وَلَا تَحْمِلُ شِبْهَ الْعَمْدِ وَيَكُونُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ وَمَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ
الشروح عليها
مسألة: (وما يَحْمِلُه كلُّ واحِدٍ مِن العاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ، لكنْ يُرْجَعُ فِيهِ إلى اجْتِهادِ الحاكِمِ، فيُحَملُ كلَّ إنْسانٍ مِنْهم ما يَسْهُلُ ولا يَشُقُّ) وحملةُ ذلك، أنَّه لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ العاقلةَ لا تُكَلَّفُ مِن العَقْلِ ما يُجْحِفُ بها، ويَشُقُّ عليها؛ لأنَّه لازِمٌ لها مِن غيرِ جِنايَتِها على سبيلِ المُواسَاةِ للقاتلِ، والتَّخْفِيفِ عنه، فلا يُخَفَّف عن الجانِى بما يَثْقُلُ على غيرِه، ويُجْحِفُ به، كالزَّكاةِ، ولأنَّه لو كان الإجْحافُ مَشْروعًا، كان الجاى أحَقَّ به؛
لأنَّه مُوجَبُ جِنايَتِه، وجَزاءُ فِعْلِه،
فإذا لم يُشْرَعْ في حَقِّه، ففى حَقِّ غيرِه أوْلَى. واخْتَلفَ أهْلُ العلمِ فيما يَحْمِلُه كلُّ واحدٍ منهم؛ فقال أحمدُ: يَحْمِلُونَ على قَدْرِ ما يُطِيقُونَ. فعلى هذا، لا يتَقَدَّرُ شَرْعًا، وإنَّما يُرْجَعُ فيه إلى اجْتِهادِ الحاكمِ، فيَفْرِضُ على كلِّ واحدٍ قَدْرًا يَسْهُلُ ولا يُؤْذِى. وهذا مذْهَبُ مالكٍ؛ لأَنَّ التَّقْدِيرَ لا يَثْبُت إلَّا بتَوْقِيفٍ، ولا يَثْبُتُ بالرَّأْىِ والتَّحَكُّمِ، ولا نَصَّ في هذه المسألةِ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ فيها إلى اجْتِهادِ الحاكمِ، كمَقادِيرِ النَّفَقاتِ. وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّه يَفْرِضُ على المُوسِرِ نِصْفَ مِثْقالٍ؛
لأنَّه أقَلُّ مالٍ يتَقَدَّرُ في الزَّكاةِ، فكان مُعْتَبَرًا بها،
ويَجِبُ على المُتَوَسِّطِ رُبْعُ مِثقالٍ؛ لأَنَّ ما دُونَ ذلك تافِهٌ، لكَوْنِ اليَدِ لا تُقْطَعُ فيه، بدليلِ قولِ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: لا يُقْطَعُ في الشئِ التَّافِهِ، وما دُونَ رُبْعِ دِينارٍ لا قَطْعَ فيه . وهذا اخْتِيارُ أبى بكرٍ، ومذْهَبُ الشَّافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: أكثرُ ما يُجْعَلُ على الواحدِ أرْبَعةُ دَراهِمَ، وليس لأقَلِّه حَدُّ؛ لأَنَّ ذلك يَجِبُ على سبيلِ المُواساةِ للقَرابةِ، فلم يتَقَدَّرْ أقَلُّه، كالنَّفَقَةِ. قال: ويُسَوَّى بينَ الغَنِىِّ وْالمُتَوَسِّطِ لذلك.
والصَّحِيح الأَوَّلُ بم لِمَا ذكَرْنا مِن أنَّ التَّقْدِيرَ إنَّما يُصارُ إليه بتَوْقيفٍ، [ولا تَوْقيفَ] فيه، وإنَّما يَخْتَلِفُ بالغِنَى والتَّوَسُّطِ، كالزَّكاةِ والنَّفَقَةِ، ولا يخْتلِفُ بالبُعْدِ والقُرْبِ لذلك.
٤٣٤٢ -
مسألةِ: وما يَحْمِلُه كلُّ واحدٍ مِن العاقلةِ غيرُ مُقَدَّرٍ.
(وَيَكُونُ فِي مَالِ الْقَاتِلِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ)
قَالَ فِي الشَّرْحِ: وَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّهَا تَجِبُ مُؤَجَّلَةً رُوِيَ عَنْ عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ،
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مَرَّةً: هُوَ فِي مَالِ الْجَانِي حَالًّا، وَحَكَاهُ فِي الشَّرْحِ عَنْ قَوْمٍ لِأَنَّهَا بَدَلُ مُتْلَفٍ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهَا تُخَالِفُ سَائِرَ الْمُتْلَفَاتِ، وَاقْتَضَى تَغْلِيظَهَا مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ الْأَسْنَانُ، وَتَخْفِيفَهَا مِنْ وَجْهٍ، وَهُوَ حَمْلُ الْعَاقِلَةِ لَهَا وَتَأْجِيلُهَا (وَقَالَ الْخِرَقِيُّ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، نَصَّ عَلَيْهِ قَدَّمَهُ فِي الْكَافِي لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ:«اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ» الْحَدِيثَ لِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ قِصَاصًا كَالْخَطَأِ،
وَعَنْهُ يَجِبُ مُؤَجَّلًا كَذَلِكَ فِي مَالِ الْجَانِي،
وَقِيلَ: حَالًّا، قَدَّمَهُ فِي التَّبْصِرَةِ وَالرِّعَايَةِ كَغَيْرِهِ، وَذَكَرَ أَبُو الْفَرَجِ: تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ حَالًّا،
وَفِي التَّبْصِرَةِ: لَا تَحْمِلُ عَمْدًا، وَلَا صُلْحًا، وَلَا اعْتِرَافًا، وَلَا مَا دُونَ الثُّلْثِ، وَجَمِيعُ ذَلِكَ فِي مَالِ جَانٍ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ،
وَفِي الرَّوْضَةِ دِيَةُ الْخَطَأِ فِي خَمْسِ سِنِينَ، فِي كُلِّ سَنَةٍ خُمْسُهَا [مَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ] (وَمَا يَحْمِلُهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَاقِلَةِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ) لِأَنَّ التَّقْدِيرَ مِنَ الشَّرْعِ، وَلَمْ يَرِدْ بِهِ
وما يَحْمِلُه كلُّ واحِدٍ مِنَ العاقِلَةِ غيرُ مُقَدرٍ، لكِنْ يُرْجَعُ فيه إلى اجْتِهادِ الحاكِمِ، فيُحَمِّلُ كل إنْسَانٍ منهم ما يَسْهُلُ ولا يَشُقُّ. وهذا المذهبُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. ونصَّ عليه. وجزَم به فى «الوَجيزِ» وغيرِه. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَجْعَلُ عَلَى الْمُوسِرِ نِصْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبْعًا. وَهَلْ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ فى الأحْوَالِ الثَّلَاثَةِ أَوْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
وقال أبو بَكْرٍ: يجْعَلُ على المُوسِرِ نِصْفَ دِينارٍ، وعلى المُتَوَسِّطِ رُبْعًا. وهو رِوايةٌ عنِ الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ.
فائدة: المُوسِرُ هنا مَن مَلَكَ نِصابًا عندَ حُلولِ الحَوْلِ، فاضِلًا عنه؛ كالحَجِّ وكفَّارَةِ الظِّهارِ.
قال: (وما يحمله كل واحد من العاقلة غير مقدر لكن يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم. فيحمل كل إنسان منهم ما يسهل ولا يشق. وقال أبو بكر: يجعل على الموسر نصف دينار وعلى المتوسط ربع دينار (١) . وهل يتكرر ذلك في الأحوال الثلاثة أوْ لا؟ على وجهين).
أما كون ما يحمله كل واحد من العاقلة غير مقدر؛ فلأن التقدير من الشرع ولم يرد منه فيه شيء.
وأما كونه يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم؛ فلأنه لا نص فيه. فوجب الرجوع في تقديره إلى اجتهاد الحاكم؛ كتقدير النفقات.
وأما كون الحاكم يحمل كل إنسان من العاقلة ما يسهلُ ولا يشق على المذهب؛ فلأن التحمل المذكور على سبيل المواساة للقاتل والتخفيف عنه. فلا يخفف عن الجاني بما يثقل على غيره ويجحف به؛ كالزكاة.
ولأن الإجحاف لو كان مشروعاً كان الجاني أحق به؛ لأنه موجب جنايته وجزاء فعله.
فإذا لم يشرع في حقه ففي حق غيره أولى.
وأما كونه يجعل على الموسر نصف دينار على قول أبي بكر؛ فلأنه أقل شيء يجب في زكاة الذهب. فكان معتبراً به في حقه.
وأما كونه يجعل على المتوسط ربع دينار على قوله أيضاً؛ فلأن ما دونه تافه لكون اليد لا تقطع فيه.
وذكر المصنف رحمه الله في المغني قول أبي بكر روايةً عن الإمام أحمد.
وأما كون ذلك يتكرر في الأحوال الثلاثة على وجه؛ فلأنه حق يتعلق بالحول على سبيل المواساة. فوجب تكريره بتكرر الحول؛ كالزكاة.
وأما كونه لا يتكرر على وجه؛ فلأن في إيجاب ذلك زيادة على نصف دينار، وذلك إيجاب لزيادة على أقل الزكاة. فيكون مضراً. فعلى الأول يجب على الموسر من العاقلة دينار ونصف؛ لأن المقدر يتكرر في الأحوال الثلاثة، وعلى المتوسط ربع دينار لا غير كذلك.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.