فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: ولا يجوز بيع اللحم بالحيوان. ش: لا نزاع عندنا فيما نعلمه أنه لا يجوز بيع لحم بحيوان من جنسه، كبيع لحم بقر ببقر، ونحو ذلك.

١٨٦٥ - لما روي عن سعيد بن المسيب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع اللحم بالحيوان» ، رواه مالك في الموطأ، وأبو داود في المراسيل.

١٨٦٦ - وعنه أيضا «أن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهى عن بيع الحي بالميت» . احتج به أحمد، ورواه أبو داود في المراسيل أيضا، وناهيك بمراسيل سعيد، مع أن الأول قد أسند من حديث ثابت بن زهير، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلا أن ثابتا منكر الحديث، قاله أبو حاتم الرازي.

١٨٦٧ - وقال أبو الزناد: كل من أدركت ينهى عن بيع اللحم بالحيوان. ولأنه مال ربوي، بيع بما فيه من جنسه، مع جهالة المقدار، أشبه السمسم بالشيرج، والزيتون بالزيت [ونحو ذلك] .

واختلف في بيع اللحم بحيوان من غير جنسه، كلحم بقر بإبل، وظاهر كلام أحمد والخرقي، وأبي بكر، وابن أبي موسى، والقاضي في تعليقه، وجامعه الصغير، وأبي الخطاب في خلافه الصغير، وغيرهم، أنه لا يجوز، نظرا لإطلاق ما تقدم. ١٨٦٨ - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أن جزورا نحرت، فجاء رجل بعناق، فقال أعطوني جزءا بهذا العناق. فقال أبو بكر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: لا يصلح هذا.

رواه الشافعي، وقال: لا أعلم مخالفا لأبي بكر في ذلك.

واختار القاضي - فيما حكاه عنه أبو محمد - الجواز، لأنه مال ربوي بيع بغير أصله ولا جنسه فجاز، كما لو باعه بذهب أو فضة، وبعض المتأخرين بنى القولين على الخلاف في اللحم، هل هو جنس من أجناس؟ وصرح أبو الخطاب في الانتصار بأنهما على القول بأنه أجناس، وهو الصواب، ولهذا اختلف في بيع اللحم بحيوان لا يؤكل، كعبد وحمار ونحوهما، قال أبو الخطاب: ولا رواية في ذلك، فيحتمل وجهين.

والجواز صرح به في خلافه الصغير،

٢٬٤٠٦

وكذا شيخه في التعليق، وابن الزاغوني، وهو ظاهر كلام أبي جعفر، وشيخه في الجامع الصغير، والمنع أورده ابن عقيل في التذكرة مذهبا، وهو احتمال له في الفصول،

٢٬٤٠٧

والصحيح عنده فيه كقول الأكثرين، ولم يطلع أبو محمد على المسألة صريحا، فقال: ظاهر كلام الأصحاب الجواز. والله أعلم.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ] (٢٨٣٣) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ) لَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ جِنْسِهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَقَوْلُ فُقَهَاءِ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةِ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانِ مُعَدِّ لِلَّحْمِ،

١١٬٥٩٥

وَيَجُوزُ بِغَيْرِهِ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِمَا لَا رِبَا فِيهِ، أَشْبَهَ بَيْعَ اللَّحْمِ بِالدَّرَاهِمِ، أَوْ بِلَحْمٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ. وَلَنَا، مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ» . رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: هَذَا أَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى أَنْ يُبَاعَ حَيٌّ بِمَيِّتٍ» .

ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ جَزُورًا نُحِرَتْ، فَجَاءَ رَجُلٌ بِعَنَاقٍ فَقَالَ: أَعْطُونِي جُزْءًا بِهَذَا الْعَنَاقِ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَا يَصْلُحُ هَذَا. قَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا لِأَبِي بَكْرٍ فِي ذَلِكَ.

١١٬٥٩٦

وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: وَكُلُّ مَنْ أَدْرَكْت يَنْهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ. وَلِأَنَّ اللَّحْمَ نَوْعٌ فِيهِ الرِّبَا بِيعَ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ، فَلَمْ يَجُزْ، كَبَيْعِ السِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ. وَبِهَذَا فَارَقَ مَا قَاسُوا عَلَيْهِ.

١١٬٥٩٧

وَأَمَّا بَيْعُ اللَّحْمِ بِحَيَوَانٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، فَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَالْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ،

١١٬٥٩٨

فَإِنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ بَيْعِ الشَّاةِ بِاللَّحْمِ، فَقَالَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «نَهَى أَنْ يُبَاعَ حَيٌّ بِمَيِّتٍ» . وَاخْتَارَ الْقَاضِي جَوَازَهُ وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهِ قَوْلَانِ. وَاحْتَجَّ مَنْ مَنَعَهُ بِعُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَبِأَنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ.

١١٬٥٩٩

وَمِنْ أَجَازَهُ قَالَ: مَالُ الرِّبَا بِيعَ بِغَيْرِ أَصْلِهِ وَلَا جِنْسِهِ، فَجَازَ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ بِالْأَثْمَانِ.

١١٬٦٠٠

وَإِنْ بَاعَهُ بِحَيَوَانٍ غَيْرِ مَأْكُولِ اللَّحْمِ، جَازَ، فِي ظَاهِرِ قَوْلِ أَصْحَابِنَا. وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.

١١٬٦٠١

[فَصْلٌ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الرِّبَا بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ] (٢٨٣٤) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ مَالِ الرِّبَا بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ، كَالسِّمْسِمِ بِالشَّيْرَجِ، وَالزَّيْتُونِ بِالزَّيْتِ، وَسَائِرِ الْأَدْهَانِ بِأُصُولِهَا، وَالْعَصِيرِ بِأَصْلِهِ، كَعَصِيرِ الْعِنَبِ، وَالرُّمَّانِ، وَالتُّفَّاحِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَقَصَبِ السُّكَّرِ، لَا يُبَاعُ شَيْءٌ مِنْهَا بِأَصْلِهِ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ.

١١٬٦٠٢

وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ مُخْتَلِفٌ، وَالْمَعْنَى مُخْتَلِفٌ.

١١٬٦٠٣

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ إذَا عُلِمَ يَقِينًا أَنَّ مَا فِي الْأَصْلِ مِنْ الدُّهْنِ وَالْعَصِيرِ أَقَلُّ مِنْ الْمُنْفَرِدِ،

١١٬٦٠٤

وَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ، لَمْ يَجُزْ.

وَلَنَا، أَنَّهُ مَالُ رِبًا بِيعَ بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ، فَلَمْ يَجُزْ، كَبَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ، وَقَدْ أَثْبَتْنَا ذَلِكَ بِالنَّصِّ.

١١٬٦٠٥

(٢٨٣٥) فَصْلٌ: فَأَمَّا بَيْعُ شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمُعْتَصَرَاتِ بِجِنْسِهِ، فَيَجُوزُ مُتَمَاثِلًا.

١١٬٦٠٦

وَيَجُوزُ بَيْعُهُ بِغَيْرِ جِنْسِهِ مُتَفَاضِلًا، وَكَيْفَ شَاءَ؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ، وَيُعْتَبَرُ التَّسَاوِي فِيهِمَا بِالْكَيْلِ؛ لِأَنَّهُ يُقَدَّرُ بِهِ وَيُبَاعُ بِهِ عَادَةً، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَسَوَاءٌ كَانَا مَطْبُوخَيْنِ أَوْ نِيئَيْنِ.

١١٬٦٠٧

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الْمَطْبُوخِ بِجِنْسِهِ؛ لِأَنَّ النَّارَ تَعْقِدُ أَجْزَاءَهُمَا، فَيَخْتَلِفُ وَيُؤَدِّي إلَى التَّفَاضُلِ. وَلَنَا، أَنَّهُمَا مُتَسَاوِيَانِ فِي الْحَالِ، عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْفَرِدُ أَحَدُهُمَا بِالنَّقْصِ. فَأَشْبَهَ النِّيءَ بِالنِّيءِ.

١١٬٦٠٨

فَأَمَّا بَيْعُ النِّيءِ بِالْمَطْبُوخِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَلَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَنْفَرِدُ بِالنَّقْصِ فِي ثَانِي الْحَالِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ، كَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ.

١١٬٦٠٩

وَإِنْ بَاعَ عَصِيرَ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِثُفْلِهِ.

١١٬٦١٠

فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْهُ، لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ بِهِ، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّيْرَجِ بِالْكُسْبِ، وَلَا الزَّيْتِ بِثُفْلِهِ الَّذِي فِيهِ بَقِيَّةٌ مِنْ الزَّيْتِ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي يَجُوزُ فِيهَا مَسْأَلَةُ مُدِّ عَجْوَةٍ.

١١٬٦١١

فَإِنْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ عَصِيرِهِ، جَازَ بَيْعُهُ بِهِ مُتَفَاضِلًا، وَمُتَمَاثِلًا؛ لِأَنَّهُمَا جِنْسَانِ.

١١٬٦١٢

[فَصْلٌ بَيْع شَيْء فِيهِ الرِّبَا بَعْضَهُ بِبَعْضٍ] (٢٨٣٦) فَصْلٌ: وَإِنْ بَاعَ شَيْئًا فِيهِ الرِّبَا، بَعْضَهُ بِبَعْضٍ، وَمَعَهُمَا، أَوْ مَعَ أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ، كَمُدٍّ وَدِرْهَمٍ بِمُدٍّ وَدِرْهَمٍ، أَوْ بِمَدَّيْنِ، أَوْ بِدِرْهَمَيْنِ. أَوْ بَاعَ شَيْئًا مُحَلًّى بِجِنْسِ حِلْيَتِهِ، فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تُسَمَّى مَسْأَلَةَ مُدِّ عَجْوَةٍ.

١١٬٦١٣

وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَحْمَدُ، فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ، وَذَكَرَهُ قُدَمَاءُ الْأَصْحَابِ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي السَّيْفِ الْمُحَلَّى وَالْمِنْطَقَةِ وَالْمَرَاكِبِ الْمُحَلَّاةِ بِجِنْسِ مَا عَلَيْهَا: لَا يَجُوزُ، قَوْلًا وَاحِدًا.

وَرُوِيَ هَذَا عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَشُرَيْحٍ، وَابْنِ سِيرِينَ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَكُونَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ،

١١٬٦١٤

فَإِنَّ مُهَنَّا نَقَلَ عَنْ أَحْمَدَ فِي بَيْعِ الزُّبْدِ بِاللَّبَنِ، يَجُوزُ، إذَا كَانَ الزُّبْدُ الْمُنْفَرِدُ أَكْثَرَ مِنْ الزُّبْدِ الَّذِي فِي اللَّبَنِ.

وَرَوَى حَرْبٌ، قَالَ: قُلْت لِأَحْمَدَ: دَفَعْت دِينَارًا كُوفِيًّا وَدِرْهَمًا، وَأَخَذْت دِينَارًا شَامِيًّا، وَزْنُهُمَا سَوَاءٌ، لَكِنَّ الْكُوفِيَّ أَوْضَعُ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ، إلَّا أَنْ يَنْقُصَ الدِّينَارَ، فَيُعْطِيهِ بِحِسَابِهِ فِضَّةً.

١١٬٦١٥

وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حَرْبٍ الْجَرْجَرَائِيُّ. وَرَوَى الْمَيْمُونِيُّ أَنَّهُ سَأَلَهُ: لَا يَشْتَرِي السَّيْفَ وَالْمِنْطَقَةَ حَتَّى يَفْصِلَهَا؟ فَقَالَ: لَا يَشْتَرِيهَا حَتَّى يَفْصِلَهَا. إلَّا أَنَّ هَذَا أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَرِي أَحَدَ النَّوْعَيْنِ بِالْآخَرِ يَفْصِلُهُ وَفِيهِ غَيْرُ النَّوْعِ الَّذِي يَشْتَرِي بِهِ،

١١٬٦١٦

فَإِذَا كَانَ مِنْ فَضْلِ الثَّمَنِ، إلَّا أَنَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى ظَاهِرِ الْقِلَادَةِ لَا يَشْتَرِيهِ حَتَّى يَفْصِلَهُ. قِيلَ لَهُ: فَمَا تَقُولُ أَنْتَ؟ قَالَ: هَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ.

١١٬٦١٧

وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعْت أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْ الدَّرَاهِمِ المسيبية، بَعْضُهَا صُفْرٌ وَبَعْضُهَا فِضَّةٌ، بِالدَّرَاهِمِ؟ قَالَ: لَا أَقُولُ فِيهِ شَيْئًا، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: رَوَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا. كُلُّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَتَّى يَفْصِلَ، إلَّا الْمَيْمُونِيَّ. وَنَقَلَ مُهَنَّا كَلَامًا آخَرَ.

١١٬٦١٨

وَقَالَ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَأَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ. هَذَا كُلُّهُ إذَا كَانَ الْمُفْرَدُ أَكْثَرَ مِنْ الَّذِي مَعَهُ غَيْرُهُ، أَوْ كَانَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ.

١١٬٦١٩

وَقَالَ الْحَسَنُ: لَا بَأْسَ بِبَيْعِ السَّيْفِ الْمُحَلَّى بِالْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ. وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ بِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ، لَمْ يُحْمَلْ عَلَى الْفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى لَحْمًا مِنْ قَصَّابٍ، جَازَ مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ مَيْتَةً. وَلَكِنْ وَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ مُذَكًّى، تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ.

١١٬٦٢٠

وَلَوْ اشْتَرَى مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا، جَازَ، مَعَ احْتِمَالِ كَوْنِهِ غَيْرَ مِلْكِهِ، وَلَا إذْنَ لَهُ فِي بَيْعِهِ، تَصْحِيحًا لِلْعَقْدِ أَيْضًا.

وَقَدْ أَمْكَنَ التَّصْحِيحُ هَاهُنَا، بِجَعْلِ الْجِنْسِ فِي مُقَابَلَةِ غَيْرِ الْجِنْسِ، أَوْ جَعْلِ غَيْرِ الْجِنْسِ فِي مُقَابَلَةِ الزَّائِدِ عَلَى الْمِثْلِ. وَلَنَا، مَا رَوَى فَضَالَةُ بْنُ عُبَيْدٍ، قَالَ:«أُتِيَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِقِلَادَةٍ فِيهَا ذَهَبٌ وَخَرَزٌ، ابْتَاعَهَا رَجُلٌ بِتِسْعَةِ دَنَانِيرَ أَوْ سَبْعَةِ دَنَانِيرَ، فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: لَا، حَتَّى تُمَيِّزَ بَيْنَهُمَا» . قَالَ: فَرَدَّهُ حَتَّى مَيَّزَ بَيْنَهُمَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

١١٬٦٢١

وَفِي لَفْظٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ. قَالَ: فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالذَّهَبِ الَّذِي فِي الْقِلَادَةِ فَنُزِعَ وَحْدَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ وَزْنًا بِوَزْنٍ» .

وَلِأَنَّ الْعَقْدَ إذَا جَمَعَ عِوَضَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْجِنْسِ، وَجَبَ أَنْ يَنْقَسِمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ، عَلَى قَدْرِ قِيمَةِ الْآخَرِ فِي نَفْسِهِ،

١١٬٦٢٢

فَإِذَا اخْتَلَفَتْ الْقِيمَةُ اخْتَلَفَ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ الْعِوَضِ. بَيَانُهُ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَى عَبْدَيْنِ، قِيمَةُ أَحَدِهِمَا مِثْلُ نِصْفِ قِيمَةِ الْآخَرِ بِعَشَرَةٍ، كَانَ ثَمَنُ أَحَدِهِمَا ثُلُثَيْ الْعَشَرَةِ، وَالْآخَرِ ثُلُثَهَا،

١١٬٦٢٣

فَلَوْ رَدَّ أَحَدَهُمَا بِعَيْبٍ، رَدَّهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَلِذَلِكَ إذَا اشْتَرَى شِقْصًا وَسَيْفًا بِثَمَنٍ أَخَذَ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ،

١١٬٦٢٤

فَإِذَا فَعَلْنَا هَذَا فِي مَنْ بَاعَ دِرْهَمًا وَمُدًّا قِيمَتُهُ دِرْهَمَانِ، بِمُدَّيْنِ قِيمَتُهُمَا ثَلَاثَةٌ، حَصَلَ الدِّرْهَمُ فِي مُقَابِلَةِ ثُلُثَيْ مُدٍّ.

وَالْمُدُّ الَّذِي مَعَ الدِّرْهَمِ فِي مُقَابَلَةِ مُدٍّ وَثُلُثٍ، فَهَذَا إذَا تَفَاوَتَتْ الْقِيَمُ، وَمَعَ التَّسَاوِي يُجْهَلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّقْوِيمَ ظَنٌّ وَتَخْمِينٌ، وَالْجَهْلُ بِالتَّسَاوِي كَالْعِلْمِ بِعَدَمِهِ فِي بَابِ الرِّبَا، وَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ بَيْعُ صُبْرَةٍ بِصُبْرَةٍ، بِالظَّنِّ وَالْخَرْصِ. وَقَوْلُهُمْ: يَجِبُ تَصْحِيحُ الْعَقْدِ. لَيْسَ كَذَلِكَ، بَلْ يُحْمَلُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مِنْ صِحَّةٍ وَفَسَادٍ. وَلِذَلِكَ لَوْ بَاعَ بِثَمَنٍ وَأَطْلَقَ،

١١٬٦٢٥

وَفِي الْبِلَادِ نُقُودٌ بَطَلَ، وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى نَقْدِ أَقْرَبِ الْبِلَادِ إلَيْهِ،

١١٬٦٢٦

أَمَّا إذَا اشْتَرَى مِنْ إنْسَانٍ شَيْئًا فَإِنَّهُ يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ مِلْكُهُ؛ لِأَنَّ الْيَدَ دَلِيلُ الْمِلْكِ.

١١٬٦٢٧

وَإِذَا بَاعَ لَحْمًا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُذَكًّى؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ، فِي الظَّاهِرِ، لَا يَبِيعُ الْمَيْتَةَ.

١١٬٦٢٨

[فَصْلٌ بَيْع نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفِي الْقِيمَةِ مِنْ جِنْسٍ وَبِنَوْعِ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ] (٢٨٣٧) فَصْلٌ: فَأَمَّا إنْ بَاعَ نَوْعَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْقِيمَةٍ مِنْ جِنْسٍ، وَبِنَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ، كَدِينَارٍ مَغْرِبِيٍّ وَدِينَارٍ سَابُورِيٍّ، بِدِينَارَيْنِ مَغْرِبِيَّيْنِ، أَوْ دِينَارٍ صَحِيحٍ وَدِينَارٍ قُرَاضَةٍ، بِدِينَارَيْنِ صَحِيحَيْنِ، أَوْ قُرَاضَتَيْنِ، أَوْ حِنْطَةٍ حَمْرَاءَ وَسَمْرَاءَ بِبَيْضَاءَ، أَوْ تَمْرًا بَرْنِيًّا وَمَعْقِلِيًّا بِإِبْرَاهِيمِيٍّ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَأَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ. وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى أَنَّ الْحُكْمَ فِيهَا كَاَلَّتِي قَبْلَهَا. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي انْقِسَامَ الثَّمَنِ عَلَى عِوَضِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِ فِي قِيمَتِهِ كَمَا ذَكَرْنَا.

وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ مَنْعُ ذَلِكَ فِي النَّقْدِ، وَتَجْوِيزُهُ فِي الثَّمَنِ. نَقَلَهُ أَحْمَدُ بْنُ الْقَاسِمِ؛ لِأَنَّ الْأَنْوَاعَ فِي غَيْرِ الْأَثْمَانِ يَكْثُرُ اخْتِلَاطُهَا، وَيَشُقُّ تَمْيِيزُهَا، فَعُفِيَ عَنْهَا

١١٬٦٢٩

بِخِلَافِ الْأَثْمَانِ.

وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ مِثْلًا بِمِثْلٍ» . الْحَدِيثَ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الْبَيْعِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُمَاثَلَةِ الْمُرَاعَاةِ، وَهِيَ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا وَفِي الْمَكِيلِ كَيْلًا، وَلِأَنَّ الْجَوْدَةَ سَاقِطَةٌ فِي بَابِ الرِّبَوِيَّاتِ، فِيمَا قُوبِلَ بِجِنْسِهِ، فِيمَا لَوْ اتَّحَدَ النَّوْعُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ، فَكَذَلِكَ إذَا اخْتَلَفَا، وَاخْتِلَافُ الْقِيمَةِ يَنْبَنِي عَلَى الْجَوْدَةِ وَالرَّدَاءَةِ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ ذَهَبًا بِذَهَبِ مُتَسَاوِيًا فِي الْوَزْنِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ النَّوْعُ؛

وَإِنَّمَا يُقْسَمُ الْعِوَضُ عَلَى الْمُعَوَّضِ فِيمَا يَشْتَمِلُ عَلَى جِنْسَيْنِ، أَوْ فِي غَيْرِ الرِّبَوِيَّاتِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ بَاعَ نَوْعًا بِنَوْعٍ يَشْتَمِلُ عَلَى جَيِّدٍ وَرَدِيءٍ.

١١٬٦٣٠

[فَصْلٌ بَاعَ مَا فِيهِ الرِّبَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ وَمَعَهُ مِنْ جِنْسِ مَا بِيعَ بِهِ] (٢٨٣٨) فَصْلٌ: وَإِنْ بَاعَ مَا فِيهِ الرِّبَا بِغَيْرِ جِنْسِهِ، وَمَعَهُ مِنْ جِنْسِ مَا بِيعَ بِهِ، إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، كَدَارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُهَا بِالذَّهَبِ، جَازَ. لَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا.

١١٬٦٣١

وَكَذَلِكَ لَوْ بَاعَ دَارًا بِدَارٍ مُمَوَّهٍ سَقْفُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، جَازَ؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ الرِّبَا غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْبَيْعِ. فَوُجُودُهُ كَعَدَمِهِ.

١١٬٦٣٢

وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا لَهُ مَالٌ، فَاشْتَرَطَ مَالَهُ وَهُوَ مِنْ جِنْسِ الثَّمَنِ، جَازَ إذَا كَانَ الْمَالُ غَيْرَ مَقْصُودٍ،

١١٬٦٣٣

وَلَوْ اشْتَرَى عَبْدًا بِعَبْدٍ، وَاشْتَرَطَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَالَ الْعَبْدِ الَّذِي اشْتَرَاهُ، جَازَ إذَا لَمْ يَكُنْ مَالُهُ مَقْصُودًا؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْبَيْعِ، فَأَشْبَهَ التَّمْوِيهَ فِي السَّقْفِ، وَلِذَلِكَ لَا تُشْتَرَطُ رُؤْيَتُهُ فِي صِحَّةِ الْبَيْعِ وَلَا لُزُومِهِ،

١١٬٦٣٤

وَإِنْ بَاعَ شَاةً ذَاتَ لَبَنٍ بِلَبَنٍ، أَوْ عَلَيْهَا صُوفٌ بِصُوفِ، أَوْ بَاعَ لَبُونًا بِلَبُونٍ، وَذَاتَ صُوفٍ بِمِثْلِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الْجَوَازُ، اخْتَارَهُ ابْنُ حَامِدٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ الشَّاةُ حَيَّةً أَوْ مُذَكَّاةً؛ لِأَنَّ مَا فِيهِ الرِّبَا غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَلَمْ يَمْنَعْ، كَالدَّارِ الْمُمَوَّهِ سَقْفُهَا. الثَّانِي، الْمَنْعُ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ بَاعَ مَالَ الرِّبَا بِأَصْلِهِ الَّذِي فِيهِ مِنْهُ، أَشْبَهَ الْحَيَوَانَ بِاللَّحْمِ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا، أَنَّ اللَّحْمَ فِي الْحَيَوَانِ مَقْصُودٌ

١١٬٦٣٥

بِخِلَافِ اللَّبَنِ، وَلَوْ كَانَتْ الشَّاةُ مَحْلُوبَةَ اللَّبَنِ، جَازَ بَيْعُهَا بِمِثْلِهَا وَبِاللَّبَنِ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا أَثَرَ لَهُ، وَلَا يُقَابِلُهُ شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، فَأَشْبَهَ الْمِلْحَ فِي الشَّيْرَجِ وَالْخُبْزِ وَالْجُبْنِ، وَحَبَّاتِ الشَّعِيرِ فِي الْحِنْطَةِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ أَيْضًا خِلَافًا،

١١٬٦٣٦

وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ اللَّبَنُ الْمُنْفَرِدُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ لَبَنِ الشَّاةِ، جَازَ بِكُلِّ حَالٍ.

١١٬٦٣٧

وَلَوْ بَاعَ نَخْلَةً عَلَيْهَا تَمْرٌ بِتَمْرٍ، أَوْ بِنَخْلَةٍ عَلَيْهَا تَمْرٌ، فَفِيهِ أَيْضًا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، الْجَوَازُ. اخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ؛ لِأَنَّ التَّمْرَ غَيْرُ مَقْصُودٍ بِالْبَيْعِ.

١١٬٦٣٨

وَالثَّانِي، لَا يَجُوزُ. وَوَجْهُ الْوَجْهَيْنِ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا. وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الشَّاةِ ذَاتِ اللَّبَنِ، بِكَوْنِ الثَّمَرَةِ يَصِحُّ إفْرَادُهَا بِالْبَيْعِ وَهِيَ مَعْلُومَةٌ،

١١٬٦٣٩

بِخِلَافِ اللَّبَنِ فِي الشَّاةِ، وَهَذَا الْفَرْقُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ،

١١٬٦٤٠

فَإِنَّ مَا يَمْنَعُ إذَا جَازَ إفْرَادُهُ يَمْنَعُ،

١١٬٦٤١

وَإِنْ لَمْ يَجُزْ إفْرَادُهُ، كَالسَّيْفِ الْمُحَلَّى يُبَاعُ بِجِنْسِ حِلْيَتِهِ، وَمَا لَا يَمْنَعُ لَا يَمْنَعُ،

١١٬٦٤٢

وَإِنْ جَازَ إفْرَادُهُ، كَمَالِ الْعَبْدِ.

١١٬٦٤٣

[فَصْلٌ بَيْع جِنْس فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ] (٢٨٣٩) فَصْلٌ: وَإِنْ بَاعَ جِنْسًا فِيهِ الرِّبَا بِجِنْسِهِ، وَمَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَذَلِكَ يَنْقَسِمُ أَقْسَامًا؛ أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَقْصُودِ يَسِيرًا، لَا يُؤَثِّرُ فِي كَيْلٍ وَلَا وَزْنٍ، كَالْمِلْحِ فِيمَا يُعْمَلُ فِيهِ، وَحَبَّاتِ الشَّعِيرِ فِي الْحِنْطَةِ، فَلَا يَمْنَعُ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ لَا يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ،

١١٬٦٤٤

وَكَذَلِكَ لَوْ وُجِدَ فِي أَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، لَمْ يَمْنَعْ لِذَلِكَ،

١١٬٦٤٥

وَلَوْ بَاعَ ذَلِكَ بِجِنْسِ غَيْرِ الْمَقْصُودِ الَّذِي مَعَهُ، مِثْلُ أَنْ يَبِيعَ الْخُبْزَ بِالْمِلْحِ، جَازَ؛ لِأَنَّ وُجُودَ ذَلِكَ كَعَدَمِهِ. الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَقْصُودِ كَثِيرًا، إلَّا أَنَّهُ لِمَصْلَحَةِ الْمَقْصُودِ، كَالْمَاءِ فِي خَلِّ التَّمْرِ، وَالزَّبِيبِ، وَدِبْسِ التَّمْرِ، فَهَذَا يَجُوزُ بَيْعُ الشَّيْءِ مِنْهُ بِمِثْلِهِ، وَيَنْزِلُ خَلْطُهُ مَنْزِلَةَ رُطُوبَتِهِ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، فَلَا يَمْنَعُ مِنْ بَيْعِهِ بِمَا يُمَاثِلُهُ، كَالرُّطَبِ بِالرُّطَبِ،

١١٬٦٤٦

وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ خَلْطٌ، كَبَيْعِ خَلِّ الْعِنَبِ بِخَلِّ الزَّبِيبِ؛ لِإِفْضَائِهِ إلَى التَّفَاضُلِ، فَجَرَى مَجْرَى بَيْعِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ، وَمَنَعَ الشَّافِعِيُّ ذَلِكَ كُلَّهُ إلَّا بَيْعَ الشَّيْرَجِ بِالشَّيْرَجِ؛ لِكَوْنِ الْمَاءِ لَا يَظْهَرُ فِي الشَّيْرَجِ.

الثَّالِثُ، أَنْ يَكُونَ غَيْرُ الْمَقْصُودِ كَثِيرًا، وَلَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، كَاللَّبَنِ الْمَشُوبِ بِالْمَاءِ، وَالْأَثْمَانِ الْمَغْشُوشَةِ بِغَيْرِهَا، فَلَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ؛ لِأَنَّ خَلْطَهُ لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وَهُوَ يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ الْمَقْصُودِ فِيهِ،

١١٬٦٤٧

وَإِنْ بَاعِهِ بِجِنْسِ غَيْرِ الْمَقْصُودِ، كَبَيْعِ الدِّينَارِ الْمَغْشُوشِ بِالْفِضَّةِ بِالدَّرَاهِمِ، احْتَمَلَ الْجَوَازَ؛ لِأَنَّهُ يَبِيعُهُ بِجِنْسٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ فِيهِ، فَأَشْبَهَ بَيْعَ اللَّبَنِ بِشَاةٍ فِيهَا لَبَنٌ، وَيَحْتَمِلُ الْمَنْعَ بِنَاءً عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ فِي الْأَصْلِ.

١١٬٦٤٨

وَإِنْ بَاعَ دِينَارًا مَغْشُوشًا بِمِثْلِهِ وَالْغِشُّ فِيهِمَا مُتَفَاوِتٌ، أَوْ غَيْرُ مَعْلُومِ الْمِقْدَارِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالتَّمَاثُلِ الْمَقْصُودِ.

١١٬٦٤٩

وَإِنْ عُلِمَ التَّسَاوِي فِي الذَّهَبِ وَالْغِشِّ الَّذِي فِيهِمَا، خُرِّجَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، أَوْلَاهُمَا الْجَوَازُ؛ لِأَنَّهُمَا تَمَاثَلَا فِي الْمَقْصُودِ وَفِي غَيْرِهِ، وَلَا يُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ بِالتَّوْزِيعِ بِالْقِيمَةِ؛ لِكَوْنِ الْغِشِّ غَيْرَ مَقْصُودٍ، فَكَأَنَّهُ لَا قِيمَةَ لَهُ.

(٢٨٤٠) فَصْلٌ: وَلَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دِرْهَمًا، فَقَالَ: أَعْطِنِي بِنِصْفِ هَذَا الدِّرْهَمِ نِصْفَ دِرْهَمٍ، وَبِنِصْفِهِ فُلُوسًا، أَوْ حَاجَةً أُخْرَى. جَازَ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَى نِصْفًا بِنِصْفِ، وَهُمَا مُتَسَاوِيَانِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ دِرْهَمَيْنِ،

١١٬٦٥٠

وَقَالَ: بِعْنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ فُلُوسًا، وَأَعْطِنِي بِالْآخَرِ نِصْفَيْنِ.

١١٬٦٥١

وَإِنْ قَالَ: أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّرْهَمِ نِصْفًا وَفُلُوسًا. جَازَ أَيْضًا؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ ذَلِكَ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْضِي إلَى التَّفَاضُلِ بِالتَّوْزِيعِ بِالْقِيمَةِ؛

١١٬٦٥٢

فَإِنَّ قِيمَةَ النِّصْفِ الَّذِي فِي الدِّرْهَمِ، كَقِيمَةِ النِّصْفِ الَّذِي مَعَ الْفُلُوسِ يَقِينًا، وَقِيمَةُ الْفُلُوسِ، كَقِيمَةِ النِّصْفِ الْآخَرِ، سَوَاءً.

[فَصْلٌ بَيْعُ مَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى جِنْسَيْنِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ] (٢٨٤١) فَصْلٌ وَمَا كَانَ مُشْتَمِلًا عَلَى جِنْسَيْنِ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، كَالتَّمْرِ الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَى النَّوَى وَمَا عَلَيْهِ، وَالْحَيَوَانِ الْمُشْتَمِلِ عَلَى لَحْمٍ وَشَحْمٍ وَغَيْرِهِ، وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ، فَهَذَا إذَا قُوبِلَ بِمِثْلِهِ، جَازَ بَيْعُهُ بِهِ، وَلَا نَظَرَ إلَى مَا فِيهِ،

١١٬٦٥٣

فَإِنَّ «النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَجَازَ بَيْعَ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ، وَالْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ» .

وَقَدْ عَلِمَ اشْتِمَالَهُمَا عَلَى مَا فِيهِمَا،

١١٬٦٥٤

وَلَوْ بَاعَ ذَلِكَ بِنَوْعٍ غَيْرِ مَقْصُودٍ فِيهِ، كَبَيْعِ التَّمْرِ الَّذِي فِيهِ النَّوَى بِالنَّوَى، فَفِيهِ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ، قَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِيمَا مَضَى،

١١٬٦٥٥

فَأَمَّا الْعَسَلُ قَبْلَ تَصْفِيَتِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ؛ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى عَسَلٍ وَشَمْعٍ، وَذَلِكَ بِفِعْلِ النَّحْلِ فَأَشْبَهَ السَّيْفَ الْمُحَلَّى.

١١٬٦٥٦

[فَصْلٌ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ] (٢٨٤٢) فَصْلٌ: وَيَحْرُمُ الرِّبَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَتَحْرِيمِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ.

١١٬٦٥٧

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجْرِي الرِّبَا بَيْنَ مُسْلِمٍ وَحَرْبِيٍّ فِي دَارِ الْحَرْبِ.

١١٬٦٥٨

وَعَنْهُ فِي مُسْلِمَيْنِ أَسْلَمَا فِي دَارِ الْحَرْبِ، لَا رِبَا بَيْنَهُمَا. لِمَا رَوَى مَكْحُولٌ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«لَا رِبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْحَرْبِ فِي دَارِ الْحَرْبِ» . وَلِأَنَّ أَمْوَالَهُمْ مُبَاحَةُ، وَإِنَّمَا حَظَرَهَا الْأَمَانُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَمَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{وَحَرَّمَ الرِّبَا} . وَقَوْلُهُ:{الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} .

١١٬٦٥٩

وَقَالَ تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا} . وَعُمُومُ الْأَخْبَارِ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ التَّفَاضُلِ. وَقَوْلُهُ:«مَنْ زَادَ أَوْ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى» . عَامٌّ،

١١٬٦٦٠

وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ. وَلِأَنَّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ كَانَ مُحَرَّمًا فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَالرِّبَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَخَبَرُهُمْ مُرْسَلٌ لَا نَعْرِفُ صِحَّتَهُ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ،

١١٬٦٦١

وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ مَا وَرَدَ بِتَحْرِيمِهِ الْقُرْآنُ، وَتَظَاهَرَتْ بِهِ السُّنَّةُ، وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى تَحْرِيمِهِ، بِخَبَرِ مَجْهُولٍ، لَمْ يَرِدْ فِي صَحِيحٍ، وَلَا مُسْنَدٍ، وَلَا كِتَابٍ مَوْثُوقٍ بِهِ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُرْسَلٌ مُحْتَمِلٌ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ:(لَا رِبَا. النَّهْيُ عَنْ الرِّبَا، كَقَوْلِهِ: {فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ} [البقرة: ١٩٧] ، وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ الْإِبَاحَةِ مُنْتَقِضٌ بِالْحَرْبِيِّ إذَا دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ،

١١٬٦٦٢

فَإِنْ مَالَهُ مُبَاحٌ، إلَّا فِيمَا حَظَرَهُ الْأَمَانُ، وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَيْئَةِ التَّفَاضُلِ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ بِالْإِجْمَاعِ، فَكَذَا هَاهُنَا.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.