وَفِي كُلِّ حَاسَّةٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ وَهِيَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ
الشروح عليها
فصل في دِيَةِ المنافعِ: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (وفى كلِّ حاسَّةٍ دِيَةٌ كاملةٌ؛ وهى السَّمْعُ، والبَصَرُ، والشَّمُّ، والذَّوْقُ) لا خِلافَ في وُجوبِ الدِّيَةِ بذَهابِ السَّمْعِ، قال ابنُ المُنْذِرِ : أجْمَعَ عَوامُّ أَهْلِ العلمِ على أنَّ في السَّمْعِ الدِّيَةَ. رُوِى ذلك عن عمرَ. وبه قال مُجاهِدٌ، وقَتادةُ، والثَّوْرِىُّ، والأوْزاعِىُّ، وأهْلُ الشَّامِ، وأهلُ العِراقِ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ، ولا أعلمُ عن غيرِهم خِلافهم. وقد رُوِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«وفى السَّمْعِ الدِّيَةُ».
وروَى أبو المُهَلَّبِ، عمُّ أبى قِلابَةَ، أنَّ رَجُلًا رَمَى رَجُلًا بحَجَرٍ في رأسِه، فذهَبَ سَمْعُه وعَقْلُه ولِسانُه ونِكاحُه، فقَضَى فيه عمرُ بأرْبعِ دِيَاتٍ والرَّجُلُ حَىٌّ . ولأنَّها حاسَّةٌ تخْتَصُّ بنَفْعٍ، فكان فيها الدِّيَةُ، كالبَصَرِ.
وإن ذهَبَ السَّمْعُ مِن إحْدَى الأُذُنيْن، وجَبَ نِصْفُ الدِّيَةِ، كما لو ذهبَ البَصَرُ مِن إحْدَى العَيْنَيْن.
٤٢٦٤ - مسألة: وفِى البَصَرِ الدِّيَةُ؛ لأَنَّ كلَّ عُضْوَيْن وجَبَتِ الدِّيَةُ بذَهابِهما، وجَبَتْ بذَهابِ نَفْعِهما، كاليَدَيْن إذا أشَلَّهُما، وفى ذَهابِ بَصَرِ إحداهما نِصْفُ الدِّيَةِ, كما لو أشَلَّ يدًا واحدةً، وليس في إذْهابِهما بنَفْعِهما أكْثَرُ مِن دِيَةٍ واحدةٍ، كاليدَيْن.
وإن جَنَى على رأسِه جِنايةً، ذهبَ بها بَصَرُه، فعليه دِيَتُه؛ لأنَّه ذهبَ بسَبَب جِنايَتِه،
وإن لم يذهَبْ بها فداواها، فذهَبَ بالمُداواةِ، فعليه الدِّيَةُ؛ لأَنَّه ذهبَ بسَبَبِ فِعْلِه. ٤٢٦٥ - مسألة: وفى الشَّمِّ الدِّيَةُ؛ لأنَّه حاسَّةٌ تخْتَصُّ بِمَنْفعَةٍ، فكان في ذَهابِها الدِّيَةُ، كسائرِ الحَواسِّ، ولا نعلمُ في هذا خِلافًا. قال القاضى: في كتابِ عمرِو بنِ حَزْم عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال:«وفى المَشَامِّ الدِّيَةُ».
فصل: وفى الذَّوْقِ الدِّيَةُ، وكذلك قال أبو الخَطَّابِ؛ لأَنَّ الذُّوْقَ حَاسَّةٌ، فأشْبَهَ الشَّمَّ. وقِياسُ المذهبِ أنَّه لا دِيَةَ فيه، فإنَّه لا يُخْتَلَفُ في أنَّ لسانَ الأخْرَسِ لا دِيَةَ فيه، وقد نَصَّ أحمدُ على أن فيه ثُلُثَ الدِّيَةِ،
ولو وَجَبَ في الذَّوْقِ دِيَةٌ، لوجبَتْ في ذَهابِه مع ذَهابِ اللِّسانِ بطَريقِ الأَوْلَى. واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ؛ فمنهم مَن قال: قد نَصَّ الشافعىُّ على وُجوبِ الدِّيَةِ فيه. ومنهم مَن قال: لا نَصَّ له فيه. ومنهمِ مَن قال: قد نصَّ على أنَّ في لسانِ الأخْرَسِ حُكومةً وإن ذهبَ الذَّوْقُ بذهابِه.
قال شيْخُنا : والصَّحيحُ، إن شاءَ اللَّهُ، أنَّه لا دِيَةَ فيه؛ لأَنَّ في إجْماعِهِم على أنَّ لِسانَ الأخْرَسِ لا تكْمُلُ الدِّيَةُ فيه، إجْماعًا على أنَّها لا تكْمُلُ في ذَهابِ الذَّوْقِ بمُفْرَدِه؛ لأَنَّ كلَّ عُضْوٍ لا تكْمُلُ الدِّيَةُ فيه بمَنْفَعَتِه، لا تكْمُلُ في مَنْفَعَتِه دُونَه، كسائرِ الأعْضاءِ. ولا تَفرِيعَ على هذا القَوْلِ. ٤٢٦٦ -
فَصْلٌ: دِيَةُ الْمَنَافِعِ] [دِيَةُ ذَهَابِ الْمَنَافِعِ أَوْ نُقْصَانِهَا] فَصْلٌ فِي دِيَةِ الْمَنَافِعِ لَمَّا تَمَّمَ الْكَلَامَ عَلَى دِيَاتِ الْأَعْضَاءِ كَالْعَيْنَيْنِ، وَنَحْوِهِمَا - شَرَعَ يَتَكَلَّمُ فِي دِيَةِ الْمَنَافِعِ، وَهِيَ السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَنَحْوُهُمَا (وَفِي كُلِّ حَاسَّةٍ دِيَةٌ كَامِلَةٌ) كَذَا عِبَارَةُ الْأَصْحَابِ، يُقَالُ: حَسَّ وَأَحَسَّ، أَيْ: عَلِمَ وَأَيْقَنَ، وَبِأَلِفٍ أَفْصَحُ، وَبِهَا جَاءَ الْقُرْآنُ، وَإِنَّمَا يَصِحُّ قَوْلُهُمُ: الْحَاسَّةُ، وَالْحَوَاسُّ الْخَمْسُ عَلَى اللُّغَةِ الْقَلِيلَةِ، وَالْأَشْهَرُ فِي حَسَّ بِلَا أَلِفٍ بِمَعْنَى قَتَلَ،
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ: الْحَوَاسُّ الْمَشَاعِرُ الْخَمْسُ: السَّمْعُ، وَالْبَصَرُ، وَالشَّمُّ، وَالذَّوْقُ، وَاللَّمْسُ. (وَهِيَ السَّمْعُ) بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَسَنَدُهُ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «وَفِي السَّمْعِ الدِّيَةُ» وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَضَى فِي رَجُلٍ رَمَى آخَرَ بِحَجَرٍ فِي رَأْسِهِ فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ وَلِسَانُهُ وَنِكَاحُهُ بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ، وَالرَّجُلُ حَيٌّ. رَوَاهُ أَبُو الْمُهَلَّبِ، وَلِأَنَّهَا حَاسَّةٌ تَخْتَصُّ بِنَفْعٍ، فَكَانَ فِيهَا الدِّيَةُ كَالْبَصَرِ،
فَإِنْ ذَهَبَ مِنْ أَحَدِهِمَا فَقَطْ وَجَبَ نِصْفُهَا كَالْبَصَرِ (وَالْبَصَرُ) مِنَ الْعَيْنَيْنِ الْمُبْصِرَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِ دِيَةٌ كَامِلَةٌ إِجْمَاعًا (وَالشَّمُّ) لِأَنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، قَالَ الْقَاضِي: وَلِأَنَّهُ حَاسَّةٌ تَخْتَصُّ بِمَنْفَعَةٍ كَسَائِرِ الْحَوَاسِّ (وَالذَّوْقُ) ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَالْمُعَظَّمُ ; لِأَنَّ الذَّوْقَ حَاسَّةٌ، أَشْبَهَ الشَّمَّ، وَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ لَا دِيَةَ فِيهِ، وَإِنَّمَا تَجِبُ الْحُكُومَةُ. صَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ ; لِأَنَّ لِسَانَ الْأَخْرَسِ لَا دِيَةَ فِيهِ إِجْمَاعًا عَلَى أَنَّهَا لَا تَكْمُلُ فِي ذَهَابِ الذَّوْقِ بِمُفْرَدِهِ ;
لِأَنَّ كُلَّ عُضْوٍ لَا تَكْمُلُ الدِّيَةُ فِيهِ بِمَنْفَعَتِهِ، لَا تَكْمُلُ فِي مَنْفَعَتِهِ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ،
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": وَلَا تَفْرِيعَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ
لا يتكلم على هذه المسألة.
فصل في دية المنافع قال المصنف رحمه الله تعالى: (وفي كل حاسة دية كاملة. وهي: السمع، والبصر، والشم، والذوق. وكذلك تجب في الكلام، والعقل، والمشي، والأكل، والنكاح) .
أما كون كل حاسة فيها دية كاملة؛ فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وأما قول المصنف: وهي السمع والبصر والشم والذوق؛ فبيان لمعنى الحاسة وتعداد لها.
وأما كون السمع فيه دية كاملة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«وفي السمعِ الدية». وروي «أن عمر رضي الله قضى في رجلٍ رمى رجلاً بحجرٍ في رأسهِ فذهبَ سمعهُ وعقلهُ ولسانهُ ونكاحهُ بأربعِ دياتٍ والرجلُ حي».
وأما كون البصر فيه دية كاملة؛ فلأنها إذا أوجبت بإذهاب السمع والشم؛ فلأن تجب بإذهاب البصر بطريق الأولى؛ لأن انتفاع الإنسان بضوء عينيه أكثر من انتفاعه بالسمع والشم.
وأما كون الشم فيه دية كاملة؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم:«وفي المشامِّ الدية».
ولأن إذهاب ذلك ذهاب حاسة تختص بمنفعة. فكان فيها الدية؛ كسائر الحواس.
وأما كون الذوق فيه دية كاملة؛ فلأن الذوق حاسة. أشبه بقية الحواس. قال المصنف في المغني: قياس المذهب أن لا دية فيه لأنه لا يُختلف في لسان الأخرس أنه لا تجب الدية فيه ولو وجب في الذوق الدية لوجبت في ذهابه فمع ذهاب اللسان بطريق الأولى.
قال: والصحيح إن شاء الله تعالى أنه لا دية منه لأن كل عضو لا تكمل الدية فيه بمنفعته لا تكمل في منفعته دونه. دليله سائر الأعضاء.
وأما كون الكلام كذلك أي تجب فيه دية كاملة؛ فلأن كل ما تعلقت الدية بإتلافه تعلقت بإتلاف منفعته. دليله اليد.
وأما كون العقل كذلك أي تجب فيه دية كاملة؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم:«وفي العقلِ الدية».
ولأن العقل أكبر المعاني قدراً وأعظم الحواس نفعاً فإن به يتميز من البهيمة ويعرف به صحة حقائق المعلومات ويهتدي به إلى المصالح ويدخل به في التكليف. وهو شرط في ثبوت الولايات وصحة التصرفات وأداء العبادات. فكان بإيجاب الدية أحق من بقية الحواس.
وأما كون المشي كذلك أي يجب فيه دية كاملة؛ فلأن في كتاب عمرو بن حزم:«وفي الصلبِ الدية».
ولأن في المشي منفعة مقصودة. أشبه الكلام.
وأما كون الأكل كذلك أي تجب فيه دية كاملة؛ فلأنه قول علي رضي الله عنه.
ولأن النكاح نفع مقصود.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.