليس برَضاعٍ. ووَجْهُ الأوَّل، أنَّ اللَّبَنَ متى كان ظاهِرًا، فقد حَصَلَ شُرْبُه، ويَحْصُلُ به إنْباتُ اللَّحْمِ وإنْشازُ العَظْمِ، فحَرَّمَ، كما لو كان غَالِبًا، وهذا فيما إذا كانتْ صِفاتُ اللَّبَنِ باقِيَةً،
فأمَّا إن صُبَّ في ماءٍ كثيرٍ لم يتَغَيَّرْ به، لم يَثْبُتْ به التَّحْرِيمُ؛ لأنَّ هذا ليس بمَشُوبٍ، ولا يَحْصُلُ به التَّغَذِّي، ولا إنْباتُ اللَّحْمِ وإنْشازُ العَظْمِ. وحُكِيَ عن القاضي أنَّ التَّحْريمَ يَثْبُتُ به. وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ أجْزاءَ اللَّبَنِ حَصَلَتْ في بَطْنِه، أشْبَهَ ما لو كان لَوْنُه ظاهِرًا. ولَنا، أنَّ هذا ليس برَضاعٍ، ولا في مَعْناه، فوَجَبَ أن لا يَثْبُتَ حُكْمُه فيه.
فصل: فإن حُلِبَ مِن نِسْوَةٍ، وسُقِيَ الصَّبِيُّ، فهو كما لو ارْتَضَعَ مِن كلِّ واحدةٍ منهنَّ؛ لأنَّه لو شِيبَ بماءٍ أو عَسَلٍ، لم يَخْرُجْ عن كَوْنِه رَضاعًا مُحَرِّمًا، فكذلك إذا شِيبَ بلَبَنٍ آخَرَ.
٣٩٢٣ -
(وَيَحْرُمُ لَبَنُ الْمَيْتَةِ) وَهُوَ كَلَبَنِ الْحَيَّةِ. نَصَّ عَلَيْهِ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ وَنَصَرَهُ الْمُؤَلِّفُ ; لِأَنَّهُ يُنْبِتُ اللَّحْمَ، وَنَجَاسَتُهُ لَا تُؤَثِّرُ كَمَا لَوْ حُلِبَ فِي إِنَاءٍ نَجِسٍ وَكَمَا لَوْ حُلِبَ مِنْهَا فِي حَيَاتِهَا فَشَرِبَهُ بَعْدَ مَوْتِهَا،
وَقَالَ الْخَلَّالُ: لَا يَنْشُرُ الْحُرْمَةَ، وَتَوَقَّفَ عَنْهُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مَهَنَّا ; لِأَنَّهُ لَبَنٌ لَيْسَ بِمَحَلٍّ لِلْوِلَادَةِ، أَشْبَهَ لَبَنَ الرَّجُلِ (وَاللَّبَنُ الْمَشُوبُ) بِغَيْرِهِ، سَوَاءٌ اخْتَلَطَ بِشَرَابٍ، أَوْ غَيْرِهِ (ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ) وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي، وَهُوَ الْأَصَحُّ ; لِأَنَّ مَا تَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ لَمْ يُفَرَّقْ فِيهِ بَيْنَ الْخَالِصِ وَالْمَشُوبِ كَالنَّجَاسَةِ فِي الْمَاءِ، وَالنَّجَاسَةِ الْخَالِصَةِ (وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ بِهِمَا) وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ أَحْمَدَ ; لِأَنَّ الْمَشُوبَ لَيْسَ بِلَبَنٍ خَالِصٍ، فَلَمْ يُحَرِّمْ كَالْمَاءِ (وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ غَلَبَ اللَّبَنُ حَرَّمَ) وَذَكَرَهُ فِي " عُيُونِ الْمَسَائِلِ " الصَّحِيحُ مِنَ الْمَذْهَبِ ;
لِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ فِي كَثِيرٍ مِنَ الصُّوَرِ، فَكَذَا هُنَا
ويُحَرِّمُ لَبَنُ الميِّتةِ. هذا المذهبُ. نصَّ عليه في رِوايةِ إبْراهِيمَ الحَرْبِيِّ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. قال المُصَنِّفُ والشَّارِحُ: عليه أكثرُ الأصحابِ؛ منهم الخِرَقِيُّ، وأبو بَكْرٍ، والقاضي وأصحابُه، وغيرُهم. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «المُذْهَبِ»، وغيرِهما. وقدَّمه في «المُسْتَوْعِبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَين»، و «الحاوي»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم. وصحَّحه في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . .
«النَّظْمِ»، و «الخُلاصةِ»، وغيرِهما. كحَلْبِه مِن حَيَّةٍ ثم شُرْبِه بعدَ مَوْتِها، بلا خِلافٍ فيه.
وقال أبو بَكْرٍ الخَلَّالُ: لا يُحَرِّمُ. قاله المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، والمَجْدُ، وصاحِبُ «الهِدايَةِ»، و «الحاوي»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الفُروعِ»، والزَّرْكَشِيُّ، وغيرُهم. وذكَرَه ابنُ عَقِيلٍ وغيرُه رِوايةً.
فائدة: لو حَلَفَ، لا شَرِبْتُ مِن لَبَنِ هذه المَرْأةِ، فشَرِبَ مِن لَبَنِها وهي مَيِّتَةٌ، حَنِثَ. ذكَرَه أبو الخَطَّابِ في «الانْتِصارِ».
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: إنْ غَلَبَ اللَّبَنُ حَرَّمَ، وَإلَّا فَلَا. واللَّبَنُ المَشُوبُ -يعْنِي، يُحَرِّمُ- ذكَرَه الخِرَقِيُّ. وهو المذهبُ.
قال في «الفُروعِ»: فيُحَرِّمُ لَبَنٌ شِيبَ بغيرِه، على الأصحِّ. واخْتارَه القاضي، والشَّرِيفُ، والشِّيرَازِيُّ، والمُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهم. وجزَم به في «الوَجيزِ»، و «الخِرَقِيِّ»، وغيرِهما. وقدَّمه في «المُذْهَبِ»، و «المُحَرَّرِ»، و «الحاوي»، و «النَّظْمِ»، وغيرِهم.
وعنه، لا يُحَرِّمُ. اخْتَارَه أبو بَكْرٍ عَبْدُ العزيزِ. وأطْلَقهما في «الهِدايةِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الرِّعايتَين». ويأْتِي بِناءُ هاتَين الرِّوايتَين على ماذا قريبًا.
وقال ابنُ حامدٍ: إنْ غلَبَ اللَّبَنُ، حَرَّمَ، وإلَّا فلا. وذكَر في «عُيونِ المَسائِلِ»، أنَّه الصَّحيحُ مِن المذهبِ. واخْتارَه أبو الخَطَّابِ في «خِلافِه الصَّغِيرِ». . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تنبيهات؛ أحدُها، محَلُّ الخِلافِ، عندَ المُصَنِّفِ، والشَّارِحِ، فيما إذا كانتْ صِفاتُ اللَّبَنِ باقِيَةً،
فأمَّا إنْ صُبَّ في ماءٍ كثيرٍ لم يتَغَيَّرْ به، لم يثْبُتْ به التَّحْريمُ. وقدَّمه في «الفُروعِ»،
فإنَّه قال: وقيل: بل وإنْ لم يُغَيِّرْه. وعندَ القاضي، يَجْرِي الخِلافُ فيه، لكِنْ بشَرْطِ شُرْبِ الماءِ كلِّه ولو في دَفَعاتٍ، وتكونُ رَضْعَةً واحدةً. ذكَرَه في «خِلافِه». وأطْلَقهما في «القَواعِدِ الفِقْهِيَّةِ» في «القاعدَة الثَّانيةِ والعِشْرِين».
الثَّاني، قولُ المُصنِّفِ، بعدَ أنْ ذكَر اللَّبَنَ المَشُوبَ ولَبَنَ المَيِّتَةِ: وقال أبو بَكْرٍ: لا يثْبُتُ التحْريمُ بهما. [ظاهِرٌ أنَّه قولُ أبي بَكْرٍ عَبْدِ العزيزِ غُلامِ الخَلَّالِ، وأنَّه اخْتارَ عدَمَ ثُبوتِ التحْريمِ بهما]. والحالُ أنَّ الأصحابَ إنَّما حكَوْا عدَمَ تحْريمِ لَبَنِ المَيِّتةِ عن أبي بَكْرٍ الخَلَّالِ، وعدَمَ تحْريمِ اللَّبَنِ المَشُوبِ عن أبي بَكْرٍ عَبْدِ العزيزِ، فظاهِرُه التَّعارُضُ. فيُمْكِنُ أنْ يقال: قدِ اطَّلَع المُصَنِّفُ على نَقْلٍ لأبي بَكْرٍ عَبْدِ العزيزِ في المَسْألتَين.
ويَحْتَمِلُ أنْ يكونَ قد حصَل وَهْمٌ في ذلك، ولم أرَ وَالْحُقْنَةُ لَا تَنْشُرُ الْحُرْمَةَ. نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: تَنْشُرُهَا.
مَن نبَّهَ على ذلك.
الثَّالثُ، بَنَى القاضي في «تَعْليقِه»، وصاحبُ «المُحَرَّرِ»، و «الفُروعِ»، والزَّرْكَشِيُّ، وغيرُهم الخِلافَ في التَّحْريمِ في اللبَنِ المَشُوبِ على القَوْلِ بالتَّحْريم بالسَّعُوطِ والوَجُورِ.
قال الزَّرْكَشِيُّ: ومِن ثَمَّ قال أبو بَكْرٍ: قِياسُ قوْلِ الإمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ هنا ، أنَّه لا يُحرِّمُ؛ لأنَّه وَجُورٌ.
فائدة: يُحَرِّمُ الجُبْنُ على الصَّحيحِ مِن المذهبِ. وقيل: لا يُحَرِّمُ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.