فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

كتاب السلم]

ش: يقال: سلم وأسلم، وسلف وأسلف، والسلم والسلف عبارتان عن معنى واحد، قاله الأزهري وغيره، غير أن الاسم الخاص بهذا الباب السلم، لأن السلف يقال على القرض، ولذلك بوب الخرقي وغيره السلم، دون السلف، وهو نوع من البيع، ينعقد بما ينعقد به، وبلفظه،

٢٬٨٣٨

ويشترط له ما يشترط له، ويزيد شروطا يأتي بيانها إن شاء الله تعالى، وهو جائز بالإجماع، وسنده قَوْله تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: ٢٨٢] .

٢٠٠٤ - قال ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -: أشهد أن السلف المضمون إلى أجل مسمى أن الله أحله، وأذن فيه، ثم قرأ هذه الآية،

٢٬٨٣٩

وفي رواية: إن الله قد أحله في كتابه، وأذن فيه،

٢٬٨٤٠

وقال الآية، رواهما البيهقي في سننه. ولا ريب أن الآية الكريمة شاملة له. ٢٠٠٥ - وفي الصحيحين عنه قال: قدم رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - المدينة، وهم يسلفون في الثمار السنتين والثلاث، فقال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم» أقر - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على ذلك، وبين شرطه، والله أعلم.

[شروط السلم] قال: وكل ما ضبط بصفة فالسلم فيه جائز. ش: يشترط للمسلم فيه شروط، دل كلامه هنا منها على شرطين (أحدهما) : أن يكون مما يتأتى ضبطه بالصفة، ليوجد شرط المبيع، وهو العلم به، فعلى هذا يصح السلم في المكيل، والموزون، والمذروع، ونحوها، لتأتي الصفة على ذلك، وقد أقر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - على السلف في الثمار،

٢٬٨٤١

وقال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم» .

٢٠٠٦ - وروى البخاري عن عبد الرحمن بن أبزى، وعبد الله بن أبي أوفى، قالا: كنا نصيب المغانم مع رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فكان يأتينا أنباط من أنباط الشام، فنسلفهم في الحنطة، والشعير، والزبيب، في كيل معلوم إلى أجل معلوم، فقلت: أكان لهم زرع أم لم يكن لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ذلك. وأجمع المسلمون على جواز السلم في الثياب، وعلى جوازه في الطعام، قاله ابن المنذر،

٢٬٨٤٢

ولا يصح فيما لا ينضبط بالصفة، كجوهر، وما فيه أخلاط مقصودة لا تتميز، كمعجون، وثمن مغشوش، وحامل من حيوان، وشاة لبون، على الصحيح فيها،

٢٬٨٤٣

وفي الرؤوس، والجلود - والأواني المختلفة الرؤوس والأوساط، ونحو ذلك،

٢٬٨٤٤

وكذلك ما يجمع أخلاطا تتميز، كالخفاف، والقسي، والنبل المريش، والثوب المنسوج من نوعين، والمعدود المختلف، كالحيوان، والبيض، والرمان، ونحو ذلك، واللحم المشوي، والمقلي، والمطبوخ - خلاف، وبسط ذلك له محل آخر.

٢٬٨٤٥

ويشترط في الصفة أن تكون بحيث يعرف بها المبيع عرفا، لما تقدم، فيصفه بما يختلف به الثمن غالبا، فيذكر جنسه كتمر، ونوعه كبرني، وبلده كعراقي، وقدره كصغار أو كبار، وحداثته كحديث، وجودته كجيد، أو عكسهما كقديم ورديء،

٢٬٨٤٦

ولا يصح: أجود، ويصح: أردى، على أصح الوجهين، وقد يزاد على هذه، أو ينقص منها، بحسب المسلم فيه وليس هذا موضع استقصاء ذلك. (الشرط الثاني) : كونه في الذمة، فلا يصح في عين، لأن لفظ السلم والسلف للدين.

٢٠٠٧ - «وعن رجل من أهل نجران قال: قلت لابن عمر: أسألك عن السلم في النخل، قال: أما السلم في النخل فإن رجلا أسلم في نخل لرجل، فلم يحمل ذلك العام، فذكر ذلك لرسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقال: «بم يأكل ماله؟ فأمره فرده عليه، ثم نهى عن السلم في النخل حتى يبدو صلاحه» ، رواه أبو داود وغيره.

٢٠٠٨ - وفي الصحيح «عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه قال: نهي عن بيع النخل حتى يبدو صلاحه» . وقيل: إن أهل المدينة كانوا يسلمون في ثمار نخيل بأعيانها، فلما قدم النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نهاهم عن ذلك، وقال: «من أسلف فليسلف في كيل معلوم» الحديث، والله أعلم. قال: إذا كان كيل معلوم أو وزن معلوم، أو عدد معلوم. ش: هذا (الشرط الثالث) : وهو أن يقدر المسلم فيه: بكيل معلوم عند العامة، إن كان مما يكال، أبو بوزن كذلك إن كان مما يوزن، لما تقدم من حديث ابن عباس، أو بعدد، أو ذرع كذلك، قياسا على ما تقدم، ولأنه عوض ثبت في الذمة، فاشترط معرفة قدره كالثمن، ولا يتعين ما عيناه من كيل العامة، ونحوه على المذهب، لعدم الفائدة في ذلك، وهل يفسد به العبد؟ فيه وجهان، ولا يصح بإناء أو صنجة غير معلومين عند العامة، لاحتمال هلاك ذلك، وإذا يتعذر المسلم فيه، وذلك غرر، ولا حاجة إليه، ومن ثم اشترط أن يكون المكيال والميزان - وكذلك الوصف - بلغة يفهمها غير المتعاقدين، فإن فهمها عدلان دون أهل الاستفاضة كفى على المقدم، لارتفاع التنازع بالرجوع إليهما انتهى.

ومقتضى ما تقدم أنه لا يصح السلم فيما يكال وزنا، ولا فيما يوزن كيلا، وهو المشهور، والمختار للعامة، ونص عليه الإمام في المكيل لا يسلم فيه وزنا قياسا كالربويات، وكالمذروع وزنا وعكسه، فإنه لا يصلح اتفاقا، وعنه ما يدل - واختاره أبو محمد، ويحتمله كلام الخرقي - أنه يجوز، لحصول معرفة القدر، ومقتضى كلام الخرقي أنه يسلم في جميع المعدودات عددا، ولا ريب في ذلك في الحيوان، أما في غيره فثلاثة أقوال، وزنا، عددا، ما تقارب كالجوز، والبيض، عددا، وما تفاوت كالبطيخ، والرمان، والبقول، وزنا، والله أعلم. قال: إلى أجل. ش: هذا (الشرط الرابع) وهو أن يكون مؤجلا على المذهب المعروف، لما تقدم في حديث ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، فإنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أمر، والأمر للوجوب.

٢٠٠٩ - قال القرطبي في شرح مسلم: لا سيما على رواية من روى: «من أسلم فلا يسلم إلا في كيل معلوم» إلى آخره انتهى.

٢٠١٠ - وفي سنن البيهقي عن ابن عباس أنه قال: اضرب له أجلا. ولأن السلم إنما جاز رخصة، لأنه للارتفاق لأنه بيع معدوم، ولا يحصل الرفق إلا بالأجل، والله أعلم. قال: معلوم بالأهلة. ش: يشترط في الأجل كونه معلوما، لما تقدم من الحديث، ولقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ} [البقرة: ٢٨٢] فلا يصح إلى نزول المطر، أو قدوم زيد، ونحو ذلك، وهل يصح إلى الحصاد ونحوه، أو إلى نفس العطاء، - لتقارب الزمن - أو لا يصح، لتقدم ذلك وتأخره.

٢٠١١ - وهو قول ابن عباس، وابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، واختاره عامة الأصحاب؟ فيه قولان، وقيل: محل الخلاف في الحصاد إذا جعله إلى زمنه، أما فعله فلا يصح، واختلف أيضا فيما إذا علقه باسم يتناول شيئين كربيع، ويوم النفر، هل يصح ويتنزل على أول يوم، وبه قطع في المغني، أو لا يصح، [وهو الذي أورده في التلخيص مذهبا؟ وفيما إذا قال: شهر كذا. هل يصح. ويتعلق بأوله، وهو اختيار أبي محمد، أو لا يصح رأسا، وفيما إذا قال مثلا: أول رمضان أو آخره، هل يصح ويتعلق بأول جزء، وآخر جزء، أو لا يصح] ، لأن أول الشهر يعبر به عن النصف الأول، وكذا الآخر، وهو احتمال لصاحب التلخيص؟ على قولين في الجميع. انتهى.

ثم ظاهر كلام الخرقي - وكذلك ابن أبي موسى وابن عبدوس - أن علم ذلك لا غير بالأهلة، بأن يجعل حلوله في أول جزء من رمضان، أو يوم عاشوراء، أو إلى شهر رجب، ونحو ذلك، لأن الله سبحانه وتعالى جعل التأقيت: بهن، قال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: ١٨٩] فعلى هذا لا يصح تأقيت بعيد من أعياد الكفار مطلقا، وقال القاضي وغيره: إن كان مما يتقدم ويتأخر - كعيد السعانين للنصارى، ونحو ذلك - لم يصح، وإلا صح، كالنيروز ونحوه. (تنبيه) : يشترط للأجل شرط آخر، وهو أن يكون له وقع في الثمن، بحيث يختلف به السعر، ومثل ذلك أبو محمد في الكافي بالشهر، ونصفه، لا اليوم ونحوه، وكثير من الأصحاب يمثل بالشهر، والشهرين، فمن ثم قال بعضهم: أقله شهر. نعم يصح كما سيأتي إن شاء الله تعالى فيما يأخذ منه كل يوم قدرا معلوما، كالخبز، واللحم، ونحو ذلك، نص عليه، والله أعلم. قال: موجودا عند محله. ش: هذا (الشرط الخامس) وهو كون المسلم فيه عام الوجود في وقت حلوله غالبا، لوجوب تسليمه إذا، بخلاف ما إذا لم يكن كذلك، فإن الغالب عدم تسليمه، فلم يصح بيعه، كالآبق ونحوه، وذلك كالسلم في العنب والرطب في الصيف، لا في الشتاء، لندرة وجودهما فيه، وفي معنى ذلك إذا أسلم في ثمرة بستان بعينه، أو قرية صغيرة، ونحو ذلك لاحتمال جائحة ذلك، وقد حكى الجوزجاني الإجماع على كراهة ذلك، قال ابن المنذر: إن المنع منه كالإجماع، وقال أبو بكر في التنبيه: إن كان قد بلغ، وأمنت عليه الجائحة صح. قلت: وهو حسن إن لم يحصل إجماع، إذ الغالب له التسليم إذا، ثم حديث ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - المتقدم، أنه نهى عن السلم في النخل حتى يبدو صلاحه، يشهد لذلك.

ومقتضى كلام الخرقي أنه لا يشترط [وجوده حال العقد، وهو كذلك، وكذلك لا يشترط] عدمه، وهو الصحيح من الوجهين، حكاهما ابن عبدوس، والله أعلم. قال: ويقبض الثمن كاملا وقت السلم، قبل التفرق. ش: هذا (الشرط السادس) وهو خاتمة الشروط عنده، وهو أن يقبض رأس مال السلم قبل التفرق عن مجلس العقد، حذارا من أن يصير بيع دين بدين.

٢٠١٢ - فيدخل تحت النهي عن بيع الكالئ بالكالئ، وقد استنبط ذلك الشافعي - رَحِمَهُ اللَّهُ - من قوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أسلف فليسلف» قال: أي فليعط. قال: لأنه لا يقع اسم السلف فيه حتى يعطيه ما سلفه فيه، قبل أن يفارق من سلفه. انتهى ولأنه لا يجوز شرط تأجيل العوض فيه، فلم يجز التفرق فيه قبل القبض كالصرف، وإن قبض البعض ثم افترقا بطل فيما لم يقبض، وهل يبطل في المقبوض - وهو ظاهر كلام الخرقي، وأبي بكر في التنبيه، لقوله: إذا أسلفه دراهم، فخرج بعضها رديئا فالسلم كله باطل - أو لا يبطل وهو المشهور؟ فيه روايتا تفريق الصفقة، والله أعلم.

(تنبيه) : المجلس هنا كمجلس الصرف، وكلاهما كمجلس الخيار، هذا مقتضى كلام الأصحاب، ووقع للقاضي في الجامع الصغير أنه إذا تأخر قبض رأس مال السلم اليومين والثلاثة، لم يصح العقد، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

(وَكُلُّ مَا ضُبِطَ بِصِفَةٍ، فَالسَّلَمُ فِيهِ جَائِزٌ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ السَّلَمَ، لَا يَصِحُّ إلَّا بِشُرُوطٍ سِتَّةٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِمَّا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلَافِهَا ظَاهِرًا، فَيَصِحُّ فِي الْحُبُوبِ وَالثِّمَارِ، وَالدَّقِيقِ، وَالثِّيَابِ، وَالْإِبْرَيْسَمِ، وَالْقُطْنِ، وَالْكَتَّانِ، وَالصُّوفِ، وَالشَّعْرِ، وَالْكَاغَدِ، وَالْحَدِيدِ، وَالرَّصَاصِ، وَالصُّفْرِ، وَالنُّحَاسِ، وَالْأَدْوِيَةِ، وَالطِّيبِ، وَالْخُلُولِ، وَالْأَدْهَانِ، وَالشُّحُومِ، وَالْأَلْبَانِ، وَالزِّئْبَقِ، وَالشَّبِّ، وَالْكِبْرِيتِ، وَالْكُحْلِ، وَكُلِّ مَكِيلٍ، أَوْ مَوْزُونٍ، أَوْ مَزْرُوعٍ، وَقَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ فِي الثِّمَارِ، وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فِي الْحِنْطَةِ، وَالشَّعِيرِ، وَالزَّبِيبِ، وَالزَّيْتِ.

وَأَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ السَّلَمَ فِي الطَّعَامِ جَائِزٌ، قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ. وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِ السَّلَمِ فِي الثِّيَابِ.

١٣٬٣٤٩

وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيمَا لَا يَنْضَبِطُ بِالصِّفَةِ، كَالْجَوْهَرِ مِنْ اللُّؤْلُؤ، وَالْيَاقُوتِ، وَالْفَيْرُوزَجِ، وَالزَّبَرْجَدِ، وَالْعَقِيقِ، وَالْبَلُّورِ؛ لِأَنَّ أَثْمَانَهَا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا بِالصِّغَرِ، وَالْكِبَرِ، وَحُسْنِ التَّدْوِيرِ، وَزِيَادَةِ ضَوْئِهَا، وَصَفَائِهَا، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهَا بِبَيْضِ الْعُصْفُورِ، وَنَحْوِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ؛ وَلَا بِشَيْءِ مُعَيَّنٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ يَتْلَفُ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ صِحَّةُ السَّلَمِ فِيهَا، إذَا اشْتَرَطَ مِنْهَا شَيْئًا مَعْلُومًا وَإِنْ كَانَ وَزْنًا، فَبِوَزْنٍ مَعْرُوفٍ. وَاَلَّذِي قُلْنَاهُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

١٣٬٣٥٠

وَلَا يَصِحُّ فِيمَا يَجْمَعُ أَخْلَاطًا مَقْصُودَةً غَيْرَ مُتَمَيِّزَةٍ، كَالْغَالِيَةِ، وَالنِّدِّ، وَالْمَعَاجِينِ الَّتِي يُتَدَاوَى بِهَا؛ لِلْجَهْلِ بِهَا، وَلَا فِي الْحَوَامِلِ مِنْ الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَجْهُولٌ غَيْرُ مُتَحَقِّقٍ، وَلَا فِي الْأَوَانِي الْمُخْتَلِفَةِ الرُّءُوسِ وَالْأَوْسَاطِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَأْتِي عَلَيْهِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ إذَا ضُبِطَ بِارْتِفَاعِ حَائِطِهِ، وَدُورِ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلِهِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي ذَلِكَ يَسِيرٌ،

١٣٬٣٥١

وَلَا يَصِحُّ فِي الْقِسِيِّ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْخَشَبِ، وَالْقَرْنِ، وَالْعَضَبِ، والتوز، إذْ لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ مَقَادِيرِ ذَلِكَ، وَتَمْيِيزُ مَا فِيهِ مِنْهَا.

١٣٬٣٥٢

وَقِيلَ: يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا، وَالْأَوْلَى مَا ذَكَرْنَا. قَالَ الْقَاضِي: وَاَلَّذِي يَجْمَعُ أَخْلَاطًا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدُهَا، مُخْتَلِطٌ مَقْصُودٌ مُتَمَيِّزٌ، كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ، أَوْ قُطْنٍ وَإِبْرَيْسَمٍ، فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا، لِأَنَّ ضَبْطَهَا مُمْكِنٌ الثَّانِي، مَا خَلْطُهُ لِمَصْلَحَتِهِ، وَلَيْسَ بِمَقْصُودٍ فِي نَفْسِهِ، كَالْإِنْفَحَةِ فِي الْجُبْنِ، وَالْمِلْحِ فِي الْعَجِينِ وَالْخُبْزِ، وَالْمَاءِ فِي خَلِّ التَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، فَيَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ يَسِيرٌ لِمَصْلَحَتِهِ. الثَّالِثُ، أَخْلَاطٌ مَقْصُودَةٌ غَيْرُ مُتَمَيِّزَةٍ، كَالْغَالِيَةِ وَالنِّدِّ وَالْمَعَاجِينِ، فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا؛

لِأَنَّ الصِّفَةَ لَا تَأْتِي عَلَيْهَا.

الرَّابِعُ، مَا خَلْطُهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ، وَلَا مَصْلَحَةَ فِيهِ كَاللَّبَنِ الْمَشُوبِ بِالْمَاءِ، فَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ.

١٣٬٣٥٣

[فَصْلٌ السَّلَم فِي الْخُبْزِ وَاللِّبَأ وَمَا أَمْكَنَ ضَبْطُهُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ] (٣١٩٦) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْخُبْزِ، وَاللِّبَأِ، وَمَا أَمْكَنَ ضَبْطُهُ مِمَّا مَسَّتْهُ النَّارُ.

١٣٬٣٥٤

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي كُلِّ مَعْمُولٍ بِالنَّارِ؛ لِأَنَّ النَّارَ تَخْتَلِفُ، وَيَخْتَلِفُ، عَمَلُهَا، وَيَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِذَلِكَ. وَلَنَا: قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ.» فَظَاهِرُ هَذَا إبَاحَةُ السَّلَمِ فِي كُلِّ مَكِيلٍ وَمَوْزُونٍ وَمَعْدُودٍ، وَلِأَنَّ عَمَلَ النَّارِ فِيهِ مَعْلُومٌ بِالْعَادَةِ، مُمْكِنٌ ضَبْطُهُ بِالنَّشَّافَةِ، وَالرُّطُوبَةِ، فَصَحَّ السَّلَمُ فِيهِ، كَالْمُجَفَّفِ بِالشَّمْسِ.

١٣٬٣٥٥

فَأَمَّا اللَّحْمُ الْمَطْبُوخُ، وَالشِّوَاءُ، فَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَفَاوَتُ كَثِيرًا، وَعَادَاتُ النَّاسِ فِيهِ مُخْتَلِفَةٌ، فَلَمْ يُمْكِنْ ضَبْطُهُ.

١٣٬٣٥٦

وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الْخُبْزِ وَاللِّبَأِ.

١٣٬٣٥٧

[فَصْلٌ السَّلَم فِي النُّشَّابِ وَالنَّبْلِ] (٣١٩٧) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي النُّشَّابِ وَالنَّبْلِ.

١٣٬٣٥٨

وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِمَا. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ أَخْلَاطًا مِنْ خَشَبٍ، وَعَقِبٍ وَرِيشٍ، وَنَصْلٍ، فَجَرَى مَجْرَى أَخْلَاطِ الصَّيَادِلَةِ، وَلِأَنَّ فِيهِ رِيشًا نَجِسًا؛ لِأَنَّ رِيشَهُ مِنْ جَوَارِحِ الطَّيْرِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ مِمَّا يَصِحُّ بَيْعُهُ، وَيُمْكِنُ ضَبْطُهُ بِالصِّفَاتِ الَّتِي لَا يَتَفَاوَتُ الثَّمَنُ مَعَهَا غَالِبًا، فَصَحَّ السَّلَمُ فِيهِ، كَالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ، وَمَا فِيهِ مِنْ غَيْرِهِ مُتَمَيِّزٌ، يُمْكِنُ ضَبْطُهُ وَالْإِحَاطَةُ بِهِ، وَلَا يَتَفَاوَتُ كَثِيرًا، فَلَا يُمْنَعُ، كَالثِّيَابِ الْمَنْسُوجَةِ مِنْ جِنْسَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ الرِّيشُ طَاهِرًا،

١٣٬٣٥٩

وَإِنْ كَانَ نَجِسًا لَكِنْ يَصِحُّ بَيْعُهُ، فَلَمْ يُمْنَعْ السَّلَمُ فِيهِ، كَنَجَاسَةِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ.

[فَصْلٌ السَّلَم فِي الْحَيَوَانِ] (٣١٩٨) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ فَرُوِيَ، لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ. وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَالشَّعْبِيِّ، وَالْجُوزَجَانِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: إنَّ مِنْ الرِّبَا أَبْوَابًا لَا تَخْفَى،

١٣٬٣٦٠

وَإِنَّ مِنْهَا السَّلَمَ فِي السِّنِّ. وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ يَخْتَلِفُ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا، فَلَا يُمْكِنُ ضَبْطُهُ.

١٣٬٣٦١

وَإِنْ اسْتَقْصَى صِفَاتِهِ الَّتِي يَخْتَلِفُ بِهَا الثَّمَنُ، مِثْلُ: أَزَجُّ الْحَاجِبَيْنِ، أَكْحَلُ الْعَيْنَيْنِ، أَقْنَى الْأَنْفِ، أَشَمُّ الْعِرْنِينِ، أَهْدَبُ الْأَشْفَارِ، أَلْمَى الشَّفَةِ، بَدِيعُ الصِّفَةِ. تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ؛ لِنُدْرَةِ وُجُودِهِ عَلَى تِلْكَ الصِّفَةِ.

وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، صِحَّةُ السَّلَمِ فِيهِ. نَصَّ عَلَيْهِ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَمِمَّنْ رَوَيْنَا عَنْهُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالسَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنُ، وَالشَّعْبِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ. وَحَكَاهُ الْجُوزَجَانِيُّ عَنْ عَطَاءٍ، وَالْحَكَمِ. لِأَنَّ أَبَا رَافِعٍ قَالَ:«اسْتَسْلَفَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ رَجُلٍ بَكْرًا» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ:«أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ أَبْتَعَ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ وَبِالْأَبْعِرَةِ إلَى مَجِيءِ الصَّدَقَةِ» .

وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ الرِّبَا. وَلِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي الذِّمَّةِ صَدَاقًا، فَثَبَتَ فِي السَّلَمِ كَالثِّيَابِ،

١٣٬٣٦٢

فَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ، فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ الِاخْتِلَافِ، ثُمَّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ يَشْتَرِطُونَ مِنْ ضِرَابِ فَحْلِ بَنِي فُلَانٍ.

قَالَ الشَّعْبِيُّ: إنَّمَا كَرِهَ ابْنُ مَسْعُودٍ السَّلَفَ فِي الْحَيَوَانِ؛ لِأَنَّهُمْ اشْتَرَطُوا نِتَاجَ فَحْلٍ مَعْلُومٍ. رَوَاهُ سَعِيدٌ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ؛ أَنَّهُ بَاعَ جَمَلًا لَهُ يُدْعَى عُصَيْفِيرَ، بِعِشْرِينَ بَعِيرًا، إلَى أَجَلٍ.

١٣٬٣٦٣

وَلَوْ ثَبَتَ قَوْلُ عُمَرَ فِي تَحْرِيمِ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ، فَقَدْ عَارَضَهُ قَوْلُ مَنْ سَمَّيْنَا مِمَّنْ وَافَقَنَا.

[فَصْلٌ السَّلَم فِي غَيْر الْحَيَوَان مِمَّا لَا يُكَال وَلَا يُوزَن وَلَا يُزْرَع] (٣١٩٩) فَصْلٌ: وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي السَّلَمِ فِي غَيْرِ الْحَيَوَانِ، مِمَّا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ وَلَا يُزْرَعُ، فَنَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: لَا أَرَى السَّلَمَ إلَّا فِيمَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ أَوْ يُوقَفُ عَلَيْهِ. قَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: مَعْنَاهُ يُوقَفُ عَلَيْهِ بِحَدٍّ مَعْلُومٍ لَا يَخْتَلِفُ، كَالزَّرْعِ،

١٣٬٣٦٤

فَأَمَّا الرُّمَّانُ وَالْبَيْضُ، فَلَا أَرَى السَّلَمَ فِيهِ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ وَعَنْ إِسْحَاقَ، أَنَّهُ لَا خَيْرَ فِي السَّلَمِ فِي الرُّمَّانِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَالْبِطِّيخِ، وَالْقِثَّاءِ، وَالْخِيَارِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ، وَمِنْهُ الصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ.

فَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ، لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي كُلِّ مَعْدُودٍ مُخْتَلِفٍ، كَاَلَّذِي سَمَّيْنَاهُ، وَكَالْبُقُولِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْبَقْلِ بِالْحَزْمِ؛ لِأَنَّ الْحَزْمَ يُمْكِنُ فِي الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ، فَلَمْ يَصِحَّ السَّلَمُ فِيهِ، كَالْجَوَاهِرِ. وَنَقَلَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ مَنْصُورٍ، جَوَازَ السَّلَمِ فِي الْفَوَاكِهِ، وَالسَّفَرْجَلِ، وَالرُّمَّانِ، وَالْمَوْزِ، وَالْخَضْرَاوَاتِ، وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ مِمَّا يَتَقَارَبُ وَيَنْضَبِطُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَمَا لَا يَتَقَارَبُ يَنْضَبِطُ بِالْوَزْنِ، كَالْبُقُولِ وَنَحْوهَا، فَصَحَّ السَّلَمُ فِيهِ، كَالْمَزْرُوعِ.

وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ. وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّافِعِيِّ الْمَنْعَ مِنْ السَّلَمِ فِي الْبَيْضِ وَالْجَوْزِ. وَلَعَلَّ هَذَا قَوْلٌ آخَرُ، فَيَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ.

١٣٬٣٦٥

[فَصْلٌ السَّلَم فِي الرُّءُوسِ وَالْأَطْرَافِ] (٣٢٠٠) فَصْلٌ: فَأَمَّا السَّلَمُ فِي الرُّءُوسِ وَالْأَطْرَافِ، فَيَخْرُجُ فِي صِحَّةِ السَّلَمِ فِيهَا الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرْنَا. وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهَا قَوْلَانِ أَيْضًا، كَالرِّوَايَتَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالْأَوْزَاعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ؛ لِأَنَّهُ لَحْمٌ فِيهِ عَظْمٌ يَجُوزُ شِرَاؤُهُ، فَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ، كَبَقِيَّةِ اللَّحْمِ. وَالْآخَرُ، لَا يَجُوزُ.

وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَهُ الْعِظَامُ وَالْمَشَافِرُ، وَاللَّحْمُ فِيهِ قَلِيلٌ، وَلَيْسَ بِمَوْزُونٍ،

١٣٬٣٦٦

بِخِلَافِ اللَّحْمِ. فَإِنْ كَانَ مَطْبُوخًا، أَوْ مَشْوِيًّا، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ. وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْقَاضِي؛ لِأَنَّهُ يَتَنَاثَرُ وَيَخْتَلِفُ. وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِ الْقَاضِي مِنْ أَصْحَابِنَا، حُكْمُ مَا مَسَّتْهُ النَّارُ مِنْ ذَلِكَ حُكْمُ غَيْرِهِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ.

وَالْعَقْدُ يَقْتَضِيه سَلِيمًا مِنْ التَّأَثُّرِ، وَالْعَادَةُ فِي طَبْخِهِ تَتَفَاوَتُ، فَأَشْبَهَ غَيْرَهُ.

١٣٬٣٦٧

[فَصْلٌ السَّلَم فِي الْجُلُودِ] (٣٢٠١) فَصْلٌ: وَفِي الْجُلُودِ مِنْ الْخِلَافِ مِثْلُ مَا فِي الرُّءُوسِ وَالْأَطْرَافِ.

١٣٬٣٦٨

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا تَخْتَلِفُ، فَالْوَرِكُ ثَخِينٌ قَوِيٌّ، وَالصَّدْرُ ثَخِينٌ رِخْوٌ، وَالْبَطْنُ رَقِيقٌ ضَعِيفٌ، وَالظَّهْرُ أَقْوَى، فَيَحْتَاجُ إلَى وَصْفِ كُلِّ مَوْضِعٍ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ ذَرْعُهُ؛ لِاخْتِلَافِ أَطْرَافِهِ. وَلَنَا، أَنَّ التَّفَاوُتَ فِي ذَلِكَ مَعْلُومٌ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ السَّلَمِ فِيهِ، كَالْحَيَوَانِ؛ فَإِنَّهُ يَشْتَمِلُ عَلَى الرَّأْسِ وَالْجِلْدِ وَالْأَطْرَافِ وَاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ وَمَا فِي الْبَطْنِ،

١٣٬٣٦٩

وَكَذَلِكَ الرَّأْسُ يَشْتَمِلُ عَلَى لَحْمِ الْخَدَّيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ، وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ، وَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ السَّلَمِ فِيهِ، كَذَا هَاهُنَا.

١٣٬٣٧٠

[فَصْلٌ السَّلَم فِي اللَّحْمِ] (٣٢٠٢) فَصْلٌ: وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي اللَّحْمِ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.

١٣٬٣٧١

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ» .

١٣٬٣٧٢

وَظَاهِرُهُ إبَاحَةُ السَّلَمِ فِي كُلِّ مَوْزُونٍ. وَلِأَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا جَوَازَ السَّلَمِ فِي الْحَيَوَانِ، فَاللَّحْمُ أَوْلَى.

الشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ يَضْبِطَهُ بِصِفَاتِهِ الَّتِي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِهَا ظَاهِرًا فَإِنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ عِوَضٌ فِي الذِّمَّةِ، فَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ مَعْلُومًا بِالْوَصْفِ كَالثَّمَنِ، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ شَرْطٌ فِي الْمَبِيعِ، وَطَرِيقُهُ

١٣٬٣٧٣

إمَّا الرُّؤْيَةُ وَإِمَّا الْوَصْفُ. وَالرُّؤْيَةُ مُمْتَنِعَةٌ هَاهُنَا، فَتَعَيَّنَ الْوَصْفُ. وَالْأَوْصَافُ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُتَّفَقٌ عَلَى اشْتِرَاطِهَا، وَمُخْتَلَفٌ فِيهَا فَالْمُتَّفَقُ عَلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ؛ الْجِنْسُ، وَالنَّوْعُ، وَالْجَوْدَةُ وَالرَّدَاءَةُ. فَهَذِهِ لَا بُدَّ مِنْهَا فِي كُلّ مُسْلَمٍ فِيهِ. وَلَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي اشْتِرَاطِهَا. وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالشَّافِعِيُّ.

الضَّرْبُ الثَّانِي، مَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِاخْتِلَافِهِ مِمَّا عَدَا هَذِهِ الثَّلَاثَةِ الْأَوْصَافِ، وَهَذِهِ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَنَذْكُرُهَا عِنْدَ ذِكْرِهِ. وَذِكْرُهَا شَرْطٌ فِي السَّلَمِ عِنْدَ إمَامِنَا وَالشَّافِعِيِّ.

١٣٬٣٧٤

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَكْفِي ذِكْرُ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهَا تَشْتَمِلُ عَلَى مَا وَرَاءَهَا مِنْ الصِّفَاتِ. وَلَنَا، أَنَّهُ يَبْقَى مِنْ الْأَوْصَافِ، مِنْ اللَّوْنِ وَالْبَلَدِ وَنَحْوِهِمَا، مَا يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ وَالْغَرَضُ لِأَجْلِهِ، فَوَجَبَ، ذِكْرُهُ، كَالنَّوْعِ.

١٣٬٣٧٥

وَلَا يَجِبُ اسْتِقْصَاءُ كُلِّ الصِّفَاتِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَعَذَّرُ، وَقَدْ يَنْتَهِي الْحَالُ فِيهَا إلَى أَمْرٍ يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُ الْمُسْلَمِ فِيهِ، إذْ يَبْعُدُ وُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عِنْدَ الْمَحِلِّ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ كُلِّهَا، فَيَجِبُ الِاكْتِفَاءُ بِالْأَوْصَافِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يَخْتَلِفُ الثَّمَنُ بِهَا ظَاهِرًا.

١٣٬٣٧٦

وَلَوْ اسْتَقْصَى الصِّفَاتِ حَتَّى انْتَهَى إلَى حَالَ يَنْدُرُ وُجُودُ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِتِلْكَ الْأَوْصَافِ، بَطَلَ السَّلَمُ؛ لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ السَّلَمِ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَ الْوُجُودِ عِنْدَ الْمَحِلِّ، وَاسْتِقْصَاءُ الصِّفَاتِ يَمْنَعُ مِنْهُ.

١٣٬٣٧٧

وَلَوْ شَرَطَ الْأَجْوَدَ، لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْأَجْوَدِ.

١٣٬٣٧٨

وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ كَانَ نَادِرًا.

١٣٬٣٧٩

وَإِنْ شَرَطَ الْأَرْدَأَ احْتَمَلَ أَنْ لَا يَصِحَّ لِذَلِكَ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ، فَإِنَّهُ لَا يُسْلِمُ شَيْئًا إلَّا كَانَ خَيْرًا مِمَّا شَرَطَهُ، فَلَا يَعْجِزُ إذًا عَنْ تَسْلِيمِ مَا يَجِبُ قَبُولُهُ،

١٣٬٣٨٠

بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَلَوْ أَسْلَمَ فِي جَارِيَةٍ وَابْنَتِهَا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَضْبِطَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِصِفَاتٍ، وَيَتَعَذَّرُ وُجُودُ تِلْكَ الصِّفَاتِ فِي جَارِيَةٍ وَابْنَتِهَا.

١٣٬٣٨١

وَكَذَلِكَ إنْ أَسْلَمَ فِي جَارِيَةٍ وَأُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا أَوْ ابْنَةِ عَمِّهَا؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

١٣٬٣٨٢

وَلَوْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ عَلَى صِفَةِ خِرْقَةٍ أَحْضَرَهَا، لَمْ يَجُزْ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَهْلِكَ الْخِرْقَةُ، وَهَذَا غَرَرٌ، وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ، فَمَنَعَ الصِّحَّةَ، كَمَا لَوْ شَرَطَ مِكْيَالًا بِعَيْنِهِ، أَوْ صَنْجَةً بِعَيْنِهَا.

[فَصْلٌ الْجِنْسُ وَالْجَوْدَةُ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا شَرْطَانِ فِي كُلِّ مُسْلَمٍ فِيهِ] (٣٢٠٣) فَصْلٌ: وَالْجِنْسُ، وَالْجَوْدَةُ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُمَا، شَرْطَانِ فِي كُلّ مُسْلَمٍ فِيهِ، فَلَا حَاجَةَ إلَى تَكْرِيرِ ذِكْرِهِمَا فِي كُلّ مُسْلَمٍ فِيهِ، وَيَذْكُرُ مَا سِوَاهُمَا، فَيَصِفُ التَّمْرَ بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ؛ النَّوْعُ، بَرْنِيُّ أَوْ مَعْقِلِيٌّ، وَالْبَلَدُ، إنْ كَانَ يَخْتَلِفُ، فَيَقُولُ بَغْدَادِيٌّ، أَوْ بَصْرِيٌّ؛

١٣٬٣٨٣

فَإِنَّ الْبَغْدَادِيَّ أَحْلَى وَأَقَلُّ بَقَاءً لِعُذُوبَةِ الْمَاءِ، وَالْبَصْرِيُّ

١٣٬٣٨٤

بِخِلَافِ ذَلِكَ. وَالْقَدْرُ، كِبَارٌ أَوْ صِغَارٌ، وَحَدِيثٌ أَوْ عَتِيقٌ.

١٣٬٣٨٥

فَإِنْ أَطْلَقَ الْعَتِيقَ، فَأَيَّ عَتِيقٍ أَعْطَى جَازَ، مَا لَمْ يَكُنْ مَسُوسًا وَلَا حَشَفًا وَلَا مُتَغَيِّرًا.

١٣٬٣٨٦

وَإِنْ قَالَ: عَتِيقُ عَامٍ أَوْ عَامَيْنِ فَهُوَ عَلَى مَا قَالَ.

١٣٬٣٨٧

فَأَمَّا اللَّوْنُ، فَإِنْ كَانَ النَّوْعُ الْوَاحِدُ مُخْتَلِفًا، كالطبرز يَكُونُ أَحْمَرَ، وَيَكُونُ أَسْوَدَ. ذَكَرَهُ، وَإِلَّا فَلَا. وَالرُّطَبُ كَالتَّمْرِ فِي هَذِهِ الْأَوْصَافِ، إلَّا الْحَدِيثَ وَالْعَتِيقَ، وَلَا يَأْخُذُ مِنْ الرُّطَبِ إلَّا مَا أُرْطِبَ كُلُّهُ. وَلَا يَأْخُذُ مِنْهُ مُشَدَّخًا، وَلَا قَدِيمًا قَارَبَ أَنْ يُتْمِرَ. وَهَكَذَا مَا جَرَى مَجْرَاهُ، مِنْ الْعِنَبِ وَالْفَوَاكِهِ.

[فَصْلٌ يُوصَفُ الْبَرّ فِي السَّلَم بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ] (٣٢٠٤) فَصْلٌ: وَيَصِفُ الْبُرَّ بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ؛ النَّوْعُ، فَيَقُولُ: سَبِيلَةٌ أَوْ سَلْمُونِيٌّ. وَالْبَلَدُ، فَيَقُولُ: حُورَانِيٌّ أَوْ بَلْقَاوِيٌّ أَوْ سِمَالِيٌّ. وَصِغَارُ الْحَبِّ أَوْ كِبَارُهُ، وَحَدِيثٌ أَوْ عَتِيقٌ.

١٣٬٣٨٨

وَإِنْ كَانَ النَّوْعُ الْوَاحِدُ يَخْتَلِفُ لَوْنُهُ. ذَكَرَهُ، وَلَا يَسْلَمُ فِيهِ إلَّا مُصَفًّى،

١٣٬٣٨٩

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الشَّعِيرِ وَالْقُطْنِيَّاتِ وَسَائِرِ الْحُبُوبِ.

[فَصْلٌ يُوصَفُ الْعَسَل فِي السَّلَم بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ] (٣٢٠٥) فَصْلٌ: وَيَصِفُ الْعَسَلَ بِثَلَاثَةِ أَوْصَافٍ الْبَلَدِيُّ، فِيجِيٌّ أَوْ نَحْوُهُ. وَيُجْزِئُ ذَلِكَ عَنْ النَّوْعِ. وَالزَّمَانِ؛ رَبِيعِيٌّ أَوْ خَرِيفِيٌّ، أَوْ صَيْفِيٌّ. وَاللَّوْنُ؛ أَبْيَضُ أَوْ أَحْمَرُ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مُصَفًّى مِنْ الشَّمْعِ. [فَصْلٌ ذِكْرِ النَّوْعِ وَالسِّنِّ وَالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ فِي السَّلَم فِي الْحَيَوَان] (٣٢٠٦) فَصْلٌ: وَلَا بُدَّ فِي الْحَيَوَانِ كُلِّهِ مِنْ ذِكْرِ النَّوْعِ، وَالسِّنِّ، وَالذُّكُورِيَّةِ، وَالْأُنُوثِيَّةِ، وَيُذْكَرُ اللَّوْنُ إذَا كَانَ النَّوْعُ الْوَاحِدُ يَخْتَلِفُ، وَيَرْجِعُ فِي سِنِّ الْغُلَامِ إلَيْهِ إنْ كَانَ بَالِغًا،

١٣٬٣٩٠

وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا فَالْقَوْلُ قَوْلُ سَيِّدِهِ،

١٣٬٣٩١

وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ رَجَعَ فِي قَوْلِهِ إلَى أَهْلِ الْخِبْرَةِ، عَلَى مَا يَغْلِبُ عَلَى ظُنُونِهِمْ تَقْرِيبًا.

١٣٬٣٩٢

وَإِذَا ذَكَرَ النَّوْعَ فِي الرَّقِيقِ وَكَانَ مُخْتَلِفًا، مِثْلَ التُّرْكِيِّ؛ مِنْهُمْ الْجِكِلِيُّ وَالْخَزَرِيُّ، فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِهِ، أَوْ يَكْفِي ذِكْرُ النَّوْعِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. وَلَا يَحْتَاجُ فِي الْجَارِيَةِ إلَى ذِكْرِ الْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ وَلَا الْجُعُودَةِ وَالسُّبُوطَةِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ اخْتِلَافًا بَيِّنًا، وَمِثْلُ ذَلِكَ لَا يُرَاعَى، كَمَا فِي صِفَاتِ الْحُسْنِ وَالْمَلَاحَةِ،

١٣٬٣٩٣

فَإِنْ ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، لَزِمَهُ. وَيَذْكُرُ الثُّيُوبَةَ وَالْبَكَارَةَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ يَخْتَلِفُ بِذَلِكَ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرَضُ.

وَيَذْكُرُ الْقَدَّ؛ خُمَاسِيٌّ أَوْ سُدَاسِيٌّ، يَعْنِي خَمْسَةَ أَشْبَارٍ أَوْ سِتَّةَ أَشْبَارٍ. قَالَ أَحْمَدُ، يَقُولُ: خُمَاسِيٌّ سُدَاسِيٌّ، أَسْوَدُ أَبْيَضُ، أَعْجَمِيٌّ أَوْ فَصِيحٌ.

١٣٬٣٩٤

فَأَمَّا الْإِبِلُ فَيَضْبِطُهَا بِأَرْبَعَةِ أَوْصَافٍ، فَيَقُولُ: مِنْ نِتَاجِ بَنِي فُلَانٍ. وَالسِّنُّ، بِنْتُ مَخَاضٍ أَوْ بِنْتُ لَبُونٍ. وَاللَّوْنُ، بَيْضَاءُ أَوْ حَمْرَاءُ أَوْ وَرْقَاءُ، وَذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى،

١٣٬٣٩٥

فَإِنْ كَانَ نِتَاجٌ يَخْتَلِفُ فِيهِ مَهْرِيَّةٌ وَأَرْحَبِيَّةٌ، فَهَلْ يَحْتَاجُ إلَى ضَبْطِ ذَلِكَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ؛ وَمَا زَادَ عَلَى هَذِهِ الْأَوْصَافِ لَا يَفْتَقِرُ إلَى ذِكْرِهِ،

١٣٬٣٩٦

وَإِنْ ذَكَرَ بَعْضَهُ كَانَ تَأْكِيدًا وَلَزِمَهُ. وَأَوْصَافُ الْخَيْلِ، كَأَوْصَافِ الْإِبِلِ.

١٣٬٣٩٧

وَأَمَّا الْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ، فَلَا نِتَاجَ لَهَا، فَيَجْعَلُ مَكَانَ ذَلِكَ نِسْبَتَهَا إلَى بَلَدِهَا.

١٣٬٣٩٨

وَأَمَّا الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ، فَإِنْ عُرِفَ لَهَا نِتَاجٌ، فَهِيَ كَالْإِبِلِ، وَإِلَّا فَهِيَ كَالْحُمُرِ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّوْعِ فِي هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ، فَيَقُولُ فِي الْإِبِلِ: بُخْتِيَّةٌ أَوْ عَرَبِيَّةٌ،

١٣٬٣٩٩

وَفِي الْخَيْلِ، عَرَبِيَّةٌ أَوْ هَجِينٌ أَوْ بِرْذَوْنٌ.

١٣٬٤٠٠

وَفِي الْغَنَمِ، ضَأْنٌ أَوْ مَعْزٌ، إلَّا الْحُمُرَ وَالْبِغَالَ، فَلَا نَوْعَ فِيهِمَا.

(٣٢٠٧) فَصْلٌ: وَيَذْكُرُ فِي اللَّحْمِ السِّنَّ، وَالذُّكُورِيَّةَ، وَالْأُنُوثِيَّةَ، وَالسِّمَنَ، وَالْهُزَالَ، وَرَاعِيًا أَوْ مَعْلُوفًا، وَنَوْعَ الْحَيَوَانِ، وَمَوْضِعَ اللَّحْمِ مِنْهُ. وَيَزِيدُ فِي الذَّكَرِ، فَحْلًا أَوْ خَصِيًّا.

١٣٬٤٠١

وَإِنْ كَانَ مِنْ صَيْدٍ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ الْعَلَفِ وَالْخِصَاءِ. وَيَذْكُرُ الْآلَةَ الَّتِي يُصَادُ بِهَا، مِنْ جَارِحَةٍ أَوْ أُحْبُولَةٍ.

١٣٬٤٠٢

وَفِي الْجَارِحَةِ يَذْكُرُ صَيْدَ فَهْدٍ، أَوْ كَلْبٍ، أَوْ صَقْرٍ،

١٣٬٤٠٣

فَإِنَّ الْأُحْبُولَةَ يُؤْخَذُ الصَّيْدُ مِنْهَا سَلِيمًا. وَصَيْدُ الْكَلْبِ خَيْرٌ مِنْ صَيْدِ الْفَهْدِ؛ لِكَوْنِ الْكَلْبِ أَطْيَبَ الْحَيَوَانِ نَكْهَةً.

قِيلَ: هُوَ أَطْيَبُ الْحَيَوَانِ نَكْهَةً؛ لِكَوْنِهِ مَفْتُوحَ الْفَمِ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ،

١٣٬٤٠٤

وَالصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِشَرْطِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِيهِ يَسِيرٌ، وَلَا يَكَادُ الثَّمَنُ يَتَبَايَنُ بِاخْتِلَافِهِ، وَلَا يَعْرِفُهُ إلَّا الْقَلِيلُ مِنْ النَّاسِ.

١٣٬٤٠٥

وَإِذَا لَمْ يَحْتَجْ فِي الرَّقِيقِ إلَى ذِكْرِ الْبَكَارَةِ وَالثُّيُوبَةِ، وَالسِّمَنِ، وَالْهُزَالِ، وَأَشْبَاهِهَا مِمَّا يَتَبَايَنُ بِهَا الثَّمَنُ وَتَخْتَلِفُ الرَّغَبَاتُ بِهَا، وَيَعْرِفُهَا النَّاسُ، فَهَذَا أُولَى.

١٣٬٤٠٦

وَيَلْزَمُ قَبُولُ اللَّحْمِ بِعِظَامِهِ؛ لِأَنَّهُ هَكَذَا يُقْطَعُ، فَهُوَ كَالنَّوَى فِي التَّمْرِ،

١٣٬٤٠٧

وَإِنْ كَانَ السَّلَمُ فِي لَحْمِ طَيْرٍ، لَمْ يَحْتَجْ إلَى ذِكْرِ الذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ، إلَّا أَنْ يَخْتَلِفَ بِذَلِكَ، كَلَحْمِ الدَّجَاجِ، وَلَا إلَى ذِكْرِ مَوْضِعِ اللَّحْمِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ كَثِيرًا يَأْخُذُ مِنْهُ بَعْضَهُ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ الرَّأْسِ وَالسَّاقَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَا لَحْمَ عَلَيْهَا.

١٣٬٤٠٨

وَفِي السَّمَكِ يَذْكُرُ النَّوْعَ؛ بَرَدِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ، وَالْكِبَرَ وَالصِّغَرَ، وَالسِّمَنَ وَالْهُزَالَ، وَالطَّرِيَّ وَالْمِلْحَ، وَلَا يَقْبَلُ الرَّأْسَ وَالذَّنَبَ، وَلَهُ مَا بَيْنَهُمَا،

١٣٬٤٠٩

وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا يَأْخُذُ بَعْضَهُ، ذَكَرَ مَوْضِعَ اللَّحْمِ مِنْهُ.

[فَصْلٌ ضَبْطُ السَّمْن فِي السَّلَم] (٣٢٠٨) فَصْلٌ: وَيَضْبِطُ السَّمْنَ بِالنَّوْعِ مِنْ ضَأْنٍ أَوْ مَعْزٍ أَوْ بَقَرٍ، وَاللَّوْنِ، أَبْيَضَ أَوْ أَصْفَرَ. قَالَ الْقَاضِي: وَيَذْكُرُ الْمَرْعِيَّ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ حَدِيثٍ أَوْ عَتِيقٍ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يَقْتَضِي الْحَدِيثَ،

١٣٬٤١٠

وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِي عَتِيقِهِ؛ لِأَنَّهُ عَيْبٌ، وَلَا يَنْتَهِي إلَى حَدٍّ يُضْبَطُ بِهِ. وَيَصِفُ الزُّبْدَ بِأَوْصَافِ السَّمْنِ، وَيَزِيدُ، زُبْدُ يَوْمِهِ أَوْ أَمْسِهِ. وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ مُتَغَيِّرٍ فِي السَّمْنِ أَوْ الزُّبْدِ، وَلَا رَقِيقٍ، إلَّا أَنْ تَكُونَ رِقَّتُهُ لِلْحَرِّ. وَيَصِفُ اللَّبَنَ بِالنَّوْعِ وَالْمَرْعَى، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى اللَّوْنِ، وَلَا حَلْبَةِ يَوْمِهِ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَهُ يَقْتَضِي ذَلِكَ، وَلَا يَلْزَمُهُ قَبُولُ مُتَغَيِّرٍ.

قَالَ أَحْمَدُ: وَيَصِحُّ السَّلَمَ فِي الْمَخِيضِ.

١٣٬٤١١

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَصِحُّ السَّلَمَ فِيهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ مَا لَيْسَ مِنْ مَصْلَحَتِهِ، وَهُوَ الْمَاءُ، فَصَارَ الْمَقْصُودُ مَجْهُولًا. وَلَنَا أَنَّ الْمَاءَ يَسِيرٌ، يُتْرَكُ لِأَجْلِ الْمَصْلَحَةِ، جَرَتْ الْعَادَةُ بِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ صِحَّةَ السَّلَمَ فِيهِ، كَالْمَاءِ فِي الشَّيْرَجِ، وَالْمِلْحِ وَالْإِنْفَحَة فِي الْجُبْنِ، وَالْمَاءِ فِي خَلِّ التَّمْرِ، وَيَصِفُ الْجُبْنَ بِالنَّوْعِ وَالْمَرْعَى، وَرَطْبٍ أَوْ يَابِسٍ، وَيَصِفُ اللِّبَأَ بِصِفَاتِ اللَّبَنِ، وَيَزِيدُ اللَّوْنَ، وَيَذْكُرُ الطَّبْخَ أَوْ لَيْسَ بِمَطْبُوخٍ.

[فَصْلٌ ضَبْطُ الثِّيَابِ فِي السَّلَم بِسِتَّةِ أَوْصَافٍ] (٣٢٠٩) فَصْلٌ: وَتُضْبَطُ الثِّيَابُ بِسِتَّةِ أَوْصَافٍ؛ النَّوْعُ، كَتَّانٌ أَوْ قُطْنٌ. وَالْبَلَدُ. وَالطُّولُ. وَالْعَرْضُ. وَالصَّفَاقَةُ وَالرِّقَّةُ. وَالْغِلَظُ وَالدِّقَّةُ. وَالنُّعُومَةُ وَالْخُشُونَةُ. وَلَا يَذْكُرُ الْوَزْنَ،

١٣٬٤١٢

فَإِنْ ذَكَرَهُ، لَمْ يَصِحَّ لِتَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ صِفَاتِهِ الْمُشْتَرَطَةِ، وَكَوْنِهِ عَلَى وَزْنٍ مَعْلُومٍ، فَيَكُونُ فِيهِ تَغْرِيرٌ؛ لِتَعَذُّرِ اتِّفَاقِهِ.

١٣٬٤١٣

وَإِنْ ذَكَرَ خَامًا أَوْ مَقْصُورًا، فَلَهُ مَا شَرَطَ،

١٣٬٤١٤

وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ، جَازَ، وَلَهُ خَامٌ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ.

١٣٬٤١٥

وَإِنْ ذَكَرَ مَغْسُولًا أَوْ لَبِيسًا. لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ اللُّبْسَ يَخْتَلِفُ، وَلَا يَنْضَبِطُ.

١٣٬٤١٦

فَإِنْ أَسْلَمَ فِي مَصْبُوغٍ، وَكَانَ مِمَّا يُصْبَغُ غَزْلُهُ، جَازَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ صِفَاتِ الثَّوْبِ،

١٣٬٤١٧

وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُصْبَغُ بَعْدَ نَسْجِهِ، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّ صَبْغَ الثَّوْبِ يَمْنَعُ الْوُقُوفَ عَلَى نُعُومَتِهِ وَخُشُونَتِهِ، وَلِأَنَّ الصِّبْغَ غَيْرَ مَعْلُومٍ.

١٣٬٤١٨

وَإِنْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ مُخْتَلِفِ الْغُزُولِ؛ كَقُطْنِ وَإِبْرَيْسَمَ، أَوْ قُطْنٍ وَكَتَّانٍ، أَوْ صُوفٍ، وَكَانَتْ الْغُزُولُ مَضْبُوطَةً بِأَنْ يَقُولَ: السُّدَى إبْرَيْسَمُ، وَاللُّحْمَةُ كَتَّانٌ أَوْ نَحْوُهُ، جَازَ. وَلِهَذَا جَازَ السَّلَمُ فِي الْخَزِّ، وَهُوَ مِنْ غَزْلَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.

١٣٬٤١٩

وَإِنْ أَسْلَمَ فِي ثَوْبٍ مَوْشِيٍّ، وَكَانَ الْوَشْيُ مِنْ تَمَامِ نَسْجِهِ، جَازَ.

١٣٬٤٢٠

وَإِنْ كَانَ زِيَادَةً، لَمْ يَجُزْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ.

[فَصْلٌ وَصْفُ غَزْل الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ فِي السَّلَم] (٣٢١٠) فَصْلٌ: وَيَصِفُ غَزْلَ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ، بِالْبَلَدِ وَاللَّوْنِ، وَالْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ، وَالنُّعُومَةِ وَالْخُشُونَةِ وَيَصِفُ الْقُطْنَ بِذَلِكَ، وَيَجْعَلُ مَكَانَ الْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ الطُّولَ وَالْقِصَرَ.

١٣٬٤٢١

وَإِنْ شَرَطَ فِي الْقُطْنِ مَنْزُوعَ الْحَبِّ، جَازَ.

١٣٬٤٢٢

وَإِنْ أَطْلَقَ كَانَ لَهُ بِحَبِّهِ، كَالتَّمْرِ بِنَوَاهُ. يَصِفُ الْإِبْرَيْسَمَ بِالْبَلَدِ وَاللَّوْنِ، وَالْغِلَظِ وَالدِّقَّةِ، يَصِفُ الصُّوفَ بِالْبَلَدِ وَاللَّوْنِ، وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَالزَّمَانِ، خَرِيفِيٍّ أَوْ رَبِيعِيٍّ؛ لِأَنَّ صُوفَ الْخَرِيفِ أَنْظَفُ. قَالَ الْقَاضِي: وَيَصِفُهُ بِالذُّكُورِيَّةِ وَالْأُنُوثِيَّةِ؛ لِأَنَّ صُوفَ الْإِنَاثِ أَنْعَمُ.

وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَحْتَاجَ إلَى هَذِهِ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي هَذَا يَسِيرٌ. وَعَلَيْهِ تَسْلِيمُهُ نَقِيًّا مِنْ الشَّوْكِ وَالْبَعْرِ،

١٣٬٤٢٣

وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْهُ. وَإِنْ اشْتَرَطَهُ، جَازَ، وَكَانَ تَأْكِيدًا. وَالشَّعْرُ وَالْوَبَرُ، كَالصُّوفِ.

١٣٬٤٢٤

وَيَصِحُّ السَّلَمُ فِي الْكَاغَدِ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ ضَبْطُهُ، وَيَصِفُهُ بِالطُّولِ وَالْعَرْضِ، وَالدِّقَّةِ وَالْغِلَظِ، وَاسْتِوَاءِ الصَّنْعَةِ، وَمَا يَخْتَلِفُ بِهِ الثَّمَنُ.

[فَصْلٌ ضَبْطُ النُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَالْحَدِيدِ فِي السَّلَمِ بِالنَّوْعِ] (٣٢١١) فَصْلٌ: وَيَضْبِطُ النُّحَاسُ، وَالرَّصَاصُ، وَالْحَدِيدُ بِالنَّوْعِ، فَيَقُولُ فِي الرَّصَاصِ: قَلْعِيٌّ أَوْ أُسْرُبٌ. وَالنُّعُومَةُ وَالْخُشُونَةُ، وَاللَّوْنُ إنْ كَانَ يَخْتَلِفُ. وَيَزِيدُ فِي الْحَدِيدِ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى،

١٣٬٤٢٥

فَإِنَّ الذَّكَرَ أَحَدُّ وَأَمْضَى. وَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْأَوَانِي الَّتِي يُمْكِنُ ضَبْطُ قَدْرِهَا وَطُولِهَا وَسُمْكِهَا وَدُورِهَا، كَالْأَسْطَالِ الْقَائِمَةِ الْحِيطَانِ، وَالطُّسُوتِ، جَازَ. وَيَضْبِطُهَا بِذَلِكَ كُلِّهِ.

١٣٬٤٢٦

وَإِنْ أَسْلَمَ فِي قِصَاعٍ وَأَقْدَاحٍ مِنْ الْخَشَبِ، جَازَ، وَيَذْكُرُ نَوْعَ خَشَبِهَا مِنْ جَوْزٍ، أَوْ تُوتٍ، وَقَدْرَهَا فِي الصِّغَرِ وَالْكِبَرِ، وَالْعُمْقِ وَالضِّيقِ، وَالثَّخَانَةِ وَالرِّقَّةِ وَأَيِّ عَمَلٍ.

١٣٬٤٢٧

وَإِنْ أَسْلَمَ فِي سَيْفٍ، ضَبَطَهُ بِنَوْعِ حَدِيدِهِ، وَطُولِهِ وَعَرْضِهِ، وَرِقَّتِهِ وَغِلَظِهِ، وَبَلَدِهِ، وَقَدِيمِ الطَّبْعِ أَوْ مُحْدَثٍ، مَاضٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَيَصِفُ قَبْضَتَهُ وَجَفْنَهُ.

[فَصْلٌ الْخَشَبُ فِي السَّلَم عَلَى أَضْرِب] (٣٢١٢) فَصْلٌ: وَالْخَشَبُ عَلَى أَضْرُبٍ؛ مِنْهُ مَا يُرَادُ لِلْبِنَاءِ، فَيَذْكُرُ نَوْعَهُ، وَيُبْسَهُ وَرُطُوبَتَهُ، وَطُولَهُ، وَدُورَهُ، أَوْ سُمْكَهُ، وَعَرْضَهُ. وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مِنْ طَرَفِهِ إلَى طَرَفِهِ بِذَلِكَ الْعَرْضِ وَالدَّوْرِ.

١٣٬٤٢٨

فَإِنْ كَانَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ أَغْلَظَ مِمَّا وَصَفَ، فَقَدْ زَادَهُ خَيْرًا،

١٣٬٤٢٩

وَإِنْ كَانَ أَدَقَّ، لَمْ يَلْزَمْهُ قَبُولُهُ.

١٣٬٤٣٠

وَإِنْ ذَكَرَ الْوَزْنَ أَوْ سَمْحًا، جَازَ،

١٣٬٤٣١

وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ، جَازَ، وَلَهُ سَمْحٌ خَالٍ مِنْ الْعُقَدِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ، عَيْبٌ.

١٣٬٤٣٢

وَإِنْ كَانَ لِلْقِسِيِّ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَوْصَافَ، وَزَادَ سَهْلِيًّا، أَوْ جَبَلِيًّا، أَوْ خُوطًا أَوْ فِلْقَةً؛

١٣٬٤٣٣

فَإِنَّ الْجَبَلِيَّ أَقْوَى مِنْ السَّهْلِيِّ؛ وَالْخُوطَ أَقْوَى مِنْ الْفِلْقَةِ. وَيَذْكُرُ فِيمَا لِلْوَقُودِ الْغِلْظَةَ، وَالْيُبْسَ، وَالرُّطُوبَةَ، وَالْوَزْنَ وَيَذْكُرُ فِيمَا لِلنَّصْبِ النَّوْعَ، وَالْغِلَظَ، وَسَائِرَ مَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَتِهِ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ الْجَهَالَةِ.

١٣٬٤٣٤

وَإِنْ أَسْلَمَ فِي النُّشَّابِ وَالنَّبْلِ، ضَبَطَهُ بِنَوْعِ جِنْسِهِ، وَطُولِهِ وَقِصَرِهِ، وَدِقَّتِهِ وَغِلَظِهِ، وَلَوْنِهِ، وَنَصْلِهِ، وَرِيشِهِ.

(٣٢١٣) فَصْلٌ: وَالْحِجَارَةُ مِنْهَا مَا هُوَ لِلْأَرْحِيَةِ، فَيَضْبِطُهَا بِالدَّوْرِ، وَالثَّخَانَةِ، وَالْبَلَدِ، وَالنَّوْعِ إنْ كَانَ يَخْتَلِفُ. وَمِنْهَا مَا هُوَ لِلْبِنَاءِ، فَيَذْكُرُ النَّوْعَ، وَاللَّوْنَ، وَالْقَدْرَ وَالْوَزْنَ. وَيَذْكُرُ فِي حِجَارَةِ الْآنِيَةِ اللَّوْنَ، وَالنَّوْعَ، وَالْقَدْرَ، وَاللِّينَ، وَالْوَزْنَ. وَيَصِفُ الْبَلُّورَ بِأَوْصَافِهِ. يَصِفُ الْآجُرَّ وَاللَّبِنَ بِمَوْضِعِ التُّرْبَةِ، وَاللَّوْنِ، وَالدَّوْرِ، وَالثَّخَانَةِ،

١٣٬٤٣٥

وَإِنْ أَسْلَمَ فِي الْجِصِّ، وَالنُّورَةِ، ذَكَرَ اللَّوْنَ، وَالْوَزْنَ.

وَلَا يَقْبَلُ مَا أَصَابَهُ الْمَاءُ فَجَفَّ، وَلَا مَا قَدُمَ قِدَمًا يُؤَثِّرُ فِيهِ. وَيَضْبِطُ التُّرَابَ بِمِثْلِ ذَلِكَ، وَيَقْبَلُ الطِّينَ الَّذِي قَدْ جَفَّ إذَا كَانَ لَا يَتَأَثَّرُ بِذَلِكَ.

[فَصْلٌ ضَبْطُ الْعَنْبَر فِي السَّلَم بِاللَّوْنِ وَالْبَلَدِ] (٣٢١٤) فَصْلٌ: وَيَضْبِطُ الْعَنْبَرَ بِلَوْنِهِ وَالْبَلَدِ،

١٣٬٤٣٦

وَإِنْ شَرَطَ قِطْعَةً أَوْ قِطْعَتَيْنِ، جَازَ،

١٣٬٤٣٧

وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ، فَلَهُ أَنْ يُعْطِيَهُ صِغَارًا أَوْ كِبَارًا، وَقَدْ قِيلَ: إنَّ الْعَنْبَرَ نَبَاتٌ يَخْلُقُهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي جَنْبَاتِ الْبَحْرِ. وَيَضْبِطُ الْعُودَ الْهِنْدِيَّ بِبَلَدِهِ، وَمَا يُعْرَفُ بِهِ. وَيَضْبِطُ الْمَصْطَكَى، وَاللُّبَانَ، وَالْغِرَاءَ الْعَرَبِيَّ، وَصَمْغَ الشَّجَرِ، وَالْمِسْكَ، وَسَائِرُ مَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ، بِمَا يَخْتَلِفُ بِهِ.

[مَسْأَلَةٌ مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ الْمُسْلَمِ فِيهِ] (٣٢١٥) مَسْأَلَةٌ قَالَ:

(إذَا كَانَ بِكَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ، أَوْ عَدَدٍ مَعْلُومٍ) هَذَا الشَّرْطُ الثَّالِثُ. وَهُوَ مَعْرِفَةُ مِقْدَارِ الْمُسْلَمِ فِيهِ بِالْكَيْلِ إنْ كَانَ مَكِيلًا، وَبِالْوَزْنِ إنْ كَانَ مَوْزُونًا، وَبِالْعَدَدِ إنْ كَانَ مَعْدُودًا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» . وَلِأَنَّهُ عِوَضٌ غَيْرُ مُشَاهَدٍ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، فَاشْتُرِطَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، كَالثَّمَنِ.

وَلَا نَعْلَمُ فِي اعْتِبَارِ مَعْرِفَةِ الْمِقْدَارِ خِلَافًا.

١٣٬٤٣٨

وَيَجِبُ أَنْ يُقَدِّرَهُ بِمِكْيَالِ، أَوْ أَرْطَالٍ مَعْلُومَةٍ عِنْدَ الْعَامَّةِ.

١٣٬٤٣٩

فَإِنْ قَدَّرَهُ بِإِنَاءٍ مَعْلُومٍ، أَوْ صَنْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ، غَيْرِ مَعْلُومَةٍ، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ يَهْلِكُ، فَيَتَعَذَّرُ مَعْرِفَةُ قَدْرِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، وَهَذَا غَرَرٌ لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْعَقْدُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْمُسْلَمَ فِي الطَّعَامِ لَا يَجُوزُ بِقَفِيزٍ لَا يُعْلَمُ عِيَارُهُ، وَلَا فِي ثَوْبٍ بِذَرْعِ فُلَانٍ؛ لِأَنَّ الْمِعْيَارَ لَوْ تَلِفَ، أَوْ مَاتَ فُلَانٌ، بَطَلَ السَّلَمُ. مِنْهُمْ؛ الثَّوْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو ثَوْرٍ.

١٣٬٤٤٠

وَإِنْ عَيَّنَ مِكْيَالَ رَجُلٍ أَوْ مِيزَانَهُ، وَكَانَا مَعْرُوفَيْنِ عِنْدَ الْعَامَّةِ، جَازَ. وَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِمَا.

١٣٬٤٤١

وَإِنْ لَمْ يُعْرَفَا، لَمْ يَجُزْ.

١٣٬٤٤٢

[فَصْلٌ أَسْلَمَ فِيمَا يُكَالُ وَزْنًا أَوْ فِيمَا يُوزَنُ كَيْلًا] (٣٢١٦) فَصْلٌ: وَإِنْ أَسْلَمَ فِيمَا يُكَالُ وَزْنًا، أَوْ فِيمَا يُوزَنُ كَيْلًا، فَنَقَلَ الْأَثْرَمُ، أَنَّهُ سَأَلَ أَحْمَدَ عَنْ السَّلَمِ فِي التَّمْرِ وَزْنًا؟ فَقَالَ: لَا إلَّا كَيْلًا.

١٣٬٤٤٣

قُلْت: إنَّ النَّاسَ هَاهُنَا لَا يَعْرِفُونَ الْكَيْلَ.

١٣٬٤٤٤

قَالَ: وَإِنْ كَانُوا لَا يَعْرِفُونَ الْكَيْلَ. فَيَحْتَمِلُ هَذَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي الْمَكِيلِ إلَّا كَيْلًا، وَلَا فِي الْمَوْزُونِ إلَّا وَزْنًا.

وَهَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَابْنُ أَبِي مُوسَى؛ لِأَنَّهُ مَبِيعٌ يُشْتَرَطُ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ، كَبَيْعِ الرُّطُوبَاتِ بَعْضِهَا بِبَعْضِ. وَلِأَنَّهُ قَدَّرَ الْمُسْلَمَ بِغَيْرِ مَا هُوَ مُقَدَّرٌ بِهِ فِي الْأَصْلِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي الْمَذْرُوعِ وَزْنًا. وَنَقَلَ الْمَرُّوذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَجُوزُ السَّلَمُ فِي اللَّبَنِ إذَا كَانَ كَيْلًا أَوْ وَزْنًا. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ السَّلَمِ فِي الْمَكِيلِ وَزْنًا،

١٣٬٤٤٥

وَفِي الْمَوْزُونِ كَيْلًا؛ لِأَنَّ اللَّبَنَ لَا يَخْلُو مِنْ كَوْنِهِ مَكِيلًا أَوْ مَوْزُونًا، وَقَدْ أَجَازَ السَّلَمَ فِيهِ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا كَانَ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ التَّمْرَ وَزْنًا.

وَهَذَا أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْغَرَضَ مَعْرِفَةُ قَدْرِهِ، وَخُرُوجُهُ مِنْ الْجَهَالَةِ، وَإِمْكَانُ تَسْلِيمِهِ مِنْ غَيْرِ تَنَازُعٍ، فَبِأَيِّ قَدْرٍ قَدَّرَهُ جَازَ. وَيُفَارِقُ بَيْعَ الرِّبَوِيَّاتِ؛

١٣٬٤٤٦

فَإِنَّ التَّمَاثُلَ فِيهَا فِي الْمَكِيلِ كَيْلًا وَفِي الْمَوْزُونِ وَزْنًا شَرْطٌ، وَلَا نَعْلَمُ هَذَا الشَّرْطَ إذَا قَدَّرَهَا بِغَيْرِ مِقْدَارِهَا الْأَصْلِيِّ. إذَا ثَبَتَ هَذَا،

١٣٬٤٤٧

فَإِنَّ الْحُبُوبَ كُلَّهَا مَكِيلَةٌ، وَكَذَلِكَ التَّمْرُ وَالزَّبِيبُ وَالْفُسْتُقُ وَالْبُنْدُقُ وَالْمِلْحُ.

١٣٬٤٤٨

قَالَ الْقَاضِي: وَكَذَلِكَ الْأَدْهَانُ. وَقَالَ فِي السَّمْنِ وَاللَّبَنِ وَالزُّبْدِ: يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهَا كَيْلًا وَوَزْنًا. وَلَا يُسْلِمُ فِي اللِّبَأِ إلَّا وَزْنًا؛ لِأَنَّهُ يَجْمُدُ عَقِيبَ حَلْبِهِ فَلَا يَتَحَقَّقُ الْكَيْلُ فِيهِ.

١٣٬٤٤٩

[فَصْلٌ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِمَّا لَا يُمَكِّنهُ وَزْنه بِالْمِيزَانِ] (٣٢١٧) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مِمَّا لَا يُمْكِنُهُ وَزْنُهُ بِالْمِيزَانِ لِثِقَلِهِ، كَالْأَرْحِيَةِ وَالْحِجَارَةِ الْكِبَارِ، يُوزَنُ بِالسَّفِينَةِ، فَتُتْرَكُ السَّفِينَةُ فِي الْمَاءِ، ثُمَّ يُتْرَكُ ذَلِكَ فِيهَا فَيَنْظُرُ إلَى أَيْ مَوْضِعٍ تَغُوصُ، فَيُعَلِّمُهُ، ثُمَّ يُرْفَعُ وَيُتْرَكُ مَكَانَهُ رَمْلٌ أَوْ حِجَارَةٌ صِغَارٌ، إلَى أَنْ يَبْلُغَ الْمَاءُ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ بَلَغَهُ، ثُمَّ يُوزَنُ بِمِيزَانٍ. فَمَا بَلَغَ فَهُوَ زِنَةُ ذَلِكَ الشَّيْءِ الَّذِي أُرِيدَ مَعْرِفَةُ وَزْنِهِ.

[فَصْلٌ تَقْدِيرِ الْمَذْرُوعِ بِالذَّرْعِ] (٣٢١٨) فَصْلٌ: وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ الْمَذْرُوعِ بِالذَّرْعِ، بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ السَّلَمَ جَائِزٌ فِي الثِّيَابِ بِذَرْعِ مَعْلُومٍ. [فَصْلٌ مَا عَدَّا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونَ وَالْحَيَوَانَ وَالْمَذْرُوعَ فِي السَّلَم عَلَى ضَرْبَيْنِ] (٣٢١٩) فَصْلٌ: وَمَا عَدَّا الْمَكِيلَ وَالْمَوْزُونِ وَالْحَيَوَانِ وَالْمَذْرُوعِ، فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: مَعْدُودٍ، وَغَيْرِهِ فَالْمَعْدُودُ نَوْعَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَتَبَايَنُ كَثِيرًا، كَالْجَوْزِ وَالْبَيْضِ وَنَحْوِهِمَا، فَيُسْلِمُ فِيهِ عَدَدًا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ.

١٣٬٤٥٠

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُسْلِمُ فِيهِمَا كَيْلًا أَوْ وَزْنًا،

١٣٬٤٥١

وَلَا يَجُوزُ عَدَدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَتَبَايَنُ وَيَخْتَلِفُ، فَلَمْ يَجُزْ عَدَدًا، كَالْبِطِّيخِ.

وَلَنَا أَنَّ التَّفَاوُتَ يَسِيرٌ، وَيَذْهَبُ ذَلِكَ بِاشْتِرَاطِ الْكِبَرِ أَوْ الصِّغَرِ أَوْ الْوَسَطِ، فَيَذْهَبُ التَّفَاوُتُ،

١٣٬٤٥٢

وَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ يَسِيرٌ عُفِيَ عَنْهُ، كَسَائِرِ التَّفَاوُتِ فِي الْمَكِيلِ وَالْمَوْزُونِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ، وَيُفَارِقُ الْبِطِّيخَ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمَعْدُودٍ، وَالتَّفَاوُتُ فِيهِ كَثِيرٌ لَا يَنْضَبِطُ. النَّوْعُ الثَّانِي، مَا يَتَفَاوَتُ؛ كَالرُّمَّانِ وَالسَّفَرْجَلِ وَالْقِثَّاءِ وَالْخِيَارِ، فَهَذَا حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَيْسَ بِمَعْدُودٍ مِنْ الْبِطِّيخِ وَالْبُقُولِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُسْلِمُ فِيهِ عَدَدًا، وَيَضْبِطُهُ بِالصِّغَرِ وَالْكِبَرِ؛ لِأَنَّهُ يُبَاعُ هَكَذَا.

الثَّانِي، لَا يُسْلِمُ فِيهِ إلَّا وَزْنًا. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُهُ بِالْعَدَدِ، لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ كَثِيرًا، وَيَتَبَايَنُ جِدًّا، وَلَا بِالْكَيْلِ؛ لِأَنَّهُ يَتَجَافَى فِي الْمِكْيَالِ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ الْبُقُولِ بِالْحَزْمِ؛ لِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ، وَيُمْكِنُ حَزْمُ الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ، فَلَمْ يُمْكِنْ تَقْدِيرُهُ بِغَيْرِ الْوَزْنِ، فَتَعَيَّنَ تَقْدِيرُهُ بِهِ.

[مَسْأَلَةٌ كُوِّنَ السَّلَم مُؤَجَّلًا أَجَلًا مَعْلُومًا] [الْفَصْل الْأَوَّل يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ السَّلَمِ كَوْنُهُ مُؤَجَّلًا] (٣٢٢٠) مَسْأَلَةٌ؛

قَالَ:

(إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ بِالْأَهِلَّةِ) وَهَذَا الشَّرْطُ الرَّابِعُ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُؤَجَّلًا أَجَلًا مَعْلُومًا.

١٣٬٤٥٣

وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فُصُولٌ ثَلَاثَةٌ:

(٣٢٢١) أَحَدُهَا: أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ السَّلَمِ كَوْنُهُ مُؤَجَّلًا،

١٣٬٤٥٤

وَلَا يَصِحُّ السَّلَمُ الْحَالُ. قَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ الْمَرُّوذِيِّ: لَا يَصِحُّ حَتَّى يَشْتَرِطَ الْأَجَلَ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ.

١٣٬٤٥٥

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يَجُوزُ السَّلَمُ حَالًّا؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ يَصِحُّ مُؤَجَّلًا، فَصَحَّ حَالًّا، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ، وَلِأَنَّهُ إذَا جَازَ مُؤَجَّلًا فَحَالًّا أَجْوَزُ،

١٣٬٤٥٦

وَمِنْ الْغَرَرِ أَبْعَدُ. وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَفَ فِي شَيْءٍ، فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» . فَأَمَرَ بِالْأَجَلِ، وَأَمْرُهُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ. وَلِأَنَّهُ أَمَرَ بِهَذِهِ الْأُمُورِ تَبْيِينًا لِشُرُوطِ السَّلَمِ، وَمَنْعًا مِنْهُ بِدُونِهَا، وَلِذَلِكَ لَا يَصِحُّ إذَا انْتَفَى الْكَيْلُ وَالْوَزْنُ، فَكَذَلِكَ الْأَجَلُ. وَلِأَنَّ السَّلَمَ إنَّمَا جَازَ رُخْصَةً لِلرِّفْقِ، وَلَا يَحْصُلُ الرِّفْقُ إلَّا بِالْأَجَلِ،

١٣٬٤٥٧

فَإِذَا انْتَفَى الْأَجَلُ انْتَفَى الرِّفْقُ، فَلَا يَصِحُّ، كَالْكِتَابَةِ.

وَلِأَنَّ الْحُلُولَ يُخْرِجُهُ عَنْ اسْمِهِ وَمَعْنَاهُ،

١٣٬٤٥٨

أَمَّا الِاسْمُ فَلِأَنَّهُ يُسَمَّى سَلَمًا وَسَلَفًا؛ لِتَعَجُّلِ أَحَدِ الْعِوَضَيْنِ وَتَأَخُّرِ الْآخَرِ، وَمَعْنَاهُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ، مِنْ أَنَّ الشَّارِعَ أَرْخَصَ فِيهِ لِلْحَاجَةِ الدَّاعِيَةِ إلَيْهِ، وَمَعَ حُضُورِ مَا يَبِيعُهُ حَالًّا لَا حَاجَةً إلَى السَّلَمِ، فَلَا يَثْبُتُ.

وَيُفَارِقُ تَنَوُّعَ الْأَعْيَانِ، فَإِنَّهَا لَمْ تَثْبُتْ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ لِمَعْنًى يَخْتَصُّ بِالتَّأْجِيلِ. وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ التَّنْبِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُجْزِئُ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي مَوْجُودًا فِي الْفَرْعِ بِصِفَةِ التَّأْكِيدِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَاهُنَا؛

١٣٬٤٥٩

فَإِنَّ الْبُعْدَ مِنْ الضَّرَرِ لَيْسَ هُوَ الْمُقْتَضِي لِصِحَّةِ السَّلَمِ الْمُؤَجَّلِ، وَإِنَّمَا الْمُصَحَّحُ لَهُ شَيْءٌ آخَرُ، لَمْ نَذْكُرْ اجْتِمَاعَهُمَا فِيهِ، وَقَدْ بَيَّنَّا افْتِرَاقَهُمَا. إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّهُ إنْ بَاعَهُ مَا يَصِحُّ السَّلَمُ فِيهِ حَالًّا فِي الذِّمَّة، صَحَّ، وَمَعْنَاهُ مَعْنَى السَّلَمِ، وَإِنَّمَا افْتَرَقَا فِي اللَّفْظِ.

[الْفَصْل الثَّانِي كَوْن الْأَجَل مَعْلُومًا فِي السَّلَم الْحَال] (٣٢٢٢) الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ السَّلَمِ كَوْنِ الْأَجَلِ مَعْلُومًا السَّلَم؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى} . وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ ". وَلَا نَعْلَمُ فِي اشْتِرَاطِ الْعِلْمِ فِي الْجُمْلَةِ اخْتِلَافًا

١٣٬٤٦٠

فَأَمَّا كَيْفِيَّتُهُ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ أَنْ يُعْلِمَهُ بِزَمَانٍ بِعَيْنِهِ لَا يَخْتَلِفُ،

١٣٬٤٦١

وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤَجِّلَهُ بِالْحَصَادِ وَالْجِزَازِ وَمَا أَشْبَهَهُ.

١٣٬٤٦٢

وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَعَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةٌ أُخْرَى، أَنَّهُ قَالَ: أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ. وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ يَبْتَاعُ إلَى الْعَطَاء. وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى.

١٣٬٤٦٣

وَقَالَ أَحْمَدُ: إنْ كَانَ شَيْءٌ يُعْرَفُ فَأَرْجُو،

١٣٬٤٦٤

وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: إلَى قُدُومِ الْغُزَاةِ. وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ وَقْتَ الْعَطَاءِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعْلُومٌ

١٣٬٤٦٥

فَأَمَّا نَفْسُ الْعَطَاءِ فَهُوَ فِي نَفْسِهِ مَجْهُولٌ يَخْتَلِفُ وَيَتَقَدَّمُ وَيَتَأَخَّرُ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ نَفْسَ الْعَطَاءِ؛ لِكَوْنِهِ يَتَفَاوَتُ أَيْضًا، فَأَشْبَهَ الْحَصَادَ.

وَاحْتَجَّ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ، بِأَنَّهُ أَجَلٌ يَتَعَلَّقُ بِوَقْتٍ مِنْ الزَّمَنِ، يُعْرَفُ فِي الْعَادَةِ، لَا يَتَفَاوَتُ فِيهِ تَفَاوُتًا كَثِيرًا، فَأَشْبَهَ إذَا قَالَ: إلَى رَأْسِ السَّنَةِ. وَلَنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّهُ قَالَ: لَا تَتَبَايَعُوا إلَى الْحَصَادِ وَالدِّيَاسِ، وَلَا تَتَبَايَعُوا إلَّا إلَى شَهْرٍ مَعْلُومٍ. وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ وَيَقْرُبُ وَيَبْعُدُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَجَلًا كَقُدُومِ زَيْدٍ.

١٣٬٤٦٦

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «بَعَثَ إلَى يَهُودِيٍّ، أَنْ ابْعَثْ إلَيَّ بِثَوْبَيْنِ إلَى الْمَيْسَرَةِ» . قُلْنَا: قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: رَوَاهُ حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ. قَالَ أَحْمَدُ: فِيهِ غَفْلَةٌ، وَهُوَ صَدُوقٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: فَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ مِنْ غَفَلَاتِهِ، إذْ لَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ، ثُمَّ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ لَوْ جَعَلَ الْأَجَلَ إلَى الْمَيْسَرَةِ لَمْ يَصِحَّ.

[فَصْلٌ جَعَلَ الْأَجَل إلَى شَهْرٍ فِي السَّلَم] (٣٢٢٣) فَصْلٌ: إذَا جَعَلَ الْأَجَلَ إلَى شَهْرٍ تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ.

١٣٬٤٦٧

وَإِنْ جَعَلَ الْأَجَلَ اسْمًا يَتَنَاوَلُ شَيْئَيْنِ كَجُمَادَى وَرَبِيعٍ وَيَوْمِ النَّفْرِ، تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِمَا.

١٣٬٤٦٨

وَإِنْ قَالَ: إلَى ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ كَانَ إلَى انْقِضَائِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَكَرَ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ مُبْهَمَةٍ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ حِينِ لَفْظِهِ بِهَا.

١٣٬٤٦٩

وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ: إلَى شَهْرٍ. كَانَ آخِرَهُ. وَيَنْصَرِفُ ذَلِكَ إلَى الْأَشْهُرِ الْهِلَالِيَّةِ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى:{إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ} . وَأَرَادَ الْهِلَالِيَّةَ.

١٣٬٤٧٠

وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ كَمَّلْنَا شَهْرَيْنِ بِالْهِلَالِ وَشَهْرًا بِالْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا.

١٣٬٤٧١

وَقِيلَ: تَكُونُ الثَّلَاثَةُ كُلُّهَا عَدَدِيَّةً. وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.

١٣٬٤٧٢

وَإِنْ قَالَ: مَحَلُّهُ شَهْرَ كَذَا أَوْ يَوْمَ كَذَا. صَحَّ، وَتَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ.

١٣٬٤٧٣

وَقِيلَ: لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ ظَرْفًا، فَيَحْتَمِلُ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ.

١٣٬٤٧٤

وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ فِي شَهْرِ كَذَا. تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ، وَهُوَ نَظِيرُ مَسْأَلَتِنَا.

١٣٬٤٧٥

فَإِنْ قِيلَ: الطَّلَاقُ يَتَعَلَّقُ بِالْإِخْطَارِ وَالْإِغْرَارِ،

١٣٬٤٧٦

وَيَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى مَجْهُولٍ، كَنُزُولِ الْمَطَرِ، وَقُدُومِ زَيْدٍ،

١٣٬٤٧٧

بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. قُلْنَا: إلَّا أَنَّهُ إذَا جَعَلَ مَحَلَّهُ فِي شَهْرٍ تَعَلَّقَ بِأَوَّلِهِ، فَلَا يَكُونُ مَجْهُولًا، وَكَذَا السَّلَمُ.

١٣٬٤٧٨

[فَصْلٌ شَرْطِ الْأَجَلِ فِي السَّلَم] (٣٢٢٤) فَصْلٌ: وَمِنْ شَرْطِ الْأَجَلِ أَنْ يَكُونَ مُدَّةً لَهَا وَقْعٌ فِي الثَّمَنِ، كَالشَّهْرِ وَمَا قَارَبَهُ.

١٣٬٤٧٩

وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: لَوْ قَدَّرَهُ بِنِصْفِ يَوْمٍ، جَازَ. وَقَدَّرَهُ بَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ؛ لِأَنَّهَا مُدَّةٌ يَجُوزُ فِيهَا خِيَارُ الشَّرْطِ، وَلِأَنَّهَا آخِرُ حَدِّ الْقِلَّةِ، وَيَتَعَلَّقُ بِهَا عِنْدَهُمْ إبَاحَةُ رُخَصِ السَّفَرِ.

١٣٬٤٨٠

وَقَالَ الْآخَرُونَ: إنَّمَا اُعْتُبِرَ التَّأْجِيلُ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ مَعْدُومٌ فِي الْأَصْلِ، لِكَوْنِ السَّلَمِ إنَّمَا ثَبَتَ رُخْصَةً فِي حَقِّ الْمَفَالِيسِ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْأَجَلِ لِيَحْصُلَ وَيُسَلَّمَ؛ وَهَذَا يَتَحَقَّقُ بِأَقَلِّ مُدَّةٍ يَتَصَوَّرُ تَحْصِيلُهُ فِيهَا وَلَنَا أَنَّ الْأَجَلَ إنَّمَا اُعْتُبِرَ لِيَتَحَقَّقَ الْمَرْفِقُ الَّذِي شُرِعَ مِنْ أَجْلِهِ السَّلَمُ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ بِالْمُدَّةِ الَّتِي لَا وَقْعَ لَهَا فِي الثَّمَنِ،

١٣٬٤٨١

وَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُهُ بِمُدَّةِ الْخِيَارِ؛ لِأَنَّ الْخِيَارَ يَجُوزُ سَاعَةً، وَهَذَا لَا يَجُوزُ، وَالْأَجَلُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْوَامًا، وَهُمْ لَا يُجِيزُونَ الْخِيَارَ أَكْثَرِ مِنْ ثَلَاثٍ، وَكَوْنُهَا آخِرَ حَدِّ الْقِلَّةِ، لَا يَقْتَضِي التَّقْدِيرَ بِهَا.

وَقَوْلُهُمْ: إنَّ الْمَقْصُودَ يَحْصُلُ بِأَقَلِّ مُدَّةٍ. غَيْرُ صَحِيحٍ؛

١٣٬٤٨٢

فَإِنَّ السَّلَمَ إنَّمَا يَكُونُ لِحَاجَةِ الْمَفَالِيسِ الَّذِينَ لَهُمْ ثِمَارٌ أَوْ زُرُوعٌ أَوْ تِجَارَاتٌ يَنْتَظِرُونَ حُصُولَهَا، وَلَا تَحْصُلُ هَذِهِ فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ.

[الْفَصْل الثَّالِث كَوْنِ الْأَجَلِ فِي السَّلَم مَعْلُومًا بِالْأَهِلَّةِ] (٣٢٢٥) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، فِي كَوْنِ الْأَجَلِ مَعْلُومًا بِالْأَهِلَّةِ، وَهُوَ أَنْ يُسْلِمَ إلَى وَقْتٍ يُعْلَمُ بِالْهِلَالِ، نَحْوَ أَوَّلِ الشَّهْرِ، أَوْ أَوْسَطِهِ، أَوْ آخِرِهِ، أَوْ يَوْمٍ مَعْلُومٍ مِنْهُ؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} . وَلَا خِلَافَ فِي صِحَّةِ التَّأْجِيلِ بِذَلِكَ.

١٣٬٤٨٣

وَلَوْ أَسْلَمَ إلَى عِيدِ الْفِطْرِ، أَوْ النَّحْرِ، أَوْ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَوْ عَاشُورَاءَ، أَوْ نَحْوِهَا، جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ بِالْأَهِلَّةِ.

١٣٬٤٨٤

وَإِنْ جَعَلَ الْأَجَلَ مُقَدَّرًا بِغَيْرِ الشُّهُورِ الْهِلَالِيَّةِ، فَذَلِكَ قِسْمَانِ: أَحَدُهُمَا، مَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ، وَهُوَ بَيْنَهُمْ مَشْهُورٌ كَكَانُونَ وَشُبَاطَ، أَوْ عِيدٍ لَا يَخْتَلِفُ كَالنَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُهُمَا، فَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ وَابْنِ أَبِي مُوسَى، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ أَسْلَمَ إلَى غَيْرِ الشُّهُورِ الْهِلَالِيَّةِ. أَشْبَهَ إذَا أَسْلَمَ إلَى الشَّعَانِينِ وَعِيدِ الْفَطِيرِ، وَلِأَنَّ هَذِهِ لَا يَعْرِفُهَا كَثِيرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، أَشْبَهَ مَا ذَكَرْنَا.

١٣٬٤٨٥

وَقَالَ الْقَاضِي: يَصِحُّ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ. قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إذَا أَسْلَمَ إلَى فِصْحِ النَّصَارَى وَصَوْمِهِمْ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ لَا يَخْتَلِفُ، أَشْبَهَ أَعْيَادَ الْمُسْلِمِينَ. وَفَارَقَ مَا يَخْتَلِفُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُهُ الْمُسْلِمُونَ. الْقِسْمُ الثَّانِي، مَا لَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ، كَعِيدِ الشَّعَانِينِ وَعِيدِ الْفَطِيرِ وَنَحْوِهِمَا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ إلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ لَا يَعْرِفُونَهُ،

١٣٬٤٨٦

وَلَا يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولٍ، وَلِأَنَّهُمْ يُقَدِّمُونَهُ وَيُؤَخِّرُونَهُ عَلَى حِسَابٍ لَهُمْ لَا يَعْرِفُهُ الْمُسْلِمُونَ.

١٣٬٤٨٧

وَإِنْ أَسْلَمَ إلَى مَا لَا يَخْتَلِفُ، مِثْلُ كَانُونِ الْأَوَّلِ، وَلَا يَعْرِفُهُ الْمُتَعَاقِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا، لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ مَجْهُولٌ عِنْدَهُ.

[مَسْأَلَةٌ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَامَ الْوُجُودِ فِي مَحِلِّهِ] مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ:

(مَوْجُودًا عِنْدَ مَحَلِّهِ) هَذَا الشَّرْطُ الْخَامِسُ، وَهُوَ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عَامَّ الْوُجُودِ فِي مَحِلِّهِ، وَلَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا. وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ كَذَلِكَ، أَمْكَنَ تَسْلِيمُهُ عِنْدَ وُجُوبِ تَسْلِيمِهِ.

١٣٬٤٨٨

وَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَامَ الْوُجُودِ، لَمْ يَكُنْ مَوْجُودًا عِنْدَ الْمَحِلِّ بِحُكْمِ الظَّاهِرِ، فَلَمْ يُمْكِنْ تَسْلِيمُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ بَيْعُهُ، كَبَيْعِ الْآبِقِ، بَلْ أَوْلَى؛

١٣٬٤٨٩

فَإِنَّ السَّلَمَ اُحْتُمِلَ فِيهِ أَنْوَاعٌ مِنْ الْغَرَرِ لِلْحَاجَةِ، فَلَا يَحْتَمِلُ فِيهِ غَرَرٌ آخَرُ، لِئَلَّا يَكْثُرَ الْغَرَرُ فِيهِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي الْعِنَبِ وَالرُّطَبِ إلَى شُبَاطَ أَوْ آذَارَ، وَلَا إلَى مَحِلٍّ لَا يُعْلَمُ وُجُودُهُ فِيهِ، كَزَمَانِ أَوَّلِ الْعِنَبِ أَوْ آخِرِهِ الَّذِي لَا يُوجَدُ فِيهِ إلَّا نَادِرًا، فَلَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ.

١٣٬٤٩٠

[فَصْلٌ أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ] (٣٢٢٧) فَصْلٌ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ، وَلَا قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ؛ لِكَوْنِهِ لَا يُؤْمَنُ تَلَفُهُ وَانْقِطَاعُهُ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: إبْطَالُ السَّلَمِ إذَا أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَمِمَّنْ حَفِظْنَا عَنْهُ ذَلِكَ؛ الثَّوْرِيُّ، وَمَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَإِسْحَاقُ.

قَالَ: وَرَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «، أَنَّهُ أَسَلَفَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ دَنَانِيرَ فِي تَمْرٍ مُسَمًّى، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ: مِنْ تَمْرِ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَّا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَلَا، وَلَكِنْ كَيْلٌ مُسَمًّى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ، وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ، فِي " الْمُتَرْجَمِ ".

١٣٬٤٩١

وَقَالَ: أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِهَذَا الْبَيْعِ. وَلِأَنَّهُ إذَا أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ، لَمْ يُؤْمَنْ انْقِطَاعُهُ وَتَلَفُهُ، فَلَمْ يَصِحَّ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ قَدَّرَهُ بِمِكْيَالِ مُعَيَّنٍ، أَوْ صَنْجَةٍ مُعَيَّنَةٍ، أَوْ أَحْضَرَ خِرْقَةً،

١٣٬٤٩٢

وَقَالَ: أَسْلَمْت إلَيْك فِي مِثْلِ هَذِهِ.

١٣٬٤٩٣

[فَصْلٌ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَوْجُودًا حَالَ السَّلَم] (٣٢٢٨) فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَوْجُودًا حَالِ السَّلَمِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُسْلِمَ فِي الرُّطَبِ فِي أَوَانِ الشِّتَاءِ،

١٣٬٤٩٤

وَفِي كُلِّ مَعْدُومٍ إذَا كَانَ مَوْجُودًا فِي الْمَحَلِّ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، وَإِسْحَاقَ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ.

١٣٬٤٩٥

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَجُوزُ حَتَّى يَكُونَ جِنْسُهُ مَوْجُودًا حَالَ الْعَقْدِ إلَى حِينِ الْمَحِلِّ؛ لِأَنَّ كُلَّ زَمَنٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَحِلًّا لِلْمُسْلِمِ فِيهِ لِمَوْتِ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ، فَاعْتُبِرَ وُجُودُهُ فِيهِ كَالْمَحِلِّ وَلَنَا «، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُسَلِّفُونَ فِي الثِّمَارِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ، فَقَالَ: مَنْ أَسَلَفَ فَلْيُسْلِفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، وَوَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» . وَلَمْ يَذْكُرْ الْوُجُودَ،

١٣٬٤٩٦

وَلَوْ كَانَ شَرْطًا لَذَكَرَهُ، وَلَنَهَاهُمْ عَنْ السَّلَفِ سَنَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ انْقِطَاعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَوْسَطِ السَّنَةِ، وَلِأَنَّهُ يَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ، وَيُوجَدُ فِي مَحِلِّهِ غَالِبًا، فَجَازَ السَّلَمُ فِيهِ، كَالْمَوْجُودِ، وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الدَّيْنَ يَحِلُّ بِالْمَوْتِ،

١٣٬٤٩٧

وَإِنْ سَلَّمْنَا فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ الْوُجُودَ، إذْ لَوْ لَزِمَ أَفْضَى إلَى أَنْ تَكُونَ آجَالُ السَّلَمِ مَجْهُولَةً، وَالْمَحِلُّ مَا جَعَلَهُ الْمُتَعَاقِدَانِ مَحِلًّا، وَهَا هُنَا لَمْ يَجْعَلَاهُ.

[فَصْلٌ تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عِنْدَ الْمَحِلّ] (٣٢٢٩) فَصْلٌ: إذَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُ الْمُسْلَمِ فِيهِ عِنْدَ الْمَحِلِّ،

١٣٬٤٩٨

إمَّا لِغَيْبَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ أَوْ عَجْزِهِ عَنْ التَّسْلِيمِ، حَتَّى عَدِمَ الْمُسْلَمُ فِيهِ، أَوْ لَمْ تَحْمِلْ الثِّمَارُ تِلْكَ السَّنَةَ، فَالْمُسْلِمُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ إلَى أَنْ يُوجَدَ فَيُطَالِبَ بِهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَفْسَخَ الْعَقْدَ وَيَرْجِعَ بِالثَّمَنِ إنْ كَانَ مَوْجُودًا، أَوْ بِمِثْلِهِ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، وَإِلَّا قِيمَتَهُ. وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ.

وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أَنَّهُ يَنْفَسِخُ الْعَقْدُ بِنَفْسِ التَّعَذُّرِ؛ لِكَوْنِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ ثَمَرَةِ الْعَامِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ مِنْهَا،

١٣٬٤٩٩

فَإِذَا هَلَكَتْ انْفَسَخَ الْعَقْدُ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ فَهَلَكَتْ. وَالْأَوَّلُ الصَّحِيحُ؛

١٣٬٥٠٠

فَإِنَّ الْعَقْدَ قَدْ صَحَّ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ، فَهُوَ كَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ.

١٣٬٥٠١

وَلَا يَصِحُّ دَعْوَى التَّعْيِينِ فِي هَذَا الْعَامِ؛ فَإِنَّهُمَا لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى دَفْعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ غَيْرِهَا، جَازَ، وَإِنَّمَا أُجْبِرَ عَلَى دَفْعِهِ مِنْ ثَمَرَةِ الْعَامِ، لِتَمْكِينِهِ مِنْ دَفْعِ مَا هُوَ بِصِفَةِ حَقِّهِ، وَلِذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ مِنْ ثَمَرَةِ نَفْسِهِ إذَا وَجَدَهَا وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهَا، وَلَيْسَتْ مُتَعَيِّنَةً.

١٣٬٥٠٢

وَإِنْ تَعَذَّرَ الْبَعْضُ، فَلِلْمُشْتَرِي الْخِيَارُ بَيْنَ الْفَسْخِ فِي الْكُلِّ، وَالرُّجُوعِ بِالثَّمَنِ، وَبَيْنَ أَنْ يَصْبِرَ إلَى حِينِ الْإِمْكَانِ، وَيُطَالِبَ بِحَقِّهِ.

١٣٬٥٠٣

فَإِنْ أَحَبَّ الْفَسْخَ فِي الْمَفْقُودِ دُونَ الْمَوْجُودِ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْفَسَادَ طَرَأَ بَعْدَ صِحَّةِ الْعَقْدِ، فَلَا يُوجِبُ الْفَسَادَ فِي الْكُلِّ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ صُبْرَتَيْنِ فَتَلِفَتْ إحْدَاهُمَا. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: لَيْسَ لَهُ الْفَسْخُ إلَّا فِي الْكُلِّ، أَوْ يَصْبِرُ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْخِلَافِ فِي الْإِقَالَةِ فِي بَعْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ.

١٣٬٥٠٤

وَإِنْ قُلْنَا: إنَّ الْفَسْخَ يَثْبُتُ بِنَفْسِ التَّعَذُّرِ. انْفَسَخَ فِي الْمَفْقُودِ دُونَ الْمَوْجُودِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ أَنَّ الْفَسَادَ الطَّارِئَ عَلَى بَعْضِ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ لَا يُوجِبُ فَسَادَ الْجَمِيعِ، وَيَثْبُتُ لِلْمُشْتَرِي خِيَارُ الْفَسْخِ فِي الْمَوْجُودِ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.

[فَصْلٌ أَسْلَمَ نَصْرَانِيّ إلَى نَصَّرَانِي فِي خَمْر ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا] (٣٢٣٠) فَصْلٌ: إذَا أَسْلَمَ نَصْرَانِيٌّ إلَى نَصْرَانِيٍّ فِي خَمْرٍ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا. فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مِنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ يَأْخُذُ دَرَاهِمَهُ. كَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ. وَبِهِ نَقُولُ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُسْلِمُ الْمُسَلِّمَ فَلَيْسَ لَهُ اسْتِيفَاءُ الْخَمْرِ، فَقَدْ تَعَذَّرَ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ،

١٣٬٥٠٥

وَإِنْ كَانَ الْمُسْلَمَ إلَيْهِ فَقَدْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ إيفَاؤُهَا، فَصَارَ الْأَمْرُ إلَى رَأْسِ مَالِهِ.

[مَسْأَلَةٌ قَبْضُ الثَّمَن كَامِلًا وَقْتَ السَّلَم قَبْلَ التَّفَرُّقِ] (٣٢٣١) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَيَقْبِضُ الثَّمَنَ كَامِلًا وَقْتَ السَّلَمَ قَبْلَ التَّفَرُّقِ) هَذَا الشَّرْطُ السَّادِسُ، وَهُوَ أَنْ يَقْبِضَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ،

١٣٬٥٠٦

فَإِنْ تَفَرَّقَا قَبْلَ ذَلِكَ بَطَلَ الْعَقْدُ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ.

١٣٬٥٠٧

وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ أَنْ يَتَأَخَّرَ قَبْضُهُ يَوْمَيْنِ وَثَلَاثَةً وَأَكْثَرَ، مَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَرْطًا؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ لَا يَخْرُجُ بِتَأْخِيرِ قَبْضِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَلَمًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَأَخَّرَ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ.

وَلَنَا، أَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، لَا يَجُوزُ فِيهِ شَرْطُ تَأْخِيرِ الْعِوَضِ الْمُطْلَقِ، فَلَا يَجُوزُ التَّفَرُّقُ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، كَالصَّرْفِ وَيُفَارِقُ الْمَجْلِسُ مَا بَعْدَهُ، بِدَلِيلِ الصَّرْفِ.

١٣٬٥٠٨

وَإِنْ قَبَضَ بَعْدَهُ، ثُمَّ تَفَرَّقَا، فَكَلَامُ الْخِرَقِيِّ يَقْتَضِي أَنْ لَا يَصِحَّ؛ لِقَوْلِهِ:" كَامِلًا ". وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَالثَّوْرِيِّ.

١٣٬٥٠٩

وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: هَلْ يَصِحُّ فِي غَيْرِ الْمَقْبُوضِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.

وَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيه مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَقَدْ نَصَّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، إذَا أَسْلَمَ ثَلَاثَمِائَةِ دِرْهَمٍ فِي أَصْنَافٍ شَتَّى؛ مِائَةً فِي حِنْطَةٍ وَمِائَةً فِي شَعِيرٍ، وَمِائَةً فِي شَيْءٍ آخَرَ، فَخَرَجَ فِيهَا زُيُوفٌ، رَدَّ عَلَى الْأَصْنَافِ الثَّلَاثَةِ، عَلَى كُلِّ صِنْفٍ بِقَدْرِ مَا وَجَدَ مِنْ الزُّيُوفِ، فَصَحَّ الْعَقْدُ فِي الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ.

١٣٬٥١٠

وَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ، فِي مَنْ أَسْلَمَ أَلْفًا إلَى رَجُلٍ، فَقَبَّضَهُ نِصْفَهُ، وَأَحَالَهُ بِنِصْفِهِ، أَوْ كَانَ لَهُ دَيْنٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِقَدْرِ نِصْفِهِ، فَحَسَبَهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَلْفِ: فَإِنَّهُ يَصِحُّ السَّلَمُ فِي النِّصْفِ الْمَقْبُوضِ،

١٣٬٥١١

وَيَبْطُلُ فِي الْبَاقِي. فَأَبْطَلَ السَّلَمَ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ، وَصَحَّحَهُ فِيمَا قَبَضَ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ: يَبْطُلُ فِي الْحَوَالَةِ فِي الْكُلِّ.

١٣٬٥١٢

وَفِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى: يَبْطُلُ فِيمَا لَمْ يَقْبِضْ،

١٣٬٥١٣

وَيَصِحُّ فِيمَا قَبَضَ بِقِسْطِهِ؛ بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.

١٣٬٥١٤

[فَصْلٌ قَبَضَ الثَّمَنَ فِي السَّلَم فَوَجَدَهُ رَدِيئًا فَرَدَّهُ وَالثَّمَنُ مُعَيَّنٌ] فَصْلٌ: وَإِنْ قَبَضَ الثَّمَنَ فَوَجَدَهُ رَدِيئًا، فَرَدَّهُ وَالثَّمَنُ مُعَيَّنٌ، بَطَلَ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ، وَيَبْتَدِئَانِ عَقْدًا آخَرَ إنْ أَحَبَّا.

١٣٬٥١٥

وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَلَهُ إبْدَالُهُ فِي الْمَجْلِسِ، وَلَا يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إنَّمَا وَقَعَ عَلَى ثَمَنٍ سَلِيمٍ،

١٣٬٥١٦

فَإِذَا دَفَعَ إلَيْهِ مَا لَيْسَ بِسَلِيمِ، كَانَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِالسَّلِيمِ، وَلَا يُؤَثِّرُ قَبْضُ الْمَعِيبِ فِي الْعَقْدِ.

١٣٬٥١٧

وَإِنْ تَفَرَّقَا، ثُمَّ عَلِمَ عَيْبَهُ فَرَدَّهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِرَدِّهِ، لِوُقُوعِ الْقَبْضِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ،

١٣٬٥١٨

وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي السَّلَمِ.

١٣٬٥١٩

وَالثَّانِي، لَا يَبْطُلُ؛ لِأَنَّ الْقَبْضَ الْأَوَّلَ كَانَ صَحِيحًا؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ أَمْسَكَهُ وَلَمْ يَرُدَّهُ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْمَقْبُوضِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَاخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ، لَكِنَّ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَقْبِضَ الْبَدَلَ فِي مَجْلِسِ الرَّدِّ،

١٣٬٥٢٠

فَإِنْ تَفَرَّقَا عَنْ مَجْلِسِ الرَّدِّ قَبْلَ قَبْضِ الْبَدَلَ لَمْ يَصِحَّ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِخُلُوِّ الْعَقْدِ عَنْ قَبْضِ الثَّمَنِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا.

١٣٬٥٢١

وَإِنْ وَجَدَ بَعْضَ الثَّمَنِ رَدِيئًا فَرَدَّهُ، فَعَلَى الْمَرْدُودِ التَّفْصِيلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ. وَهَلْ يَصِحُّ فِي غَيْرِ الرَّدِيءِ إذَا قُلْنَا بِفَسَادِهِ فِي الرَّدِيءِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.

١٣٬٥٢٢

[فَصْلٌ خَرَجَتْ الدَّرَاهِمُ فِي السَّلَم مُسْتَحَقَّة وَالثَّمَنُ مُعَيَّنٌ] (٣٢٣٣) فَصْلٌ: وَإِنْ خَرَجَتْ الدَّرَاهِمُ مُسْتَحَقَّةً وَالثَّمَنُ مُعَيَّنٌ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ. قَالَ أَحْمَدُ: إذَا خَرَجَتْ الدَّرَاهِمُ مَسْرُوقَةً، فَلَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيْعٌ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الثَّمَنَ إذَا كَانَ مُعَيَّنًا فَقَدْ اشْتَرَى بِعَيْنِ مَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ،

١٣٬٥٢٣

وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعَيَّنٍ فَلَهُ الْمُطَالَبَةُ بِبَدَلِهِ فِي الْمَجْلِسِ.

١٣٬٥٢٤

وَإِنْ قَبَضَهُ ثُمَّ تَفَرَّقَا بَطَلَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّ الْمَقْبُوضَ لَا يَصْلُحُ عِوَضًا، فَقَدْ تَفَرَّقَا قَبْلَ أَخْذِ الثَّمَنِ، إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُلْ بِصِحَّةِ تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ، أَوْ أَنَّ النُّقُودَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالتَّعْيِينِ.

١٣٬٥٢٥

وَإِنْ وَجَدَ بَعْضَهُ مُسْتَحَقًّا، بَطَلَ فِي ذَلِكَ الْبَعْضِ،

١٣٬٥٢٦

وَفِي الْبَاقِي وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.

[فَصْلٌ لَهُ فِي ذِمَّة رَجُل دِينَار فَجَعَلَهُ سَلَمَا فِي طَعَام إلَى أَجَلٍ] (٣٢٣٤) فَصْلٌ: إذَا كَانَ لَهُ فِي ذِمَّةِ رَجُلٍ دِينَارٌ، فَجَعَلَهُ سَلَمًا فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ، لَمْ يَصِحَّ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ عَلَى هَذَا كُلُّ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمْ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيُّ. وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: لَا يَصْلُحُ ذَلِكَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمُسْلَمَ فِيهِ دَيْنٌ،

١٣٬٥٢٧

فَإِذَا جَعَلَ الثَّمَنَ دَيْنًا كَانَ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ،

١٣٬٥٢٨

وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ.

وَلَوْ قَالَ أَسْلَمْت إلَيْك مِائَةَ دِرْهَمٍ فِي كُرِّ طَعَامٍ. وَشَرَطَا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ مِنْهَا خَمْسِينَ وَخَمْسِينَ إلَى أَجَلٍ، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ فِي الْكُلِّ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَيُخَرَّجُ [فِي] صِحَّتِهِ فِي قَدْرِ الْمَقْبُوضِ وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ؛ أَحَدُهُمَا، يَصِحُّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.

١٣٬٥٢٩

وَالثَّانِي، لَا يَصِحُّ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَهُوَ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ لِلْمُعَجَّلِ فَضْلًا عَلَى الْمُؤَجَّلِ، فَيَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِي مُقَابَلَتِهِ أَكْثَرِ مِمَّا فِي مُقَابَلَةِ الْمُؤَجَّلِ، وَالزِّيَادَةُ مَجْهُولَةٌ، فَلَا يَصِحُّ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.