فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى أُجْرَةٍ فَمِنْ مَالِ الْجَانِي وَالْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الِاسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ وَبَيْنَ التَّوْكِيلِ
الشروح عليها
مسألة: (فإنِ احْتاجَ) الوَكِيلُ (إلى أُجْرَةٍ، فمِن مالِ الجانى) فقد قِيلَ: يُؤْخَذُ العِوَضُ مِن بَيْتِ المال. قال بعضُ أصْحابِنا: يُرْزَقُ مِن بيتِ المالِ رجلٌ يَسْتَوْفِى الحُدُودَ والقِصاصَ؛ لأَنَّ هذا مِن المَصالحِ العامَّةِ،
فإن لم يَحْصُلْ ذلك، فالأجْرَةُ على الجانى؛ لأنَّها أُجْرَةٌ لإيفاءِ الحَقِّ الذى عليه، فكانت عليه، كأُجْرَةِ الكَيَّالِ في بَيْعِ المَكِيل. ويَحْتَمِلُ أن تكونَ على المُقْتَصِّ؛ لأنَّه وَكِيلُه، فكانتِ الأُجْرَةُ على مُوَكِّلِه، كسائرِ المواضِعِ، والذى على الجانى التَّمْكِينُ دُونَ الفِعْلِ، ولهذا لو أراد أن يَقْتَصَّ مِن نَفْسِه، لم يُمَكَّنْ منه، ولأنَّه لو كانت عليه أُجْرَةُ الوَكِيلِ لَلَزِمَتْه أُجْرَةُ الوَلِىِّ إذا اسْتَوْفَى بنَفْسِه.
وإن قال الجانى: أنا أقْتَصُّ لك مِن نَفْسِى. لم يَلْزَمْ تَمْكِينُه، ولم يَجُزْ له ذلك، قال اللَّه تعالى:{وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ}. ولأَنَّ مَعْنَى القِصاصِ أن يُفْعَلَ به كما فَعَل، ولأَنَّ القِصاصَ حَقٌّ عليه لغيرِه، فلم يكنْ هو المُسْتَوْفِىَ له، كالبائعِ لا يَسْتَوْفِى مِن نَفْسِه.
٤١٠٦ - مسألة: (والولِىُّ مُخَيَّر بينَ الاستِيفاءِ بنَفْسِه إن كان يُحْسِنُ، وبينَ التَّوْكِيلِ) لأَنَّ الحَقَّ له، فيَتَصَرَّفُ فيه على حَسَبِ اخْتِيارِه، كسائِرِ الحُقُوقِ
(فَإِنِ احْتَاجَ إِلَى أُجْرَةٍ فَمِنْ مَالِ الْجَانِي) كَالْحَدِّ وَلِأَنَّهَا أُجْرَةٌ لِإِيفَاءِ مَا عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، فَكَانَتْ لَازِمَةً لَهُ كَأُجْرَةِ الْكَيَّالِ،
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: تَكُونُ مِنَ الْفَيْءِ،
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَمِنَ الْجَانِي، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي " الْكَافِي " أَنَّ بَدَلَ الْعِوَضِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ،
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فَمِنَ الْجَانِي، وَالَّذِي ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي فِي " خِلَافَيْهِمَا " أَنَّ الْأُجْرَةَ عَلَى الْجَانِي،
قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُرْزَقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ رَجُلٌ يَسْتَوْفِي الْحُدُودَ، وَالْقِصَاصَ ; لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ،
فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ، فَعَلَى الْجَانِي لِأَنَّ الْحَقَّ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الِاسْتِيفَاءِ كَأُجْرَةِ الْوَزَّانِ وَيُتَوَجَّهُ لَوْ قَالَ: أَنَا أَقْتَصُّ مِنْ نَفْسِي، وَلَا أُؤَدِّي أُجْرَةً، هَلْ يُقْبَلُ مِنْهُ أَمْ لَا؟
وَقِيلَ: عَلَى الْمُقْتَصِّ ; لِأَنَّهُ وَكِيلُهُ، فَكَانَتِ الْأُجْرَةُ عَلَى مُوَكِّلِهِ كَسَائِرِ الْمَوَاضِعِ، وَالَّذِي عَلَى الْجَانِي التَّمْكِينُ دُونَ الْفِعْلِ،
وَلَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْوَكِيلِ لَلَزِمَهُ أُجْرَةُ الْوَلِيِّ إِذَا اسْتَوْفَى بِنَفْسِهِ (وَالْوَلِيُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الِاسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ وَبَيْنَ التَّوْكِيلِ) هَذَا الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّ التَّوْكِيلَ حَقٌّ لَهُ، فَكَانَ الْخِيَرَةُ فِيهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ
وإنِ احْتاجَ إلى أُجْرَةٍ، فمِن مالِ الجانِى. هذا الصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، كالحَدِّ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. جزَم به فى «المُحَرَّرِ»، و «الحاوِى»، و «المُنَوِّرِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُغْنِى»، و «البُلْغَةِ»، و «الشَّرْحِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: مِن مُسْتَحِقِّى الجِنايَةِ. وقال بعضُ الأصحابِ: يُرْزَقُ مِن بَيْتِ المالِ رجُلٌ يَسْتوْفِى الحُدودَ والقِصاصَ. وَالْوَلِىُّ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الِاسْتِيفَاءِ بِنَفْسِهِ إِنْ كَانَ يُحْسِنُ، وَبَيْنَ التَّوْكِيلِ.
وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِىَ فِى الطَّرَفِ بِنَفْسِهِ بِحَالٍ.
وقال أبو بَكْرٍ: يُسْتَأْجَرُ مِن مالِ الفَىْءِ،
فإنْ لم يكُنْ، فمِن مالِ الجانِى. والوَلِىُّ مُخَيَّرٌ بينَ الاسْتِيفاءِ بنَفْسِه إنْ كانَ يُحْسِنُ، وبينَ التَّوْكِيلِ. هذا المذهبُ مُطْلَقًا. وعليه, جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به فى «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «الشَّرحِ»، و «الوَجيزِ»، وغيرِهم. وقدَّمه فى «المُحَرَّرِ»، و «الرِّعايتَيْن»، و «النَّظْمِ»، و «الحاوِى»، و «الفُروعِ»، وغيرِهم.
وقيل: ليس له أن يَسْتَوْفِىَ فى الطَّرَفِ بنَفْسِه بحال. وهو تخْرِيجٌ للقاضى.
وقيل: يَتَعَيَّنُ التَّوْكيلُ فى الطَرَفِ. ذكره فى «الرِّعايَةِ».
وقيل: يُوَكِّلُ فيهما، كما لو كانَ يَجْهَلُه.
وَإِنْ تَشَاحَّ أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ فِى الِاسْتِيفَاءِ، قُدِّمَ أَحَدُهُمْ بِالْقُرْعَةِ.
قال: (والولي مخير بين الاستيفاء بنفسه إن كان يحسن وبين التوكيل. وقيل ليس له أن يستوفي في (٣) الطرف بنفسه بحال.
وإن تشاحّ أولياء المقتول في الاستيفاء قدم أحدهم بالقرعة).
أما كون الولي مخير إذا كان يحسن الاستيفاء في النفس بنفسه وبين التوكيل؛ فلأن التوكيل حق له. فكان له الخيرة فيه لما ذكر؛ كسائر الحقوق.
وأما كونه مخيرا في الطرف وهو ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن استيفاء الطرف أحد نوعي القصاص. أشبه النفس.
وأما كونه ليس له أن يستوفي في الطرف بنفسه بحال على وجه؛ فلأنه لا يؤمن مع قصد التشفي أن يجني عليه بما لا يمكن تلافيه.
وأما كون أحد الأولياء يقدم في القرعة إذا تشاحوا في الاستيفاء؛ فلأن الحقوق إذا تساوت وعُدم الترجيح شُرعت القرعة؛ كما لو تشاحّوا في تزويج موليتهم.
ولا بد أن يُلحظ في ذلك أنه إذا قدم أحدهم بالقرعة فقرع بينهم فوقعت عليه لا يجوز له أن يستوفي إلا بإذن بقية الأولياء؛ لأن الحق لهم فلا يجوز استيفاؤه بغير إذنهم.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.