وَإِنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ فَعَلَ أَوْ تَرَكَ إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ
الشروح عليها
(وَإِنْ حَلَفَ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ) وَيُسَمَّى هَذَا اسْتِثْنَاءٌ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ حَلَفَ فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، لَمْ يَحْنَثْ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ،
وَقَالَ: سَأَلْتُ مُحَمَّدًا عَنْهُ، فَقَالَ: هَذَا خَطَأٌ أَخْطَأَ فِيهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَلَفْظُهُ: قَدِ اسْتَثْنَى، وَابْنُ مَاجَهْ، وَلَفْظُهُ: فَلَهُ ثُنْيَاهُ، وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا، قَالَ:«مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ، فَقَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ،
وَقَالَ: رواه غَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا، وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَفَعَهُ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَغَيْرِهِمْ، وَلِأَنَّهُ مَتَى قَالَ: لَأَفْعَلَنَّ إِنْ شَاءَ اللَّهُ، فَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ مَتَى شَاءَ اللَّهُ فَعَلَ،
وَمَتَى لَمْ يَفْعَلْ لَمْ يَشَأِ اللَّهُ، (فَعَلَ أَوْ تَرَكَ إِذَا كَانَ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ) مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بِكَلَامٍ أَجْنَبِيٍّ، وَلَا سُكُوتٍ يُمْكِنُ الْكَلَامُ فِيهِ، لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ تَمَامِ الْكَلَامِ، فَاعْتُبِرَ اتِّصَالُهُ كَالشَّرْطِ وَجَوَابِهِ: وَخَبَرِ الْمُبْتَدَأِ، وَالِاسْتِثْنَاءِ بِـ إِلَّا، فَعَلَى هَذَا: لَوْ سَكَتَ لِانْقِطَاعِ نَفَسِهِ، أَوْ عَطَسَ وَنَحْوِهِ، لَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ الِاسْتِثْنَاءِ،
وَعَنْهُ: مَعَ فَصْلٍ يَسِيرٍ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ، جَزَمَ بِهِ فِي عُيُونِ الْمَسَائِلِ،
قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ:«وَاللَّهِ لَأَغْزُوَنَّ قُرَيْشًا، ثُمَّ سَكَتَ، ثُمَّ قَالَ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، ثُمَّ لَمْ يَغْزُهُمْ، إِنَّمَا هُوَ اسْتِثْنَاءٌ بِالْقُرْبِ، وَلَمْ يَخْلِطْ كَلَامَهُ بِغَيْرِهِ، وَنَقَلَ عَنْهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ مِثْلَهُ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالِاسْتِثْنَاءِ كَلَامٌ،
وَعَنْهُ، وَفِي الْمَجْلِسِ، وَحَكَاهُ فِي الْإِرْشَادِ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِنَا، قَدَّمَ الِاسْتِثْنَاءَ عَلَى الْجَزَاءِ أَوْ أَخَّرَهُ، وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: إِذَا اسْتَثْنَى بَعْدَ سَنَةٍ فَلَهُ ثُنْيَاهُ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَهَذَا لَا يَصِحُّ، قَالَ أَحْمَدُ: حَدِيثُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ: إِذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ الْخَبَرَ، وَلَمْ يَقُلْ فَاسْتَثْنِ،
وَلَوْ جَازَ لَأَمَرَ بِهِ وَحَمَلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى قَوْله تَعَالَى:{وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ} الْآيَةَ، فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنَ الْكَذِبِ، لِأَنَّ الْكَذِبَ لَيْسَ فِيهِ كَفَّارَةٌ، وَهُوَ أَشَدُّ مِنَ الْيَمِينِ، لِأَنَّ الْيَمِينَ تُكَفَّرُ، وَالْكَذِبُ لَا يُكَفَّرُ، قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: فَائِدَتُهُ الْخُرُوجُ مِنَ الْكَذِبِ،
وَفِي الْمُبْهِجِ: يَصِحُّ، وَلَوْ تَكَلَّمَ،
وَيُشْتَرَطُ نُطْقُهُ، إِلَّا مِنْ مَظْلُومٍ خَائِفٍ، نَصَّ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَقُلْ فِي الْمُسْتَوْعِبِ: خَائِفٍ، لِأَنَّ يَمِينَهُ غَيْرُ مُنْعَقِدَةٍ، أَوْ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمُتَأَوِّلِ،
وَفِي اعْتِبَارِ قَصْدِ الِاسْتِثْنَاءِ، وَجْهَانِ: فَائِدَتُهُمَا فِيمَنْ سَبَقَ عَلَى لِسَانِهِ عَادَةً، أَوْ أَتَى بِهِ تَبَرُّكًا، وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ،
وَإِنْ شَكَّ فِي الِاسْتِثْنَاءِ، فَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: إِلَّا مِمَّنْ عَادَتُهُ الِاسْتِثْنَاءُ، وَاحْتَجَّ بِالْمُسْتَحَاضَةِ تَعْمَلُ بِالْعَادَةِ وَالتَّمْيِيزِ، وَلَمْ تَجْلِسْ أَقَلَّ الْحَيْضِ، وَالْأَصْلُ وُجُوبُ الْعِبَادَةِ.
وإنْ حلَفَ فقال: إِنْ شاءَ اللهُ. لم يَحْنَثْ، فعَل أو ترَك، إِذا كانَ مُتَّصِلًا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . باليمينِ. يعْني بذلك في اليمينِ المُكَفَّرَةِ؛ كاليمينِ باللهِ والنَّذْرِ والظِّهارِ، ونحوه، لا غيرُ. وهذا المذهبُ. قال الزَّرْكَشِيُّ: هذا المذهبُ المَعْروفُ، ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ.
وجزَم به في «المُحَرَّرِ»، و «الوَجيزِ». وقدَّمه في «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «النَّظْمِ»، و «أصُولِ ابنِ مُفْلِح»،
وقال: عندَ الأئمَّةِ الأرْبَعةِ.
وقال: ويُشْترَطُ الاتِّصالُ لَفْظًا أو حُكْمًا؛ كانْقِطاعِه بتَنَفُّسٍ أو سُعالٍ، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ونحوه.
وعنه، لا يحْنَثُ إذا قال: إنْ شاءَ اللهُ. مع فَصْلٍ يسير ولم يتَكَلَّمْ. وجزَم به في «عُيونِ المَسائلِ»، وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ. وعمه، لا يَحْنَثُ إذا اسْتَثْنَى في المَجْلِسِ. وهو في «الإِرْشادِ» عندَ بعضِ أصحابِنا.
قال في «المُبْهِجِ»: ولو تكَلَّمَ.
قال في «الرِّعايةِ الصُّغْرى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ»: ومَن حلَف قائلًا: إنْ شاءَ اللهُ. قصدًا، فخالفَ، [لم يَحْنَثْ]،
وإنْ قالها في المَجْلِسِ، فرِوايَتان.
وقال في «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: ومَن حلَف بيمينٍ وقال معها: إنْ شاءَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللهُ. مع قصْدِه له في الأصحِّ، ولم يفْصلْ بينَهما بكَلام آخَرَ، أو سُكوتٍ يُمْكِنُه الكَلامُ فيه، فخالفَ، لم يَحْنَثْ،
وإنْ قالها في المَجْلِسِ، فرِوايَتان.
وعنه، يُقْبَلُ إلْحاقُه بها قبلَ طُولِ الفَصْلِ. انتهى. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فائدتان؛ إحْداهما، قال في «الفُروع»: وكلام الأصحابِ يقْتَضِي، إنْ ردَّه إِلَى يَمِينِه، لم ينْفَعْه؛ لوُقوعِها وَتبَيُّنِ مشِيئَةِ اللهِ، واحْتَجَّ به المُوقِعُ في: أنتِ طالِقٌ إنْ شاء اللهُ. قال أبو يَعْلَى الصَّغِيرُ، في اليمينِ باللهِ ومَشِيئَةِ اللهِ: تحْقيقُ مذهبِنا، أنَّه يقِفُ على إيجادِ فِعْل أو ترْكِه، فالمَشِيئَةُ مُتعَلِّقَةٌ على الفِعْلِ،
فإذا وُجِدَ، تَبيَّنَّا أنَّه شاءَه، وإلَّا فلا.
وفي الطَّلاقِ، المَشِيئَةُ انْطبَقَتْ على اللَّفْظِ بحُكْمِه المَوْضُوعِ له، وهو الوُقوعُ.
الثَّانيةُ، يُعْتَبرُ نُطْقُه بالاسْتِثْناءِ، إلَّا مِن خائِفٍ. نصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ، رَحِمَه الله ولَم يقُلْ في «المُسْتَوْعِبِ»: خائِفٌ.
تنبيه: ظاهرُ كلامِ المُصَنِّفِ، أنَّه لا يُعْتَبرُ قَصدُ الاسْتِثْناءِ، وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وصاحبِ «المُحَررِ»، وجماعَةٍ، وهو أحدُ الوَجْهَين. ذكَرَه ابنُ البَنَّا، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبَناه على أنَّ لَغْوَ اليمينِ عندَنا صحيحٌ، وهو ما كانَ على الماضِي وإنْ لم يقْصِدْه. واخْتارَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رحِمَه اللهُ،
ولو أرادَ تحْقيقًا لإِرادَتِه ونحوَه؛ لعُمومِ المَشيئَةِ.
والوَجْهُ الثَّاني، يُعْتَبَرُ قَصْدُ الاسْتِتْناءِ. اخْتارَه القاضِي. وجزَم به في «البُلْغَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «النَّظْمِ». وصحَّحه في «الرِّعايَةِ الكُبْرى». وتقدَّم لفْظُه في «الرِّعايةِ الصُّغْرَى»، و «الحاوي الصَّغِيرِ». قال الزَّرْكَشِيُّ: واشْترَطَ القاضي، وأبو البَرَكاتِ، وغيرُهما -مع فَصلِ الاتِّصالِ- أنْ يَنْويَ الاسْتِثْناءَ قبلَ تَمامِ المُسْتَثْنَى منه. وظاهِرُ بَحْثِ أبي محمدٍ، أنَّ المُشْترَطَ قَصْدُ الاسْتِثْناءِ فقطْ، . . . . . . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . .
حتَّى لو نَوَى عندَ تَمامِ يمينِه، صحَّ اسْتِثْناؤُه. قال: وفيه نظَرٌ. وأطْلَقهما في «الفُروعِ». وذكَر في «التَّرْغِيبِ» وَجْهًا، اعْتِبارُ قَصْدِ الاسْتِثْناءِ أَوَّلَ الكَلامِ.
فائدتان؛ إحْداهما، مثْلُ ذلك في الحُكْمَ، لو حلَف وقال: إنْ أرادَ اللهُ. وقصَد بالإِرادَةِ المَشِيئَةَ،
لا إنْ أرادَ محَبَّتَه وأمْرَه. ذكَرَه الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه اللهُ.
الثَّانيةُ، لو شَكَّ في الاسْتِثْناءِ، فالأَصْلُ عدَمُه مُطْلَقًا. على الصَّحيحِ مِنَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المذهبِ. وقال الشَّيخُ تَقِيُّ الدِّينِ، رَحِمَه الله: الأصْلُ عدَمُه ممَّن عادَتُه الاسْتِثْناءُ. واحْتَجَّ بالمُسْتَحاضَةِ؛ تعْمَلُ بالعادَةِ والتَّمْيِيزِ، ولم تجْلِسْ أقَلَّ الحَيضِ، والأصْلُ وُجوبُ العِبادَةِ.
وَإذَا حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّ شَيئًا، وَنَوَى وَقْتًا بِعَينِهِ، تَقَيَّدَ بِهِ،
وَإنْ لَمْ يَنْو، لَمْ يَحْنَثْ حَتَّى يَيأَسَ مِنْ فِعْلِهِ،
إِمَّا بِتَلَفِ الْمَحْلُوفِ عَلَيهِ، أَوْ مَوْتِ الْحَالِفِ، وَنَحْو ذَلِكَ.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وَإذَا حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيرَهَا خَيرًا مِنْهَا، اسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ وَالتَّكْفِيرُ.
قال: (وإن حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث فعل أو ترك إذا كان متصلاً باليمين) .
أما كون من حلف فقال: إن شاء الله لم يحنث فعل أو ترك؛ فلأن ابن عمر روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:«منْ حلفَ فقال: إن شاء الله فقد استثنى». رواه أبو داود.
وفي روايةٍ للترمذي:«فقال: إن شاء الله لم يحنَث».
وفي روايةٍ لأبي داود:«فإن شاء رجع وإن شاء ترك».
وأما كون قول: إن شاء الله متصلاً؛ فلأن قول النبي صلى الله عليه وسلم:«منْ حلفَ فاستثنى» يقتضي كونه عقيبه.
ولأن الاستثناء من تمام الكلام. فاعتبر اتصاله به؛ كالشرط.
فإن قيل: ما المراد باتصال ذلك؟
قيل: أن لا يكون بينه وبين الحلف كلام أجنبي ولا سكوت يمكن الكلام في مثله.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.