ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلًا: سَمِعَ اللَّهُ لمن حمده وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ
الشروح عليها
مسألة: (ثم يَرْفعُ رَأْسَه قائِلًا: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه. ويَرْفَعُ يَدَيْه) إذا فَرَغ مِن الركُوعِ، رَفَع رَأْسَه قائِلًا: سَمِعَ اللهُ لمَن حَمِدَه. ويكُونُ انْتِهاؤُه عندَ انْتِهاءِ رَفْعِه، ويَرْفَعُ يَدَيْه؛ لِما رَوَيْنا مِن الأخْبارِ.
وفي مَوْضِع الرَّفْعِ رِوايتان؛ إحْداهما، بعدَ اعْتِدالِه قائِمًا. حَكاه أحمدُ بنُ الحسينِ؛ أنَّه رَأى أحمدَ يَفْعَلُه؛ لأنَّ في بعْضِ ألْفاظِ حديثِ ابنِ عُمَرَ : رَأيتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا افْتَتَحَ الصلاةَ رفَعَ يَدَيْه،
وإذا رَكَع، وبعدَ ما يَرْفَعُ رَأسَه مِن الرُّكُوعِ. والثانِيَةُ، يَبْتَدِئُه حينَ يَبْتَدِئُ رَفْعَ رَأسِه؛ لأنَّ أَبا حُمَيْدٍ
قال في صِفةِ صلاةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: ثم قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه». ورَفَع يَدَيْه .
وفي حديثِ ابنِ عُمَرَ في الرَّفْعِ: وإذا رَفَع رَأْسَه مِن الرُّكوعِ، رَفَعَهما كذلك، ويقُولُ:«سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَه».
وظاهِرُه أنَّه رَفَع يَدَيْه حينَ أخَذَ في رَفْعِ رَأسِه، كقَوْلِه «إذا كَبَّرَ». أي أخَذَ في التَّكْبِير. ولأنَّه مَحَلُّ رَفْع المَأْمُومِ فكان مَحَلَّ رَفْع الإمامِ كالرُّكُوعِ،
فإنَّ الرِّوايَةَ لا تَخْتَلِف في أنَّ المَأمُومَ يَبْتَدِئُ الرَّفْعَ عندَ رَفْعِ رَأسِه، لأنَّه ليس في حَقِّه ذِكْرٌ بعدَ الاعْتِدالِ، والرَّفْعُ إنَّما جُعِلَ هَيئة للذِّكْرِ، وقَوْلُ:«سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». مَشْرُوع في حَق الإمامِ والمُنْفَرِدِ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافا في المَذْهَبِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ أبي حُمَيْدٍ، وحديثِ ابنِ عُمَرَ. ورُوِيَ أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، قال لبُريْدَةَ:«يَا بُرَيْدَةُ، إذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ، فَقُلْ: سَمِعَ الله لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ».
رَواه الدَّارَاقُطنِيُّ . ويَعْتَدِلُ قَائِمًا حتَّى يَرْجِعَ كلُّ عُضْوٍ إلى مَوْضِعِه، ويَطْمَئِنَّ،
لقول أَبى حُمَيْدٍ في صِفَةِ صلاةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: وإذا رَفَع رَأْسَه اسْتَوَى قَائِمًا حتَّى يَعُودَ كلُّ فَقارٍ إلى مَكانِه. مُتَّفق عليه . وقالت عائشةُ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: فكان إذا رَفَع رَأسَه مِن الرُّكُوعِ، لم يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِيَ قائِمًا. رَواه مسلمٌ .
فصل: وهذا الرَّفْعُ والاعْتِدالُ عنه واجِبٌ، وبه قال الشافعيُّ وقال أبو حنيفةَ وبَعْضُ أصحابِ مالكٍ: لا يَجِبُ؛ لأنَّ اللهَ تعالى لم يَأمرْ به، وإنَّما أمَرَ بالرُّكوعِ والسُّجُودِ والقِيامِ، فلا يَجبُ غيرُه. وَلَنا، قَوْلُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاِته:«ثُمَّ ارْفَعْ حَتى تَعْتَدِلَ قَائِمًا». مُتفَقٌ عليه . وداوَمَ على فِعْلِه، وقد قال:«صَلوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي». وقَوْلُهم: لم يَأمُرْ به. قُلْنا: قد أَمَرَ بالقِيامِ، وهذا قِيامٌ، وقد أمَرَ به النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وأمْرُه يَجبُ امْتِثالُه.
ويُسَن الجَهْرُ بالتسْمِيع للإمامِ، كما يُسَنُّ له الجَهْرُ بالتَّكْبِيَرِ قِياسًا عليه. واللهُ أعلمُ.
فصل: وإذا قال مَكانَ «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ»: مَن حَمِدَ الله سَمِعَ له. لم يُجْزِئْه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يُجْزِئُه، لإتْيانِه باللَّفْظِ والمَعْنَى. ولَنا، أنَّه عَكَس اللفْظَ المَشْرُوعَ، أشْبَهَ ما لو
قال في التَّكْبِيرِ: الأكْبَرُ اللهُ. ولا نُسَلِّمُ أنَّ المَعْنَى لم يَتغَير،
فإنَّ قَوْلَه:«سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ». صِيغةُ خَبَرٍ تَصْلُحُ للدُّعاءِ، واللفْظُ الآخَرُ صيغةُ شَرْطٍ وجَزاءٍ، لا يَصْلُحُ لذلك ، فاخْتَلَفا.
٤٠٦ -
(ثُمَّ يَرْفَعُ رَأْسَهُ قَائِلًا: سَمِعَ اللَّهُ لمن حمده) إِنْ كَانَ إِمَامًا أَوْ مُنْفَرِدًا، لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِبُرَيْدَةَ:«يَا بُرَيْدَةُ إِذَا رَفَعْتَ رَأْسَكَ مِنَ الرُّكُوعِ فَقُلْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ»
وَظَاهِرُهُ أَنَّ تَرْتِيبَ هَذَا الذِّكْرِ وَاجِبٌ،
فَلَوْ قَالَ: مَنْ حَمِدَ اللَّهَ سَمِعَ لَهُ لَمْ يُجْزِئْهُ لِتَغَيُّرِ الْمَعْنَى،
فَإِنَّ الْأَوَّلَ صِيغَةٌ تَصْلُحُ لِلدُّعَاءِ، مَعْنَى سَمِعَ أَجَابَ،
وَالثَّانِي صِيغَةُ شَرْطٍ وَجَزَاءٍ، فَافْتَرَقَا، أَشْبَهَ مَا لَوْ نَكَّسَ التَّكْبِيرَ (وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ) لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ، رَفَعَهُمَا» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. فَيَرْفَعُهُمَا مَعَ رَفْعِ رَأْسِهِ فِي رِوَايَةٍ لِمَا تَقَدَّمَ،
وَعَنْهُ: بَعْدَ اعْتِدَالِهِ، نَقَلَ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ رَأَى أَحْمَدَ يَفْعَلُهُ،
وَقِيلَ: يَرْفَعُهُمَا الْمَأْمُومُ مَعَ رَأْسِهِ رِوَايَةً وَاحِدَةً، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي حَقِّهِ ذِكْرٌ بَعْدَ الِاعْتِدَالِ، وَالرَّفْعُ إِنَّمَا جُعِلَ هَيْئَةً لِلذِّكْرِ،
وَكَذَا الْمُنْفَرِدُ، إِنْ قُلْنَا: لَا يَقُولُ بَعْدَ الرَّفْعِ شَيْئًا
ثُمَّ يَرْفَعُ رَأسَهُ، قائِلًا: سَمِع اللهُ لمَن حَمِدَه. ويَرْفَعُ يدَيْهِ. ويَحْتمِلُ أن يكونَ مُرادُه، أنْ يَرْفَعَ يَدَيْه مع رفْعِ رأْسِه. وهو إحْدَى الرُّوايَتيْن في حقِّ الإمامِ والمنْفرِدِ. وهو المذهب. وهو ظاهِرُ كلامِ جمهورُ الأصحابِ. قال المَجْدُ: وهي أصَحُّ. وصحَّحه في «مَجْمَعُ البَحْرَيْن». وقدمه في «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن» و «الفائقِ». وإليه مَيْلُ المُصَنِّفِ، والشَّارِح.
وعنه، مَحَلُّ رفْع يَدَيْه بعدَ اعْتِدالِه. ويَحْتَمِلُه كلامُ المُصَنِّفِ أَيضًا. وقدّمه ابنُ رزِين في «شَرْحِه». وأطْلقَهما في «الفروعِ»، و «ابنِ تَميم»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الحَواشِي». وقال القاضي: يرفَعُ يَديه مع رفْعِ رأسِه إنْ كان مأمُومًا، روايةً واحدةً.
وكذا المُنْفَرِدُ، إنْ قلْنا: لا يقُولُ بعدَ الرفْعِ شيئًا. وجزَم به ابنُ مُنجَّى في «شَرْحِه»؛
فقال: أمَّا المأْمومُ فيبْتَدِئُه عندَ رَفْع رأسِه، روايةً واحدةً.
وكذلك المنْفَرِدُ إنْ لم يَشْرَعْ له قوْلُ: رَبنا ولك الحَمْدُ. وقد قطَع المصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وغيرُهما، بأنَّ رفْعَ اليدَين في حَقِّ المأْمومِ يكونُ مع رفْعِ رأسِه.
فَإذَا قَامَ قَالَ: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، مِلْءَ السّمَاءِ، وَمِلْءَ الْأَرْضِ، وَمِلْءَ مَا شِئْتَ مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ.
قال: (ثم يرفع رأسه قائلاً: سمع الله لمن حمده. ويرفع يديه. فإذا قام قال: ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد) .
أما كون المصلي يرفع رأسه؛ فلقول النبي صلى الله عليه وسلم للمسيء في صلاته:«ثم ارفع حتى تعتدل قائماً» رواه البخاري.
وأما كونه يقول: سمع الله لمن حمده حال رفعه؛ فلأن في حديث أبي هريرة «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع. ويقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد».
وأما كونه يرفع يديه في الرفع من الركوع فإن في حديث أبي حميد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه».
وفي حديث ابن عمر المتفق عليه:«كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة كبر ورفع يديه حذو منكبيه. وإذا كبر للركوع وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك». وموضع الرفع للإمام إذا رفع رأسه. يجعل ابتداء رفع اليدين مع ابتداء رفع رأسه قائلاً: سمع الله لمن حمده لأنه حين الانتقال فشرع فيه الرفع كحال الركوع.
قال أبو حميد في صفة صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم:«ثم قال: سمع الله لمن حمده ورفع يديه».
وعن أحمد أنه لا يرفع حتى يستتم قائماً؛ لأن في بعض ألفاظ حديث ابن عمر:«رأيت النبي صلى الله عليه وسلم إذا افتتح الصلاة رفع يديه، وإذا ركع، وبعد ما يرفع رأسه».
ولأنه رفع فلا يشرع في غير حال القيام كتكبيرة الإحرام والركوع.
والأول أولى؛ لأن ظاهر حديث ابن عمر المتفق عليه يدل عليه لأن قوله:«وإذا رفع رأسه رفعهما» يقتضي المعية [كقوله:
«وإذا كبر للركوع»] .
وأما المأموم فيبتدؤه عند رفع رأسه رواية واحدة.
وكذلك المنفرد إن لم يشرع له قول: ربنا ولك الحمد؛ لأنه ليس في حقهما ذكر بعد الاعتدال. والرفع إنما جعل للذكر
بخلاف الإمام فإن له ذكراً حال قيامه وذكراً وهو قائم.
وأما كونه إذا قام يقول: ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعدُ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول ذلك ويأمر به فروى أبو هريرة قال:«كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سمع الله لمن حمده حين يرفع صلبه من الركوع ويقول وهو قائم: ربنا ولك الحمد».
وعن أبي سعيد «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رفع رأسه قال: سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد ملء السماء وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد» متفق عليهما.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.