وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ، أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارَهُ، فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِهِ، وَلَبِسَ ثَوْبَهُ، وَدَخَلَ دَارَهُ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ،
الشروح عليها
مسألة: (وإن حَلَف لا يَرْكَبُ دابَّةَ فُلَانٍ، ولا يَلْبَسُ ثَوْبَه، ولا يَدْخُلُ دَارَه، فرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِه، ولَبِسَ ثَوْبَه، ودَخَل دَارَه، أو فَعَل ذلك فيما اسْتَأجَرَه فُلَانٌ، حَنِثَ، وإن رَكِبَ دَابَّةً اسْتَعارَها، لم يَحْنَثْ) إذا حَلَف لا يَدْخُلُ دارَ فُلانٍ، فدَخَلَ دارًا مَمْلُوكَةً له، أو دارًا يَسْكُنُها بأُجْرَةٍ أو عارِيَّةٍ أو غَصْبٍ، حَنِثَ. وبذلك قال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ إلَّا بدُخولِ دارٍ يَمْلِكُها؛ لأنَّ الإِضافَةَ في الحَقِيقَةِ إلى المالِكِ، بدليلِ أنَّه لو قال: هذه الدَّارُ لفُلانٍ. كان مُقِرًّا له بمِلْكِها.
ولو قال: إنَّه يَسْكُنُها. لم يُقْبَلْ. ولَنا، أنَّ الدَّارَ تُضافُ إلى ساكِنِها، كإضافَتِها إلى مالِكِها، قال الله تعالى:{لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ}. وأرادَ بُيوتَ أزْواجِهِنَّ اللَّائي يَسْكُنَّها.
وقال تعالى:{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ}. ولأنَّ الإضافَةَ للاخْتِصاصِ، ولذلك يُضافُ الرجلُ إلى أخِيه بالأُخُوَّةِ، وإلى أُمِّه بالبُنُوَّةِ، وإلى وَلَدِه بالأُبُوَّةِ، وإلى امْرَأتِه بالزَّوْجِيَّةِ، وساكِنُ الدَّارِ مُخْتَصٌّ بها، فكانت إضافَتُها إليه صَحِيحَةً، وهي مُسْتَعْمَلَة في العُرْفِ، فوَجَبَ أن يَحْنَثَ بدُخُولِها، كالمَمْلُوكَةِ له. وقولُهم: هذه الإِضافَةُ مَجازٌ. مَمْنُوعٌ، بل هي حَقِيقَةٌ؛ لِما ذَكَرْناه،
ولو كانت مَجازًا، لكنَّه مَشْهُورٌ، فيَتَناوَلُه اللَّفْظُ, كما لو حَلَف: لا شَرِبْتُ مِن رَاويَةِ فُلانٍ. فإنَّه يَحْنَث بالشُّرْبِ مِن مَزادَتِه.
أمَّا الإِقْرارُ، فإنَّه لو قال: هذه دارُ زَيدٍ. وفَسَّرَ إقْرارَه بسُكْناها، احْتَمَلَ أن نقولَ : يُقْبَلُ تَفْسِيرُه.
وإن سَلَّمْنا، فإنَّ قَرِينَةَ الإِقْرارِ تَصْرِفُه إلى المِلْكِ،
وكذلك لو حَلَف: لا دَخَلْتُ مَسْكَنَ زَيدٍ. حَنِثَ بدُخُولِه الدَّارَ التي يَسْكُنُها.
ولو قال: هذا المَسْكَنُ لزَيدٍ. كان مُقِرًّا له به. ولا خِلافَ في هذه المسألةِ، وهي نظِيرَةُ مسألتِنا.
فصل: وإن رَكِب دابَّةَ عَبْدِه، أو لَبِس ثَوْبَه، أو دَخَل دارَه، حَنِثَ؛ لأنَّ ما في يَدِ العَبْدِ لسَيِّدِه، فهو كالذي في يَدِه؛ لأنَّه مالكٌ لمنافِعِها،
بخلافِ المُسْتَعِيرِ.
٤٧٤٦ -
(وَإِنْ حَلَفَ لَا يَرْكَبُ دَابَّةَ فُلَانٍ، أَوْ لَا يَلْبَسُ ثَوْبَهُ، أَوْ لَا يَدْخُلُ دَارَهُ، فَرَكِبَ دَابَّةَ عَبْدِهِ، وَلَبِسَ ثَوْبَهُ، وَدَخَلَ دَارَهُ، أَوْ فَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ، فَلَا حِنْثَ) نَقُولُ إِذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ زَيْدٍ، فَدَخَلَ دَارَ عَبْدِهِ، حَنِثَ بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ، لِأَنَّ دَارَ الْعَبْدِ مِلْكٌ لِلسَّيِّدِ، وَالثَّوْبُ وَالدَّابَّةُ كَالدَّارِ، لِأَنَّهُمَا مَمْلُوكَانِ للسيد فَيَتَنَاوَلُهُمَا يَمِينُ الْحَالِفِ،
وَأَمَّا كَوْنُهُ يَحْنَثُ إِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا اسْتَأْجَرَهُ فُلَانٌ لِأَنَّ الدَّارَ تُضَافُ إِلَى سَاكِنِهَا كَإِضَافَتِهَا إِلَى مَالِكِهَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{لا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ}{وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ} ، وَلِأَنَّ الْإِضَافَةَ لِلِاخْتِصَاصِ، وَلِأَنَّ سَاكِنَ الدَّارِ مُخْتَصٌّ بِهَا، فَكَانَتْ إِضَافَتُهَا إِلَيْهِ صَحِيحَةً، وَهِيَ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْعُرْفِ،
وَأَمَّا الْإِقْرَارُ كَمَا لَوْ قَالَ: هَذِهِ دَارُ زَيْدٍ، وَفَسَّرَ إِقْرَارَهُ بِسُكْنَاهَا، احْتُمِلَ أَنْ يُقْبَلَ تَفْسِيرُهُ،
وَلَوْ سَلَّمَ بِقَرِينَةِ الْإِقْرَارِ يَصْرِفُهُ إِلَى الْمِلْكِ،
وَلَوْ حَلَفَ: لَا دَخَلْتُ مَسْكَنَ زَيْدٍ، حَنِثَ بِدُخُولِهِ الدَّارَ الَّتِي يَسْكُنُهَا،
وَلَوْ قَالَ: هَذَا السَّكَنُ لِزَيْدٍ كَانَ مُقِرًّا لَهُ بِهَا
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (وإن حلف لا يركب دابة فلان، ولا يلبس ثوبه، ولا يدخل داره، فركب دابة عبده ولبس ثوبه ودخل داره، أو فعل ذلك فيما استأجره فلان: حنث.
وإن ركب دابة استعارها لم يحنث.
وإن حلف لا يركب دابة عبده فركب دابة جعلت برسمه حنث).
أما كون من حلف لا يركب دابة فلان، ولا يلبس ثوبه، ولا يدخل داره يحنث إذا ركب دابة عبده ولبس ثوبه ودخل داره؛ فلأن ذلك كله ملك لسيده فالفاعل لذلك بمنزلة من فعل ذلك في ملك فلان نفسه.
وأما كونه يحنث إذا فعل ذلك فيما استأجره؛ فلأن الدار تضاف إلى ساكنها إذا أضافها إلى مالكها. قال الله تعالى:{لا تخرجوهن من بيوتهن}. والمراد بيوت أزواجهن.
ولأن الإضافة هنا للاختصاص، ولذلك يُضاف الرجل إلى أخيه بالأخوَّة، وإلى ابنه بالبنوَّة، وإلى أبيه بالأبوَّة، وإلى زوجته بالزوجيَّة.
وأما كونه لا يحنث إذا ركب دابة استعارها؛ فلأن فلاناً لا يملك منافع الدابة المستعارة.
قال المصنف رحمه الله في المغني: إذا قال: لا دخلت مسكن زيد تعلقت يمينه بالدار التي سكنها سواء كانت مملوكة أو مستأجرة.
وأما كون من حلف لا يركب دابة عبده فركب دابة جُعلت برسمه يحنث؛ فلأنه مختص بها حينئذ. أشبه الدار المستأجرة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.