وَإِنْ قَهْقَهَ أَوْ نَفَخَ أَوِ انْتَحَبَ، فَبَانَ حَرْفَانِ، فَهُوَ كَالْكَلَامِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذَلِكَ
الشروح عليها
مسألة: (وإن قَهْقَهَ، أو نَفَخ، أو انْتَحَبَ، فبان حَرْفان فهو كالكلامِ، إلَّا ما كان مِن خَشْيَةِ اللهِ تعالى. قال أصحابُنا في النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذلك. وقد رُوِيَ عن أبي عبدِ اللهِ، أَنَّه كان يَتَنَحْنَحُ في صلاِته ولا يَراها مُبْطِلَةً للصلاةِ) إذا ضَحِك فبان حَرْفان، فَسَدَت صَلَاتُه.
وكذلك إن قَهْقَهَ ولم يَتَبَيَّنْ حَرْفان. وهو قولُ الشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأْيِ.
وكذلك ذَكَرَه شَيْخُنا في «المُغْنِي».
وقال القاضي، في «المُجَرَّدِ»: إن قَهْقَهَ فبان حَرْفٌ واحِدٌ، لم تَبْطُلْ صلاتُه،
فإن بان حَرْفان، القافُ والهاءُ، فهو كالكلامِ، تَبْطُلُ إن كان عامِدًا.
وإن كان ساهِيًا، أو جاهِلًا، خُرِّجَ على الرِّوايَتَيْن. وهو ظاهِرُ قولِ الشَّيْخِ في هذا الكِتابِ . قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعُوا على أنَّ الضَّحِكَ يُفْسِدُ الصلاةَ، وأكْثَرُ أهلِ العِلْمِ على أنَّ التَّبَسُّمَ لا يُفْسِدُها. وقد روَى الدّارَقُطْنِيُّ في سُنَنِه، عن جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال:«الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الصَّلَاةَ وَلَا تَنْقُضُ الوُضُوءَ».
(وَإِنْ قَهْقَهَ أَوْ نَفَخَ أَوِ انْتَحَبَ، فَبَانَ حَرْفَانِ، فَهُوَ كَالْكَلَامِ، إِلَّا مَا كَانَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى) وَفِيهِ مَسَائِلُ.
الْأُولَى: إِذَا قَهْقَهَ، وَهِيَ ضِحْكَةٌ مَعْرُوفَةٌ،
فَإِنْ قَالَ: قَهْ قَهْ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا تَبْطُلُ بِهِ،
وَإِنْ لَمْ يُبِنْ حَرْفَانِ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَقَدَّمَهُ الْأَكْثَرُ، كَالْمَتْنِ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ إِجْمَاعًا، لِمَا رَوَى جَابِرٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«الْقَهْقَهَةُ تَنْقُضُ الصَّلَاةَ، وَلَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ، وَلِأَنَّهُ تَعَمَّدَ فِيهَا بِمَا يُنَافِيهَا أَشْبَهَ خطاب الْآدَمِيَّ،
وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَفْسُدُ بِالتَّبَسُّمِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ.
الثَّانِيَةُ: إِذَا نَفَخَ فِيهَا فَهُوَ كَالْكَلَامِ إِذَا بَانَ حَرْفَانِ ذَكَرَهُ فِي الْمَذْهَبِ، والمحرر و " الْوَجِيزِ " وَصَحَّحَهُ الْمُؤَلِّفُ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَنْ نَفَخَ فِي صَلَاتِهِ فَقَدْ تَكَلَّمَ. رَوَاهُ سَعِيدٌ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ، لَكِنْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: لَا يَثْبُتُ عَنْهُمَا،
وَعَنْهُ: تَبْطُلُ مُطْلَقًا لِظَاهِرِ مَا ذَكَرْنَا،
وَعَنْهُ: عَكْسُهَا، رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ،
وَقِيلَ لِقُدَامَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: نَتَأَذَّى بِرِيشِ الْحَمَامِ إِذَا سَجَدْنَا، فَقَالَ: انْفُخُوا. رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَقُدَامَةُ صَحَابِيٌّ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَفَخَ فِي صَلَاةِ الْكُسُوفِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا، وَكَالْحَرْفِ الْوَاحِدِ، وَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَا إِذَا لَمْ يَنْتَظِمْ حَرْفَانِ فَإِنِ انْتَظَمَ بَطَلَتْ.
الثَّالِثَةُ: إِذَا انْتَحَبَ بِأَنْ رَفَعَ صَوْتَهُ بِالْبُكَاءِ مِنْ غَيْرِ خَشْيَةٍ، كَالْكَلَامِ إِذَا بَانَ حَرْفَانِ، لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسِ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ،
وَظَاهِرُهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَا غَلَبَ صَاحِبَهُ، وَمَا لَمْ يَغْلِبْهُ، لَكِنْ
قَالَ فِي " الْمُغْنِي " و" النِّهَايَةِ ": إِنَّهُ إِذَا غَلَبَ صَاحِبَهُ لَمْ يَضُرَّهُ لِكَوْنِهِ غَيْرَ دَاخِلٍ فِي وُسْعِهِ، وَلَمْ يَحْكِيَا فِيهِ خِلَافًا. قَوْلُهُ: فَهُوَ كَالْكَلَامِ أَيْ: يَبْطُلُ إِنْ كَانَ عَمْدًا،
وَإِنْ كَانَ سَاهِيًا أَوْ جَاهِلًا خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ.
الرَّابِعَةُ: إِذَا انْتَحَبَ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَضُرُّ، لِمَا رَوَى مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ:«رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُصَلِّي، وَلِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ مِنَ الْبُكَاءِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ عُمَرُ يَبْكِي حَتَّى يُسْمَعَ لَهُ نَشِيجٌ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ، وَهُوَ فِي آخِرِ الصُّفُوفِ،
وَظَاهِرُهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ غَلَبَةٍ، وَقَالَهُ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ تَمِيمٍ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْأَكْثَرِ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَدَحَ الْبَاكِينَ فَقَالَ {خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا}{وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ} ، وَهُوَ عَامٌّ فِيمَا تَضَمَّنَ حَرْفًا أَوْ حُرُوفًا، وَلِأَنَّهُ ذِكْرٌ وَدُعَاءٌ، وَلِهَذَا مَدَحَ إِبْرَاهِيمَ فَقَالَ {إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} ،
وَفِي التَّفْسِيرِ أَنَّهُ كَانَ يَتَأَوَّهُ خَوْفًا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالثَّانِي: تَبْطُلُ ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ الْأَشْبَهُ بِأُصُولِ أَحْمَدَ، لِعُمُومِ النُّصُوصِ، وَالْمَدْحُ عَلَى الْبُكَاءِ لَا يُخَصِّصُهُ، كَرَدِّ السَّلَامِ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ، وَكَمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ خَشْيَةٍ، لِأَنَّهُ يَقَعُ عَلَى الْهِجَاءِ، وَيَدُلُّ بِنَفْسِهِ عَلَى الْمَعْنَى كَالْكَلَامِ،
وَإِنِ اسْتَدْعَى الْبُكَاءَ كُرِهَ، كَالضَّحِكِ، وَإِلَّا فَلَا.
فَرْعٌ: إِذَا تَأَوَّهَ أَوْ أَنَّ، فَبَانَ حَرْفَانِ مِنْ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ تَبْطُلْ،
وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ، لِأَنَّ الْكَلَامَ لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ، وَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْكَلَامِ، فَدَلَّ أَنَّهُمَا إِذَا ظَهَرَا مِنْ بُكَاءٍ أَوْ بُصَاقٍ أَوْ تَثَاؤُبٍ أَوْ سُعَالٍ لَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهَا تَبْطُلُ
قَالَ فِي " الْمُسْتَوْعِبِ " وَغَيْرِهِ: إِذَا قُلْنَا إِنَّ الْكَلَامَ نَاسِيًا لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ، فَمَا كَانَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ غَالِبًا لَا تَبْطُلُ بِهِ،
وَإِنْ بَانَ حَرْفَانِ (وَقَالَ أَصْحَابُنَا فِي النَّحْنَحَةِ مِثْلَ ذَلِكَ) أَيْ: هِيَ كَالنَّفْخِ، وَالْقَهْقَهَةِ، إِنْ بَانَ حَرْفَانِ فَسَدَتْ، لِأَنَّهُ إِذَا أَبَانَهُمَا كَانَ مُتَكَلِّمًا، أَشْبَهَ مَا لَوْ أَنَّ
أو نفَخ فَبانَ حَرْفَانِ، فهو كالكلامِ. وهذا المذهب، وعليه الأصحابُ. واختارَ الشَّيْخُ تقِيُّ الدِّين، أنّ النَّفْخَ ليس كالكلام،
ولو بانَ حَرْفانِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
فأكثُر، فلا تَبْطُلُ الصَّلاة به. وهو رِوايَةٌ عَنِ الإمام أحمدَ.
تنبيه: مفْهومُ كلامِه؛ أنَّه إذا لم يبِنْ حَرْفان، أنَّ صلاتَه صحيحةٌ. وهو المذهبُ، وعليه أكثُر الأصحابِ، ونصَروه. وقدَّمه في «الفُروعِ».
وعنه، أنَّه . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
كالحَرْفَين. وأطْلَقَهما ابنُ تَميمٍ، وصاحِبُ «الفائقِ». أوِ انْتَحَبَ، فبانَ حرْفانِ فهو كالكلام، إلَّا ما كان مِن خَشْيَةِ اللهِ تعالَى. إذا انتحَبَ فَبَانَ حَرْفان ولَم يَكُنْ مِنْ خشْيَةِ الله بَطَلَتِ الصَّلاةُ به،
وإنْ كان مِن خشْيَةِ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
اللهِ، فالصَّحيحُ مِنَ المذهبِ، أنَّ صلَاتَه لا تَبْطُلُ. وعليه جماهيرُ الأصحابِ. وجزَم به في «الهِدايَةِ»، و «المُذْهَبِ»، و «مَسْبُوكِ الذَّهَبِ»، و «المُسْتَوْعِبِ»، و «الخُلاصَةِ»، و «المُحَرَّرِ»، والمَجْدُ في . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
«شَرْحِه»، و «مَجْمَع البَحْريْن»، و «الحاوِي الكبِيرِ»، و «إدْراكِ الغايَةِ»، و «الوَجيزِ»، و «المُنَوَّرِ»، وغيرهم. وقدَّمَه في «الفروع»، . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
و «الحاوِي الصَّغِيرِ». وقيل: إنْ غَلَبَه، لم تَبْطُلْ، وإلَّا بَطَلَتْ. قال المُصَنِّفُ: وهو الأشْبَهُ بأصُولِ أحمدَ. وأطْلقَهما في «الفائقِ»، و «ابنِ تَميمٍ».
فائدة: لو اسْتَدْعَى البُكاءَ كُرِهَ كالضَّحِكِ، وإلَّا فلا.
وأمَّا إذا لَحَّن في الصَّلاةِ، فيَأْتِي عنه كلامُ المُصَنَّفِ في بابِ صلاةِ الجماعَةِ: وتُكْرَةُ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
إمامَةُ اللَّحَّانِ. وقال أصحابُنا: النَّحْنَحَةُ مثلُ ذلك. وهو المذهبُ، وعليه جماهيرُ الأصحابِ، وجزَم به كثير منهم. وقدَّمه في «الفروعِ» وغيرِه. وقد رُوِيَ عن
فَصْلٌ: وَأَمَّا النَّقْصُ؛ فَمَتَى تَرَكَ رُكْنًا، فَذَكَرَهُ بَعْدَ شُرُوعِهِ فِي قِرَاءَةِ رَكْعَةٍ أُخْرَى، بَطَلَتِ الَّتِي تَرَكَهُ مِنْهَا،
وَإِنْ ذَكرَهُ قَبْلَ ذَلِكَ، عَادَ فَأَتَى بهِ وَبِمَا بَعْدَهُ,
فَإنْ لَمْ يَعُدْ، بُطَلَتْ صَلَاُتهُ، أبِي عبدِ اللهِ، أنَّه كان يَتَنَحْنَحُ في صَلاتِه، ولا يَرَاها مُبْطِلَةً للصَّلاةِ. وهي رِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ. واخْتارها المُصَنِّفُ. وأطْلَقَهما في «المُحَرَّرِ»، و «ابنِ تَميمٍ»، و «الفائقِ».
تنبيه: محَلُّ الخِلافِ إذا لم تكُنْ حاجةٌ،
فإنْ كان ثَمَّ حاجَةٌ، فليستْ كالكلامِ، روايةً واحدةً، عندَ جمهورِ الأصحابِ.
وقيل: هي كالكلامِ أَيضًا. وتقدَّم.
قال: (وإن قهقه أو نفخ أو انتحب فبان حرفان فهو كالكلام إلا ما كان من (٢) خشية الله تعالى.
وقال أصحابنا في النحنحة مثل ذلك. وقد روي عن أبي عبدالله رحمه الله: أنه كان يتنحنح في صلاته ولا يراها مبطلة للصلاة).
أما كون القهقهة التي يأت منها حرفان كالكلام في بطلان الصلاة؛ فلقوله عليه السلام:«القهقهة تنقض الصلاة ولا تنقض الوضوء» رواه الدارقطني.
ولأنه تعمد في الصلاة ما ينافيها أشبه خطاب الآدمي.
وأما كون النفخ كالكلام فيما ذكر؛ فلأن ابن عباس قال:«من نفخ في الصلاة فقد تكلم».
وروي ذلك أيضاً عن سعيد بن جبير .
وروي أيضاً عن أبي هريرة. إلا أن ابن المنذر قال: لا يثبت عنه.
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه
قال في موضع آخر : أكره ولا أقول تقطع الصلاة. ليس هو كلاماً؛ لما روى عبدالله بن عمر قال: «انكسفت الشمس على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فلم يكد يركع ثم ركع فلم يكد يرفع -وذكر الحديث إلى أن قال-: ثم نفخ في آخر سجوده فقال: أف أف» .
ولأن ما لا يبطل الصلاة إسراره فلم يبطلها إظهاره كالحرف الواحد.
[وأما كون] النحيب الذي من غير خشية الله كالكلام؛ فلأنه من جنس كلام الآدميين.
ولم يفرق المصنف رحمه الله هنا بين ما غلب صاحبه وما لم يغلبه.
وقال في المغني وصاحب النهاية فيها: أن النحيب إن غلب صاحبه لم يضره لكونه غير داخل في وسعه. ولم يحكيا فيه خلافاً.
وأما كون الذي من خشية الله تعالى ليس كالكلام؛ فلما روى عبدالله بن شداد قال:«سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف».
وعن مطرف بن عبدالله بن الشخير عن أبيه قال:«رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء».
وقد مدح الله تعالى بذلك فقال:{إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً}.
قال المصنف رحمه الله في المغني: ويحتمل [أن ذلك -يعني البكاء لخوف الله تعالى- متى كان عن غير غلبة فسدت -يعني صلاته- ويحملُ] ما ذُكر من النصوص وما نُقل عن الإمام على ما إذا غلبه أو إذا لم ينتظم منه حرفان بدليل تقييد الإمام أحمد في روايةِ مهنا البكاء الذي لا يُفسد بكونه عن غلبة.
ولا يلزم من كون البكاء ممدوحاً عليه أن لا يكون مفسداً بدليل أنا أُمرنا بتشميت العاطس ورد السلام وذلك مفسد للصلاة.
وأما كون النحنحة على قول أصحابنا مثل القهقهة. أي إن بان منها حرفان فسدت الصلاة؛ فلأن ذلك إذا بان منه حرفان كان كلاماً ويدخل في عموم ما تقدم.
وأما قول المصنف رحمه الله: روي عن أبي عبدالله أنه كان يتنحنح في صلاته ولا يراها مبطلة للصلاة، قال المروزي: أتيت أبا عبدالله فتنحنح يعلمني أنه في الصلاة.
ويعضده ما روى علي عليه السلام قال:«كانت لي ساعة أدخل فيها على رسول الله صلى الله عليه وسلم في السحر. فإن كان في الصلاة تنحنح فكان ذلك إذني. وإن لم يكن في صلاة أذن لي».
قال القاضي: هذا محمول على أنه حرف واحد.
وهذا الذي ذكره القاضي مع فتح الفم بعيد
فأما مع طبق الفم فصحيح.
ويمكن أن يقال المأتي به من الحروف في النحنحة حروف غير محققة فهي كصوت عُقْلٍ. والأصواتُ العُقْل لا تختلف في السمع.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.