وإذا باع الوكيل ثم ادعى تلف الثمن، من غير تعد منه،
الشروح عليها
قال: وإذا باع الوكيل ثم ادعى تلف الثمن، من غير تعد منه، فلا ضمان عليه، فإن اتهم حلف. ش: الوكيل في البيع وكيل فيه وفيما ينشأ عنه، وهو حفظ الثمن،
فإذا باع وقبض الثمن، ثم ادعى تلف الثمن، والحال أنه من غير تعد منه، فالقول قوله، لأنه أمين، والقول قول الأمين، والحكمة في ذلك أنه لو كلف إقامة البينة على ذلك؛ لتعذر عليه أو شق، فيمتنع الناس من الدخول في الأمانة مع الحاجة إليه، فيحصل الضرر، ولهذا قلنا: إذا ادعى التلف بأمر ظاهر - كحريق عام، ونهب جيش، ونحو ذلك مما تسهل إقامة البينة عليه - كلف إقامة البينة على وجود ذلك، ثم القول قوله في التلف، ويتفرع على أن القول قوله أنه لا ضمان عليه،
أما لو ثبت تعديه ببينة أو إقرار؛
فإن الضمان عليه، لزوال أمانته، فهو كالغاصب،
ومتى قلنا: القول قوله. فأنكره الموكل فإنه يحلف، لأن ما ادعاه عليه محتمل، والله أعلم.
[مَسْأَلَةٌ بَاعَ الْوَكِيلُ ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرٍ تَعَدٍّ] (٣٧٥٨) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَإِذَا بَاعَ الْوَكِيلُ، ثُمَّ ادَّعَى تَلَفَ الثَّمَنِ مِنْ غَيْرٍ تَعَدٍّ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. فَإِنْ اُتُّهِمَ، حَلَفَ) إذَا اخْتَلَفَ الْوَكِيلُ وَالْمُوَكِّلُ، لَمْ يَخْلُ مِنْ سِتَّةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي التَّلَفِ، فَيَقُولَ الْوَكِيلُ تَلِفَ مَالُكَ فِي يَدِي، أَوْ الثَّمَنُ الَّذِي قَبَضْته ثَمَنَ مَتَاعِك تَلِفَ فِي يَدِي. فَيُكَذِّبُهُ الْمُوَكِّلُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ، وَهَذَا مِمَّا يَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، فَلَا يُكَلَّفُ ذَلِكَ كَالْمُودِعِ.
وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ كَانَ فِي يَدِهِ شَيْءٌ لِغَيْرِهِ عَلَى سَبِيلِ الْأَمَانَةِ، كَالْأَبِ، وَالْوَصِيِّ، وَأَمِينِ الْحَاكِمِ، وَالْمُودِعِ، وَالشَّرِيكِ، وَالْمُضَارِبِ، وَالْمُرْتَهِنِ، وَالْمُسْتَأْجِرِ، وَالْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَوْ كُلِّفَ ذَلِكَ مَعَ تَعَذُّرِهِ عَلَيْهِ، لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ الدُّخُولِ فِي الْأَمَانَات مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، فَيَلْحَقُهُمْ الضَّرَرُ.
قَالَ الْقَاضِي: إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ التَّلَفَ بِأَمْرٍ ظَاهِرٍ، كَالْحَرِيقِ وَالنَّهْبِ وَشِبْهِهِمَا، فَعَلَيْهِ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى وُجُودِ هَذَا الْأَمْرِ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ، ثُمَّ يَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي تَلَفِهَا بِذَلِكَ. وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْأَمْرِ الظَّاهِرِ مِمَّا لَا يَخْفَى، فَلَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ.
الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي تَعَدِّي الْوَكِيلِ أَوْ تَفْرِيطِهِ فِي الْحِفْظِ، وَمُخَالَفَتِهِ أَمْرَ مُوَكِّلِهِ، مِثْلُ أَنْ يَدَّعِيَ عَلَيْهِ أَنَّك حَمَلْت عَلَى الدَّابَّةِ فَوْقَ طَاقَتِهَا، أَوْ حَمَلْت عَلَيْهَا شَيْئًا لِنَفْسِك، أَوْ فَرَّطْت فِي حِفْظِهَا، أَوْ لَبِسْت الثَّوْبَ، أَوْ أَمَرْتُك بِرَدِّ الْمَالِ فَلَمْ تَفْعَلْ. وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ أَيْضًا مَعَ يَمِينِهِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي الَّذِي قَبْلَهُ، وَلِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِمَا يُدَّعَى عَلَيْهِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ.
وَمَتَى ثَبَتَ التَّلَفُ فِي يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَعَدِّيهِ،
إمَّا لِقَبُولِ قَوْلِهِ، وَإِمَّا بِإِقْرَارِ مُوَكِّلِهِ أَوْ بَيِّنَةٍ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، سَوَاءٌ تَلِفَ الْمَتَاعُ الَّذِي أُمِرَ بِبَيْعِهِ، أَوْ بَاعَهُ وَقَبَضَ ثَمَنَهُ فَتَلِفَ الثَّمَنُ، وَسَوَاءٌ كَانَ بِجَعْلٍ أَوْ بِغَيْرِ جَعْلٍ؛ لِأَنَّهُ نَائِبُ الْمَالِكِ فِي الْيَدِ وَالتَّصَرُّفِ، فَكَانَ الْهَلَاكُ فِي يَدِهِ كَالْهَلَاكِ فِي يَدِ الْمَالِكِ، وَجَرَى مَجْرَى الْمُودِعِ وَالْمُضَارِبِ وَشِبْهِهِمَا.
وَإِنْ تَعَدَّى أَوْ فَرَّطَ، ضَمِنَ.
وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأُمَنَاءِ. وَلَوْ بَاعَ الْوَكِيلُ سِلْعَةً وَقَبَضَ ثَمَنَهَا، فَتَلِفَ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ، وَاسْتُحِقَّ الْمَبِيعُ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى الْمُوَكِّلِ دُونَ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ لَهُ، فَالرُّجُوعُ بِالْعُهْدَةِ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ بَاعَ بِنَفْسِهِ.
الْحَالُ الثَّالِثَةُ، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي التَّصَرُّفِ، فَيَقُولَ الْوَكِيلُ: بِعْت الثَّوْبَ وَقَبَضْت الثَّمَنَ، فَتَلِفَ. فَيَقُولُ الْمُوَكِّلُ: لَمْ تَبِعْ وَلَمْ تَقْبِضْ. أَوْ يَقُولَ: بِعْت وَلَمْ تَقْبِضْ شَيْئًا. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ. ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الرَّأْيِ؛ لِأَنَّهُ يَمْلِكُ الْبَيْعَ وَالْقَبْضَ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِمَا، كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ وَلِيِّ الْمَرْأَةِ الْمُجْبَرَةِ عَلَى النِّكَاحِ فِي تَزْوِيجِهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقْبَلَ قَوْلُهُ.
وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِحَقٍّ لَغَيْرِهِ عَلَى مُوَكِّلِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ.
وَإِنْ وَكَّلَ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ، فَاشْتَرَاهُ، وَاخْتَلَفَا فِي قَدْرِ مَا اشْتَرَاهُ بِهِ، فَقَالَ: اشْتَرَيْته بِأَلْفِ.
وَقَالَ: بَلْ اشْتَرَيْته بِخَمْسِمِائَةٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَقَالَ الْقَاضِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ عَيَّنَ لَهُ الشِّرَاءَ بِمَا ادَّعَاهُ، فَقَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفٍ. فَادَّعَى الْوَكِيلُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِذَلِكَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ إذًا، وَإِلَّا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي أَصْلِ شَيْءٍ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي صِفَتِهِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إنْ كَانَ الشِّرَاءُ فِي الذِّمَّةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّهُ غَارِمٌ مُطَالَبٌ بِالثَّمَنِ.
وَإِنْ اشْتَرَى بِعَيْنِ الْمَالِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ؛ لِكَوْنِهِ الْغَارِمَ؛ فَإِنَّهُ يُطَالِبُهُ بِرَدِّ مَا زَادَ عَلَى خُمْسِ الْمِائَةِ. وَلَنَا، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَا فِي الْبَيْعِ، وَلِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي الشِّرَاءِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي قَدْرِ ثَمَنِ الْمُشْتَرَيْ، كَالْمُضَارِبِ، وَكَمَا لَوْ قَالَ لَهُ: اشْتَرِ بِأَلْفٍ عِنْدَ الْقَاضِي.
الْحَالُ الرَّابِعَةُ، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي الرَّدِّ، فَيَدَّعِيَهُ الْوَكِيلُ، فَيُنْكِرَهُ الْمُوَكِّلُ،
فَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ جَعْلٍ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ مَالِكِهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَالْمُودِعِ،
وَإِنْ كَانَ بِجَعْلٍ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ وَكِيلٌ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَالْأَوَّلِ.
وَالثَّانِي، لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، فَلَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ كَالْمُسْتَعِيرِ وَسَوَاءٌ اخْتَلَفَا فِي رَدِّ الْعَيْنِ، أَوْ رَدِّ ثَمَنِهَا. وَجُمْلَةُ الْأُمَنَاءِ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا، مَنْ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ مَالِكِهِ لَا غَيْرُ، كَالْمُودَعِ وَالْوَكِيلِ بِغَيْرِ جَعْلٍ، فَيُقْبَلُ قَوْلُهُمْ فِي الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ لَامْتَنَعَ النَّاسُ مِنْ قَبُولِ هَذِهِ الْأَمَانَاتِ، فَيَلْحَقُ النَّاسَ الضَّرَرُ. الثَّانِي، مَنْ يَنْتَفِعُ بِقَبْضِ الْأَمَانَةِ، كَالْوَكِيلِ بِجَعْلٍ، وَالْمُضَارِبِ، وَالْأَجِيرِ الْمُشْتَرَكِ، وَالْمُسْتَأْجِرِ، وَالْمُرْتَهِنِ، فَفِيهِمْ وَجْهَانِ.
ذَكَرَهُمَا أَبُو الْخَطَّابِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَأْجِرِ وَالْمُضَارِبِ فِي الرَّدِّ؛ لِأَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُضَارِبِ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ، وَلِأَنَّ مَنْ قَبَضَ الْمَالَ لِنَفْعِ نَفْسِهِ، لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِي الرَّدِّ.
وَلَوْ أَنْكَرَ الْوَكِيلُ قَبْضَ الْمَالِ، ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ، أَوْ اعْتِرَافٍ، فَادَّعَى الرَّدَّ أَوْ التَّلَفَ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ خِيَانَتَهُ قَدْ ثَبَتَتْ بِجَحْدِهِ.
فَإِنْ أَقَامَ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ الرَّدِّ أَوْ التَّلَفِ، فَهَلْ تُقْبَلُ بَيِّنَتُهُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا، لَا تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهَا بِجَحْدِهِ،
فَإِنَّ قَوْلَهُ: مَا قَبَضْت. يَتَضَمَّنُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ شَيْئًا.
وَالثَّانِي: تُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ يَدَّعِي الرَّدَّ وَالتَّلَفَ قَبْلَ وُجُودِ خِيَانَتِهِ.
وَإِنْ كَانَ جُحُودُهُ أَنَّك لَا تَسْتَحِقُّ عَلَيَّ شَيْئًا، أَوْ مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ، سُمِعَ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ؛ لِأَنَّ جَوَابَهُ لَا يُكَذِّبُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ قَدْ تَلِفَ أَوْ رُدَّ، فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَهُ شَيْءٌ. فَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ رَدَّهُ أَوْ تَلِفَ بَعْدَ قَوْلِهِ: مَا لَكَ عِنْدِي شَيْءٌ. فَلَا يُسْمَعُ قَوْلُهُ أَيْضًا؛ لِثُبُوتِ كَذِبِهِ وَخِيَانَتِهِ.
الْحَالَةُ الْخَامِسَةُ، إذَا اخْتَلَفَا فِي أَصْلِ الْوَكَالَةِ، فَقَالَ: وَكَّلْتنِي. فَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوَكَالَةِ، فَلَمْ يُثْبِتْ أَنَّهُ أَمِينُهُ لِيُقْبَلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك، وَدَفَعْت إلَيْك مَالًا. فَأَنْكَرَ الْوَكِيلُ ذَلِكَ كُلَّهُ، أَوْ اعْتَرَفَ بِالتَّوْكِيلِ، وَأَنْكَرَ دَفْعَ الْمَالِ إلَيْهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِذَلِكَ.
وَلَوْ قَالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: وَكَّلْتنِي أَنْ أَتَزَوَّجَ لَك فُلَانَةَ، بِصَدَاقِ كَذَا، فَفَعَلْت. وَادَّعَتْ الْمَرْأَةُ ذَلِكَ، فَأَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فَقَالَ: إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْ الْآخَرَ عَقْدُ النِّكَاحِ. قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا يُسْتَحْلَفُ.
قَالَ الْقَاضِي: لِأَنَّ الْوَكِيلَ يَدَّعِي حَقًّا لِغَيْرِهِ.
فَأَمَّا إنْ ادَّعَتْهُ الْمَرْأَةُ، فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَحْلَفَ؛ لِأَنَّهَا تَدَّعِي الصَّدَاقَ فِي ذِمَّتِهِ،
فَإِذَا حَلَفَ لَمْ يَلْزَمْهُ الصَّدَاقُ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْوَكِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ دَعْوَى الْمَرْأَةِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، وَحُقُوقُ الْعَقْدِ لَا تَتَعَلَّقُ بِالْوَكِيلِ. وَنَقَلَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّ الْوَكِيلَ يَلْزَمُهُ نِصْفُ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ الْوَكِيلَ فِي الشِّرَاءِ ضَامِنٌ لِلثَّمَنِ، وَلِلْبَائِعِ مُطَالَبَتُهُ بِهِ، كَذَا هَاهُنَا. وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ.
وَيُفَارِقُ الشِّرَاءَ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ مَقْصُودُ الْبَائِعِ، وَالْعَادَةُ تَعْجِيلُهُ وَأَخْذُهُ مِنْ الْمُتَوَلِّي لِلشِّرَاءِ، وَالنِّكَاحُ يُخَالِفُهُ فِي هَذَا كُلِّهِ، وَلَكِنْ إنْ كَانَ الْوَكِيلُ ضَمِنَ الْمَهْرَ، فَلَهَا الرُّجُوعُ عَلَيْهِ بِنِصْفِهِ؛ لِأَنَّهُ ضَمِنَهُ عَنْ الْمُوَكِّلِ، وَهُوَ مُقِرٌّ بِأَنَّهُ فِي ذِمَّتِهِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَالشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: يَلْزَمُ الْوَكِيلَ جَمِيعُ الصَّدَاقِ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ لَمْ تَقَعْ بِإِنْكَارِهِ، فَيَكُونُ ثَابِتًا فِي الْبَاطِنِ، فَيَجِبُ جَمِيعُ الصَّدَاقِ. وَلَنَا، أَنَّهُ يَمْلِكُ الطَّلَاقَ،
فَإِذَا أَنْكَرَ فَقَدْ أَقَرَّ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِ، فَصَارَ بِمَنْزِلَةِ إيقَاعِهِ لَهَا تَحْرُمُ بِهِ. قَالَ أَحْمَدُ: وَلَا تَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةُ حَتَّى يُطَلِّقَ، لَعَلَّهُ يَكُونُ كَاذِبًا فِي إنْكَارِهِ. وَظَاهِرُ هَذَا تَحْرِيمُ نِكَاحِهَا قَبْلَ طَلَاقِهَا؛ لِأَنَّهَا مُعْتَرِفَةٌ بِأَنَّهَا زَوْجَةٌ لَهُ، فَيُؤْخَذُ بِإِقْرَارِهَا، وَإِنْكَارُهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ.
وَهَلْ يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ طَلَاقُهَا؟ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّهِ نِكَاحٌ،
وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يُكَلِّفْ الطَّلَاقَ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُكَلَّفَهُ، لِإِزَالَةِ الِاحْتِمَالِ، وَإِزَالَةِ الضَّرَرِ عَنْهَا بِمَا لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِيهِ. فَأَشْبَهَ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ.
وَلَوْ ادَّعَى أَنَّ فُلَانًا الْغَائِبَ وَكَّلَهُ فِي تَزَوُّجِ امْرَأَةٍ، فَتَزَوَّجَهَا لَهُ، ثُمَّ مَاتَ الْغَائِبُ، لَمْ تَرِثْهُ الْمَرْأَةُ، إلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ الْوَرَثَةُ، أَوْ يَثْبُتَ بِبَيِّنَةٍ.
وَإِنْ أَقَرَّ الْمُوَكِّلُ بِالتَّوْكِيلِ فِي التَّزْوِيجِ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْوَكِيلُ تَزَوَّجَ لَهُ، فَهَاهُنَا الِاخْتِلَافُ فِي تَصَرُّفِ الْوَكِيلِ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ فِيهِ، فَيَثْبُتُ التَّزْوِيجُ هَاهُنَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَثْبُتُ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، لِأَنَّهُ لَا تَتَعَذَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهِ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِهَا. وَذَكَرَ أَنَّ أَحْمَدَ نَصَّ عَلَيْهِ.
وَأَشَارَ إلَى نَصَّهُ فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ الْوَكَالَةَ مِنْ أَصْلِهَا. وَلَنَا، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي فِعْلِ الْوَكِيلِ مَا أُمِرَ بِهِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، كَمَا لَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ ثَوْبٍ فَادَّعَى أَنَّهُ بَاعَهُ، أَوْ فِي شِرَاءِ عَبْدٍ بِأَلْفٍ فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِهِ.
وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مِنْ نَصِّ أَحْمَدَ فِيمَا إذَا أَنْكَرَ الْمُوَكِّلُ الْوَكَالَةَ، فَلَيْسَ بِنَصِّ هَاهُنَا؛ لِاخْتِلَافِ أَحْكَامِ الصُّورَتَيْنِ وَتَبَايُنِهِمَا، فَلَا يَكُونُ النَّصُّ فِي إحْدَاهُمَا نَصًّا فِي الْأُخْرَى. وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَعْنَى لَا أَصْلَ لَهُ، فَلَا يُعَوِّلُ عَلَيْهِ.
وَلَوْ غَابَ رَجُلٌ، فَجَاءَ رَجُلٌ آخَرُ إلَى امْرَأَتِهِ، فَذَكَرَ أَنَّ زَوْجَهَا طَلَّقَهَا وَأَبَانَهَا، وَوَكَّلَهُ فِي تَجْدِيدِ نِكَاحِهَا بِأَلْفِ. فَأَذِنَتْ لَهُ فِي نِكَاحِهَا، فَعَقَدَ عَلَيْهَا، وَضَمِنَ الْوَكِيلُ الْأَلْفَ، ثُمَّ جَاءَ زَوْجُهَا فَأَنْكَرَ هَذَا كُلَّهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَالنِّكَاحُ الْأَوَّلُ بِحَالِهِ.
وَقِيَاسُ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ إنْ صَدَّقَتْ الْوَكِيلَ، لَزِمَهُ الْأَلْفُ، إلَّا أَنْ يُبِينَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ دُخُولِهِ بِهَا. وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ، وَزُفَرَ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الضَّامِنَ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ
فَرْعٌ عَنْ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَلَمْ يَلْزَمْ الْمَضْمُونَ عَنْهُ شَيْءٌ، فَكَذَلِكَ فَرْعُهُ.
وَلَنَا، أَنَّ الْوَكِيلَ مُقِرٌّ بِأَنَّ الْحَقَّ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَأَنَّهُ ضَامِنٌ عَنْهُ، فَلَزِمَهُ مَا أَقَرَّ بِهِ، كَمَا لَوْ ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ ضَمِنَ لَهُ أَلْفًا عَلَى أَجْنَبِيٍّ، فَأَقَرَّ الضَّامِنُ بِالضَّمَانِ وَصِحَّتِهِ وَثُبُوتِ الْحَقِّ فِي ذِمَّةِ الْمَضْمُونِ عَنْهُ، وَكَمَا لَوْ ادَّعَى شُفْعَةً عَلَى إنْسَانٍ فِي شِقْصٍ اشْتَرَاهُ، فَأَقَرَّ الْبَائِعُ بِالْبَيْعِ، وَأَنْكَرَهُ الْمُشْتَرِي،
فَإِنَّ الشَّفِيعَ يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ فِي أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
وَإِنْ لَمْ تَدَّعِ الْمَرْأَةُ صِحَّةَ مَا ذَكَرَهُ الْوَكِيلُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنَّ مَنْ أَسْقَطَ عَنْهُ الضَّمَانَ أَسْقَطَهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ،
وَمَنْ أَوْجَبَهُ أَوْجَبَهُ فِي الصُّورَةِ الْأُخْرَى، فَلَا يَكُونُ فِيهَا اخْتِلَافٌ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
الْحَالُ السَّادِسَةُ، أَنْ يَخْتَلِفَا فِي صِفَةِ الْوَكَالَةِ، فَيَقُولَ: وَكَّلْتُك فِي بَيْعِ هَذَا الْعَبْدِ. قَالَ: بَلْ وَكَّلْتنِي فِي بَيْعِ هَذِهِ الْجَارِيَةِ. أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي الْبَيْعِ بِأَلْفَيْنِ. قَالَ: بَلْ بِأَلْفٍ. أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي بَيْعِهِ نَقْدًا. قَالَ بَلْ نَسِيئَةً. أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي شِرَاءِ عَبْدٍ. قَالَ: بَلْ فِي شِرَاءِ أَمَةٍ. أَوْ قَالَ: وَكَّلْتُك فِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ. قَالَ: بَلْ بِعَشْرَةٍ. فَقَالَ الْقَاضِي: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ.
وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: إذَا قَالَ: أَذِنْت لَك فِي الْبَيْعِ نَقْدًا، فِي الشِّرَاءِ بِخَمْسَةٍ. قَالَ: بَلْ أَذِنْت لِي فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً،
وَفِي الشِّرَاءِ بِعَشْرَةٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فِي الْمُضَارَبَةِ؛ لِأَنَّهُ أَمِينٌ فِي التَّصَرُّفِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي صِفَتِهِ، كَالْخَيَّاطِ إذَا قَالَ: أَذِنْت لِي فِي تَفْصِيلِهِ قَبَاءً. قَالَ: بَلْ قَمِيصًا.
وَحُكِيَ عَنْ مَالِك، إنْ أَدْرَكَتْ السِّلْعَةَ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ،
وَإِنْ فَاتَتْ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهَا إذَا فَاتَتْ لَزِمَ الْوَكِيلَ الضَّمَانُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ،
بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَتْ مَوْجُودَةً. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ، لِوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي التَّوْكِيلِ الَّذِي يَدَّعِيه الْوَكِيلُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ يَنْفِيه، كَمَا لَوْ لَمْ يُقِرَّ الْمُوَكِّلُ بِتَوْكِيلِهِ فِي غَيْرِهِ وَالثَّانِي، أَنَّهُمَا اخْتَلَفَا فِي صِفَةِ قَوْلِ الْمُوَكِّلِ، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ فِي صِفَةِ كَلَامِهِ، كَمَا لَوْ اخْتَلَفَ الزَّوْجَانِ فِي صِفَةِ الطَّلَاقِ.
فَعَلَى هَذَا إذَا قَالَ: اشْتَرَيْت لَك هَذِهِ الْجَارِيَةَ بِإِذْنِك. قَالَ: مَا أَذِنْت لَك إلَّا فِي شِرَاءِ غَيْرِهَا. أَوْ قَالَ: اشْتَرَيْتهَا لَك بِأَلْفَيْنِ. فَقَالَ: مَا أَذِنْت لَك فِي شِرَائِهَا إلَّا بِأَلْفٍ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ، وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ.
فَإِذَا حَلَفَ بَرِئَ مِنْ الشِّرَاءِ، ثُمَّ لَا يَخْلُو
إمَّا أَنْ يَكُونَ الشِّرَاءُ بِعَيْنِ الْمَالِ، أَوْ فِي الذِّمَّةِ،
فَإِنْ كَانَ بِعَيْنِ الْمَالِ، فَالْبَيْعُ بَاطِلٌ، وَتُرَدُّ الْجَارِيَةُ عَلَى الْبَائِعِ إنْ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ،
وَإِنْ كَذَّبَهُ فِي أَنَّ الشِّرَاءَ لِغَيْرِهِ أَوْ بِمَالِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ مَا فِي يَدِ الْإِنْسَانِ لَهُ فَإِنْ ادَّعَى الْوَكِيلُ عِلْمَهُ بِذَلِكَ، حَلَّفَهُ إنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ بِمَالِ مُوَكِّلِهِ؛ لِأَنَّهُ يَحْلِفُ عَلَى نَفْيِ فِعْلِ غَيْرِهِ فَكَانَتْ يَمِينُهُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ،
فَإِذَا حَلَفَ، أَمْضَى الْبَيْعَ، وَعَلَى الْوَكِيلِ غَرَامَةُ الثَّمَنِ لِمُوَكِّلِهِ، وَدَفْعُ الثَّمَنِ إلَى الْبَائِعِ، وَتَبْقَى الْجَارِيَةُ فِي يَدِهِ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا، فَتَكُونَ لِلْمُوَكِّلِ، أَوْ كَاذِبًا فَتَكُونَ لِلْبَائِعِ،
فَإِذَا أَرَادَ اسْتِحْلَالَهَا، اشْتَرَاهَا مِمَّنْ هِيَ لَهُ فِي الْبَاطِنِ،
فَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهِ إيَّاهَا، رَفَعَ الْأَمْرَ إلَى الْحَاكِمِ، لِيَرْفُقَ بِهِ لِيَبِيعَهُ إيَّاهَا، لِيَثْبُتَ الْمِلْكُ لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَيَصِيرَ مَا ثَبَتَ لَهُ فِي ذِمَّتِهِ ثَمَنًا قِصَاصًا بِاَلَّذِي أَخَذَ مِنْهُ الْآخَرُ ظُلْمًا،
فَإِنْ امْتَنَعَ الْآخَرُ مِنْ الْبَيْعِ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَقْدُ مُرَاضَاةٍ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ كَانَتْ الْجَارِيَةُ لِي فَقَدْ بِعْتُكَهَا. أَوْ قَالَ الْمُوَكِّلُ: إنْ كُنْت أَذِنْت لَك فِي شِرَائِهَا بِأَلْفَيْنِ، فَقَدْ بِعْتُكَهَا. فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَا يَصِحُّ. وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ.
وَالثَّانِي، يَصِحُّ؛ لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ وَاقِعٌ يَعْلَمَانِ، وُجُودَهُ، فَلَا يَضُرُّ جَعْلُهُ شَرْطًا، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ كَانَتْ هَذِهِ الْجَارِيَةُ جَارِيَتِي، فَقَدْ بِعْتُكَهَا.
وَكَذَلِكَ كُلُّ شَرْطٍ عَلِمَا وُجُودَهُ، فَإِنَّهُ لَا يُوجِبُ وُقُوفَ الْبَيْعِ وَلَا شَكًّا فِيهِ.
فَأَمَّا إنْ كَانَ الْوَكِيلُ اشْتَرَى فِي الذِّمَّةِ ثُمَّ نَقَدَ الثَّمَنَ، صَحَّ الشِّرَاءُ، وَلَزِمَ الْوَكِيلَ فِي الظَّاهِرِ،
فَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ، فَإِنْ كَانَ الْوَكِيلُ كَاذِبًا فِي دَعْوَاهُ، فَالْجَارِيَةُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي ذِمَّتِهِ بِغَيْرِ أَمْرِ غَيْرِهِ،
وَإِنْ كَانَ صَادِقًا، فَالْجَارِيَةُ لِمُوَكِّلِهِ.
فَإِذَا أَرَادَ إحْلَالَهَا لَهُ، تَوَصَّلَ إلَى شِرَائِهَا مِنْهُ، كَمَا ذَكَرْنَا. وَكُلُّ مَوْضِعٍ كَانَتْ لِلْمُوَكِّلِ فِي الْبَاطِنِ فَامْتَنَعَ مِنْ بَيْعِهَا لِلْوَكِيلِ، فَقَدْ حَصَلَتْ فِي يَدِ الْوَكِيلِ، وَهِيَ لِلْمُوَكِّلِ،
وَفِي ذِمَّتِهِ لِلْوَكِيلِ ثَمَنُهَا.
فَأَقْرَبُ الْوُجُوهِ أَنْ يَأْذَنَ لِلْحَاكِمِ فِي بَيْعِهَا، وَتَوْفِيَةِ حَقِّهِ مِنْ ثَمَنِهَا،
فَإِنْ كَانَتْ لِلْوَكِيلِ، فَقَدْ أَذِنَ فِي بَيْعِهَا،
وَإِنْ كَانَتْ لِلْمُوَكِّلِ، فَقَدْ بَاعَهَا الْحَاكِمُ فِي إيفَاءِ دَيْنٍ امْتَنَعَ الْمَدِينُ مِنْ وَفَائِهِ. وَقَدْ قِيلَ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا. وَهَذَا أَقْرَبُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
وَإِنْ اشْتَرَاهَا الْوَكِيلُ مِنْ الْحَاكِمِ بِمَالِهِ عَلَى الْمُوَكِّلِ، جَازَ؛ لِأَنَّهُ قَائِمٌ مَقَامَ الْمُوَكِّلِ فِي هَذَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ.
[فَصْل وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ فَبَاعَهُ نَسِيئَةً فَقَالَ الْمُوَكِّلُ مَا أَذِنَتْ فِي بَيْعِهِ إلَّا نَقْدًا] (٣٧٥٩) فَصْلٌ: وَلَوْ وَكَّلَهُ فِي بَيْعِ عَبْدٍ، فَبَاعَهُ نَسِيئَةً، فَقَالَ الْمُوَكِّلُ: مَا أَذِنْت فِي بَيْعِهِ إلَّا نَقْدًا. وَصَدَّقَهُ الْوَكِيلُ وَالْمُشْتَرِي، فَسَدَ الْبَيْعُ، وَلَهُ مُطَالَبَةُ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا بِالْعَبْدِ، إنْ كَانَ بَاقِيًا، أَوْ بِقِيمَتِهِ إنْ كَانَ تَالِفًا.
فَإِنْ أَخَذَ الْقِيمَة مِنْ الْوَكِيلِ، رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِهَا؛ لِأَنَّ التَّلَفَ فِي يَدِهِ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ،
وَإِنْ أَخَذَهَا مِنْ الْمُشْتَرِي، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ.
وَإِنْ كَذَّبَاهُ، وَادَّعَيَا أَنَّهُ أَذِنَ فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً، فَعَلَى قَوْلِ الْقَاضِي: يَحْلِفُ الْمُوَكِّلُ، وَيَرْجِعُ فِي الْعَيْنِ إنْ كَانَتْ قَائِمَةً،
وَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً، رَجَعَ بِقِيمَتِهَا عَلَى مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا،
فَإِنْ رَجَعَ عَلَى الْمُشْتَرِي، رَجَعَ عَلَى الْوَكِيلِ بِالثَّمَنِ الَّذِي أَخَذَهُ مِنْهُ لَا غَيْرُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الْمَبِيعَ،
وَإِنْ ضَمِنَ الْوَكِيلُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى الْمُشْتَرِي فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ يُقِرُّ بِصِحَّةِ الْبَيْعِ وَتَأْجِيلِ الثَّمَنِ،
وَإِنَّ الْبَائِعَ ظَلَمَهُ بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِالثَّمَنِ بَعْدَ الْأَجَلِ،
فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ، رَجَعَ الْوَكِيلُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ الْقِيمَةِ أَوْ الثَّمَنِ الْمُسَمَّى؛ لِأَنَّ الْقِيمَةَ إنْ كَانَتْ أَقَلَّ، فَمَا غَرِمَ أَكْثَرَ مِنْهَا، فَلَا يَرْجِعُ بِأَكْثَرَ مِمَّا غَرِمَ،
وَإِنْ كَانَ الثَّمَنُ أَقَلَّ، فَالْوَكِيلُ مُعْتَرِفٌ لِلْمُشْتَرِي أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْهُ،
وَأَنَّ الْمُوَكِّلَ ظَلَمَهُ بِأَخْذِ الزَّائِدِ عَلَى الثَّمَنِ، فَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِمَا ظَلَمَهُ بِهِ الْمُوَكِّلُ.
وَإِنْ كَذَّبَهُ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، فَلَهُ الرُّجُوعُ عَلَى الْمُصَدِّقِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وَيَحْلِفُ عَلَى الْمُكَذِّبِ، وَيَرْجِعُ عَلَى حَسَبِ مَا ذَكَرْنَا. هَذَا إنْ اعْتَرَفَ الْمُشْتَرِي بِأَنَّ الْوَكِيلَ وَكِيلٌ فِي الْبَيْعِ،
وَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ، وَقَالَ: إنَّمَا بِعْتنِي مِلْكَك، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ وَكِيلًا، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِشَيْءِ.
[فَصْلٌ قَبَضَ الْوَكِيلُ ثَمَنَ الْمَبِيعِ] (٣٧٦٠) فَصْلٌ: وَإِذَا قَبَضَ الْوَكِيلُ ثَمَنَ الْمَبِيعِ، فَهُوَ أَمَانَةٌ فِي يَدِهِ، لَا يَلْزَمُهُ تَسْلِيمُهُ قَبْلَ طَلَبِهِ وَلَا يَضْمَنُهُ بِتَأْخِيرِهِ؛ لِأَنَّهُ رَضِيَ بِكَوْنِهِ فِي يَدِهِ، وَلَمْ يَرْجِعْ عَنْ ذَلِكَ.
فَإِنْ طَلَبَهُ فَأَخَّرَ رَدَّهُ مَعَ إمْكَانِهِ، فَتَلِفَ، ضَمِنَهُ.
وَإِنْ وَعَدَهُ بِرَدِّهِ، ثُمَّ ادَّعَى أَنَّنِي كُنْت رَدَدْته قَبْلَ طَلَبِهِ، أَوْ أَنَّهُ كَانَ تَلِفَ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِنَفْسِهِ بِوَعْدِهِ بِرَدِّهِ.
فَإِنْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ، بَرِئَ، وَإِنْ كَذَّبَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُوَكِّلِ.
فَإِنْ أَقَامَ الْوَكِيلُ بَيِّنَةً بِذَلِكَ، فَهَلْ يُقْبَلُ، عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، يُقْبَلْ؛ لِأَنَّهُ لَوْ صَدَّقَهُ الْمُوَكِّلُ بَرِئَ، فَكَذَلِكَ إذَا قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ، وَلِأَنَّ الْبَيِّنَةَ إحْدَى الْحُجَّتَيْنِ، فَبَرِئَ بِهَا كَالْإِقْرَارِ.
وَالثَّانِي: لَا يُقْبَلُ؛ لِأَنَّهُ كَذَّبَهُ بِوَعْدِهِ بِالدَّفْعِ.
أَمَّا إذَا صَدَّقَهُ، فَقَدْ أَقَرَّ بِبَرَاءَتِهِ، فَلَمْ يَبْقَ لَهُ مُنَازِعٌ.
وَإِنْ لَمْ يَعِدْهُ بِرَدِّهِ، لَكِنْ مَنَعَهُ أَوْ مَطَلَهُ بِرَدِّهِ مَعَ إمْكَانِهِ، ثُمَّ ادَّعَى التَّلَفَ أَوْ الرَّدَّ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ بِالْمَنْعِ، خَارِجٌ عَنْ حَالِ الْأَمَانَةِ.
وَإِنْ أَقَامَ بِمَا ادَّعَاهُ مِنْ الرَّدِّ أَوْ التَّلَفِ بَيِّنَةً، سُمِعَتْ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَذِّبْهَا.
[فَصْلٌ لَهُ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمُ فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولًا يَقْبِضُهَا فَبَعَثَ إلَيْهِ مَعَ الرَّسُولِ دِينَارًا فَضَاعَ مَعَ الرَّسُول] (٣٧٦١) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَارِثِ، فِي رَجُلٍ لَهُ عَلَى آخَرَ دَرَاهِمُ، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولًا يَقْبِضُهَا، فَبَعَثَ إلَيْهِ مَعَ الرَّسُولِ دِينَارًا، فَضَاعَ مَعَ الرَّسُولِ، فَهُوَ مِنْ مَالِ الْبَاعِثِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِمُصَارَفَتِهِ، إنَّمَا كَانَ مِنْ ضَمَانِ الْبَاعِثِ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَ إلَى الرَّسُولِ غَيْرَ مَا أَمَرَهُ بِهِ الْمُرْسِلُ،
فَإِنَّ الْمُرْسِلَ إنَّمَا أَمَرَهُ بِقَبْضِ مَا لَهُ فِي ذِمَّتِهِ، وَهِيَ الدَّرَاهِمُ، وَلَمْ يَدْفَعْهَا، وَإِنَّمَا دَفَعَ دِينَارًا عِوَضًا عَنْ عَشْرَةِ دَرَاهِمَ، وَهَذَا صَرْفٌ يَفْتَقِرُ إلَى رِضَى صَاحِبِ الدَّيْنِ وَإِذْنِهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ، فَصَارَ الرَّسُولُ وَكِيلًا لِلْبَاعِثِ فِي تَأْدِيَتِهِ إلَى صَاحِبِ الدَّيْنِ وَمُصَارَفَتِهِ بِهِ،
فَإِذَا تَلِفَ فِي يَدِ وَكِيلِهِ. كَانَ مِنْ ضَمَانِهِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُخْبِرَ الرَّسُولُ الْغَرِيمَ أَنَّ رَبَّ الدَّيْنِ أَذِنَ لَهُ فِي قَبْضِ الدِّينَارِ عَنْ الدَّرَاهِمِ. فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ ضَمَانِ الرَّسُولِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ وَأَخَذَ الدِّينَارَ عَلَى أَنَّهُ وَكِيلٌ لِلْمُرْسِلِ.
وَإِنْ قَبَضَ مِنْهُ الدَّرَاهِمَ الَّتِي أَمَرَ بِقَبْضِهَا، فَضَاعَتْ مِنْ الرَّسُولِ، فَهِيَ مِنْ ضَمَانِ صَاحِبِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّهَا تَلِفَتْ مِنْ يَدِ وَكِيلِهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا، فِي رَجُلٍ لَهُ عِنْدَ آخَرَ دَنَانِيرُ وَثِيَابٌ، فَبَعَثَ إلَيْهِ رَسُولًا،
وَقَالَ: خُذْ دِينَارًا وَثَوْبًا. فَأَخَذَ دِينَارَيْنِ وَثَوْبَيْنِ، فَضَاعَتْ، فَالضَّمَانُ عَلَى الْبَاعِثِ. يَعْنِي الَّذِي أَعْطَاهُ الدِّينَارَيْنِ وَالثَّوْبَيْنِ، وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى الرَّسُولِ.
يَعْنِي عَلَيْهِ ضَمَانُ الدِّينَارِ وَالثَّوْبِ الزَّائِدَيْنِ؛ إنَّمَا جُعِلَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ دَفَعَهُمَا إلَى مَنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِدَفْعِهِمَا إلَيْهِ، وَرَجَعَ بِهِمَا عَلَى الرَّسُولِ؛ لِأَنَّهُ غَرَّهُ، وَحَصَلَ التَّلَفُ فِي يَدِهِ، فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الضَّمَانُ. وَلِلْمُوَكِّلِ تَضْمِينُ الْوَكِيلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَدَّى بِقَبْضِ مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِقَبْضِهِ.
فَإِذَا ضَمِنَهُ، لَمْ يَرْجِعْ عَلَى أَحَدٍ؛ لِأَنَّ التَّلَفَ حَصَلَ فِي يَدِهِ، فَاسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيْهِ.
وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رَجُلٍ وَكَّلَ وَكِيلًا فِي اقْتِضَاءِ دَيْنِهِ، وَغَابَ، فَأَخَذَ الْوَكِيلُ بِهِ رَهْنًا، فَتَلِفَ الرَّهْنُ فِي يَدِ الْوَكِيلِ، فَقَالَ: أَسَاءَ الْوَكِيلُ فِي أَخْذِ الرَّهْنِ، وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. إنَّمَا لَمْ يَضْمَنْهُ؛ لِأَنَّهُ رَهْنٌ فَاسِدٌ، وَالْقَبْضُ فِي الْعَقْدِ الْفَاسِدِ، كَالْقَبْضِ فِي الصَّحِيحِ، فَمَا كَانَ الْقَبْضُ فِي صَحِيحِهِ مَضْمُونًا، كَانَ مَضْمُونًا فِي فَاسِدِهِ، وَمَا كَانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ فِي صَحِيحِهِ، كَانَ غَيْرَ مَضْمُونٍ فِي فَاسِدِهِ.
وَنَقَلَ الْبَغَوِيّ، عَنْ أَحْمَدَ فِي رَجُلٍ أَعْطَى آخَرَ دَرَاهِمَ يَشْتَرِي لَهُ بِهَا شَاةً، فَخَلَطَهَا مَعَ دَرَاهِمِهِ، فَضَاعَا، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
وَإِنْ ضَاعَ أَحَدُهُمَا، أَيُّهُمَا ضَاعَ غَرِمَهُ قَالَ الْقَاضِي: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ خَلَطَهَا بِمَا تَمَيَّزَ مِنْهَا. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَذِنَ لَهُ فِي خَلْطِهَا.
أَمَّا إنْ خَلَطَهَا بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ بِغَيْرِ إذْنِهِ، ضَمِنَهَا، كَالْوَدِيعَةِ. وَإِنَّمَا لَزِمَهُ الضَّمَانُ إذَا ضَاعَ أَحَدُهُمَا، لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّ الضَّائِعَ دَرَاهِمُ الْمُوَكِّلِ، وَالْأَصْلُ بَقَاؤُهَا. وَمَعْنَى الضَّمَانِ هَاهُنَا، أَنَّهُ يَحْسُبُ الضَّائِعَ مِنْ دَرَاهِمَ نَفْسِهِ
فَأَمَّا عَلَى الْمَحْمَلِ الْآخَرِ، وَهُوَ إذَا خَلَطَهَا بِمَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ،
فَإِذَا ضَاعَتْ دَرَاهِمُ الْمُوَكِّلِ وَحْدَهَا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهَا ضَاعَتْ مِنْ غَيْرِ تَعَدٍّ مِنْهُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.