ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ الرَّحِيمِ وَفِيهَا إِحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً إِيَّاكَ أَنْعَمْتَ اهْدِنَا
الشروح عليها
مسألة: (ثم يَقْرَأُ الفاتِحَةَ، وفيها إحْدَى عَشَرةَ تَشْدِيدَةً) قِراءَةُ الفاتِحَةِ رُكْنٌ مِن أرْكانِ الصلاةِ، لا تَصِحُّ إلَّا به، في المَشْهُورِ عن أحمدَ. وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ. ورُوِيَ عن عُمَرَ، وعثمانَ بنِ أبي العاصِ، وخَوّاتِ بنِ جُبَيْرٍ ، رَضِيَ اللهُ عنهم، أنَّهم قالُوا: لا صلاةَ إلَّا بقِراءَةِ فاتِحَةِ الكِتابِ. ورُوِيَ عن أحمدَ أنَّها لا تَتَعَيَّنُ، ويُجْزِئُ قِراءَةُ آيَةٍ مِن القُرْآنِ، أيَّ آيةٍ كانت. وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاِته:«ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ».
وقولِ اللهِ تعالى:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ}. ولأنَّ الفاتِحَةَ وسائِرَ القُرآنِ سَواءٌ في سائِرِ الأحْكامِ، كذلك في الصلاةِ. ولَنا، ما روَى عُبادَةُ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكتَابِ». مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّ القِراءَةَ رُكْنٌ في الصلاةِ، فكانت مُعَيَّنَةَ، كالرُّكُوعِ والسُّجُودِ.
فأمّا خَبَرُهم، فقد روَى الشافعيُّ بإسْنادِه، عن رِفاعَةَ بنِ رافِعٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال للأعْرابِيِّ:«ثُمَّ اقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ، وَمَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَقْرَأَ». ثم يُحْمَلُ على الفاتِحَةِ وما تَيَسَّرَ معها، ويَحْتَمِلُ أنَّه لم يَكُنْ يُحْسِنُ الفاتِحَةَ،
وكذلك نقُولُ في الآيَةِ: يَجُوزُ أن يكُونَ أراد الفاتِحَةَ وما تَيَسَّرَ، ويَحْتَمِلُ أنَّها نَزَلَتْ قبلَ نُزُولِ الفاتِحَةِ. والمَعْنَى الذى ذَكَرُوه أجْمَعْنا على خِلافِه؛
فإنَّ مَن تَرَكَ الفاتِحَةَ، كان مُسِيئًا،
بخِلافِ بَقِيَّةِ السُّوَرِ. وتَشْدِيداتُ الفاتِحَةِ إحْدَى عَشْرَةَ، بغيرِ خِلافٍ؛ أوُّلُها اللَّامُ في {لِلَّهِ}، والباءُ في {رَبِّ}، والراءُ في {الرَّحْمَنِ}،
وفي {الرَّحِيمِ}، والدَّالُ في {الدِّينِ}،
وفي {إِيَّاكَ}، و {إِيَّاكَ} تَشْدِيدَتان،
وفي {الصِّرَاطَ}، على الصَّادِ، وعلى اللّامِ في {الَّذِينَ}،
وفي {الضَّالِّينَ} تَشْدِيدَتان، في الضّادِ واللّامِ.
وإذا قُلْنا: البَسْمَلَةُ مِنها. صار فيها أرْبَعَ عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً؛ [لأنَّ في البَسْمَلَةِ ثَلاثًا].
فصل: وتَجِبُ قِراءَةُ الفاتِحَةِ في كلِّ رَكْعَةٍ، في حَقِّ الإِمامِ والمُنْفَرِدِ، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ. وهو قولُ مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ. وعن أحمدَ، أنَّها لا تَجِبُ إلَّا في رَكْعَتَيْن مِن الصلاةِ. ونَحْوُه يُرْوَى عن النَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ. ونَحْوُه عن الأوْزاعِيِّ أَيضًا؛ لِما رُوىَ عن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: اقْرَأْ في الأُولَيَيْن، وسَبِّحْ في الأُخْرَيَيْن. ولأنَّ القِراءَةَ لو وَجَبَتْ في بَقِيَّةِ الرَّكَعاتِ، لسُنَّ الجَهْرُ بها في بَعْضِ الصَّلَواتِ، كالأُولَيَيْن.
وعن الحسنِ: أنَّه إن قَرَأ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ أجْزَأ. وقالت طائِفَةٌ: إن تَرَك قِراءَةَ القُرْآنِ في رَكْعَةٍ واحِدَةٍ، سَجَد للسَّهْوِ، إلَّا في الصُّبْحِ، فإنَّه يُعِيدُ. رُوِيَ هذا عن مالكٍ. ورُوِيَ عن إسحاقَ، أنَّه قال: إذا قَرَأ في ثَلاثِ رَكَعاتٍ، إمامًا أو مُنْفَرِدًا، فصَلاتُه جائِزَةٌ؛ وذلك لقَوْلِ اللهِ تعالى:{فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ}. ولَنا، ما روَى أبو قَتادَةَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقْرَأْ في الظُّهْرِ في الأُولَيَيْن بأُمِّ الكتابِ وسُورَتَيْن، ويُطَوِّلُ في الأُولَى، ويُقَصِّرُ في الثّانِيَةِ، ويُسْمِعُ الآيَةَ أحْيانًا،
وفي الرَّكْعَتَيْن الأُخْريَيْن بأُمِّ الكِتابِ. وقال:«صَلُّوا كَمَا رَأَيّتُمُونِي أُصَلِّي». مُتَّفَقٌ عليهما . وروَى أبَو سعيدٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» .
وعنه، وعن عُبادَةَ بنِ الصّامِتٍ، قالا: أمَرَنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن نَقْرَأ بفاتِحَةِ الكتابِ، في كلِّ رَكْعَةٍ . رَواهما إسماعيلُ بنُ سعيدٍ الشَّالَنْجِيُّ. ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عَلَّمَ المُسِيءَ في صَلاِته كيف يُصَلِّي الرَّكْعَةَ الأُولَى، ثم قال:«وَافْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِكَ كُلُّهَا». فيَتَناوَل الأمرَ بالقِراءَةِ. وحديثُ عليٍّ يَرْوِيه الحَارِثُ الأعْوَرُ، قال الشَّعْبِيُّ: كان كَذَّابًا.
ولو صَحَّ، فقد خالَفَه عُمَرُ، وجابِرٌ. والإسْرارُ بها لا يَنْفِي وُجُوبَها، كالأُولَيَيْن في الظُّهْرِ.
فصل: وأقَلُّ ما يُجْزِئُ قِراءَةٌ مَسْمُوعَةٌ يُسْمِعُها نَفْسَه، أو يكُونُ بحيث يَسْمَعُها لو كان سَمِيعًا، إلَّا أن يكونَ ثَمَّ ما يَمْنَعُ السَّماعَ، كقَوْلِنا في التَّكْبِيرِ،
فإنَّ ما دُونَ ذلك ليس بقِراءَةٍ. والمُسْتَحَبُّ أن يَأْتِيَ بها مَرَتَّلَةً مُعْرَبَةً، يَقِفُ فيها عندَ كلِّ آيَةٍ، ويُمَكِّنُ حُرُوفَ المَدِّ واللِّينِ، ما لم يُخْرِجْه ذلك إلى التَّمْطِيطِ؛ لقَوْلِ اللهِ تعالى:{وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا}. ورُوِيَ عن أُمِّ سَلَمَةَ، أنَّها سُئِلَتْ عن قِراءَةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قالت: كان يُقَطِّعُ قِراءَتَه آيَةً آيَةً: {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * مَالِكٍ يَوْمِ الدِّينِ}. مِن المُسْنَدِ .
وعن أنَسٍ، قال: كانت قِراءَةُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مَدًّا. ثم قَرَأ {بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}. يَمُدُّ {بِسْمِ اللهِ}، ويَمُدُّ {الرَّحْمَنِ} ويَمُدُّ {الرَّحِيمِ}. أخْرَجَه البُخارِيُّ .
فإن أخْرَجَه ذلك إلى التَّمْطِيطِ والتَّلْحِينِ كان مَكْرُوهًا؛ لأنَّه رُبَّما جَعَل الحَرَكاتِ حُرُوفًا. قال أحمدُ: يُعْجِبُنِي مِن قِراءَةِ القرآنِ السَّهْلَةُ.
وقال: قَوْلُه: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بِأصْوَاتِكُمْ». قال: يُحَسِّنُه بصَوْتِه مِن غيرِ تَكَلُّفٍ. وقد رُوِيَ في خَبَرٍ:«أحْسَنُ النَّاسِ قِرَاءَةً مَنْ إذَا سَمِعْتَ قِرَاءَتَهُ رَأيْتَ أنَّهُ يَخْشَى اللهَ». ورُوِيَ:«إنَّ هَذَا الْقُرْآنَ نَزَلَ بِحُزْنٍ فَاقْرَءُوهُ بِحُزْنٍ».
٣٩١ -
(ثُمَّ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ) وَهِيَ رُكْنٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ لِمَا رَوَى عُبَادَةُ مَرْفُوعًا: «لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
وَفِي لَفْظٍ:«لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ،
وَقَالَ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا:«مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ يَقُولُهُ ثَلَاثًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَالْخِدَاجُ: النُّقْصَانُ فِي الذَّاتِ نَقْصَ فَسَادٍ وَبُطْلَانٍ. تَقُولُ الْعَرَبُ: أَخْدَجَتِ النَّاقَةُ وَلَدَهَا أَيْ: أَلْقَتْهُ، وَهُوَ دَمٌ لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ.
فَإِنْ نَسِيَهَا فِي رَكْعَةٍ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا، وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ: أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا فِيمَا بَعْدَهَا مَرَّتَيْنِ، وَيَعْتَدُّ بِهَا، وَيَسْجُدُ لِلسَّهْوِ،
وَعَنْهُ: فِي الْأُولَيَيْنِ، وَعَنْهُ: يَكْفِي آيَةٌ مِنْ غَيْرِهَا،
وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَصُرَتْ، وَلَوْ كَانَتْ كَلِمَةً،
وَعَنْهُ: سَبْعٌ، وَعَنْهُ: مَا تَيَسَّرَ،
وَعَنْهُ: لَا تَجِبُ قِرَاءَةٌ فِي غَيْرِ الْأُولَيَيْنِ، وَالْفَجْرِ، لِقَوْلِ عَلِيٍّ، وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْفَاتِحَةَ تَتَعَيَّنُ فِي رَكْعَةٍ، وَيَأْتِي حُكْمُ الْمَأْمُومِ فِي قِرَاءَتِهَا.
١ - بَدِيعَةٌ: سُمِّيَتْ بِالْفَاتِحَةِ، لِأَنَّهُ يُفْتَتَحُ بِقِرَاءَتِهَا فِي الصَّلَاةِ، وَبِكِتَابَتِهَا فِي الْمَصَاحِفِ، وَتُسَمَّى الْحَمْدَ، وَالسَّبْعَ الْمَثَانِيَ، وَأُمَّ الْكِتَابِ، وَالْوَاقِيَةَ، وَالشَّافِيَةَ، وَالْأَسَاسَ، وَالصَّلَاةَ، وَأُمَّ الْقُرْآنِ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ تَقْرِيرُ أُمُورِ الْإِلَهِيَّاتِ، وَالْمَعَادِ، وَالنُّبُوَّاتِ، وَإِثْبَاتِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ لِلَّهِ تَعَالَى فَالْحَمْدُ لِلَّهِ) إِلَى (الرَّحِيمِ) يَدُلُّ عَلَى الْإِلَهِيَّاتِ، و {مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ} يَدُلُّ عَلَى الْمَعَادِ و {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، وَعَلَى إِثْبَاتِ أَنَّ الْكُلَّ بِقَضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، و {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} إِلَى آخِرِهَا يَدُلُّ عَلَى الثَّوَابِ، وَتُسَمَّى الشِّفَاءَ، وَالشَّافِيَةَ، وَالسُّؤَالَ، وَالدُّعَاءَ،
وَقَالَ الْحَسَنُ: أَوْدَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مَعَانِيَ الْقُرْآنِ كَمَا أَوْدَعَ فِيها مَعْنَى الْكُتُبِ السَّابِقَةِ، وَهِيَ أَفْضَلُ سُورَةٍ، قَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ، وَغَيْرُهُ، وَهِيَ مَكِّيَّةٌ،
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: مَدَنِيَّةٌ، وَخُطِّئَ فِي ذَلِكَ،
وَقِيلَ: نَزَلَتْ مَرَّتَيْنِ فَهِيَ مَكِّيَّةٌ مَدَنِيَّةٌ (وَفِيهَا إِحْدَى عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً) بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَهَذَا عَلَى الْمَذْهَبِ، وَعَلَى أَنَّ الْبَسْمَلَةَ آيَةٌ مِنْهَا، فَيَصِيرُ فِيهَا أَرْبَعَةَ عَشْرَةَ تَشْدِيدَةً، لِأَنَّ فِيهَا ثَلَاثَةً، وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِقِرَاءَتِهَا مُرَتَّبَةً مُشَدَّدَةً غَيْرَ مَلْحُونٍ فِيهَا لَحْنًا يُحِيلُ الْمَعْنَى، مِثْلَ كَسْرِ كَافِ (إِيَّاكَ) أَوْ ضَمِّ تَاءِ (أَنْعَمْتَ) أَوْ فَتْحِ هَمْزَةَ الْوَصْلِ فِي (اهْدِنَا) ١ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال: (ثم يقرأ الفاتحة. وفيها إحدى عشْرة تشديدة. فإن ترك ترتيبها أو تشديدة منها أو قطعها بذكر كثير أو سكوت طويل لزمه استئنافها) .
أما كون المصلي يقرأ الفاتحة فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرؤها». وقال:«صلوا كما رأيتموني أصلي». وروى عبادة بن الصامت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:«لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب» متفق عليه.
وفي لفظ:«لا تجزئ صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». رواه الدارقطني.
وقال: إسناده صحيح.
وأما كون الفاتحة فيها إحدى عشرة تشديدة فبالنقل عن أئمة القراءة. وهذا على الرواية الصحيحة. وعلى أن البسملة منها فيها أربع عشْرة تشديدة.
وأما كون من ترك ترتيبها يلزمه استئنافها؛ فلأن القرآن معجز والإعجاز متعلق بالنظم والترتيب.
ولأنه عليه السلام قال:«صلوا كما عُلِّمْتم».
ولأنها ركن فلم يجز تنكيسها كتكبيرة الإحرام.
وأما كون من ترك تشديدة منها يلزمه استئنافها؛ فلأن الحرف المشدد بحرفين.
ومن ترك حرفاً من الفاتحة لم يقرأ الفاتحة لأن المركب ينعدم بعدم جزء من أجزائه.
وقال القاضي في الجامع: إن الصلاة لا تبطل بترك تشديدة لأنها غير ثابتة في المصحف وإنما هي صفة للحرف ويسمى تاركها قارئاً
بخلاف الحرف.
ولا يختلف المذهب في أنه إذا لينها ولم يحققها على الكمال لم يُعد الصلاة؛ لأن ذلك لا يحيل المعنى.
وأما كون من قطعها بذكر كثير أو سكوت طويل يلزمه استئنافها؛ فلأنه يعد معرضاً عن الفاتحة بذلك.
واعلم أن تحقيق الكلام في قطع الفاتحة على أضرب: أحدها: قطعٌ بذكر مشروع. كالمأموم يشرع في القراءة لبعده عن إمامه فيفرغ الإمام من الفاتحة فيسمع المأموم في أثناء قراءته آمين فيؤمن. وكمن سمع آية رحمة فسأل. أو انتهى الإمام إلى سجدة فسجد المأموم في أثناء قراءته. أو كمن غلط فخرج منها إلى غيرها أو فتح على إمامه فهذا كله لا يبطل الفاتحة؛ لأنه لا يعد معرضاً عنها.
الثاني: قطعٌ بذكرٍ غير مشروع كالتهليل والتسبيح وقراءةٍ في أثناء الفاتحة. فقال القاضي: قليل ذلك وكثيره مبطل.
والصحيح أن الكثير مبطل لما ذكره المصنف رحمه الله لأنه بذلك يعد معرضاً. دون القليل.
والثالث: قطعٌ بسكوت طويل غير مشروع. فهذا مبطل لما ذكر.
وسواء كان باختيارٍ أو مانع من غفلة أو أرتج عليه: فإن كان يسيراً جرت به العادة لم يقطع قراءتها سواء نوى قطعها أو لم ينو؛ لأنه يسير فعفي عنه.
وقال القاضي: يكون قطعاً مع النية لتحقق الإعراض.
ولو نوى قطع القراءة حال قراءته لم تنقطع لأن فعله مخالف لنيته.
الرابعة: قطعٌ بسكوت طويل مشروع كالمأموم يَشرع في القراءة. ثم يسمع قراءة الإمام فينصت. ثم يتمها بعد فراغ إمامه. فهذا لا يقطع الفاتحة لأنه مشروع فلم يقطع كالذكر.
ويتخرج على هذا من سكت لمانع من غفلة أو أرتج عليه لمكان العذر.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.