ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الْقَتْلَ تُغَلَّظُ دِيَتُهُ بِالْحَرَمِ، وَالْإِحْرَامِ، وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَالرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ فَيُزَادُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ
الشروح عليها
فصل: إذا ادَّعَتِ امرأةٌ على إنسانٍ أنَّه ضَرَبَها، فأسْقَطَ جَنِينَها، فأنْكَرَ الضَّرْبَ، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَم الضَّرْبِ.
وإن أقَرَّ بالضَّرْبِ أو قامَتْ به بَيِّنَةٌ، وأنْكَرَ أن تكونَ أسْقَطَتْ، فالقولُ قولُه أَيضًا مع يَمِينِه أنَّه لا يَعْلَمُ أنَّها أسقَطَتْ، ولا تَلْزَمُه اليمِينُ على البَتِّ؛ لأنَّها يَمِينٌ على نَفْىِ فِعْلِ الغَيْرِ، والأَصْلُ عَدَمُه.
وإن ثبَت الإِسْقاطُ والضَّرْبُ ببَيِّنَةٍ أو إقْرارٍ، فادَّعَى أنَّها أسْقَطته مِن غيرِ ضَرْبِه؛
فإن كانت أسْقَطَتْه عَقِيبَ ضَرْبِها ، فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الظاهرَ أنَّه منه، لوُجودِه عَقِيبَ شئٍ يَصْلُحُ أن يكونَ سَبَبًا له.
وإنِ ادَّعَى أنَّها ضَرَبَتْ نَفْسَها، أو شَرِبَتْ دواءً، أو فَعَلَ ذلك غيرُها، فحَصَلَ الإِسْقاطُ، فأنْكَرَتْه، فالقولُ قولُها مع يَمينها؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ذلك.
وإن أسْقَطَتْه بعدَ الضَّرْبِ بأيَّامٍ، وكانت مُتَأَلِّمةً إلى حينِ الإسْقاطِ، فالقولُ قولُها،
وإن لم تَكُنْ مُتَأَلِّمةً، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، كما لو ضرَب إنْسانًا فلم يَبْقَ مُتَأَلِّمًا ولا ضَمِنًا، ومات بعدَ أيَّامٍ.
وإنِ اخْتَلَفا في وُجودِ التَّأَلُّمِ، فالقولُ قولُه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُه.
وإن كانتْ مُتَأَلِّمةً في بعْضِ المُدَّةِ، فادَّعَى أنَّها بَرَأَتْ وزَالَ أَلَمُها، وأنْكَرَتْ ذلك، فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الأَصْلَ بقاؤُه.
وإن ثبَت إسْقاطُها مِن الضَّرْبَةِ، فادَّعَتْ سُقُوطَه حَيًّا، وأنْكَرَها، فالقولُ قولُه مع يَمِينِه، إلَّا أن تَقُومَ لها بَيِّنَةٌ باسْتِهْلالِه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ ذلك.
وإن ثَبَتَتْ حَياتُه، فادَّعَتْ أنَّه لوَقْتٍ يَعِيشُ مِثْلُه، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُها مع يَمِينِها؛ لأَنَّ ذلك لا يُعْلَمُ إلَّا مِن جِهَتِها , ولا يُمْكِنُ إقامةُ البَيِّنَةِ عليه، فقُبِلَ قولُها فيه، كانْقِضاء عِدَّتِها، ووُجودِ حَيْضِها وطُهْرِها.
وإن أقامَتْ بَيِّنةً باسْتِهْلالِه، وَأقامَ الجانِى بَيِّنَةً بخِلافِها، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُها؛ لأنَّها مُثْبِتَة، فقُدِّمَتْ على النَّافيةِ؛ لأَنَّ المُثْبِتةَ معها زِيادَةُ عِلْمٍ.
وإنِ ادَّعَتْ أنَّه مات عَقِيبَ إسْقاطِه، وادَّعَى أنَّه عاش مُدَّةً، فالقولُ قولُها؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ حَياتِه.
وإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْواه، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الجانِى؛ لأَنَّ معَها زِيادةَ عِلْمٍ.
وإن ثبَت أنَّه عاش مُدَّةً، فادَّعَتْ أنَّه بَقِىَ مُتَأَلِّمًا حتَّى مات، فأنْكَرَ، فالقولُ قولُه؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَم التَّأَلُّمِ،
فإن أقامَا بَيِّنتَيْنِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَتُها؛ لأَنَّ معها زِيادةَ عِلْمٍ . ويُقْبَلُ في اسْتِهلالِ الجَنِينِ، وسُقُوطِه، وبَقائه مُتَأَلِّمًا، وبقاء أُمِّه مُتَأَلِّمةً، قولُ امرأةٍ واحدةٍ؛ لأنَّه ممَّا لا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ غالِبًا، لأَنَّ الغالِبَ أنَّه لا يَشْهَد الوِلادةَ إلَّا النِّساءُ، والاسْتِهْلالُ يتَّصِلُ بها، وهُنَّ يَشْهَدْنَ حالَ المرأةِ ووِلادَتَها، وحالَ الطِّفْلِ، ويَعْرِفْنَ عِلَلَه وأمْراضَه، وقُوَّتَه وضَعْفَه، دُونَ الرِّجالِ.
وإنِ اعْتَرَفَ الجانِى باسْتِهْلالِه، أو ما يُوجِبُ فيه دِيَةً كاملةً، فالديةُ في مالِ الجانِى لا تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ اعْتِرافًا.
وإن كانتْ ممَّا تَحْمِلُ العاقلةُ فيه الغُرَّةَ، فهى على العاقلةِ، وباقى الدِّيَةِ في مالِ القاتلِ.
فصل: وإنِ انْفَصَلَ منها جَنِينانِ، ذَكَرٌ وأُنْثَى، فاسْتَهَلَّ أحَدُهما، واتَّفَقُوا على ذلك، واخْتَلَفُوا في المُسْتَهِلِّ، فقال الجانِى: هو الأُنْثَى.
وقال وارِثُ الجَنِينِ: هو الذَّكَرُ. فالقولُ قول الجانِى مع يَمِينِه؛ لأَنَّ الأَصْلَ بَراءةُ ذِمَّتِه مِن الزَّائدِ على دِيَةِ الأُنْثَى،
فإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ بها،
وإن كان لهما بَيِّنَتانِ، وجَبَتْ دِيَةُ الذَّكَرِ؛ لأَنَّ البَيِّنةَ قد قامتْ باسْتِهلالِه، والبَيِّنَةُ المُعارِضَةُ لها نافية له، والإِثْباتُ مُقَدَّمٌ على النَّفْى.
فإن قيل: فيَنْبَغِى أن تَجِبَ دِيَتُهما. قُلْنا: لا تَجِبُ دِيَةُ الأُنْثَى؛ لأن المُسْتَحِقَّ لها لم يَدَّعِها، وهو مُكَذِّبٌ للبَيِّنةِ الشاهِدَةِ بها.
فإنِ ادَّعَى الاسْتِهلالَ منها، ثبَت ذلك بالبَيِّنَتَيْنِ.
وإن لم تَكُنْ بَيِّنَةٌ، فاعْتَرَفَ الجانِى باسْتِهْلالِ الذَّكَرِ، فأنْكَرَتِ العاقلةُ، فالقولُ قولُهم مع أيْمانِهِم،
فإذا حَلَفُوا، كان عليهم دِيَةُ الأُنْثَى وغُرَّةٌ، إن كانت تَحْمِلُ الغُرَّةَ، وعلى الضَّارِبِ تَمامُ دِيَةِ الذَّكَرِ، وهو نِصْفُ الدِّيَةِ، لا تَحْمِلُه العاقلةُ؛ لأنَّه ثبَت باعْتِرافِه.
وإنِ اتَّفَقُوا على أن أحَدَهُما اسْتَهَلَّ، ولم يُعْرَفْ بعَيْنِه، لَزِمَ العاقلةَ دِيَةُ أُنْثَى؛ لأنَّها مُتَيَقَّنَةٌ، وتَمامُ دِيَةِ الذَّكَرِ مَشْكُوك فيه. والأَصْلُ بَراءةُ الذِّمَّةِ منه، فلم يَجب بالشَّكِّ، وتَجِبُ الغُرَّةُ في الذى لم يَسْتَهِلَّ.
فصل: إذا ضَرَبَها فأَلْقَتْ يَدًا، ثم ألْقَتْ جَنِينًا،
فإن كان إلْقاؤُهما مُتَقارِبًا، أو بَقِيَتِ المرأةُ مُتَأَلِّمةً إلى أن ألْقَتْه، دَخَلَتِ اليَدُ في ضَمانِ الجَنِينِ؛ لأن الظاهِرَ أنَّ الضَّرْبَ قطَعِ يَدَه، فسَرَى إلى نَفْسِه، فأَشْبَهَ ما لو قطَع يَدَ رَجُلٍ، فسَرَى القَطْعُ إلى نفْسِه،
ثم إن كان الجَنِينُ سقَط مَيِّتًا، أو حَيًّا لوَقْتٍ لا يَعِيشُ لمِثْلِه ، ففيه غُرَّةٌ،
وإن ألْقَتْه حَيًّا لوَقْتٍ يَعِيشُ لمِثْلِه، ففيه دِيَةٌ كاملةٌ،
وإن بَقِىَ حَيًّا فلم يَمُتْ، فعلى الضَّارِبِ ضَمانُ اليَدِ بدِيَتِها، بمَنْزِلَةِ مَن قطَع يدَ رَجُلٍ فانْدَمَلَتْ.
وقال القاضى، وبعضُ أصْحابِ الشافعىِّ: يُسْأَلُ القَوابِلُ،
فإن قُلْنَ: إنَّها يَدُ مَن لم تُخْلَقْ فيه الحياةُ. ففيها نِصْفُ الغُرَّةِ.
وإنْ قُلْنَ: يَدُ مَن خُلِقَتْ فيه الحياةُ. ففيها نِصْفُ الدِّيَةِ. ولَنا، أنَّ الجَنِينَ إنَّما يُتَصَوَّرُ بقَاءُ الحياةِ فيه إذا كان حَيًّا قبلَ وِلادَتِه بمُدَّةٍ طويلةٍ، أقَلُّها شَهْرانِ، على ما دَلَّ عليه حديثُ الصَّادِقِ المَصْدُوقِ، في أنَّه يُنْفَخُ فيه الرُّوحُ بعدَ أرْبعةِ أشْهُرٍ ، وأقَلُّ ما يَبْقَى بعدَ ذلك شَهْرانِ؛ لأنَّه لا يَحْيَى إذا وَضَعَتْه لأَقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، والكلامُ مَفْروضٌ فيما إذا لم يَتَخَلَّلْ بينَ الضَّرْبَةِ والإِسْقاطِ مُدَّةٌ تُزيلُ ظَنَّ سُقُوطِه بها، فيُعْلَمُ حِينَئِذٍ أنَّها كانت بعدَ وُجُودِ الحياةِ فيه.
وأمَّا إن ألْقَتِ اليَدَ، وزالَ الألَمُ، ثم ألْقَتِ الجَنِينَ، ضَمِنَ اليَدَ وحدَها، بمَنْزِلةِ مَن قطَع يَدًا فانْدَمَلتْ، ثم مات صاحِبُها، ثم يُنْظَرُ؛
فإن ألْقَتْه مَيتا، أو لوَقْتٍ لا يَعِيشُ لمِثْلِه، ففى اليَدِ نِصْفُ غُرَّةٍ؛ لأَنَّ في جَمِيعِه غُرَّةً، ففى يَدِه نِصْفُ دِيَتِه،
وإن ألْقَتْه حَيًّا [لوَقْتٍ يَعِيشُ لمِثْلِه، ثم مات، أو عاشَ، وكان بينَ إلْقاءِ اليَدِ وبينَ [إلْقائه مُدَّةٌ] يَحْتَمِلُ أن تكونَ الحياةُ] لم تُخْلَقْ فيه قبلَها، أُرِىَ القَوابِلَ ههُنا،
فإن قُلْنَ: إنَّها يَدُ مَن لم تُخْلَقْ فيه الحياةُ. وجَبَ نِصْفُ غُرَّةٍ،
وإن قُلْنَ: إنَّها يَدُ مَن خُلِقَتْ فيه الحياةُ. ولم يَمْضِ له سِتَّةُ أشْهُرٍ، وجَب فيه نِصْفُ الغُرَّةِ؛ لأنَّها يَدُ مَن لا يَجِبُ فيه أكْثَرُ مِن غُرَّةٍ، فأَشْبَهَتْ يَدَ مَن لم تُنْفَخْ فيه الرُّوحُ،
وإن أشْكَلَ الأمْرُ علَيْهِنَّ، وجَب نِصْفُ الغُرَّةِ؛ لأنَّه اليَقِينُ، وما زادَ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَجِبُ بالشَّكِّ.
فصل: وإذا شَرِبَتِ الحَامِلُ دَواءً، فأَلْقت جَنِينًا، فعليها غُرَّةٌ، لا تَرِثُ منها شيئًا، لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في ذلك؛ لأنَّها أسْقَطَتِ الجَنِينَ بفِعْلِها وجِنايَتِها، فلَزمَها ضَمانُه بالغُرَّةِ، كما لو جَنَى عليه غيرُها , ولا تَرِثُ مِن الغُرَّةِ شيئًا؛ لأَنَّ القاتِلَ لا يَرِثُ [مِن ديةِ] المقْتُولِ، ويَرِثُها سائِرُ وَرَثَتِه،
فإن كان الجانِى المُسْقِطُ للجَنِينِ أباهُ أو غيرَه، فعليه غُرَّة، لا يرَثُ منها شيئًا؛ لِما ذكَرْنا.
فصل: وإن جَنَى على بَهِيمَةٍ، فألْقَتْ جَنِينَها، ففيه ما نَقَصَها، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ. وحُكِىَ عن أبى بكرٍ أنَّ فيه عُشْرَ قِيمَةِ أُمِّهِ؛ لأنَّها جِنايَة على حَيوانٍ يَمْلِكُ بَيْعَه، أسْقَطَتْ جَنِينَه، أشْبَهَ جَنِينَ الأمَةِ. وهذا لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ الجِنايةَ على الأمَةِ تُقَدَّرُ مِن قِيمَتِها في ظاهرِ المذهبِ، ففى يَدِها نِصْفُ قِيمَتِها، وفى مُوضِحَتِها نِصْفُ عُشْرِ قِيمَتِها، وقد وافَقَ أبو بكرٍ على ذلك، فقُدِّرَ جَنِينُها مِن قِيمَتِها، كبَعْضِ أعْضائها، والبَهِيمَةُ إنَّما يَجِبُ بالجِنايةِ عليها قَدْرُ نَقْصِها، فكذلك في جَنِينها, ولأَنَّ الأمَةَ آدَمِيَّةٌ، الحِقَتْ بالأحْرارِ في تَقْدِيرِ أعْضائها مِن قِيمَتِها،
بخِلافِ البَهِيمَةِ. فصل: وَدِيَةُ الأعْضاءِ كدِيَةِ النَّفْسِ،
فإن كان الواجِبُ مِن الذَّهَبِ والوَرِقِ، لم يَختلفْ بعَمْدٍ ولا خَطَأ،
وإن كان مِن الإِبِلِ، وجَبَ في العَمْدِ أرْباعًا، على إحْدَى الرِّوايتَيْنِ، وفى الأُخْرَى يَجِبُ خُمْسٌ [وعُشْرٌ منها حِقاقٌ]، وخُمسٌ [وعُشْرٌ جِذَاعٌ]، وخُمْساها خَلِفاتٌ، وفى الخطأ يَجِبُ أخْماسًا،
فإن لم يُمْكِنْ قسْمتُه ، مثلَ أن يُوضِحَه عَمْدًا، فإنَّه يَجِبُ أربعةٌ أرْباعًا، والخامسُ مِن أحَدِ الأجْناسِ الأرْبعةِ، قِيمَتُه رُبْعُ قِيمَةِ الأرْبعِ.
وإن قُلْنا بالرِّوايةِ الأُخْرَى، وجَبَ خَلِفَتانِ، وحِقَّةٌ، وجَذَعَةٌ، وبَعِيرٌ قِيمَتُه نِصْفُ قِيمَةِ حِقَّةٍ ونصفُ قِيمَةِ جَذَعَةٍ.
وإن كانتْ خَطَأً، وجَبَ الخَمْسُ مِن الأجْناسِ الخَمْسَةِ، مِن كلِّ جنْسٍ بَعيرٌ.
وإن كان الواجِبُ دِيَةَ أُنْمُلَةٍ، وقُلْنا: تَجِبُ مِن ثَلاثةِ أَجْناسٍ. وجَب بَعِيرٌ وثُلُثٌ مِن الخَلِفاتِ، وحِقَّةٌ، وجَذَعَةٌ.
وإن قُلْنا: أرْباعًا. وجَب ثَلاثةٌ وثُلُثٌ، قِيمَتُها نِصْفُ قِيمَةِ الأرْبعةِ وثُلُثِها.
وإن كان خَطَأً، فقِيمَتُها ثُلُثا قِيمَةِ الخَمْسِ. وعندَ أَصْحابِنا، أنَّ قِيمَةَ كُلِّ بَعِيرٍ مائةٌ وعشرونَ دِرْهَمًا، أو عَشَرةُ دنَانيرَ، فلا
فائدةَ في تَعْيِينِ أسْنَانِها. وإنِ اخْتَلَفَتْ قِيمَةُ الدَّنانيرِ والدَّراهِمِ، مثلَ أن كانَتِ العشَرةُ الدَّنانيرِ تُساوِى مائةَ درهم، فقِياسُ قَوْلِهم أنَّه إذا جاءَ بما قِيمَتُه عشرةُ دنانِيرَ، لَزِمَ المَجْنِىَّ عليه قَبولُه؛ لأنَّه لو جاءَه بالدَّنانيرِ، لَزِمَه قَبُولُها، فلَزِمَه قَبولُ ما يُساوِيها.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللَّهُ: (وذكَر أصْحابُنا أنَّ القَتْلَ تُغَلَّظُ دِيَتُه بالحَرَمِ، والإِحْرامِ، والأشْهُرِ الحُرُمِ، والرَّحِمِ المَحْرَمِ، فيُزادُ لكلِّ واحدٍ ثلُثُ الدِّيَةِ، فإذا اجْتَمَعَتِ الحُرُماتُ الأرْبَعُ، وجَب دِيتانِ وثُلُثٌ) وجملةُ ذلك، أنَّ الدِّيَةَ تُغَلَّظُ بثلاثةِ أشياءَ؛ إذا قتَل في الحَرَمِ، والأشْهُرِ الحُرُمِ،
وإذا قتَل مُحْرِمًا. ونَصَّ أحمدُ على التَّغْلِيظِ فيما إذا قتَل مُحْرِمًا في الحَرَم وفى الشَّهْرِ الحَرامِ.
فأمَّا إن قتَل ذا رَحِمٍ مَحْرَمٍ، فقال أبو بكرٍ: تُغَلَّظُ دِيَتُه.
وقال القاضى: ظاهرُ كلامِ أحمدَ أنَّها لا تُغَلَّظُ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: تُغَلَّظُ بالحَرَمِ، والأَشْهُرِ الحُرُمِ، وذِى الرَّحِمِ، وفى التغليظِ بالإِحْرامِ وَجْهان. وممَّن رُوِىَ عنه التَّغْليظُ؛ عُثمانُ، وابنُ عباسٍ، والسَّعِيدانِ ، وعَطاءٌ، وطاوسٌ، ومُجاهِدٌ، وسليمانُ بنُ يَسَارٍ، وجابرُ بنُ زَيْدٍ، وقَتادةُ، والأوْزَاعِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ. واخْتَلَفَ القائلونَ بالتَّغْلِيظِ في صِفَتِه، فقال أصْحابُنا: يُغَلَّظُ لكلِّ واحدٍ مِن الحُرُماتِ ثُلُثُ الدِّيَةِ،
فإذا اجْتَمَعَتِ الحُرُماتُ الأرْبعُ، وجَبَتْ دِيتَانِ وثُلُث. قال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنْصُورٍ، في مَن قتَل مُحْرِمًا في الحَرَمِ في الشَّهْرِ الحَرامِ: فعليه أرْبَعةٌ وعِشْرُونَ ألْفًا. وهذا قولُ التَّابِعينَ القائِلينَ بالتَّغْليظِ.
وقال أصْحابُ الشافعىِّ: صِفَةُ التَّغْلِيظِ، إيجابُ دِيَةِ العَمْدِ في الخَطَأ، ولا يُتَصَوَّر التَّغْلِيظُ في غيرِ الخَطَأ، ولا يُجْمَعُ بينَ تَغْلِيظَيْنِ. وهذا قولُ مالكٍ، إلَّا أنَّه يُغَلِّظُ في العَمْدِ،
فإذا قَتَلَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ عَمْدًا، فعليه ثلاثونَ حِقَّةً، وثلاثونَ جَذَعَةً، وأرْبعونَ خَلِفَةً، وتَغْلِيظُها في الذَّهَبِ والفِضَّةِ أن يَنْظُرَ قِيمَةَ أسْنانِ الإِبِلِ غيرَ مُغَلَّظَةٍ، وقِيمَتَها مُغَلَّظَةً، ثم يَحْكُمَ بزِيادةِ ما بينَهما، كَأنَّ قِيمَتَها مُخَفَّفَةً سِتُّمائةٍ، وفى العَمْدِ ثَمانمائةٍ، وذلك ثُلُثُ الدِّيَةِ المُخَفَّفَةِ. وعندَ مالكٍ تُغَلَّظُ في الأبِ والأُمِّ والجَدِّ، دُونَ غيرِهم. واحْتَجَّا على صِفَةِ التَّغْلِيظِ بما رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه أخَذَ مِن قَتادَةَ المُدْلِجىِّ دِيَةَ ابْنِه حينَ حَذَفَه بالسَّيْفِ ثلاثينَ حِقَّةً، وثلاثينَ جَذَعَةً، وأربعين خلِفَةً ، ولم يَزِدْ عليه في العَدَدِ شيئًا .
وهذه قِصَّة اشْتَهَرَتْ فلمِ تُنْكَرْ، فكانتْ إجْماعًا, ولأَنَّ ما أوْجَبَ التَّغْلِيظَ أوْجَبَه في الأسْنانِ دُون القَدْرِ، كالضَّمانِ، ولا يُجْمَعُ بينَ تَغْلِيظَيْنِ؛ لأَنَّ ما أوْجَبَ التَّغْلِيظَ بالضَّمانِ إذا اجْتَمَعَ سَببانِ تَداخلا، كالحَرَمِ والإِحْرَامِ في قَتْلِ الصَّيْدِ، وعلى أنَّه لا يُغَلَّظُ بالإِحْرامِ؛ لأَنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ بتَغْلِيظِه. واحْتَجَّ أصْحابُنا بما رَوَى ابنُ أبى نَجيحٍ [عن أَبيه]، أنَّ امرأةً وُطِئتْ في الطَّوَافِ، فقَضَى عثمانُ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، فيها بسِتَّةِ آلافٍ وألْفَيْنِ تَغْلِيظًا للحَرَمِ .
وعن ابنِ عمرَ، أنَّه قال: مَن قتَل في الحَرَمِ، أو ذَا رَحِمٍ، أو في الشَّهْرِ الحَرامِ، فعليه دِيَةٌ وثُلُثٌ . وعن ابنِ عباسٍ، أنَّ رَجُلًا قتَل رَجُلًا في الشَّهْرِ الحَرامِ، في البَلَدِ الحرامِ، فقال: دِيَتُه اثْنَا عَشَرَ ألْفًا، وللشَّهْرِ الحرامِ أرْبَعَةُ آلافٍ، وللبَلَدِ الحرامِ أرْبَعةُ آلافٍ . وهذا ممَّا يَظْهَرُ ويَنْتَشِرُ، ولم يُنْكَرْ، فثَبَتَ إجْماعًا. وهذا فيه الجَمْعُ بينَ تَغْلِيظاتٍ ثلاثٍ، ولأنَّهُ قولُ التابِعينَ القائلِينَ بالتَّغْلِيظِ. واحْتَجُّوا على التَّغْليظِ في العَمْدِ، أنَّه إذا غُلِّظَ الخَطَأُ مع العُذْرِ فيه، ففى العَمْدِ مع عَدَمِ العُذْرِ أَوْلَى.
وكلُّ مَن غَلَّظَ الدِّيَةَ، أوْجَبَ التَّغْلِيظَ في بَدَلِ الطَّرَفِ بهذه الأسْبابِ؛ لأَنَّ ما أوْجَبَ تَغْلِيظَ دِيَةِ النَّفْسِ، أوْجَبَ تغْلِيظَ دِيَةِ الطَّرَفِ، كالعَمْدِ .
٤٢٢٣ -
فَصْلٌ: دِيَةُ الْقَتْلِ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ] فَصْلٌ (ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الْقَتْلَ) إِذَا كَانَ خَطَأً،
وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: أَوْ عَمْدًا، جَزَمَ بِهِ جَمَاعَةٌ،
قَالَ فِي " الِانْتِصَارِ ": كَمَا يَجِبُ بِوَطْءِ صَائِمَةٍ مُحْرِمَةٍ كَفَّارَتَانِ، ثُمَّ قَالَ: تُغَلَّظُ إِذَا كَانَ مُوجِبُهُ الدِّيَةَ،
وَفِي " الْمُفْرَدَاتِ " تُغَلَّظُ عِنْدَنَا فِي الْجَمِيعِ، ثُمَّ دِيَةُ الْخَطَأِ لَا تَغْلِيظَ فِيهَا،
وَفِي " الْمُغْنِي "، وَ " التَّرْغِيبِ ": وَطَرَفٌ (تُغَلَّظُ دِيَتُهُ بِالْحَرَمِ، وَالْإِحْرَامِ، وَالْأَشْهُرِ الْحُرُمِ) نَقَلَهُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ (وَالرَّحِمِ الْمُحَرَّمِ) اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَالْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ فِي " التَّبْصِرَةِ "، وَ " الطَّرِيقِ الْأَقْرَبِ " وَغَيْرِهِمَا الرَّحِمُ بِالْمُحَرَّمِ كَالْعِتْقِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّهَا لَا تُغَلَّظُ بِالرَّحِمِ، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " (فَيُزَادُ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ) لِمَا رُوِيَ أَنَّ امْرَأَةً وُطِئَتْ فِي طَوَافٍ فَقَضَى عُثْمَانُ فِيهَا بِسِتَّةِ آلَافٍ وَأَلْفَيْنِ تَغْلِيظًا لِلْحَرَمِ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ، أَوْ ذَا رَحِمٍ، أَوْ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَعَلَيْهِ دِيَةٌ وَثُلُثٌ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ،
وَفِي الْبَلَدِ الْحَرَامِ، فَقَالَ: دِيَتُهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَلِلشَّهْرِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَلِلْبَلَدِ الْحَرَامِ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَهُوَ قَوْلُ التَّابِعِينَ الْقَائِلِينَ بِالتَّغْلِيظِ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ
لا يتكلم على هذه المسألة.
فصل [فيما تغلظ به الدية] قال المصنف رحمه الله: (وذكر أصحابنا أن القتل تغلظ ديته بالحَرَم، والإحرام، والأشهر الحرم، والرحم المحرم. فيزاد لكل واحد ثلث الدية. فإذا اجتمعت المحرمات الأربع وجبت ديتان وثلث. وظاهر كلام الخرقي أنها لا تغلظ بذلك وهو ظاهر الآية والأخبار) .
أما كون القتل تغلظ ديته بما ذكر عند أصحاب الإمام أحمد فيزاد لكل واحدٍ ثلث الدية؛ فلما روي «أن امرأة وُطئت في الطواف. فقضى عثمان رضي الله عنه فيها بستة آلاف، وألفين تغليظًا للحرم».
وعن ابن عمر أنه قال: «من قَتلَ في الحرم أو ذا رحم أو في الشهر الحرام فعليه دية وثلث».
وعن ابن عباس «أن رجلاً قَتل رجلاً في الشهر الحرام في البلد الحرام. فقال: ديته اثنا عشر ألفاً، وللشهر الحرام أربعة آلاف، وللبلد الحرام أربعة آلاف».
وأما كون الحرمات الأربع إذا اجتمعت تجب ديتان وثلث؛ فلأن القتل يوجب دية، والمواضع الأربعة توجب كل واحد ثلثاً. فلزم كون الواجب ديتين وثلثاً.
وأما كونه لا تغلظ ديته بذلك على ظاهر قول الخرقي؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«في النفس المؤمنة مائة من الإبل». إلى غير ذلك من الآيات والآثار الدالة على وجوب الدية. ولذلك قال المصنف رحمه الله: وهو ظاهر الآية والأخبار. وأجاب عن قول الصحابة المتقدم ذكرهم بأن ذلك ليس بثابت عنهم.
وفي الجملة إن ثبت ما ذكر عن الصحابة يكون قول الأصحاب راجحاً على ما ذكره المصنف؛ لأنه قول يدل على خصوص التغليظ، والعموم من الآية والأخبار لا ينفيه. فوجب العمل به؛ لكونه دليلاً سالماً عن المعارض وإن لم يثبت ذلك فالعمل بعموم الآية. والسنة أولى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.