فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: ومتى عدم شيء من هذه الأوصاف بطل. ش: الإشارة إلى الأوصاف المتقدمة، وهذا هو شأن الشروط يعدم المشروط عند عدمها، أو عدم بعضها،

تعليق

ولو قال الخرقي: فسد العقد. كما

٢٬٨٤٧

قال في الصرف: ومتى افترق المتصارفان فسد العقد. لكان أولى، لئلا يوهم وجود عقد ثم بطلانه. وظاهر كلام الخرقي أنه لا يشترط غير ذلك، وقد تقدم أن في اشتراط عدم المسلم فيه حين العقد خلاف،

٢٬٨٤٨

وكذلك في اشتراط وصف رأس المال، والعلم بقدره إذا كان مشاهدا وجهان، (أحدهما) - وهو قول القاضي، وأبي الخطاب، وصاحب التلخيص، وغيرهم - اشتراطه، كما لو كان في الذمة، ولأنه عقد يتأخر تسليم المعقود عليه، فوجب معرفة رأس ماله، ليرد بدله، كالقرض والشركة، وعلى هذا لا يجوز أن يكون رأس المال جوهرا ونحوه، لعدم تأتي الصفة عليه (والثاني) - وإليه ميل أبي محمد - لا يشترط، كما في بيوع الأعيان،

٢٬٨٤٩

وكذلك في اشتراط ذكر مكان الإيفاء تردد، فالقاضي لا يشترطه مطلقا، ويقول - في مثل البرية ونحوها -: يوفي في أقرب الأماكن إلى مكان العقد، وابن أبي موسى، وصاحب التلخيص، يشترطانه في البرية ونحوها، واتفق الفريقان على عدم الاشتراط حيث أمكن الوفاء في محل العقد، نعم لو شرطه في غيره - والحال هذه - صح شرطه، على أصح الروايتين، ولم يصح في الأخرى، وبها قطع أبو بكر في التنبيه، والقاضي، وأبو الخطاب أطلقا الروايتين، فيشمل كلامهما ما إذا شرطاه في محل العقد أيضا وهو ضعيف، والله أعلم.

[بيع المسلم فيه قبل قبضه] قال: وبيع المسلم فيه من بائعه أو غيره قبل قبضه فاسد. ش: بيع المسلم فيه قبل قبضه - من بائعه مثل أن يسلم إليه في أردب قمح، فيأخذ عنه فولا، أو شعيرا أو دراهم، أو نحو ذلك - فاسد.

٢٠١٣ - لما روى أبو سعيد الخدري - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «من أسلف في شيء فلا يصرفه إلى غيره» رواه أبو داود إلا أنه ضعيف،

٢٬٨٥٠

والمعتمد على نهيه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن بيع الطعام قبل قبضه، وعن ربح ما لم يضمن. ٢٠١٤ - وقد سئل ابن عمر عن ذلك فقال: خذ رأس مالك ولا ترده في سلعة أخرى، رواه البيهقي في سننه،

٢٬٨٥١

(وعنه) فيمن أسلم في بر، فعدمه عند المحل، فرضي المسلم بأخذ الشعير مكانه جاز، ولم يجز أكثر من ذلك، وحمله أبو محمد على رواية أن البر والشعير جنس، ولكن بيعه من غير بائعه لا يصح، للنهي عن ربح ما لم يضمن، وبيع الطعام قبل قبضه، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ مَعْرِفَةُ صِفَةِ الثَّمَنِ الْمُعَيَّن فِي السَّلَم] (٣٢٣٥) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَمَتَى عَدِمَ شَيْءٌ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ، بَطَلَ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ، أَنَّ هَذِهِ الْأَوْصَافَ السِّتَّةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا، لَا يَصِحُّ السَّلَمُ إلَّا بِهَا، وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى ذَلِكَ. وَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ: أَحَدُهُمَا، مَعْرِفَةُ صِفَةِ الثَّمَنِ الْمُعَيَّنِ. وَلَا خِلَافَ فِي اشْتِرَاطِ مَعْرِفَةِ صِفَتِهِ، إذَا كَانَ فِي الذِّمَّةِ؛ لِأَنَّهُ أَحَدُ عِوَضَيْ السَّلَمِ،

١٣٬٥٣٠

فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُعَيَّنًا اشْتَرَطَ مَعْرِفَةَ صِفَتِهِ، كَالْمُسْلَمِ فِيهِ، إلَّا أَنَّهُ إذَا أَطْلَقَ وَفِي الْبَلَدِ نَقْدٌ مُعَيَّنٌ، انْصَرَفَ الْإِطْلَاقُ إلَيْهِ، وَقَامَ مَقَامَ وَصْفِهِ،

١٣٬٥٣١

فَأَمَّا إنْ كَانَ الثَّمَنُ مُعَيَّنًا، فَقَالَ الْقَاضِي وَأَبُو الْخَطَّابِ: لَا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ وَصْفِهِ، وَاحْتَجَّا بُقُولِ أَحْمَدَ: يَقُولُ: أَسْلَمْت إلَيْك كَذَا

١٣٬٥٣٢

وَكَذَا دِرْهَمًا. وَيَصِفُ الثَّمَنَ. فَاعْتَبَرَ ضَبْطَ صِفَتِهِ.

وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ عَقْدٌ لَا يَمْلِكُ إتْمَامَهُ فِي الْحَالِ، وَلَا تَسْلِيمَ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ، وَلَا يُؤْمَنُ انْفِسَاخُهُ، فَوَجَبَ مَعْرِفَةُ رَأْسِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، لِيَرُدَّ بَدَلَهُ، كَالْقَرْضِ وَالشَّرِكَةِ. وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَظْهَرَ بَعْضُ الثَّمَنِ مُسْتَحِقًّا، فَيَنْفَسِخَ الْعَقْدُ فِي قَدْرِهِ، فَلَا يَدْرِي فِي كَمْ بَقِيَ وَكَمْ انْفَسَخَ؟

١٣٬٥٣٣

فَإِنْ قِيلَ: هَذَا مَوْهُومٌ، وَالْمَوْهُومَاتُ لَا تُعْتَبَرُ. قُلْنَا: التَّوَهُّمُ مُعْتَبَرٌ هَاهُنَا؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْجَوَازِ، وَإِنَّمَا جُوِّزَ إذَا وَقَعَ الْأَمْنُ مِنْ الْغَرَرِ، وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا، بِدَلِيلِ مَا إذَا أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ قَدَّرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ بِصَنْجَةٍ أَوْ مِكْيَالٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ.

وَظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ شَرَائِطَ السَّلَمَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُشَاهَدٌ، فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِهِ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ. وَكَلَامُ أَحْمَدَ إنَّمَا تَنَاوَلَ غَيْرَ الْمُعَيَّنِ، وَلَا خِلَافَ فِي اعْتِبَارِ أَوْصَافِهِ.

وَدَلِيلُهُمْ يَنْتَقِضُ بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ، وَأَنَّهُ يَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَأْجَرَةِ، وَلَا يَحْتَاجُ مَعَ الْيَقِينِ إلَى مَعْرِفَةِ الْأَوْصَافِ. وَلِأَنَّ رَدَّ مِثْلِ الثَّمَنِ إنَّمَا يُسْتَحَقُّ عِنْدَ فَسْخِ الْعَقْدِ، لَا مِنْ جِهَةِ عَقْدِهِ، وَجَهَالَةُ ذَلِكَ لَا تُؤَثِّرُ، كَمَا لَوْ بَاعَ الْمَكِيلَ، أَوْ الْمَوْزُونَ. وَلِأَنَّ الْعَقْدَ تَمَّتْ شَرَائِطُهُ. فَلَا يَبْطُلُ بِأَمْرٍ مَوْهُومٍ، فَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي يَعْتَبِرُ صِفَاتَهُ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ مَا لَا يُمْكِنُ ضَبْطُ صِفَاتِهِ، كَالْجَوَاهِرِ وَسَائِرِ مَا لَا يَجُوزُ السَّلَمُ فِيهِ،

١٣٬٥٣٤

فَإِنْ جَعَلَاهُ سَلَمًا بَطَلَ الْعَقْدُ،

١٣٬٥٣٥

وَيَجِبُ رَدُّهُ إنْ كَانَ مَوْجُودًا، وَقِيمَتِهِ إنْ عُرِفَتْ إذَا كَانَ مَعْدُومًا.

١٣٬٥٣٦

فَإِنْ اخْتَلَفَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْلَمِ إلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ. وَهَكَذَا إنْ حَكَمْنَا بِصِحَّةِ الْعَقْدِ ثُمَّ انْفَسَخَ.

١٣٬٥٣٧

وَإِنْ اخْتَلَفَا فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا: فِي مِائَةِ مُدَّيْ حِنْطَةٍ.

١٣٬٥٣٨

وَقَالَ الْآخَرُ: فِي مِائَةِ مُدَّيْ شَعِيرٍ. تَحَالَفَا، وَتَفَاسَخَا بِهِ. قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي ثَمَنِ الْمَبِيعِ.

[فَصْلٌ مَنَعَ بَيْعَ الْعُرُوضِ بَعْضَهَا بِبَعْضِ نِسَاء] (٣٢٣٦) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَالَيْنِ حَرُمَ النَّسَاءُ فِيهِمَا، لَا يَجُوزُ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ؛ لِأَنَّ السَّلَمَ مِنْ شَرْطِهِ النَّسَاءُ وَالتَّأْجِيلُ. وَالْخِرَقِيُّ مَنَعَ بَيْعَ الْعُرُوضِ بَعْضُهَا بِبَعْضِ نَسَاءً. فَعَلَى قَوْلِهِ لَا يَجُوزُ إسْلَامُ بَعْضِهَا فِي بَعْضٍ.

١٣٬٥٣٩

وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ إلَّا عَيْنًا أَوْ وَرِقًا.

١٣٬٥٤٠

وَقَالَ الْقَاضِي: وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ هَاهُنَا. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ. قِيلَ لِأَحْمَدَ: يُسْلَمُ مَا يُوزَنُ فِيمَا يُكَالُ، وَمَا يُكَالُ فِيمَا يُوزَنُ؟ فَلَمْ يُعْجِبْهُ. وَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ ثَمَنًا. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ إلَّا ثَمَنًا، فَلَا تَكُونُ مُثَمَّنَةً. وَعَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي تَقُولُ بِجَوَازِ النَّسَاءِ فِي الْعُرُوضِ، يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ عَرْضًا، كَالثَّمَنِ سَوَاءً،

١٣٬٥٤١

وَيَجُوزُ إسْلَامُهَا فِي الْأَثْمَانِ.

قَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: يَجُوزُ السَّلَمُ فِي الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ. وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ صَدَاقًا، فَتَثْبُتُ سَلَمًا، كَالْعُرُوضِ. وَلِأَنَّهُ لَا رِبًا بَيْنَهُمَا مِنْ حَيْثُ التَّفَاضُلُ وَلَا النَّسَاءُ، فَصَحَّ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا فِي الْآخَرِ، كَالْعَرْضِ فِي الْعَرْضِ،

١٣٬٥٤٢

وَلَا يَصِحُّ مَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ؛ فَإِنَّهُ لَوْ بَاعَ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ صَحَّ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا مُثَمَّنًا. فَعَلَى هَذَا إذَا أَسْلَمَ عَرْضًا فِي عَرْضٍ مَوْصُوفٍ بِصِفَاتِهِ، فَجَاءَهُ عِنْدَ الْحُلُولِ بِذَلِكَ الْعَرْضِ بِعَيْنِهِ، لَزِمَهُ قَبُولُهُ، عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ أَتَاهُ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى صِفَتِهِ، فَلَزِمَهُ قَبُولُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ غَيْرَهُ.

١٣٬٥٤٣

وَالثَّانِي، لَا يَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى كَوْنِ الثَّمَنِ هُوَ الْمُثَمَّنُ،

١٣٬٥٤٤

وَمَنْ نَصَرَ الْأَوَّلَ قَالَ: هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ إنَّمَا هُوَ فِي الذِّمَّةِ. وَهَذَا عِوَضٌ عَنْهُ. وَهَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ جَارِيَةً صَغِيرَةً فِي كَبِيرَةٍ فَحَلَّ الْمَحِلُّ وَهِيَ عَلَى صِفَةِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، فَأَحْضَرَهَا، فَعَلَى احْتِمَالَيْنِ أَيْضًا؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَصِحُّ؛ لِمَا ذَكَرْنَا، وَلِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَمْتَعَ بِهَا وَرَدَّهَا خَالِيَةً عَنْ عُقْرٍ.

١٣٬٥٤٥

وَالثَّانِي، يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ أَحْضَرَ الْمُسْلَمَ فِيهِ عَلَى صِفَتِهِ.

١٣٬٥٤٦

وَيَبْطُلُ الْأَوَّلُ بِمَا إذَا وَجَدَ بِهَا عَيْبًا فَرَدَّهَا. وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ عَلَى هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.

١٣٬٥٤٧

وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ حِيلَةً؛ لِيَنْتَفِعَ بِالْعَيْنِ، أَوْ لِيَطَأَ الْجَارِيَةَ ثُمَّ يَرُدَّهَا بِغَيْرِ عِوَضٍ، لَمْ يَجُزْ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْحِيَلَ كُلَّهَا بَاطِلَةٌ.

الشَّرْطُ الثَّانِي الْمُخْتَلَفُ فِيهِ، تَعَيُّنُ مَكَانُ الْإِيفَاءِ. قَالَ الْقَاضِي: لَيْسَ بِشَرْطٍ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَحْمَدَ، وَإِسْحَاقَ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَمَ فَلْيُسْلِمْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ، أَوْ وَزْنٍ مَعْلُومٍ، إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ» . وَلَمْ يَذْكُرْ مَكَانَ الْإِيفَاءِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ.

١٣٬٥٤٨

وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِيهِ «، أَنَّ الْيَهُودِيَّ أَسْلَمَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: أَمَّا مِنْ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَلَا، وَلَكِنْ كَيْلٌ مُسَمًّى، إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى» . وَلَمْ يَذْكُرْ مَكَانَ الْإِيفَاءِ. وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ،

١٣٬٥٤٩

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: يُشْتَرَطُ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ. وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: هُوَ مَكْرُوهٌ لِأَنَّ الْقَبْضَ يَجِبُ بِحُلُولِهِ، وَلَا يُعْلَمُ مَوْضِعُهُ حِينَئِذٍ، فَيَجِبُ شَرْطُهُ لِئَلَّا يَكُونَ مَجْهُولًا.

١٣٬٥٥٠

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ: إنْ كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةً، وَجَبَ شَرْطُهُ، وَإِلَّا فَلَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لِحَمْلِهِ مُؤْنَةً اخْتَلَفَ فِيهِ الْغَرَضُ،

١٣٬٥٥١

بِخِلَافِ مَا لَا مُؤْنَةَ فِيهِ.

١٣٬٥٥٢

وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُوسَى: إنْ كَانَا فِي بَرِّيَّةٍ لَزِمَ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءُ،

١٣٬٥٥٣

وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي بَرِّيَّةٍ، فَذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ حَسَنٌ،

١٣٬٥٥٤

وَإِنْ لَمْ يَذْكُرَاهُ كَانَ الْإِيفَاءُ فِي مَكَانَ الْعَقْدِ؛ لِأَنَّهُ مَتَى كَانَا فِي بَرِّيَّةٍ لَمْ يُمْكِنْ التَّسْلِيمُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ فَإِذَا تَرَكَ ذِكْرَهُ كَانَ مَجْهُولًا،

١٣٬٥٥٥

وَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِي بَرِّيَّةٍ اقْتَضَى الْعَقْدُ التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِهِ، فَاكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذَكَره،

١٣٬٥٥٦

فَإِنْ ذَكَرَهُ كَانَ تَأْكِيدًا، فَكَانَ حَسَنًا فَإِنْ شَرَطَ الْإِيفَاءَ فِي مَكَان سَوَاءٍ، صَحَّ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ بَيْعٍ فَصَحَّ شَرْطُ ذِكْرِ الْإِيفَاءِ فِي غَيْرِ مَكَانِهِ، كَبُيُوعِ الْأَعْيَانِ. وَلِأَنَّهُ شَرَطَ ذِكْرَ مَكَانِ الْإِيفَاءِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ ذَكَرَهُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ.

وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّهُ شَرَطَ خِلَافَ مَا اقْتَضَاهُ الْعَقْدُ، لِأَنَّ الْعَقْدَ يَقْتَضِي الْإِيفَاءَ فِي مَكَانِهِ.

١٣٬٥٥٧

وَقَالَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ: مَتَى ذَكَرَ مَكَانَ الْإِيفَاءِ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، سَوَاءٌ شَرَطَهُ فِي مَكَانِ الْعَقْدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ فِيهِ غَرَرًا، لِأَنَّهُ رُبَّمَا تَعَذَّرَ تَسْلِيمُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ، فَأَشْبَهَ تَعْيِينَ الْمِكْيَالِ. وَاخْتَارَهُ أَبُو بَكْرٍ. وَهَذَا لَا يَصِحُّ؛

١٣٬٥٥٨

فَإِنَّ فِي تَعْيِينِ الْمَكَانِ غَرَضًا وَمَصْلَحَةً لَهُمَا، فَأَشْبَهَ تَعْيِينَ الزَّمَانِ.

وَمَا ذَكَرُوهُ مِنْ احْتِمَالِ تَعَذُّرِ التَّسْلِيمِ فِيهِ يَبْطُلُ بِتَعْيِينِ الزَّمَانِ، ثُمَّ لَا يَخْلُو

١٣٬٥٥٩

إمَّا أَنْ يَكُونَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ التَّسْلِيمَ فِي مَكَانِهِ،

١٣٬٥٦٠

فَإِذَا شَرَطَهُ فَقَدْ شَرَطَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ، أَوْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ فَيَتَعَيَّنَ ذِكْرُ مَكَانِ الْإِيفَاءِ، نَفْيًا لِلْجَهَالَةِ عَنْهُ، وَقَطْعًا لِلتَّنَازُعِ، فَالْغَرَرُ فِي تَرْكِهِ لَا فِي ذِكْرِهِ. وَفَارَقَ تَعْيِينَ الْمِكْيَالِ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ، وَيَفُوتُ بِهِ عِلْمُ الْمِقْدَارِ الْمُشْتَرَطِ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ، وَيُفْضِي إلَى التَّنَازُعِ،

١٣٬٥٦١

وَفِي مَسْأَلَتِنَا لَا يَفُوتُ بِهِ شَرْطٌ، وَيَقْطَعُ التَّنَازُعَ، فَالْمَعْنَى الْمَانِعُ مِنْ التَّقْدِيرِ بِمِكْيَالٍ بِعَيْنِهِ مَجْهُولٍ هُوَ الْمُقْتَضِي لِشَرْطِ مَكَانِ الْإِيفَاءِ، فَكَيْفَ يَصِحُّ قِيَاسُهُمْ عَلَيْهِ.

[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ] (٣٢٣٧) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَبَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ بَائِعِهِ، أَوْ مِنْ غَيْرِهِ، قَبْلَ قَبْضِهِ، فَاسِدٌ. وَكَذَلِكَ الشَّرِكَةُ فِيهِ، وَالتَّوْلِيَةُ، وَالْحَوَالَةُ بِهِ، طَعَامًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ)

١٣٬٥٦٢

أَمَّا بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَا نَعْلَمُ فِي تَحْرِيمِهِ خِلَافًا، وَقَدْ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ» ، وَعَنْ رِبْحِ مَا لَمْ يُضْمَنْ. وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي ضَمَانِهِ، فَلَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ، كَالطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ.

١٣٬٥٦٣

وَأَمَّا الشَّرِكَةُ فِيهِ وَالتَّوْلِيَةُ، فَلَا تَجُوزُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُمَا بَيْعٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ. وَبِهَذَا قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُ الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَأَرْخَصَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ» .

وَلَنَا، أَنَّهَا مُعَاوَضَةٌ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ كَانَتْ بِلَفْظِ الْبَيْعِ. وَلِأَنَّهُمَا نَوْعَا بَيْعٍ، فَلَمْ يَجُوزَا فِي الْمُسْلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَالنَّوْعِ الْآخَرِ، وَالْخَبَرُ لَا نَعْرِفُهُ، وَهُوَ حُجَّةٌ لَنَا؛ لِأَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَالشَّرِكَةُ وَالتَّوْلِيَةُ بَيْعٌ فَيَدْخُلَانِ فِي النَّهْيِ. وَيُحْمَلُ قَوْلُهُ: وَأَرْخَصَ فِي الشَّرِكَةِ وَالتَّوْلِيَةِ. عَلَى أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيهِمَا فِي الْجُمْلَةِ، لَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.

١٣٬٥٦٤

وَأَمَّا الْإِقَالَةُ فَإِنَّهَا فَسْخٌ وَلَيْسَتْ بَيْعًا.

١٣٬٥٦٥

وَأَمَّا الْحَوَالَةُ بِهِ فَغَيْرُ جَائِزَةٍ، لِأَنَّ الْحَوَالَةَ إنَّمَا تَجُوزُ عَلَى دَيْنٍ مُسْتَقِرٍّ، وَالسَّلَمُ بِغَرَضِ الْفَسْخِ، فَلَيْسَ بِمُسْتَقَرٍّ.

وَلِأَنَّهُ نَقْلٌ لِلْمِلْكِ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْفَسْخِ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْبَيْعِ. وَمَعْنَى الْحَوَالَةِ بِهِ، أَنْ يَكُونَ لِرَجُلٍ طَعَامٌ مِنْ سَلَمٍ، وَعَلَيْهِ مِثْلُهُ مِنْ قَرْضٍ أَوْ سَلَمٍ آخَرَ أَوْ بَيْعٍ فَيُحِيلُ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ الطَّعَامِ عَلَى الَّذِي لَهُ عِنْدَهُ السَّلَمُ، فَلَا يَجُوزُ.

١٣٬٥٦٦

وَإِنْ أَحَالَ الْمُسْلَمُ إلَيْهِ الْمُسْلَمَ بِالطَّعَامِ الَّذِي عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ مُعَاوَضَةٌ بِالْمُسْلَمِ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَالْبَيْعِ.

١٣٬٥٦٧

وَأَمَّا بَيْعُ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ بَائِعِهِ، فَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرَ مَا أَسْلَمَ فِيهِ عِوَضًا عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ. فَهَذَا حَرَامٌ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُسْلَمُ فِيهِ مَوْجُودًا أَوْ مَعْدُومًا، سَوَاءٌ كَانَ الْعِوَضُ مِثْلَ الْمُسْلَمِ فِيهِ فِي الْقِيمَةِ، أَوْ أَقَلِّ، أَوْ أَكْثَرِ.

وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَحْمَدَ، رِوَايَةً أُخْرَى فِي مَنْ أَسْلَمَ فِي بُرٍّ، فَعَدِمَهُ عِنْدَ الْمَحِلِّ، فَرَضِيَ الْمُسْلِمُ بِأَخْذِ الشَّعِيرِ مَكَانَ الْبُرِّ، جَازَ. وَلَمْ يَجُزْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ. وَهَذَا يُحْمَلُ عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ الْبُرَّ وَالشَّعِيرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ،

١٣٬٥٦٨

وَالصَّحِيحُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافُهُ. وَقَالَ مَالِكٌ: يَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ غَيْرَ الْمُسْلَمِ فِيهِ مَكَانَهُ، يَتَعَجَّلُهُ وَلَا يُؤَخِّرُهُ إلَى الطَّعَامِ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ: إذَا أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنْ أَخَذْت مَا أَسْلَفْت فِيهِ، وَإِلَّا فَخُذْ عِوَضًا أَنْقَصَ مِنْهُ، وَلَا تَرْبَحْ مَرَّتَيْنِ رَوَاهُ سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ ". وَلَنَا قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ، فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ» .

رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ. وَلِأَنَّ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْ الْمُسْلَمِ فِيهِ بَيْعٌ، فَلَمْ يَجُزْ، كَبَيْعِهِ مِنْ غَيْرِهِ.

١٣٬٥٦٩

فَأَمَّا إنْ أَعْطَاهُ مِنْ جِنْسِ مَا أَسْلَمَ فِيهِ خَيْرًا مِنْهُ، أَوْ دُونَهُ فِي الصِّفَاتِ، جَازَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِبَيْعٍ، إنَّمَا هُوَ قَضَاءٌ لِلْحَقِّ، مَعَ تَفَضُّلٍ مِنْ أَحَدِهِمَا.

[فَصْلٌ الْإِقَالَةُ فِي الْمُسْلِم فِيهِ] (٣٢٣٨) فَصْلٌ

١٣٬٥٧٠

فَأَمَّا. الْإِقَالَةُ فِي الْمُسْلَمِ فِيهِ، فَجَائِزَةٌ، لِأَنَّهَا فَسْخٌ. قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ الْإِقَالَةَ فِي جَمِيعِ مَا أَسْلَمَ فِيهِ جَائِزَةٌ؛ لِأَنَّ الْإِقَالَةَ فَسْخٌ لِلْعَقْدِ، وَرَفْعٌ لَهُ مِنْ أَصْلِهِ، وَلَيْسَتْ بَيْعًا.

تعليق

قَالَ الْقَاضِي: وَلَوْ قَالَ: لِي عِنْدَك هَذَا الطَّعَامُ، صَالِحْنِي مِنْهُ عَلَى ثَمَنِهِ. جَازَ، وَكَانَتْ إقَالَةً صَحِيحَةً.

١٣٬٥٧١

فَأَمَّا الْإِقَالَةُ فِي بَعْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ، فَاخْتَلَفَ عَنْ أَحْمَدَ فِيهَا؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجُوزُ. وَرُوِيَتْ كَرَاهَتُهَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَالْحَسَنِ، وَابْنِ سِيرِينَ، وَالنَّخَعِيِّ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَرَبِيعَةَ، وَابْنِ أَبِي لَيْلَى، وَإِسْحَاقَ. وَرَوَى حَنْبَلٌ، عَنْ أَحْمَدَ. أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَا. وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَطَاءٍ، وَطَاوُوسٍ، وَمُحَمَّدِ بْن عَلِيٍّ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالْحَكَمِ، وَالثَّوْرِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَالنُّعْمَانِ وَأَصْحَابِهِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَلِأَنَّ الْإِقَالَةَ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ جَازَ فِي الْجَمِيعِ جَازَ فِي الْبَعْضِ، كَالْإِبْرَاءِ وَالْإِنْظَارِ.

وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى، أَنَّ السَّلَفَ فِي الْغَالِبِ يُزَادُ فِيهِ فِي الثَّمَنِ مِنْ أَجْلِ التَّأْجِيلِ،

١٣٬٥٧٢

فَإِذَا أَقَالَهُ فِي الْبَعْضِ، بَقِيَ الْبَعْضُ بِالْبَاقِي مِنْ الثَّمَنِ وَبِمَنْفَعَةِ الْجُزْءِ الَّذِي حُصِلَتْ الْإِقَالَةُ فِيهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ. وَيُخَرَّجُ عَلَيْهِ الْإِبْرَاءُ وَالْإِنْظَارُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ.

(٣٢٣٩) فَصْلٌ: إذَا أَقَالَهُ، رَدَّ الثَّمَنَ إنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ مِثْلَهُ إنْ كَانَ مِثْلِيًّا، أَوْ قِيمَتَهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا.

١٣٬٥٧٣

فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُعْطِيَهُ عِوَضًا عَنْهُ، فَقَالَ الشَّرِيفُ أَبُو جَعْفَرٍ: لَيْسَ لَهُ صَرْفُ ذَلِكَ الثَّمَنِ فِي عَقْدٍ آخَرَ حَتَّى يَقْبِضَهُ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ فَلَا يَصْرِفْهُ إلَى غَيْرِهِ» . وَلِأَنَّ هَذَا مَضْمُونٌ عَلَى الْمُسْلَمِ إلَيْهِ بِعَقْدِ السَّلَمِ، فَلَمْ يَجُزْ التَّصَرُّفُ فِيهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، كَمَا لَوْ كَانَ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي.

١٣٬٥٧٤

وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: يَجُوزُ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ عِوَضٌ مُسْتَقِرٌّ فِي الذِّمَّةِ، فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، كَمَا لَوْ كَانَ قَرْضًا. وَلِأَنَّهُ مَالٌ عَادَ إلَيْهِ بِفَسْخِ الْعَقْدِ، فَجَازَ أَخْذُ الْعِوَضِ عَنْهُ، كَالثَّمَنِ فِي الْمَبِيعِ إذَا فُسِخَ، وَالْمُسْلَمُ فِيهِ مَضْمُونٌ بِالْعَقْدِ، وَهَذَا مَضْمُونٌ بَعْدَ فَسْخِهِ، وَالْخَبَرُ أَرَادَ بِهِ الْمُسْلَمَ فِيهِ، فَلَمْ يَتَنَاوَلْ هَذَا.

١٣٬٥٧٥

فَإِنْ قُلْنَا بِهَذَا، فَحُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ كَانَ قَرْضًا أَوْ ثَمَنًا فِي بُيُوعِ الْأَعْيَانِ، لَا يَجُوزُ جَعْلُهُ سَلَمًا فِي شَيْءٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ بَيْعَ دَيْنٍ بِدَيْنٍ،

١٣٬٥٧٦

وَيَجُوزُ فِيهِ مَا يَجُوزُ فِي الْقَرْضِ وَأَثْمَانِ الْبِيَاعَاتِ إذَا فُسِخَتْ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.