قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِلَّا فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِلَّا فِي تِسْعَةِ أَشْيَاءَ: النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَالرَّجْعَةِ وَالرِّقِّ، وَالْوَلَاءِ وَالِاسْتِيلَادِ، وَالنَّسَبِ وَالْقَذْفِ، وَالْقِصَاصِ
الشروح عليها
بابُ اليَمينِ في الدَّعاوَى (وهى مَشْروعةٌ في حَقِّ المنكِرِ في كلِّ حَقٍّ لآدَمِىٍّ) وجملةُ ذلك، أنَّ الحُقوقَ على ضَرْبَيْنِ؛ أحدُهما، ما هو حَقٌّ لآدَمِىٍّ. والثانى، ما هو حَقٌّ للَّه تِعالى. وحَقُّ الآدَمِىِّ يَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ؛ أحدُهما، ما هو مالٌ، أو المقْصودُ منه المالُ؛ كالبَيْعِ، والقَرْضِ، والصُّلْحِ، والغَصْبِ، والجِنايةِ المُوجِبَةِ للمالِ، فيُسْتَحْلَفُ فيه؛ لقَوْلِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْبَيِّنَةَ عَلَى المُدَّعِى واليَمِينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيْهِ».
مُتَّفَقٌ عليه . ولحَديثِ الحَضْرَمِىِّ والكِنْدِىِّ . القسمُ الثانى، ما ليس بمالٍ، ولا المقْصودُ منه المالَ، وهو كلُّ ما لا يَثْبُتُ إلَّا بشَاهِدَيْنِ؛ كالقِصاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، والنِّكاحِ، والطَّلاقِ، والرَّجْعَةِ، والعِتْقِ، والنَّسَبِ، والاسْتِيلادِ ، والوَلاءِ، والرِّقِّ، ففيه رِوايتان؛ إحداهما، لا يُسْتَحْلَفُ المُدَّعَى عليه، ولا تُعْرَضُ عليه اليَمِينُ. قال أحمدُ: ولم أسمَعْ مَن مَضَى جَوَّزَ الأيْمانَ إلَّا في الأمْوالِ والعُرُوضِ خاصَّةً. وهذا قولُ مالكٍ. ونحوُه قولُ أبى حنيفةَ، فإنَّه قال: لا يُسْتَحْلَفُ في النِّكاحِ، وما يَتعلَّقُ به مِن دَعْوَى الرَّجْعَةِ والفَيْئَةِ في الإِيلاءِ، ولا في الرِّقِّ وما يتَعلَّقُ به مِن الاسْتِيلادِ والوَلاءِ والنَّسَبِ؛
لأَنَّ هذه الأشْياءَ لا يَدْخُلُها البَدَلُ، وإنَّما تُعْرَضُ اليَمِينُ فيما يدْخُلُها البَدَلُ؛
فإنَّ المُدَّعَى عليه مُخَيَّرٌ بينَ أن يَحْلِفَ أو يُسَلِّمَ، ولأَنَّ هذه الأشياءَ لا تَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْنِ ذَكَرَيْنِ، فلا تُعْرَضُ فيها اليَمِينُ، كالحدودِ. والروايةُ الثَّانيةُ، يُسْتَحْلَفُ في الطَّلاقِ، والقِصاصِ، والقَذْفِ.
وقال الخِرَقِىُّ: إذا قال: ارْتَجَعْتُكِ. فقالت: انْقَضَتْ عِدَّتِى قبلَ رَجْعَتِكَ. فالقولُ قولُها مع يَمِينِها.
وإذا اخْتَلَفا في مُضِىِّ الأرْبعةِ الأشْهُرِ في الإِيلاءِ، فالقولُ قوْلُه مع يَمِينِه. فَيُخَرَّجُ مِن هذا أنَّه يُسْتَحْلَفُ في كلِّ حَقٍّ لآدَمِىٍّ. وهذا قولُ الشافعىِّ، وأبى يوسفَ، ومحمدٍ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بدَعْواهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وأمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ اليَمِينَ على المُدَّعَى عليه». [مُتَّفَقٌ عليه]. وهذا عامٌّ في كلِّ مُدُّعًى عليه ، وهو ظاهِرٌ في دَعْوَى الدِّماءِ؛ لذِكْرِها في الدَّعْوَى مع عُمومِ الأحاديثِ، ولأنَّها دَعْوَى صَحيحةٌ في حَقِّ آدَمِىٍّ، فجازَ أَنْ يَحْلِفَ عليه، كدَعْوَى المالِ.
وهذا أَوْلَى إن شاءَ اللَّهُ تعالى. و (قال أبو بكرٍ) عبدُ العزيزِ: تُشْرعُ اليَمِينُ في كلِّ حَقٍّ لآدَمِىٍّ (إلَّا في النِّكاحِ والطَّلاقِ) لأَنَّ هذا ممَّا لا يَحِلُّ بَذْلُه، فلم يُسْتَحْلَفْ فيه ، كحُقوقِ اللَّهِ سبحانه، وإنَّما كان كذلك؛ لأَنَّ الأبْضاعَ ممَّا يُحْتاطُ لها، فلا تُسْتَباحُ بالنُّكُولِ، لأَنَّ النُّكُولَ ليس بحُجَّةٍ قَوِيَّةٍ، لأنَّه سُكُوتٌ مُجَرَّدٌ، يَحْتَمِلُ أن يكونَ للخَوْفِ مِن اليَمِينِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ للجَهْلِ بحَقِيقةِ الحالِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لعِلْمِه بصِدْقِ المُدَّعِى، ومع هذه الاحْتِمالاتِ لا يَنْبَغِى أن يُقْضَى به فيما يُحْتاطُ له (وقال أبو الخَطَّابِ) : تُشْرَعُ اليَمِينُ في كلِّ حَقٍّ لآدَمِىٍّ (إلَّا في تِسْعةِ أشياءَ؛ النِّكاحِ، والرَّجْعَةِ، والطَّلَاقِ، والرِّقِّ، والوَلاءِ، والاسْتِيلادِ، والنَّسَبِ، والقَذْفِ، والقِصاصِ) لأَنَّ البَدَلَ لا يَدْخُلُ هذه الأشياءَ، فلم يُسْتَحْلَفْ فيها، كحُقوقِ اللَّه سبحانه
بَابُ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى] [مَشْرُوعِيَّة اليمين في الدعاوي] بَابُ الْيَمِينِ فِي الدَّعَاوَى الْيَمِينُ تَقْطَعُ الْخُصُومَةَ فِي الْحَالِ، وَلَا تُسْقِطُ الْحَقَّ. وَتَصِحُّ يَمِينُ كُلِّ مُكَلَّفٍ مُخْتَارٍ تَوَجَّهَتْ عَلَيْهِ دَعْوَى صَحِيحَةٌ فِيمَا يَصِحُّ بَذْلُهُ.
وَمَنْ أَنْكَرَ بُلُوغَهُ بَعْدَ إِقْرَارِهِ، أَوِ ادَّعَاهُ لِتِسْعِ سِنِينَ صُدِّقَ بِلَا يَمِينٍ.
فَإِذَا بَلَغَ حَلَفَ. وَقِيلَ: إِنِ ادَّعَاهُ بِالسِّنِّ احْتَاجَ بَيِّنَةً فَلَا يُحَلِّفُهُ.
وَلَا يَحْلِفُ وَصِيٌّ عَلَى نَفْيِ الدَّيْنِ عَلَى الْمُوصِي.
قَالَ ابْنُ حِمْدَانَ: بَلْ عَلَى نَفْيِ لُزُومِهِ مِنَ التَّرِكَةِ إِلَى الْمُدَّعِي. وَلَا شَاهِدَ عَلَى صِدْقِهِ إِلَّا الْمُرْضِعَةُ، وَلَا حَاكِمَ عَلَى حُكْمِهِ أَوْ نَفْيِهِ أَوْ عَدْلِهِ أَوْ نَفْيِ جَوْرِهِ وَظُلْمِهِ،
وَلَوْ مَعْزُولًا، وَلَا الْمُدَّعِي إِذَا طَلَبَ يَمِينَ خَصْمِهِ، فَقَالَ: لِيَحْلِفْ أَنَّهُ مَا أَحْلَفَنِي.
وَقِيلَ: بَلْ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي أَنَّهُ لَمْ يُحَلِّفْهُ،
فَإِنْ أَبَى حَلَفَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَمِينَ الرَّدِّ. وَلَا الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِذَا قَالَ الْمُدَّعِي: لِيَحْلِفْ أَنَّهُ مَا أَحْلَفَنِي. وَلَا مَنْ حُكِمَ لَهُ بِشَيْءٍ فَقَالَ خَصْمُهُ: إِنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ.
وَإِنْ ادَّعَى الْوَصِيُّ أَنَّ الْمَيِّتَ وَصَّى لِلْفُقَرَاءِ بِشَيْءٍ فَأَنْكَرَهُ الْوَرَثَةُ، وَنَكَلُوا عَنِ الْيَمِينِ حُبِسُوا حَتَّى يَحْلِفُوا أَوْ يُقِرُّوا.
وَقِيلَ: يَحْكُمُ بِذَلِكَ، وَلَا يَحْلِفُ الْوَصِيُّ.
وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ فِي دَفْتَرِهِ دَيْنًا عَلَى رَجُلٍ لِمَيِّتٍ لَا وَارِثَ لَهُ وَلَمْ يَحْلِفْ، حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يُقِرَّ. وَلَا يَحْلِفُ الْحَاكِمُ، فِي الْأَصَحِّ. (وَهِيَ مَشْرُوعَةٌ فِي حَقِّ الْمُنْكِرِ فِي كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ) فِي رِوَايَةٍ اخْتَارَهَا الْمُؤَلِّفُ، وَجَزَمَ بِهَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ، وَقَدَّمَهَا ابْنُ رَزِينٍ، وَذَكَرَ فِي الشَّرْحِ: أَنَّهَا أَوْلَى ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَوْ يُعْطَى النَّاسُ بِدَعْوَاهُمْ، لَادَّعَى قَوْمٌ دِمَاءَ رِجَالٍ وَأَمْوَالَهُمْ، وَلَكِنَّ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ» فَجَعَلَ الْيَمِينَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ بَعْدَ ذِكْرِ الدِّمَاءِ، وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الدَّعْوَى بِالدَّمِ تُشْرَعُ فِيهَا الْيَمِينُ، وَسَائِرُ الْحُقُوقِ
إِمَّا مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ فَوَجَبَ مَشْرُوعِيَّةُ الْيَمِينِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ؛ وَلِأَنَّهَا دَعْوَى صَحِيحَةٌ فِي حَقِّ آدَمِيٍّ كَدَعْوَى الْمَالِ.
وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ: أَنَّهَا تُشْرَعُ فِي كُلِّ حَقِّ آدَمِيٍّ غَيْرِ الْعَشَرَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ، وَسَيَأْتِي؛ لِأَنَّهُ
إِمَّا مَالٌ أَوْ مَا يُقْصَدُ مِنْهُ الْمَالُ. وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الْيَمِينِ فِي ذَلِكَ، إِذَا لَمْ تَكُنْ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ. (قَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِلَّا فِي النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ) فَإِنَّهُ لَا يُسْتَحْلَفُ فِيهِمَا. قَالَ: وَهُوَ الْغَالِبُ عَلَى قَوْلِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ ; لِأَنَّ أَمْرَهُمَا أَشَدُّ وَلَا يَدْخُلُهُمَا الْبَدَلُ. (وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إِلَّا فِي تِسْعَةِ أَشْيَاءَ: النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَالرَّجْعَةِ وَالرِّقِّ، وَالْوَلَاءِ وَالِاسْتِيلَادِ، وَالنَّسَبِ وَالْقَذْفِ، وَالْقِصَاصِ) قَدَّمَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَجَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ وَالْآدَمِيُّ، وَزَادُوا: الْإِيلَاءَ ;
لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، فَلَا تُشْرَعُ فِيهَا الْيَمِينُ كَالْحُدُودِ.
لا يتكلم على هذه المسألة.
باب اليمين في الدعاوى] قال المصنف: (وهي مشروعةٌ في حق المنكر في كل حقٍّ لآدمي. قال أبو بكر: إلا في النكاح والطلاق. وقال أبو الخطاب: إلا في تسعة أشياء: النكاح والرجعة والطلاق والرق والولاء والاستيلاد والنسب والقذف والقصاص.
وقال القاضي: في الطلاق والقصاص والقذف روايتان، وسائر التسعة لا يستحلف فيه (١) رواية واحدة.
وقال الخرقي: لا يحلف في القصاص، ولا المرأة إذا أنكرت النكاح، وتحلف إذا ادعت انقضاء عدتها،
وإذا أنكر المولي مضي الأربعة الأشهر حلف،
وإذا أقام العبد شاهداً بعتقه حلف معه).
أما كون اليمين مشروعة في حق المنكر في كل حقٍّ لآدمي وهو احتمال في المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لو يُعطى الناسُ بدعواهم لادعى قومٌ دماءَ رجال وأموالهم. ولكن اليمينَ على المدعَى عليه». جعل اليمين على المدعى عليه بعد ذكر الدماء، وذلك ظاهر في أن الدعوى بالدم يشرع فيها اليمين، وسائر الحقوق
إما مثله أو دونه. فوجب مشروعية اليمين في ذلك كله؛ لما ذكر ولعموم النص سواه.
وظاهر المذهب أنها لا تشرع في كل حقٍّ لآدمي؛ لأنها لا تشرع في بعض حقوقه؛ لما يأتي ذكره في موضعه.
وأما كونها مشروعة في غير الأشياء المستثناة؛ فلأنه
إما مالٌ أو المقصود منه المال، ولا خلاف بين أهل العلم في مشروعية اليمين في ذلك إذا لم يكن للمدعي بينة. والأصل فيه قضية الحضرمي والكندي المتقدم ذكرها غير مرة ، وعموم قوله عليه السلام:«ولكن اليمينَ على المدعَى عليه».
وأما كونها لا تشرع في النكاح والطلاق على قول أبي بكر؛ فلأن النكاح لا مدخل للبدل فيه والطلاق يتبعه.
ولأن أمرهما أشد من غيرهما. فوجب تخصيصهما بذلك.
وأما كونها لا تشرع في الأشياء التسعة المذكورة على قول أبي الخطاب؛ فلأن منها: النكاح والطلاق وباقيها يساويها في كونها ليست مالاً.
ولأن ذلك لا يثبت إلا بشاهدين. فلا يشرع فيه اليمين؛ كالحدود.
وأما كونها لا تشرع في الطلاق والقصاص والقذف في روايةٍ وتشرع في روايةٍ؛ فلأن النظر إلى تأكدها يقتضي أن لا يشرع اليمين فيها والنظر إلى أنها حق آدمي يقتضي أن يشرع فيها.
وأما كون سائر التسعة لا يستحلف فيه رواية واحدة؛ فلتأكدها وعدم مساواة غيرها لها.
وأما كون القصاص لا يحلف فيه ولا المرأة إذا أنكرت النكاح على قول الخرقي؛ فلأن القصاص حد يدرأ بالشبهة، والمرأة لا يصح بدلها.
وأما كونها تحلف إذا ادعت انقضاء عدتها على قوله؛ فلما فيه من الاحتياط لبضعها.
وأما كون المُولي إذا أنكر مضي الأربعة الأشهر يحلف على قوله؛ فلأنه إذا لم يحلف يؤدي إلى ضرر المرأة وذلك منتفٍ.
وأما كون العبد إذا أقام شاهداً يحلف معه على قوله؛ فلأن عتقه نقل ملك. أشبه البيع.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.