وَإِنْ أَمْكَنَهُ افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ إِصَابَةُ الْعَيْنِ لِمَنْ قَرُبَ مِنْهَا وَإِصَابَةُ الْجِهَةِ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا
الشروح عليها
مسألة: (فإن أمْكنه افْتِتاحُ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ، فهل يَلْزَمُه ذلك؟ على رِوايَتَيْن) متى عَجَز عن اسْتقْبالِ القِبْلَةِ في ابْتِداءِ صَلاِته، كراكِبِ راحِلَةٍ لا تُطِيعُه، أو جَمَل مقْطُورٍ ، لم يَلْزَمْه؛ لأنه عاجِزٌ عنه، أشْبَهَ الخائِفَ إذا عَجَز عن ذلك.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن يَلْزَمَه.
وإن أمكنه ذلك كراكِبِ راحِلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ تُطيعُه، فهل يَلْزَمُه افْتِتاحُ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ؟ على روِايَتَيْن إحداهما، يَلْزَمُه؛ لِما روَى أنَس، أن رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا سافر، فأراد أن يتَطَوَّعَ، اسْتَقْبَلَ بناقَته القِبْلَة، فكبر، ثم صَلى حيث كان وِجْهَةُ رِكابِه. رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ . ولأنه أمْكَنَه ابتداءُ الصلاةِ إلى القِبْلَةِ فلَزِمَه، كالصلاةِ كُلها. وهذا اخْتِيارُ الخِرَقِي. والثانيةُ، لا يَلْزَمُه، لحدِيثِ ابنِ عُمَرَ . اخْتارَه أبو بكرٍ.
ولأنَّه جُزْء مِن أجْزاءِ الصلاةِ، أشْبهَ بَقِيَّةَ أجْزائِها، ولأنَّ ذلك لا يَخْلُو مِن مَشَقَّةٍ، فسَقَطَ، وخبرُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُحْمَلُ على الفَضِيلَةِ والندْبِ. والله أعلم. ٣٤٨ - مسألة: (والفَرْضُ في القِبْلَةِ إصابةُ العَيْنِ لمن قَرب منها، إصابة، الجِهةِ لمن بَعُد عنها النَّاسُ في القِبْلَةِ على ضَرْبَيْن؛ أحَدُهما، [مَن تَلْزَمُه] (١) إصابَةُ عَيْنِ الكعبةِ، وهو مَن كان مُعايِنًا لها،
ومَن كان يُمْكِنُه مِن أهلِها، أو نَشأ فيها، أو أكْثَرُ مُقامِه فيها، أو كان قَريبًا منها مِن وراءِ حائِل مُحْدث كالحِيطانِ والبُيوتِ، ففَرْضُه التَّوَجُّه إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ. وهكذا إن كان بمَسْجِدِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-؛ لأنه مُتَيَقِّن صِحَّةَ قِبْلَتِه،
فإن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لا يُقَرُّ على الخَطَأ، وقد روَى أسامَةُ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رَكَع رَكعَتَيْن قُبُل القِبْلَةِ، وقال:«هَذِهِ الْقِبْلةُ». كذلك ذَكَرَه أصحابُنا.
وفي ذلك نَظر؛ لأنه صلاة الصَّف المسْتَطِيلِ في مسجدِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صحِيحَة مع خُرُوجِ بَعضِهم عن استقبالِ عَيْنِ الكعْبَةِ، لكَوْنِ الصَّفِّ أطْولَ منها. وقولُهم: إنه عليه السلامُ لا يُقَرُّ على الخطَأِ. صَحِيحٌ، لكنْ إنَّما الواجِبُ عليه اسْتِقْبالُ الجِهَةِ، وقد فعَلَه، وهذا الجَوابُ عن الخبَرِ المَذْكُورِ.
وإن كان أعْمَى مِن أهلِ مَكَةَ، أو كان غَرِيبًا، وهو غائِب عن الكَعْبَةِ، ففَرضُه الخَبَرُ عن يقينٍ أو شُاهَدَةٍ، مِثْلَ أن يكونَ مِن وَراءِ حائِل وعلى الحائِلِ مَن يُخْبِرُه، أو أخْبَرَه أهلُ الدارِ أنَّه مُتَوَجِّهٌ إلى عَيْنِ الكَعْبَةِ، فيَلْزَمُه الرجُوعُ إلى قَوْلِهم، وليس له الاجْتِهادُ، كالحاكِمِ إذا وَجَد الثمنَ. قال ابنُ عَقِيلٍ: لو خَرَج ببَعْض بَدَنِه عن مُسامَتَةِ الكَعْبَةِ، لم تَصِح صَلاتُه. الثاني، مَن فَرْضُه إصابَةُ الجِهَةِ، وهو البَعِيدُ عن الكَعْبَةِ.
فليس عليه إصابَةُ العَيْنِ. قال أحمدُ: ما بينَ المَشْرقِ والمَغْرِبِ قِبْلةٌ،
فإنِ انْحَرَفَ عن القِبْلَةِ قلِيلا لم يُعِدْ، ولكنْ يَتَحَرى الوَسَطَ. وهذا قولُ أبي حنيفةَ، وأحَدُ قَوْليِ الشَّافعيِّ،
وقال في الآخَرِ: تَلزَمُه إصابَةُ العَيْنِ؛ لقولِ الله:{وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} وقِياسًا على القَرِيبِ، وقد رُوِيَ ذلك عن أحمدَ، وهو اخْتِيارُ أبي الخَطابِ. ولَنا، قولُه عليه السلامُ:«مَا بَيْن الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قبْلَة». رَواه الترمِذِيُّ ،
وقال: حديث حسن صحيح. ولأنا أجْمَعْنا على صِحةِ صلاةِ الاثنَيْن المُتَباعِدَيْن يَسْتَقْبِلان قبْلَةً واحِدة، وعلى صِحةِ صَلاةِ الصَّف الطَّوِيل على خَطٍّ مُسْتَوٍ لا يُمْكِنُ أن يُصِيبَ عَيْنَ الكَعْبَةِ إلَّا مَن كان بِقَدْرِها.
فإن قِيل: مع البُعْدِ يَتَّسِع المحاذِي . قُلْنا: إنّما يَتَسِعُ مع التَّقوُّسِ،
وأمّا مع عَدَمِه فلا. والله أعلمُ. ٣٤٩ -
(وَإِنْ أَمْكَنَهُ) أَيِ: الرَّاكِبَ (افْتِتَاحُ الصَّلَاةِ) أَيْ: بِالْإِحْرَامِ (إِلَى الْقِبْلَةِ) بِالدَّابَّةِ أَوْ بِنَفْسِهِ كَرَاكِبِ رَاحِلَةٍ مُنْفَرِدَةٍ تُطِيعُهُ (فَهَلْ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ) إِحْدَاهُمَا: يَلْزَمُهُ بِلَا مَشَقَّةٍ جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَنَقَلَهُ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُ، وَذَكَرَهُ أَبُو الْمَعَالِي وَغَيْرُهُ الْمَذْهَبُ، لِمَا رَوَى أَنَسٌ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إِذَا سَافَرَ وَأَرَادَ أَنْ يَتَطَوَّعَ اسْتَقْبَلَ بِنَاقَتِهِ الْقِبْلَةَ، فَكَبَّرَ ثُمَّ صَلَّى حَيْثُ كَانَ وُجْهَةُ رِكَابِهِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ ابْتِدَاءُ الصَّلَاةِ إِلَى الْقِبْلَةِ فَلَزِمَهُ، وكراكب السفينة، وَالثَّانِيَةُ: لَا يَلْزَمُهُ، اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ، وَرَجَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْمَشَقَّةِ، وَلِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَلِأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ الصَّلَاةِ أَشْبَهَ سَائِرَهَا، وَيُحْمَلُ الْخَبَرُ الْأَوَّلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يُمْكِنُهُ اسْتِقْبَالُهَا بِهِ كَرَاكِبِ رَاحِلَةٍ لَا تُطِيعُهُ، أَوْ جَمَلٍ مَقْطُورٍ لَا يُمْكِنُهُ إِدَارَتُهُ، لَمْ يَلْزَمْهُ، لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْهُ، أَشْبَهَ الْخَائِفَ،
وَقَالَ الْقَاضِي: يُحْتَمَلُ أَنْ يَلْزَمَهُ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِذِكْرِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ،
وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ إِذَا أَمْكَنَهُ مِنْ غَيْرِ مَشَقَّةٍ، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ كَسَفِينَةٍ، قَالَهُ جَمَاعَةٌ، فَدَلَّ أَنَّهُ وِفَاقٌ،
وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ، وَذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " رِوَايَةٌ لِلتَّسَاوِي فِي الرُّخَصِ الْعَامَّةِ فَدَلَّ أَنَّ السَّفِينَةَ كَذَلِكَ كَالْمِحَفَّةِ.
تَذْنِيبٌ: إِذَا نَذَرَ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا جَازَ، وَذَكَرَ الْقَاضِي قَوْلًا: لَا، فَيَتَوَجَّهُ مِثْلُهُ مَنْ نَذَرَ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ.
١ - فَرْعٌ: إِذَا عُذِرَ مَنْ عَدَلَتْ بِهِ دَابَّتُهُ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ، أَوْ عَدَلَ هُوَ إِلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ وَطَالَ، بَطَلَتْ،
وَقِيلَ: لَا، فَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ لِأَنَّهُ مَغْلُوبٌ كَسَاهٍ،
وَإِنْ لَمْ يُعْذَرْ بِأَنْ عَدَلَتْ دَابَّتُهُ، وَأَمْكَنَهُ رَدُّهَا، أَوْ عَدَلَ إِلَى غَيْرِهَا مَعَ عِلْمِهِ، بَطَلَتْ،
وَكَذَا إِنِ انْحَرَفَ عَنْ جِهَةِ سَيْرِهِ فَصَارَ قَفَاهُ إِلَى الْقِبْلَةِ عَمْدًا، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَا انْحَرَفَ إِلَيْهِ جِهَةَ الْقِبْلَةِ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي،
وَإِنْ وَقَفَتْ دَابَّتُهُ تَعَبًا أَوْ مُنْتَظِرًا رُفْقَةً أَوْ لَمْ يَسِرْ كَسَيْرِهِمْ أَوْ نَوَى النُّزُولَ بِبَلَدٍ دَخَلَهُ اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ،
وَإِنْ نَزَلَ فِي أَثْنَائِهَا نَزَلَ مُسْتَقْبِلًا وَأَتَمَّهَا، نُصَّ عَلَيْهِ،
وَإِنْ أَقَامَ فِي أَثْنَائِهَا أَتَمَّ صَلَاةَ مُقِيمٍ،
وَإِنْ رَكِبَ مَاشٍ فِيهَا أَتَمَّهَا، وَالْمُقَدَّمُ بُطْلَانُهَا.
١ - (وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ إِصَابَةُ الْعَيْنِ) أَيْ: عَيْنِ الْكَعْبَةِ (لِمَنْ قَرُبَ مِنْهَا) وَهُوَ مَنْ كَانَ مُعَايِنًا لَهَا، أَوْ نَاشِئًا بِمَكَّةَ، أَوْ كَثُرَ مَقَامُهُ فِيهَا، فَيَلْزَمُهُ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ مِنْ بَدَنِهِ عَنْهَا، نُصَّ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى التَّوَجُّهِ إِلَى عَيْنِهَا قَطْعًا، فَلَمْ يَجُزِ الْعُدُولُ عَنْهُ وَالتَّوَجُّهُ إِلَيْهَا ظَنًّا، فَعَلَى هَذَا لَوْ خَرَجَ بِبَعْضِ بَدَنِهِ عَنْ مَسَامِتِهَا، لَمْ تَصِحَّ،
وَقِيلَ: بَلَى فَإِنْ كَانَ ثَمَّ حَائِلٌ أَصْلِيٌّ مِنْ جَبَلٍ وَنَحْوِهِ، وَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ التَّعْيِينُ، اجْتَهَدَ إِلَى عَيْنِهَا،
وَعَنْهُ: أَوْ إِلَى جِهَتِهَا، وَذَكَرَ جَمَاعَةٌ إِنْ تَعَذَّرَ فَكَبَعِيدٍ، وَلَا يَضُرُّ عُلُوٌّ عَلَيْهَا، وَلَا نُزُولٌ عَنْهَا إِذَا أَخْرَجَهُ ذَلِكَ عَنْ بِنَائِهَا، وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَوْضِعِهَا، لِأَنَّ الْوَاجِبَ اسْتِقْبَالُهَا.
تَنْبِيهٌ: حُكْمُ مَنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ فِي اسْتِقْبَالِ قِبْلَةِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حُكْمُ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ، لِأَنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ،
وَقَالَ صَاحِبُ " النَّظْمِ "
وَكَذَا مَسْجِدُ الْكُوفَةِ لِاتِّفَاقِ الصَّحَابَةِ عَلَيْهِ، لَكِنْ
قَالَ فِي " الشَّرْحِ ": فِي قَوْلِ الْأَصْحَابِ نَظَرٌ،
فَإِنَّ صَلَاةَ الصَّفِّ الْمُسْتَطِيلِ فِي مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَحِيحَةٌ، مَعَ خُرُوجِ بَعْضِهِمْ عَنِ اسْتِقْبَالِ عَيْنِ الْكَعْبَةِ، لِكَوْنِ الصَّفِّ أَطْوَلَ مِنْهَا، وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَا يُقِرُّ عَلَى الْخَطَأِ صَحِيحٌ لَكِنْ إِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِ اسْتِقْبَالُ الْجِهَةِ، وَقَدْ فَعَلَهُ (وَإِصَابَةُ الْجِهَةِ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا) جَزَمَ بِهِ فِي " الْكَافِي " و" الْوَجِيزِ " وَقَدَّمَهُ فِي " التَّلْخِيصِ " و" الْمُحَرَّرِ " و" الْفُرُوعِ " وَهُوَ الْمَذْهَبُ، لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَصَحَّحَهُ، وَحَكَاهُ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِهِ، وَعَلِيٍّ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِأَنَّ الْإِجْمَاعَ انْعَقَدَ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الِاثْنَيْنِ الْمُتَبَاعِدَيْنِ يَسْتَقْبِلَانِ قِبْلَةً وَاحِدَةً، وَعَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الصَّفِّ الطَّوِيلِ عَلَى خَطٍّ مُسْتَوٍ.
لَا يُقَالُ: مَعَ الْبُعْدِ يَتَّسِعُ الْمُحَاذِي، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يَتَّسِعُ مَعَ التَّقَوُّسِ،
أَمَّا مَعَ عَدَمِهِ فَلَا، فَعَلَى هَذَا لَا يَضُرُّ التَّيَامُنُ وَالتَّيَاسُرُ فِي الْجِهَةِ، وَالْبَعِيدُ هُنَا مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْمُعَايَنَةِ، وَلَا عَلَى مَنْ يُخْبِرُهُ عَنْ عِلْمٍ،
وَعَنْهُ: يَلْزَمُهُ إِصَابَةُ عَيْنِهَا اخْتَارَهُ أَبُو الْخَطَّابِ، وَذَكَرَ أَبُو الْمَعَالِي أَنَّهُ الْمَشْهُورُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} وَقِيَاسًا عَلَى الْقَرِيبِ، وَالْخَبَرِ الْأَوَّلِ: لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى عُمُومِ الْأَمْكِنَةِ بَلْ هُوَ خَاصٌّ بِالْمَدِينَةِ وَمَا شَابَهَهَا، فَعَلَى هَذَا إِنْ تَيَامَنَ أَوْ تَيَاسَرَ بَطَلَتْ،
وَفِي " الرِّعَايَةِ " عَلَيْهَا: إِنْ رَفَعَ رَأْسَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ فَخَرَجَ بِوَجْهِهِ عَنِ الْقِبْلَةِ مُنِعَ،
وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدُوسَ، وَجَعَلَاهُ
فَائِدَةَ الْخِلَافِ، وَفِيهِ نَظَرٌ، بَلْ إِنَّمَا يَظْهَرُ فِي صُورَةٍ يَخْرُجُ فِيهَا الْمُصَلِّي عَنِ اسْتِقْبَالِ الْعَيْنِ إِلَى اسْتِقْبَالِ الْجِهَةِ، وَهَذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنِ الْعَيْنِ إِلَى الْجِهَةِ، وَإِنَّمَا خَرَجَ وَجْهُهُ خَاصَّةً
فإنْ أمكنَه -أيِ الراكِبَ- افْتِتاح الصلاةِ إلى القِبْلَةِ، فهل يلْزَمُه ذلك؛ على رِوايَتين. وأطْلقهما في «الشرحِ»، و «الفائق». وحَكاهما في «الكافِي» وَجْهَين؛ أحَدُهما، يلْزَمُه. وهو المذهبُ. جزَم به في «الهِداية»، و «المُذْهَبِ»، و «المستوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «والمحرَّر»، و «الوَجيزِ»، و «المنور»، وغيرهم. وصححه الناظِمُ. قال أبو المَعالِي وغيره: وهي المذهبُ. قال المَجدُ في «شرْحِه»: هذا ظاهِرُ المذهبِ.
قال في «الفروع»: ويلْزَمُ الراكِبَ الإحرامُ إلى القبْلةِ بلا مَشقة: نقلَه واخْتارَه الأكثر. قال ابنُ تميم: يلْزَمُه في أظْهَرِ الروايتين.
قال في «تَجْرِيدِ العِنَاية»: يلْزَمُه على الأظهر. وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقى. وقدمه الزركشى. والرواية الثَّانية، لا يلْزَمه. واخْتاره أبو بَكْر. وجزَم به في «الإسناد». وقدمه في «الرعايتَيْن». وهذه الرواية خرجَها أبو المَعالى والمُصَنف، مِنَ الرواية التى في صَلاةِ الخوف، وقد نقَل أبو داودَ وصالِح، يُعْجِبُنى ذلك.
فوائد؛ الأولَى، إذا أمكنَ الراكبَ فِعلها راكِعا وساجِدًا بلا مشقة، لَزِمه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ذلك. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نص عليه.
وقيل: لا يَلْزَمُه. قال في «الفُروعِ»: وذكَره في «الرِّعايةِ» رواية، للتساوِي في الرُّخَص العامَّةِ. انتهى. ولم أجده في «الرعاية» إلَّا قوْلا. واخْتارَه الآمِدِي، والمَجْد في «شرحِه»، وأطْلَقَهما في «الفائق». وتقدم نظِيرُه في دَورانِه. الثَّانية، لو عدلَتْ به دابته عن جهَةِ سيره، لعجزِه عنها، أو لجِماحِها ونحوه، أو عدَل هو إلى غيرِ القِبْلةِ غفْلَة، أوَ نوْمًا، أو جَهْلًا، أو لظنه أنها جِهَةُ سيرهِ وطالَ، بَطلتْ. على الصحيح منَ المذهبِ.
وقيل: لا تبطُلُ، فيَسْجُدُ للسهْوِ؛ لأنه مغْلوب كَساه. وأطْلَقَهما ابنُ تَميم، وابنُ حمْدانَ، في «الرعايةِ»
وقيل: يسْجُدُ بعدولِه هو. وإنْ قصُر لم تبطُلْ، ويَسْجُد للسهْو.
قلتُ: وحيث قلْنا: يسْجُدُ لفِعْلِ الدابةِ. فيُعايى بها.
وإنْ كان غيرَ معذور في ذلك بأنْ عدَلَتْ دابته وأمْكنَه ردُّها، أو عدَل إلى غيرِ القبْلةِ مع عِلْمِه، بَطلت.
وإنِ انْحَرَف عن جِهَةِ سيْرِه، فصار قفَاهُ إلى القِبْلةِ عمْدًا، بطلتْ، إلَّا أنْ يكونَ انْحِرافه إلى جِهَةِ القِبْلةِ. ذكَرَه القاضي. وهي مسألة الالْتِفاتِ المبْطِلِ. الثالثة، متى لم يَدُمْ سيره، فوقفَ لتَعَبِ دابتِه، أو منتظِرا للرُّفْقَةِ، أو لم يَسِرْ كَسَيْرِهم، أو نوَى النزول ببَلَد دخَله، استقْبَلَ القِبْلَةَ. الرابعةُ، يشْتَرَطُ في الراكبِ طهارة مَحلُّه، نحوَ سرْجٍ ورِكابٍ. الخامسةُ، لو ركِبَ . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
المُسافرُ النازِلُ، وهو يصَلِّي في نَفْلٍ، بَطَلتْ. على الصحيحِ من المذهب.
وقيل: يتمُّه كرُكوب ماشٍ فيه.
وإنْ نزَلَ الراكبُ في أثنائِها، نزَل مسُتقْبِلًا وأتمَّها. نص عليه.
تننيهان؛ أحدُهما، الضميرُ في قوله: فإنْ أمْكَنَه. عائدٌ إلى الراكب فقط،
ولا يجوزُ عوْدُه إلى الماشى، ولا إلى الماشى والراكبِ قطعًا؛ لأن الماشى إذا قلْنا: يباح له التَّطَوعُ. فإنَّه يَلْزَمُه افْتِتاحُ الصلاةِ إلى القِبْلةِ، قوْلا واحدًا، كما تقدم.
وأيضًا فإن قوْلَه: فإنْ أمْكَنَه. فيه إشْعارٌ بأنه تارَةً يُمكِنُه، وتارة لا يمكِنُه. وهذا لا يكونُ إلَّا في الراكبِ؛ إذِا الماشي لا يُتَصَورُ أنَّه لا يُمْكِنه.
ولا يصِحُّ عوْدُه إليهما لعدَمِ صحةِ الكلامِ. فيَتَعَينُ أنَّه عائدٌ إلى الرَّاكب، وهو صحيح. لكنْ قال ابنُ منجَّى في «شرحِه»: في عَوْدِه إلى الراكب أيضًا نظَر؛ لأن الروايتَيْن المذْكورَتين إنما هما في حالِ المُسايفَةِ. قال: ولقد أمْعَنْتُ في المطالعَةِ والمُبالغةِ مِن أجْلِ تصْحِيحِ كلامِ المُصَنِّفِ هنا.
قلتُ: ليس الأمْرُ كما قال؛
فإنَّ جماعة مِنَ الأصحابِ صرَّحوا بالرِّوايتَيْن؛ منهمُ الشارح، وابنُ تميم، وصاحِبُ «الفُروعِ»، و «الفائقِ»، و «تجْريدِ العناية»، وغيرُهم. وقد تقدم أن أَبا المَعالى والمُصَنِّفَ خرجًا رِواية بعدمِ اللزومِ، فذِكْرُ المُصَنِّفِ الروايتَيْن هنا اعْتِمادًا على الروايةِ المُخَرجَةِ، فلا نظَر في كلامِه، وإطْلاق الرِّوايةِ المُخَرجَةِ مِن غيرِ ذِكْر التخريج، كثير في كلامِ وَالْفَرْضُ فِي الْقِبْلَةِ إِصَابَةُ الْعَيْنِ لِمَنْ قرُبَ مِنْهَا، وإصَابَةُ الْجِهَةِ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهَا.
الأصحابِ. وأيضًا فقد قال في «الفُروعِ»: نقَل صالِحٌ، وأبو داودَ: يُعْجِبنى للراكب الإحرامُ إلى القِبْلةِ. وجمهورُ الأصحابِ أن ذلك للندْبِ، فلا يلزمه، فهذه رِواية بأنه لا يلْزَمُه. الثاني، مفْهوم كلامِ المصنفِ، أنَّه إذا لم يُمْكِنْه الافتتاح إلى القِبْلةِ، لا يلزمُه، قوْلا واحدًا. وهو صحيح، وهو المذهب، وعليه الأصحاب.
وقال القاضي: يحْتَمِلُ أنْ يلْزَمَه. ذكَرَه عنه في «الشرح». والفَرْض في القِبْلَةِ إصابةُ العين لمن قربَ منها. بلا نِزاع، وأَلْحَقَ الأصحابُ بذلك مسْجِدَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وما قربَ منه.
قال الناظِمُ: وفي معناه كل موْضع ثَبَتَ أنَّه صلى فيه، صلَواتُ الله وسلامُه عليه، إذا ضُبِطت جهَته. وألحَقَ الناظِمُ بذلك أَيضًا مسْجدَ الكوفَةِ؛ قال: لاتفاقِ الصحابةِ عليه. ولم يذْكرْه الجُمْهورُ.
وقال في «النُّكَتِ»: وفيما قالَه الناظِمُ نظر، لأنهم لم يُجْمِعوا عليه، وإنما أجْمَعَ عليه طائفةٌ منهم. وظاهِرُ كلامِ ابن منَجَّى في «شَرْحِه»، وجماعةٍ، عدَمُ الإلْحاقِ في ذلك كله. وإليه ميْلُ بعض مَشَايخِنا، وكان ينْصره.
وقال الشارحُ: وفيما قالَه الأصحابُ نظر. ونصَر غيرَه.
فوائد؛ الأولَى، يَلْزَمُه اسْتِقْبالُ القِبْلةِ ببَدنِه كلِّه. على الصحيح مِنَ المذهبِ. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
نصَّ عليه. وقيلَ: ويُجْزِئُ ببَعضِه أَيضًا. اخْتارَه ابنُ عَقِيل. الثانيةُ، المراد بقولِه: لمن قربَ منها. المُشاهِدُ لها،
ومَن كان يُمكنه مِن أهْلِها، أو نشأ بها مِن وراءِ حائل مُحْدَث؛ كالجُدرانِ ونحوِها،
فلو تعَذَّرَ إصابة العَين للقريبِ، كمن هو خلف جبل ونحوِه، فالصحيح مِنَ المذهبِ؛ أنَّه يجْتَهِدُ إلى عَينها.
وعنه، أو إلى جِهَتِها. وذكر جماعة مِنَ الأصحاب، إنْ تَعَذَّرَ إصابة العين للقريبِ، فحُكْمه حُكمُ البعيدِ.
وقال في «الواضِحِ»: إنْ قدَر على الروايةِ، إلَّا أنَّه مُستتِر بمنزل أو غيره، فهو كمشاهِدٍ.
وفي رِواية، كبَعيد. الثَّالثةُ، نص الإمامُ أحمدُ، أن الحِجرَ مِن البَيتِ. وقَدْرُه سِتَّةُ أذرُعٍ وشئ. قاله في «التلخيص» وغيرِه.
وقال ابنُ أبِي الفَتْحِ: سَبْعَة. وقدم ابنُ تميم، وصاحِبُ «الفائقِ»، جوازَ التَّوَجُّهِ إليه، وصححه في «الرعاية». وهو ظاهرُ ما قدمه في «الفُروعِ». قال الشيخُ تقِي . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدينِ: هذا قِياس المذهبِ. والداخِلُ في حدودِ البيتِ سِتةُ أذرُعٍ وشئ. قال القاضي في «التعليقِ»: يجوزُ التوجه إليه في الصلاةِ.
وقال ابنُ حامِد: لا يصِح التوَجُّهُ إليه. وجزَم به ابن عَقِيل في النسخ. وجزَم به أبو المعالي في المَكى.
وأما صلاةُ النافِلَةِ، فمُسْتَحَبة فيه.
وأما الفَرض، فقال ابنُ نصْرِ اللهِ، في «حَواشى الفُروعِ»: لم أر به نقْلا، والظاهِرُ أن حُكْمَها حُكمُ الصلاةِ في الكَعْبَةِ. انتهى.
قلتُ: يتوَجهُ الصحةُ فيه، وإن مَنَعْنا الصحةَ فيها. وإصابَة الجِهَةِ لمَن بَعُدَ عنها. وهذا المذهبُ. نصٌّ عليه، وعليه جمهورُ الأصحابِ، وهو المعمولُ به في المذهبِ.
قال في «الفرِوعِ»: على هذا كلامُ أحمدَ والأصحابِ. وصححه في «الحاوِيين». فعليها يعفى عن الانحِرافِ قليلًا. قال المجْدُ في «شرحِه» وغيرِه: فعليها لا يضر التيامُنُ والتياسر ما لم يخرُجْ عنها. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وعنه، فرْضه الاجْتِهاد أبي عينِها والحالَة هذه. قدمه في «الهِدايةِ»، و «الخلاصة»، و «الرِّعايتيْن»، و «الحاويَيْن». قال أبو المَعالى: هذا هو المشهورُ. فعليها يضرُّ التيامُنُ والتياسر عن الجِهَةِ التى اجْتَهَد إليها.
وقال في «الرعاية» على هذه الرواية: إنْ رفَع وَجْهَه نحوَ السماء، فخرَج به عنِ القِبلةِ، منعَ. قال أبو الحُسَيْن ابنُ عَبْدُوس، في كتاب «المُهَذب»: إن
فائدَة الخِلافِ في أنْ الفَرْضَ في اسْتِقْبالِ القِبْلةِ، هل هو العَينُ أو الجِهَة؛ إنْ قلْنا: العَينُ. فمتى رفَع رأسه ووَجْهَه إلى السَّماءِ حتَّى خرج وَجْهُه عن مُسامَتَةِ القِبلَةِ، فسَدَتْ صلاتُه. قال ابنُ رَجبٍ، في «الطَّبَقاتِ»: كذا قال. وفيه نظر. انتهى. ونقَل فَإنْ أمْكَنَهُ ذلِكَ بِخَبَرِ ثِقَةٍ عَنْ يَقِينٍ أوِ اسْتِدْلَالٍ بِمَحَارِيبِ الْمُسْلِمِينَ، لَزِمَهُ الْعَمَلُ بِهِ.
وَإنْ وَجَدَ مَحَارِيبَ لَا يَعْلَمُ هَل هِيَ لِلْمُسْلِمِينَ أوْ لَا، لَمْ يَلْتَفِتْ إلَيْهَا.
مُهَنَّا وغيرُه: إذا تجَشَّأ وهو في الصَّلاةِ، يَنْبِغى أنْ يرْفَعَ وَجْهَه التي فوقُ، لئلَّا يُؤذِيَ مَن حوْلَه بالرَّائحةِ.
وقال ابنُ الجَوْزِيِّ في «المُذْهَبِ»: يسْتَديرُ الصَّفَّ الطَّويلَ.
وقال ابنُ الزَّاغُونِيِّ في «فَتاوِيه»: في اسْتِدارةِ الصَّفِّ الطويلِ رِوايَتان، إحْدَاهما، لا يَسْتَديرُ؛ لخفائِه وعُسْرِ اعْتِبارِه. الثَّانية، ينْحَرِفُ طَرَفَ الصَّفِّ يسيرًا، يجمعُ به توَجُّهَ الكُلِّ إلى العَينِ.
فائدة: البُعْدُ هنا هو بحيثُ لا يقْدِرُ على المُعاينَةِ، ولا على مَن يُخْبِرُه عن عِلْمٍ. قالَه غيرُ واحدٍ مِنَ الأصحابِ، وليس المُرادُ بالبُعْدِ مَسافَةَ القَصْرِ، ولا بالقُرْبِ دُونَها.
قال في «الفُروعِ»: ولم أجِدْهُم ذكَرُوا هنا ذلك.
قال: (والفرض في القبلة إصابة العين لمن قرب منها. وإصابة الجبهة لمن بعد عنها) .
أما كون الفرض في القبلة إصابة العين لمن قرب من الكعبة فلا خلاف فيه. ووجهه أنه قادر على التوجه إلى عين الكعبة قطعاً فلم يجز العدول عنه والتوجه إليها ظناً.
والمراد بمن قرب المشاهِدُ لها ومن كان بمكة من أهلها أو ناشئاً بها من وراء حائل محدث كالجدران:
أما المشاهد لها؛ فلأنه قادر على إصابة العين من غير مشقة البتة.
وأما من كان من وراء حائل ممن ذكر؛ فلأنه قادر على إصابة العين بأسباب موصلة إلى ذلك قطعاً على وجه السهولة واليسر فلزمه ذلك كمن صلى بحضرة الكعبة وبينه وبينها رجل قائم أو ستر معلق فإنه يلزمه أن يتسبب إلى أن يعلم عين الكعبة فكذلك هاهنا.
وأما كون الفرض فيها إصابة الجهة لمن بَعُد عنها؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«ما بين المشرق والمغرب قبلة». قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
تُرك العمل به في حق من قرب لما تقدم فيبقى فيما عداه على مقتضاه. ولأن الإجماع منعقد على صحة صلاة المتباعدين يستقبلان قبلة واحدة ولا يمكن أن يصيب العين إلا أحدهما.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله هنا أنه لا فرق فيمن بَعُد بين من كان قريباً من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وبين من لم يكن. ووجهه عموم ما تقدم.
وقال أبو الخطاب: حكم من قرب من مسجد النبي صلى الله عليه وسلم حكم من قرب من الكعبة. وصرح به المصنف رحمه الله في المغني. ووجهه أن قبلة مسجد النبي صلى الله عليه وسلم صحيحة قطعاً لأنه لا يقر على الخطأ.
ويمكن أن يجاب عنه بأن الفرض إذا كان الجهة لم يكن نصب القبلة إلى غير العين خطأ.
وفي قوله تعالى:{فول وجهك شطر المسجد الحرام} دليل على أن الفرض الجهة؛ لأن الشطر قد فسر بالنحو. والنحو الجهة لا العين. ويعضده قوله عليه السلام:«ما بين المشرق والمغرب قبلة».
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.