وَلَا يَجِبُ وَمَنْ تَكَفَّلَ وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ
الشروح عليها
مسألة: (ومَن تَكَفَّلَ بمُؤْنَةِ شَخْصٍ في شَهْرِ رَمَضانَ، لم تَلْزَمْه فِطْرَتُه عندَ أبى الخَطّابِ. والمَنْصُوصُ أنَّها تَلْزَمُه) وهذا قَوْلُ أكْثَرِ الأصْحابِ. وقد نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبى داودَ، في من ضَمَّ إلى نَفْسِه يَتِيمَةً، يُؤَدِّى عنها؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السلامُ:«أدُّوا صَدَقَةَ الفِطْرِ عَمَّنْ تَمُونُونَ». وهذا مِمَّن يَمُونُ ولأنَّه شَخْصٌ يُنْفِقُ عليه، فلَزِمَتْه فِطْرَتُه، كعَبْدِه. واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه لا تَلْزَمُه فِطْرَتُه؛ لأنَّه لا تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، فلم تَلْزَمْه فِطْرَتُه، كما لو لم يَمُنْه.
وهذا قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، وهو الصَّحِيحُ، إن شاء اللَّهُ. وكلامُ أحمدَ في هذا مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ، والحَدِيثُ مَحْمُولٌ على مَن تَلْزَمُه مُؤْنَتُه، لا على حَقِيقَةِ المُؤْنَةِ، بدَلِيلِ أنَّه تَلْزَمُه فِطْرَةُ الآبِقِ ولم يَمُنْه.
ولو مَلَك عَبْدًا عندَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، أو تَزَوَّجَ، أو وُلِد له وَلَدٌ، لَزِمَتْه فِطْرَتُهم؛ لوُجُوبِ مُؤْنَتِهم عليه،
وإن لم يَمُنْهم، ولو باع عبدَه، أو طَلَّقَ امرأتَه، أو ماتا، أو مات وَلَدُه، لم تَلْزَمْة فِطْرَتُهم،
وإن مانَهم، ولأنَّ قَوْلَه:«عَمَّنْ تَمُونُونَ». فِعْلٌ مُضارِعٌ يَقْتَضِى الحالَ أو الاسْتِقْبالَ دُونَ الماضِى،
ومَن مانَه في رمضانَ إنَّما وُجِدَتْ منه المُؤْنَةُ في الماضِى، فلا يدخلُ في الخَبَرِ،
ولوِ دَخَل فيه لاقْتَضَى بعُمُومِه وُجُوبَ الفِطْرَةِ على مَن مانَه لَيْلَةً واحِدَةً؛ لأنَّه ليس في الخَبَرِ ما يَقْتَضِى تَقْيِيدَه بالشَّهْرِ ولا بغَيْرِه، فالتَّقْيِيدُ بمُؤْنَةِ الشَّهْرِ تَحَكُّمٌ. فعلى هذا تكونُ فِطْرَتُه على نَفْسِه، كما لو لم يَمُنْه. وعلى قَوْلِ أصحابنا، المُعْتَبَرُ الإِنْفاقُ في جَمِيعِ الشَّهْرِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: قِياسُ مَذْهَبِنا أنَّه إذا مانَه آخِرَ لَيْلَةٍ وَجَبَتْ فِطْرَتُه، قِياسًا على مَن مَلَك عَبْدًا عندَ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
فإن مانَه جَماعَةٌ في الشَّهْرِ كُلِّه، أو مانَه إنْسانٌ في بَعْض الشَّهْرِ، فعلى تَخْرِيجِ ابنِ عَقِيلٍ تكونُ فِطْرَتُه على أن مانَه آخِرَ لَيْلَةٍ، وعلى قَوْلِ غيرِه يَحْتَمِلُ أن لا تَجِبَ فِطْرَتُه على أحَدٍ ممَّن مانَه؛ لأنَّ سَبَبَ الوُجُوبِ المُؤْنَةُ في جَمِيعِ الشَّهْرِ، ولم يُوجَدْ. ويَحْتَمِلُ أن تَجِبَ على الجَمِيعِ فِطْرَةٌ واحِدَةٌ بالحِصَصِ؛ لأنَّهم اشْتَرَكُوا في سَبَبِ الوُجُوبِ، أشْبَهَ ما لو اشْتَرَكُوا في مِلْكِ عَبْدٍ. ٩٥٢ -
(وَلَا يَجِبُ) ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَوْلُ مَنْ يَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ؛ لِأَنَّهَا لَوْ تَعَلَّقَتْ بِهِ قَبْلَ ظُهُورِهِ، لَتَعَلَّقَتِ الزَّكَاةُ بِأَجِنَّةِ السَّوَائِمِ،
وَعَنْهُ: يَجِبُ، اخْتَارَهَا أَبُو بَكْرٍ لِفِعْلِ عُثْمَانَ.
قَالَ أَحْمَدُ: مَا أَحْسَبُهُ صَارَ وَلَدًا؛ وَلِأَنَّهُ آدَمِيٌّ تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَبِهِ، وَيَرِثُ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ.
قَالَ فِي " الْمُغْنِي ": وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّهُ لَا تَثْبُتُ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا إِلَّا فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، بِشَرْطِ خُرُوجِهِ حَيًّا،
وَأَمَّا أُمُّهُ، فَإِنْ كَانَتْ بَائِنًا فَيَلْزَمُهُ فِطْرَتُهَا إِنْ قُلْنَا: النَّفَقَةُ لَهَا،
وَإِنْ قُلْنَا: لِلْحَمْلِ، لَمْ يَجِبْ عَلَى الْأَصَحِّ، بِنَاءً عَلَى وُجُوبِهَا عَلَى الْجَنِينِ.
[مَنْ تَكَفَّلَ بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ] (وَمَنْ تَكَفَّلَ) أَيْ: تَبَرَّعَ (بِمُؤْنَةِ شَخْصٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، لَمْ تَلْزَمْهُ فِطْرَتُهُ عِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ) وَصَحَّحَهُ فِي " الْمُغْنِي "، وَ " الشَّرْحِ "، وَحَمَلَا كَلَامَ أَحْمَدَ على الاستحباب لِعَدَمِ الدَّلِيلِ؛ وَلِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ وُجُوبُ النَّفَقَةِ، وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ هُنَا، فَكَذَا فِطْرَتُهُ.
فَعَلَى هَذَا فِطْرَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَمُنْهُ؛ إِذِ الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ مُؤْنَتُهُ لَا عَلَى حَقِيقَةِ الْمُؤْنَةِ، بِدَلِيلِ وُجُوبِهَا عَلَى الْآبِقِ (وَالْمَنْصُوصُ أَنَّهَا تَلْزَمُهُ) وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا، وَقَدَّمَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ "، وَ " الْفُرُوعِ "؛ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «عَمَّنْ تُمَوِّنُونَ» رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ فِي " الشَّافِي " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَالدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَإِسْنَادُهُمَا ضَعِيفٌ؛ وَلِأَنَّهُ شَخْصٌ مُنْفَقٌ عَلَيْهِ، فَلَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ كَعَبْدِهِ، وَالْمُعْتَبَرُ جَمِيعُ الشَّهْرِ بِفَوْتِهِ لِنَفَقَةِ التَّبَرُّعِ.
وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ: تَلْزَمُهُ إِذَا مَانَهُ آخِرَ لَيْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ، كَمَنْ مَلَكَ عَبْدًا أَوْ زَوْجَةً قَبْلَ الْغُرُوبِ،
فَإِنْ مَانَهُ جَمَاعَةٌ كُلَّ الشَّهْرِ أَوْ إِنْسَانٌ بَعْضَهُ.
فَقَالَ فِي " الْمُغْنِي ": فِي الْأُولَى لَا أَعْلَمُ فِيهَا لِلْأَصْحَابِ قَوْلًا،
وَفِي " الشَّرْحِ "، وَ " الْفُرُوعِ " فِيهِ احْتِمَالَانِ أَحَدُهُمَا: لَا تَجِبُ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ الْمُؤْنَةُ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ، وَلَمْ تُوجَدْ،
وَالثَّانِي: أَنَّهَا تَجِبُ بِالْحِصَصِ، كَعَبْدٍ مُشْتَرَكٍ.
[إِنْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ]
ومَن تَكَفَّل بمُؤْنَةِ شَخْصٍ فى شهْرِ رَمضانَ، لم تَلْزَمْه فِطْرَتُه عندَ أبى الخطَّابِ. وهو رِواية عن أحمدَ. واخْتارَه المُصَنِّفُ، والشَّارِحُ، وحمَلا كلامَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
أحمدَ على الاسْتِحْبابِ؛ لعَدَم الدَّليلِ. واخْتارَه صاحِبُ «الفائقِ» أَيضًا. قال فى «التَّلْخِيصِ»: والأقْيَسُ أن لا تلْزَمَه. انتهى. والمَنْصُوصُ، أنَّها تَلْزَمُه. وهو المذهبُ، وعليه أكثرُ الأصحابِ. قاله المُصَنِّفُ وغيرُه. قال فى «الهِدايَةِ»: قالَه الأصحابُ. وقدَّمه فى «الفُروعِ» وغيرِه. وهو مِنَ المُفْرَداتِ. وأطْلقَهما فى «الفائقِ».
تنبيه: ظاهِرُ قوْلِه: فى شهْرِ رَمضانَ. أنَّه لابدَّ أنْ يَمُونَه كلَّ الشَّهْرِ. وهو صحيحٌ، وهو المذهبُ، وعليه الأصحابُ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: قِياسُ المذهبِ، يَلْزَمُه إذا مَانَه آخِرَ ليْلَةٍ مِنَ الشَّهْرِ، كمَن مَلك عَبْدًا أو زَوجَةً قبلَ الغُروب. ومَعْناه فى «الانْتِصارِ»، و «الرَّوْضَةِ». وأطلَقَ فى «الرِّعايتَيْن»، و «الحاوِيَيْن»، و «ابنِ تَميمٍ»، وغيرِهم، وَجْهَيْن فى مَن نزَل به ضَيْفٌ قبلَ الغُروبِ ليْلَةَ العيدِ. زادَ فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»،
قلتُ: أو نزَل به قبلَ فَجْرِها، إنْ عَلَّقْنا الوُجوبَ به. وظاهِرُ كلامِه أَيضًا على المَنْصُوصِ، أنَّه لو مَانَه جماعَةٌ فى شَهْرِ رَمَضانَ، أنَّها لا . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
تَجِبُ عليهم. وهو أحَدُ الاحْتِمالَيْن.
قلتُ: وهو ظاهِرُ كلامِ أكثرِ الأصحابِ. وجزَم به فى «الفائقِ». وقدَّمه فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى». والاحْتِمالُ الثَّانى، تجِبُ عليهم بالحِصَصِ، كعَبْدٍ مُشْترَكٍ. وأطْلقَهُما فى «المُغْنِى»، و «الشَّرْحِ»، و «الفُروعِ»، و «الزَّرْكَشِىِّ»، و «ابنِ تَميمٍ». وحكَاهما وَجْهَيْن. وعلى قوْلِ ابنِ عَقِيلٍ، تجِبُ فِطْرَتُه على مَن مانَه آخِرَ ليْلَةٍ.
فائدتان؛ إحداهما، لوِ اسْتَأجَر أجِيرًا أو ظِئْرًا بطَعامِهما، لم تَلْزَمْه فِطْرَتُهما. على الصَّحيحِ مِنَ المذهبِ. نصَّ عليه.
وقيل: بلى. قال فى «الرِّعايَةِ الكُبْرَى»: وهو أقْيَسُ. الثَّانيةُ، لو وجَبَتْ نَفَقَتُه فى بَيْتِ المالِ، فلا فِطْرَةَ له. قالَه القاضى ومَن بَعْدَه، وجزَم به ابنُ تَميمٍ وغيرُه؛ لأنَّ ذلك ليس بإنْفاقٍ، إنَّما هو إِيصالُ المالِ فى حقِّه، أو أنَّ المالَ لا مالِكَ له. قالَه فى «الفُروعِ». والمُرادُ مُعَيَّنٌ؛ كعَبيدِ الغَنيمَةِ قبلَ القِسْمَةِ، والفَىْءِ، ونحوِ ذلك.
وَإذَا كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شُرَكَاءَ، فَعَلَيْهِمْ صَاعٌ.
وَعَنْهُ، عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ صَاعٌ.
وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فى مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ.
قال: (ومن تكفل بمؤونة شخص في شهر رمضان لم تلزمه فطرته عند أبي الخطاب. والمنصوص أنها تلزمه) .
أما كون من تكفل بمؤونة شخص في شهر رمضان، ومعناه: أنه مانه على وجه التبرع شهر رمضان كله لا تلزمه فطرته عند أبي الخطاب؛ فلأن الفطرة تتبع النفقة ونفقة من ذكر غير واجبة فكذلك فطرته.
وأما كونها تلزمه على منصوص الإمام أحمد رحمه الله عليه؛ فلعموم قوله:«ممن تمونون».
ولأنه شخص منفق عليه فتجب عليه فطرته كالعبد.
والمعتبر مؤونة جميع الشهر.
وقال ابن عقيل: قياس المذهب أنها على من مانه قبل غروب الشمس بليلة.
فإن مانه جماعة فقال المصنف رحمه الله في المغني: لا أعلم فيها قولاً للأصحاب، ويحتمل أن لا يجب شيء؛ لأن السبب مؤونة الشهر ولم يوجد، واحتمل أن يجب بالحصص كالعبد المشترك.
وقول أبي الخطاب أصح عند المصنف رحمه الله. ذكره في المغني لأن الحديث المذكور محمول على من تلزمه مؤونته لا على حقيقة المؤونة بدليل وجوبها على الآبق والمملوك عند الغروب ولم يمنهما وسقوطها عمن مات أو عتق قبل الغروب وقد مانهما .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.