فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

الشرح الكبير على المقنعابن أبي عمر

٢٣ - مسألة؛ قال: (وهل ذلك تَقْرِيبٌ أو تَحدِيدٌ؟ على وجْهين) ، أحدُهما، أنَّه تحديدٌ، وهو اختيارُ أَبي الحسنِ الآمِدِيِّ، وظاهرُ قولِ القاضي، وأحدُ الوجْهين لأصحابِ الشافعيِّ، لأنَّ اعتبارَ ذلك احتياطٌ، وما اعتُبِرَ احتياطًا كان واجبًا، كغَسْلِ جُزءٍ مِنَ الرأسِ مع الوجهِ. ولأنّه قدر يَنفَعُ النجاسةَ [عن نفْسِه]، فاعتُبرَ تحقيقُه كالعَدَدِ في الغَسَلاتِ.

١٣٢

والثاني، هو تقريب، وهو الصحيحُ، لأنَّ الذين نَقَلُوا تقديرَ القِلالِ لم يَضْبِطُوها بحدٍّ، إنَّما قال ابنُ جُرَيجٍ: القُلَّةُ تَسَعُ قربَتَينِ، أو قربتينِ وشيئًا. ويحيى بنُ عُقَيلٍ قال: أظنُّها تسعُ قربتينِ. وهذا لا تحديدَ فيه، وتقديرُ القِربَةِ بمائةِ رطلٍ تقريبٌ. ولأنّ الزائدَ على القُلَّتَين، وهو الشيءُ، مَشْكوكٌ فيه ، والظاهرُ اسْتِعمالُه فيما دونَ النِّصفِ، والقِرَبُ تَخْتلِف غالبًا.

١٣٣

وكذلك لو اشْتَرى شيئًا، أو أسْلَم في شيءٍ، وقدَّرَه بها، لم يَصِح، وقد عَلِم النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ الناسَ لا يَكِيلُونَ الماءَ، ولا يَزِنُونَه، فالظاهرُ أنَّه رَدَّهم إلى التقرِيبِ، فعلى هذا مَن وَجَد نجاسةً في ماءٍ فغَلَب على ظنِّه أنه مُقارِبٌ للقُلَّتَين تَوَضَّأ منه، وإلَّا فَلا. وفائدةُ الخلافِ أنَّ مَنِ اعتَبَر التحديدَ، قال: لو نَقَص الماءُ نَقْصًا يسيرًا، لم يُعفَ عنه. والقائِلون بالتقريبِ يَعفُون عن النَّقْصِ اليَسِيرِ.

كان شَكَّ في بُلُوغِ الماءِ قَدرًا يَنفَعُ النجاسةَ، ففيه وجهان؛ أحدُهما، يُحكَمُ بطهازتِه؛ لأنَّ طهارتَه مُتَيَقَّنة قبلَ وقوعِ النجاسةِ فيه، فلا يَزُولُ عن اليقينِ بالشَّكِّ.

١٣٤

والثاني، هو نَجِسٌ؛ لأنَّ الأصلَ قِلَّةُ الماءِ، فَيُبْنَى عليه،

١٣٥

ويَلْزمُ مِن ذلك النجاسةُ. فصل في الماء الجارِي: نُقِلَ عن أحمدَ ما يدُلّ على التَّفرقةِ بينَه وبينَ الواقِفِ؛ فإنَّه

١٣٦

قال في حَوضِ الحَمّامِ: قد قِيل: إنّه بمَنْزِلَةِ الماءِ الجارِى.

١٣٧

وقال في البئرِ يكونُ لها مادَّةٌ وهو واقِفٌ: ليس هو بمنزلةِ الماء الجارِي. فعلى هذا لا يَتَنَجَّسُ الجاري إلّا بالتَّغْيِيرِ؛ لأنَّ الأصل طهارتُه، ولم نعلم في تَنْجِيسِه نَصًّا ولا إجْماعًا، فبَقِيَ على الأصلِ،

١٣٨

وقال عليه السَّلامُ:«المَاءُ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شَيءٌ». وقال:«إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَينِ لَمْ يَحمِلِ الخَبَثَ». وهذا يدلُّ على أنَّه لا يَنْجُسُ؛ لأنّه بِمَجْمُوعِه يزيدُ على القُلَّتَين،

١٣٩

فإن قِيل: فالجِريَةُ منه لا تَبْلُغُ قُلَّتَين، فَتَنْجُسُ؛ لحديثِ القُلَّتَين. قُلنا: تَخْصيصُ الجِريَةِ بهذا التقدير تَحَكُّمٌ، و لأنَّه لا يصحُّ قياسُه على الرّاكِدِ، لقُوَّتِه بجَرَيانِه وَاتِّصالِه بمادَّتِه. وهذا اختيارُ شيخِنا ، وهو الصحيحُ، إن شاءَ اللهُ تعالى.

١٤٠

وقال القاضي وأصحابُه: كلُّ جِزيةٍ مِن الماءِ الجارِى مُعتبَرةٌ بنفسِها،

١٤١

فإذا كانت النجاسةُ جاريةً مع الماءِ، فما أمامَها طاهر؛ لأنَّها لم تَصِلْ إليه، وما وراءَها طاهِر؛ لأنَّه لم يصل إليها، والجِرْيَةُ إن بَلَغَتْ قُلتَين، ولم تتغير، فهي طاهرةٌ، وإلَّا فهي نَجسة، كان كانتِ النجاسةُ واقفةً في النَّهْرِ، فكل جِريَةٍ تَمُرُّ عليها إن بلغتْ قُلتَين فهي طاهرة، وإلَّا فلا. قالوا: والجِريَةُ هي الماءُ الذي فيه النجاسةُ، وما قَرُبَ مِنها مِن خَلْفِها وأمامِها، ممّا العادةُ انْتِشارُها إليه، إن كانتْ مِمّا تَنْتَشِرُ، مع ما يُحاذِى ذلك فيما بينَ طَرَفَي النَّهْرِ،

١٤٢

فإن كانتِ النجاسةُ مُمتَدَّةً، فيَنْبَغِي أن يكونَ لكلِّ جُزْءٍ منها مثلُ تلك الجِرية المُعتبَرَةِ للنجاسةِ القليلةِ؛ لأنّا لو جَعَلْنا جيعَ ما حاذَى النجاسةَ الكثيرةَ جريَةً، أفْضَى إلى تَنْجِيس النَّهْر الكبيرِ بالنجاسةِ القليلةِ، دونَ الكثيرةِ، لأنَّ ما يُحاذِي القليلةَ قليل، فيَنْجُسُ، وما يُحاذِي الكثيرةَ كثير، فلا يَنْجُسُ، وهذا ظاهرُ الفسادِ.

١٤٣

فصل: فإنْ كان في جانب النَّهْرِ، أو في وَهدَةٍ منه ماءٌ واقِفٌ مائِلٌ عن سَنَنِ الماءِ، مُتّصِل بالجارِي، وكان ذلك مع الجِريَة المُقابِلَةِ له دونَ القُلَّتَين، فالجميعُ نَجسٌ؛ لأنّه ماء يسير مُتَّصِل، فيَنْجُسُ بالنجاسةِ، كالراكِدِ.

١٤٤

فإن كان أحدُهما قُلَّتَين، لم يَنْجُس واحدٌ منهما، ما داما مُتَلاقِيَين إلَّا بالتَّغيُّرِ.

١٤٥

فإن كانتِ النجاسةُ في الجارِي، وهو قُلَّتان، فهو طاهرٌ بكل حالٍ،

١٤٦

وكذلك الواقِفُ. وإن كان الواقفُ قُلَّتَين، والجاري دونَ القُلَّتَين والنجاسةُ فيه، فهو نَجِس قبلَ مُلاقاتِه للواقفِ، وبعدَ مُفارقَتِه له، وطاهر في حال اتِّصالِه به.

١٤٧

وإن كانت في الواقفِ، وهو قُلَّتان، لم يَنْجُس بحالٍ هو ولا الجاري.

١٤٨

وإن كان دونَ القُلَّتَينِ والجاري كذلك، إلَّا أنهما بمَجْمُوعِهما قُلَّتان فصاعِدًا، وكانتِ النجاسةُ في الواقفِ، لم ينْجُسْ واحدٌ منهما، لأنّ الماءَ الذي فيه النجاسةُ مع ما يُلاقِيه لا يَزالُ كثيرًا.

١٤٩

وإن كانت في الجارِي، فقياسُ قولِ أصحابِنا أنَّ الجميعَ نَجِسن، لأنّ الجارِيَ يَنْجُسُ قبلَ مُلاقاتِه للواقفِ، ومَرَّ على الواقفِ وهو يسِير فنَجَّسَه؛ لأنَّ الواقفَ لا يدفَعُ بن نفسِه، فعن غيرِه أولَى. ويَحتَمِلُ أن يُحكَمَ بطهارةِ الجارِي حال مُلاقاتِه للواقفِ. ولا يَتَنَجَّسُ به الواقفُ؛ لحديثِ القُلتَين، وهو مذهبُ الشافعيِّ. هذا كلُّه إذا لم يَتغير،

١٥٠

فإن تَغيَّر فهو نَجِس، فإن كان الجارِي مُتغيَرًا، والواقف كثيرًا، فهو طاهرٌ إن لم يَتغير،

١٥١

فإن تَغيَّر تَنَجّس. وكذلك الحكمُ في الجارِي إن كان الواقفُ مُتغيِّرًا.

١٥٢

وإنْ كان بعضُ الواقفِ متغيِّرًا، وبعضُه غيرَ متغيِّر، وكان غيرُ المتغيِّر مع الجِرية المُلاقِيَةِ له قُلَّتين، لم يَنْجُس.

١٥٣

وإن كان المُتغيِّر من الواقفِ يلي الجارِيَ، وغيرُ المتغيِّر لا يليه ولا يَتَّصِلُ به أصلًا، وكان كلُّ واحدٍ مِنهما يَسِيرًا، فيَنْبَغِي أن يكونَ الكلّ نَجِسًا؛ لأنَّ كلَّ ما يُلاقِي الماءَ النَّجِسَ يسير.

١٥٤

وإنِ اتَّصَل به مِن ناحيةٍ، فكلّ ما لم يَتغير طاهرٌ إذا كان كثيرًا، كالغَدِيرَين إذا كان بينَهما ماء مُتَّصِلٌ بهما،

١٥٥

فإن شَكَّ في ذلك فالماءُ طاهرٌ بالأصلِ، ويَحتملُ أن يكونَ نَجسًا.

١٥٦

وإن كان في الماءِ قُلَّتان طاهِرتان مُتَّصِلة سابِقَة أو لاحِقَةٌ، فالمُجتمِعُ كَلّه طاهرٌ، ما لم يَتغير بالنجاسةِ؛ لأنَّ القُلَّتَين تَدفَعُ النجاسةَ عن نفسِها وعمّا اجْتَمَع إليها، وإلَّا فالجميعُ نَجِس في ظاهرِ المذهبِ. واللهُ أعلم.

المبدع في شرح المقنعابن مفلح

(وَعَنْهُ: أَرْبَعُمِائَةٍ) رَوَاهُ عَنْهُ الْأَثْرَمُ. وَقَدَّمَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، لِقَوْلِ يَحْيَى بْنِ عَقِيلٍ: رَأَيْتُ قِلَالَ هَجَرَ، وَأَظُنُّ الْقُلَّةُ تَأْخُذُ قِرْبَتَيْنِ. رَوَاهُ الْجَوْزَجَانِيُّ، وَعَلَى هَذَا هُمَا بِالدِّمَشْقِيِّ: خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ رِطْلًا وَثُلُثَا رِطْلٍ وَأَرْبَعَةُ أَسْبَاعِ أُوقِيَّةٍ،

٢١٧

وَفِي ثَالِثَةٍ: هُمَا قِرْبَتَانِ وَثُلُثٌ، جَعْلًا لِلشَّيْءِ ثُلُثًا. (وَهَلْ ذَلِكَ تَقْرِيبٌ) صَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، و" الْفُرُوعِ " لِأَنَّ الشَّيْءَ إِنَّمَا جُعِلَ نِصْفًا احْتِيَاطِيًّا، وَالْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا دُونَ النِّصْفِ (أَوْ تَحْدِيدٌ) ؛ هُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْقَاضِي، وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ، لِأَنَّ مَا جُعِلَ احْتِيَاطِيًّا يَصِيرُ وَاجِبًا كَغَسْلِ جُزْءٍ مِنَ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ (عَلَى وَجْهَيْنِ) ظَاهِرُ كَلَامِهِ أَنَّ الْخِلَافَ رَاجِعٌ إِلَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَكَلَامُهُ فِي " الْمُغْنِي "، و" الْمُحَرَّرِ " يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ الْخِلَافِ بِالْأَوْلَى.

قَالَ ابْنُ الْمُنَجَّا: وَهُوَ الْأَشْبَهُ إِنْ قِيلَ: الْقِرْبَةُ تِسْعُمِائَةٍ بِالْإِجْمَاعِ، لِأَنَّهُ لَا تَرْدِيدَ فِي كَوْنِ الْقُلَّةِ قِرْبَتَيْنِ، وَإِنَّمَا التَّرْدِيدُ فِي الزَّائِدِ عَلَيْهِمَا،

٢١٨

وَإِنْ قِيلَ: هِيَ مِائَةٌ تَقْرِيبًا حَسُنَ مَجِيءُ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ. قَالَ ابْنُ حَمْدَانَ: الْأَصَحُّ أَنَّ الْخَمْسَمِائَةٍ تَقْرِيبٌ، وَالْأَرْبَعَمِائَةٍ تَحْدِيدٌ، وَفَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِيمَا إِذَا نَقَصَتِ الْقُلَّتَانِ رِطْلًا أَوْ رِطْلَيْنِ، وَوَقَعَ فِيهِمَا نَجَاسَةٌ، فَعَلَى الْأُولَى طَاهِرٌ، لِأَنَّهُ نَقْصٌ يَسِيرٌ لَا أَثَرَ لَهُ، وَعَلَى الثَّانِي: نَجِسٌ، لِأَنَّهُ نَقْصٌ عَنْ قُلَّتَيْنِ.

مَسَائِلُ: إِذَا وَقَعَ نَجَاسَةٌ فِي قَلِيلٍ، وَلَمْ تُغَيِّرْهُ، وَقُلْنَا: يَنْجُسُ بِهَا، فَانْتُضِحَ مِنْهُ عَلَى ثَوْبٍ وَنَحْوِهِ، نَجُسَ عَلَى الْمَذْهَبِ، وَلَهُ اسْتِعْمَالٌ كَثِيرٌ لَمْ يَتَغَيَّرْ،

٢١٩

وَلَوْ مَعَ قِيَامِ النَّجَاسَةِ فِيهِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَهَا قَلِيلٌ،

٢٢٠

وَإِنْ شَكَّ فِي كَثْرَةِ الْمَاءِ، أَوْ نَجَاسَةِ عَظْمٍ، أَوْ رَوْثَةٍ، أَوْ جَفَافِ نَجَاسَةٍ عَلَى ذُبَابٍ وَغَيْرِهِ، أَوْ وُلُوغِ كَلْبٍ أَدْخَلَ رَأْسَهُ فِي إِنَاءٍ، وَثَمَّ بِفِيهِ رُطُوبَةٌ، فَوَجْهَانِ. وَنَقَلَ حَرْبٌ: فِيمَنْ وَطِئَ رَوْثَةً، فَرَخَّصَ فِيهِ إِذَا لَمْ يَعْرِفْ مَا هِيَ.

الإنصافالمرداوي

لا يتكلم على هذه المسألة.

الممتع في شرح المقنعابن المنجى

كلامه على هذه المسألة مع المسألة ١٨ قبلها

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.