يَجِبُ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ
الشروح عليها
كتابُ الصِّيَامِ الصِّيامُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عن الإِمْساكِ، يُقالُ: صام النَّهارُ. إذا وَقَف سَيْرُ الشَّمْسِ.
وقال سبحانه وتعالى حِكايةً عن مَرْيَمَ:{إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا}. أى: إمْساكًا عن الكَلامِ،
وقال الشاعرُ : خَيْلٌ صِيَامٌ وخيلٌ غيرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ العَجَاجِ وأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا يَعْنِى بالصَّائِمَةِ: المُمْسِكَةَ عن الصَّهِيلِ. وهو في الشَّرعِ: عِبارَةٌ عن الإِمْساكِ عن أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ، في وَقْتٍ مَخْصُوصٍ يَأْتِى بَيانُه إن شاء اللَّهُ. وصومُ رمضانَ واجِبٌ، الأصْلُ في وُجُوبِه الكِتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ،
أمّا الكِتابُ فقَوْلُ اللَّهِ تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ}. إلى قَوْلِه:{فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ}.
وأمّا السُّنَّةُ، فقَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «بُنِىَ الْإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ». ذَكَرَ منها صَومَ رمضانَ. وعن طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أنَّ أعْرابِيًّا جاء إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثائِرَ الرَّأْسِ، فقالَ: يا رسولَ اللَّه ، أخْبِرْنِى ماذا فَرَض اللَّهُ عَلَىَّ مِن الصِّيامِ؟ فقالَ:«شَهْرَ رَمَضَانَ». فقالَ: هل عَلَىَّ غيرُه؛ قال:«لَا، إلَّا أنْ تَتَطَوَّعَ شَيْئًا». قال: فأخْبِرْنِى ماذا فَرَضَ اللَّهُ عَلَىَّ مِن الزَّكاةِ؟ فأخبَرَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بشَرائِعِ الإِسْلامِ.
فقالَ: والذى أَكْرَمَكَ لا أتَطَوَّعُ شَيْئًا، ولا أَنْقُصُ مِمّا فَرَض اللَّه عَلَىَّ شَيْئًا. فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أفلَحَ إنْ صَدَقَ». أو:«دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ». مُتَّفَقٌ عليهما . وأجْمَعَ المسلمون على وُجُوبِ صومِ شَهْرِ رمضانَ.
فصل: رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«إذَا جَاءَ رمضانُ فُتِحَتْ أبْوَابُ الجَنَّةِ». مُتَّفَقٌ عليه . ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«لَا تَقُولُوا جَاءَ رَمَضَانُ، فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاء اللَّهِ تَعَالَى». فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ هذا على أنَّه لا يُقالُ ذلك غيرَ مُقْتَرِنٍ بما يَدُلُّ على إرادَةِ الشَّهْرِ، لئَلَّا يُخالِفَ الأحادِيثَ الصَّحيحةَ. والمُسْتَحَبُّ مع ذلك أن يَقولَ: شَهْرُ رمضانَ، كما قال اللَّهُ تعالى:{شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ}.
واخْتُلِفَ في المَعْنَى الذى سُمِّىَ لأجْلِه رمضانَ، فروَى أنَسٌ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال:«إنَّمَا سُمِّىَ رمضانَ؛ لأنَّه يَحْرِقُ الذُّنُوبَ». فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّه شُرِع صَوْمُه دونَ غيرِه، ليُوافِقَ اسْمُه مَعْناه.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ لغَيْرِ مَعْنًى، كسائِرِ الشُّهُورِ.
وقِيلَ غيرُ ذلك.
فصل: والصومُ المَشْروعُ هو الإِمْساكُ عن المُفْطِراتِ، مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِى إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. رُوِى مَعْنَى ذلك عن عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وبه قال عَطاءٌ، وعَوامُّ أهْلِ العِلْمِ. ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه لمّا صَلَّى الفَجْرَ قال: الآنَ حينَ يَتَبَيَّنُ الخَيْطُ الأَبْيَضُ مِن الخَيْطِ الأسْوَدِ. وعن ابنِ مسعودٍ نَحْوُه .
وقال مَسْرُوقٌ: لم يَكُونُوا يَعُدُّون الفَجْرَ فَجْرَكم، إنَّما كانُوا يَعُدُّون الفَجْرَ الذى يَمْلَأُ البُيوتَ والطُّرُقَ. وهذا قَوْلُ الأَعْمَش. ولنا، قَوْلُ اللَّه تِعالى:{حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ}. يَعْنِى بَياضَ النَّهارِ مِن سَوادِ اللَّيْلِ. وهذا يَحْصُلُ بطُلوعِ الفَجْرِ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُوذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». دلِيل على أنَّ الخَيْطَ الأبْيَضَ هو الصَّباحُ،
وأنَّ السُّحُورَ لا يَكُونُ إلَّا قبلَ الفَجْرِ. وهذا إجْماعٌ لم يُخالِفْ فيه إلَّا الأعْمَشُ وَحْدَه، فشَذَّ ولم يُعَرِّجْ أحَدٌ على قَوْلِه. والنَّهارُ الذى يَجِبُ صِيامُه مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ. قال: هذا قولُ جَماعَةِ عُلَماءِ المسلمين.
١٠٣١ - مسألة؛ قال: (ويَجِبُ صومُ رمضانَ برُؤْيَةِ الهِلالِ، فإِن لم يُرَ مع الصَّحْوِ، أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثَلاِثين يَوْمًا، ثم صامُوا.
فإن حال دُونَ مَنْظَرِه غَيْمٌ أو قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلاثِين، وَجَب صِيامُه بنِيَّةِ رمضانَ في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وعنه، لا يَجِبُ. وعنه، النّاسُ تَبَعٌ للإِمامِ،
فإِن صام صامُوا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ صومَ شَهْرِ رمضانَ يَجِبُ بأحَدِ ثَلاثَةِ أَشْياءَ؛ أحَدُها، رُؤْيَةُ هِلال رمضانَ، يَجِبُ به الصومُ إِجْماعًا؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ». مُتَّفَقٌ عليه . الثَّانِى، كَمالُ شَعبانَ ثَلاِثينَ يَوْمًا، يَجِبُ به الصومُ؛ لأنَّه يُتَيَقَّنُ به دُخُولُ شَهْرِ رمضانَ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ويُسْتَحَبُّ للنّاسِ تَرائِى الهِلالِ لَيْلَةَ الثَّلاثِين مِن شعبانَ؛ ليَحْتاطُوا لصيامِهم، ويَسْلَمُوا مِن الاخْتِلافِ. وقد روَى التِّرْمِذِىُّ عن أبى هُرَيْرَةَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«أحْصُوا هِلَالَ شَعْبانَ لِرَمَضَانَ».
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمن رَأَى الهِلالَ أن يَقُولَ ما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا رَأَى الهِلالَ قال:«اللَّهُ أكبَرُ، اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنَا بالأمْنِ والإِيمَانِ، والسَّلامَةِ والإِسْلَامِ، والتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، رَبِّى وَرَبُّكَ اللَّهُ». رَواه الأثْرَمُ . الثالِثُ، أنْ يَحُولَ دُونَ مَنْظَرِه لَيْلَةَ الثَّلاِثِين مِن شعبانَ غَيْمٌ أو قَتَرٌ، فيَجِبُ صِيامُه في ظاهِرِ المَذْهَبِ، ويُجْزِئُه إن كان مِن شَهْرِ رمضانَ. اخْتارَها الخِرَقِىُّ، وأكْثَرُ شُيوخِ أصْحابِنا. وهو مَذْهَبُ عُمَرَ، وابْنِه، وعَمْرِو بنِ العاصِ، وأبِى هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، ومُعاوِيةَ، وعائشةَ وأسماءَ ابْنَتَىْ أبى بكْرٍ.
وبه قال بَكْرُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُزَنِىُّ، وأبو عثمانَ النَّهْدِىُّ ، وابنُ أبى مَرْيَمَ ، ومُطَرِّفٌ، ومَيْمُونُ ابنُ مِهْرانَ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ. وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، لا يَجِبُ صَوْمُه، ولا يُجْزِئُه عن رمضانَ إن صامَه. وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّىَ عَلَيْكُمْ فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ». رَواه البخارِىُّ .
وعن ابنِ عُمَرَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال:«صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقدُرُوا لَهُ ثَلاثِينَ». رَواه مسلمٌ . وقد صَحَّ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ . وهَذا يومُ شَكٍّ. ولأنَّ الأصْلَ بَقاءُ شعبانَ، فلا يُنْتَقَلُ عنه بالشَّكِّ.
وعنه رِوايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِلإمام،
فإن صام صامُوا، وِإن أفْطَرَ أفْطَرُوا. وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ؛ لقولِ النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ». قيل: مَعْناه أنَّ الصَّوْمَ والفِطْرَ مع الجَماعَةِ وعُظْمِ النَّاسِ. قال التِّرْمِذِىُّ: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى ما رَوَى نافِعٌ عن ابنَ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ». قال نافِعٌ: كان عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ إذا مَضَى من شعبانَ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، يَبْعَثُ مَن يَنْظُرُ له الهِلالَ،
فإن رَأَى فَذاك، وإن لم يَرَ ولم يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِه سحابٌ ولا قَتَرٌ أصْبَحَ مُفْطِرًا،
وإن حالَ دُونَ مَنْظَرِه سَحابٌ أو قَتَرٌ أصْبَحَ صائِمًا . ومَعْنَى اقْدِرُوا له: أى ضَيِّقُوا له،
مِن قَوْلِه تَعالَى: {وَمِنَ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} . أى ضُيِّقَ عليه. وقَوْلِه:{يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ}. والتَّضْيِيقُ له أن يُجْعَلَ شعبانُ تِسْعَةً وعِشْرِين يَوْمًا، وقد فَسَّرَه ابنُ عُمَرَ بفِعْلِه، وهو راوِيه واعلَمُ بمَعْناه، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إلى تَفْسِيرِه، كما رُجِعَ إليه في تَفْسِيرِ التَّفَرُّقِ في خِيارِ المُتَبايِعَيْن. ولأنَّه شَكٌّ في أحَدِ طَرَفَىِ الشَّهْرِ لم يَظْهَرْ فيه أنَّه مِن غيرِ رمضانَ، فوَجَبَ الصَّومُ، كالطَّرَفِ الآخرِ. قال علىٌّ، وأبو هُرَيْرَةَ، وعائشةُ: لأنْ أصُومَ يَوْمًا مِن شعبانَ، أحَبُّ إلىَّ مِن أن أُفْطِرَ يَوْمًا مِن رمضانَ .
ولأنَّ الصومَ يُحْتاطُ له، ولذلك وَجَب الصومُ بخَبَرِ واحِدٍ، ولم يُفْطِرُوا إلَّا بشَهادَةِ اثْنَيْن.
فأمَّا خَبَرُ أبى هُرَيْرَةَ الذى احْتَجُّوا به، فإنَّه يَرْوِيه محمدُ بنُ زِيادٍ، وقد خالَفَه سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، فرَواه عن أبى هُرَيْرَةَ:«فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ». ورِوايَتُه أَولَى؛ لإِمامَتِه واشْتِهارِ ثِقَتِه وعَدالَتِه ومُوافَقَتِه لرَأْىِ أبى هريرةَ ومَذْهبِه، ولخَبَرِ ابنِ عُمَرَ الذى رَوَيْناه. ويُمْكِنُ حَمْلُه على ما إذا غُمَّ في طَرَفَىِ الشَّهْرِ. ورِوايَةُ ابنِ عُمَرَ:«فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاِثِينَ». مُخالِفَة للرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ المُتَّفَقِ عليها، ولِمَذْهَبِ ابنِ عُمَرَ. ورِوايَةُ النَّهْى عن صومِ يَوْمِ الشَّكِّ مَحْمُولٌ على حالِ الصَّحْوِ، جَمْعًا بَيْنَه وبَيْنَ ما ذَكَرْنا.
١٠٣٢ -
كِتَابُ الصِّيَامِ][تَعْرِيفُ الصوم وَحُكْمُهُ] ِ. هُوَ وَالصَّوْمُ مَصْدَرَا صَامَ.
وَفِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْإِمْسَاكِ وَمِنْهُ {إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا} وَقَوْلُ الشَّاعِرِ:
خَيْلٌ صِيَامٌ وخَيْلٌ غَيْرُ صَائِمَةٍ ... تَحْتَ الْعَجَاجِ وَأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا لِإِمْسَاكِهَا عَنِ الصَّهِيلِ فِي مَوْضِعِهِ، وَيُقَالُ: صَامَتِ الرِّيحُ: إِذَا أَمْسَكَتْ عَنِ الْهُبُوبِ.
وَفِي الشَّرْعِ: إِمْسَاكٌ جَمِيعَ النَّهَارِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ مِنْ إِنْسَانٍ مَخْصُوصٍ مَعَ النِّيَّةِ. (يَجِبُ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ} إِلَى قَوْلِهِ {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} وَقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ» فَذَكَرَ مِنْهَا صَوْمَ رَمَضَانَ. وَالْإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى وُجُوبِهِ، وَفُرِضَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَصَامَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - تِسْعًا، وَالْمُسْتَحَبُّ قَوْلُ: شَهْرِ رَمَضَانَ كَمَا صُرِّحَ بِهِ تَبَعًا لِلنَّصِّ،
وَلَا يُكْرَهُ بِإِسْقَاطِ شَهْرٍ فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ أَنَّهُ يُكْرَهُ إِلَّا مَعَ قَرْنِهِ الشَّهْرَ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَجْهًا يُكْرَهُ،
وَفِي " الْمُنْتَخَبِ ": لَا يَجُوزُ، لِخَبَرٍ، وَقَدْ ضُعِّفَ،
وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: هُوَ مَوْضُوعٌ. وَسُمِّيَ رَمَضَانَ لِحَرِّ جَوْفِ الصَّائِمِ فِيهِ وَرَمْضِهِ، وَالرَّمْضَاءُ: شِدَّةُ الْحَرِّ،
وَقِيلَ: لَمَّا نَقَلُوا أَسْمَاءَ الشُّهُورِ عَنِ اللُّغَةِ الْقَدِيمَةِ، فَوَافَقَ شِدَّةَ الْحَرِّ،
وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَحْرِقُ الذُّنُوبَ، وَقِيلَ: مَوْضُوعٌ لِغَيْرِ مَعْنًى، كَبَقِيَّةِ الشُّهُورِ،
وَقِيلَ: فِيهَا مَعَانٍ أَيْضًا (بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ) لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ»
لا يتكلم على هذه المسألة.
قال المصنف رحمه الله: (يجب صوم شهر رمضان يرؤية الهلال. فإن لم يُر مع الصحو أكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً ثم صاموا. وإن حال دون منظره غيم أو قتر ليلة الثلاثين وجب صيامه بنية رمضان في ظاهر المذهب. وعنه لا يجب. وعنه الناس تبع للإمام فإن صام صاموا) .
أما كون شهر رمضان يجب فالأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: {يا أيها الذين ءامنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم -إلى قوله تعالى-: فمن شهد منكم الشهر فليصمه}.
وأما السنة فما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«بني الإسلام على خمس: شهادةِ أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا» متفق عليه.
وروي «أن أعرابياً قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: ماذا فرض الله عليّ من الصيام؟ فقال: شهر رمضان ... مختصر» رواه البخاري.
وأما كون الإجماع فأجمع المسلمون على وجوب صوم شهر رمضان.
وأما كونه يجب برؤية الهلال فلما تقدم من قوله تعالى:{فمن شهد منكم الشهر فليصمه}.
ولقوله عليه السلام:«صوموا لرؤيته ... مختصر» رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وأما كون الناس يُكْمِلون عدة شعبان إذا لم يُر الهلال مع الفجر فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالصيام عند رؤيته» ولم يوجد.
ولأن الأصل بقاء شعبان ولم يوجد ما يعارض فيه ولا ما يحتمل معه خروجه فوجب تكميله كسائر الأشهر.
وقول المصنف رحمه الله: فإن لم ير مع الصحو يحترز به عما إذا لم ير مع الغيم فإنه لا يجب إكمال شعبان لما يذكر بعد إن شاء الله تعالى.
وقوله: ثلاثين يوماً بيان للعدة التي تكمل.
وأما كونهم يصومون إذا كملوا عدة شعبان فلأن عدة شعبان إذا تكملت تحقق دخول شهر رمضان.
وأما كونهم إذا حال دون منظر الهلال غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان يجب عليهم صيامه في ظاهر المذهب؛ فلما يأتي.
وأما كونهم لا يجب عليهم صيامه في روايةٍ؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوماً» رواه البخاري. و «لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن صوم يوم الشك»، وهذا يوم شك.
ولأن الأصل بقاء شعبان.
وأما كون الناس تبعاً للإمام إن صام صاموا وإن أفطر أفطروا في روايةٍ فلقوله عليه السلام:«الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون». قال الترمذي: هو حديث حسن غريب.
والأول هو الصحيح في المذهب. واختاره أكثر شيوخنا لما روى نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الشهر تسعة وعشرون يوماً فلا تصوموا حتى تروه ولا تفطروا حتى تروه. فإن غم عليكم فاقدروا له» متفق عليه.
قال نافع:«كان عبدالله بن عمر إذا مضى من شعبان تسعة وعشرون يوماً يبعث من ينظر له الهلال فإن رؤي فذاك وإن لم ير ولم يحل دون منظره سحاب أو قتر أصبح مفطراً. وإن حال دون منظره سحاب أو قتر أصبح صائماً» رواه أبو داود.
ومعنى: اقدروا له ضيقوا له العدد. ومنه قوله تعالى:{ومن قدر عليه رزقه} أي ضيق عليه، {وقَدِّرْ في السَّرْد} أي ضيق. والتضييق له أن يجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً وقد فسره ابن عمر بفعله وهو أعلم بمعاني كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيجب الرجوع إليه كما رُجع إليه في تفسير خيار المتبايعين. وعن عائشة وأبي هريرة:«لأن أصوم يوماً من شعبان أحب إليّ من أن أفطر يوماً من رمضان».
وحديث أبي هريرة الأول رواه عنه سعيد بن المسيب:«فإن غم عليكم فصوموا ثلاثين» وروايته أولى بالتقديم جمعاً بينه وبين حديث ابن عمر، وليس هذا بيوم شك وفاقاً لأن الشك ما استوى طرفاه وليس هذا اليوم كذلك لأنه عندنا راجح الرمضانية وعند الغير راجح الشعبانية.
فعلى هذا يجب عليهم صيامه بنيةٍ من رمضان لأنه منه لما تقدم. أشبه ما لو ثبت بالرؤية.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.