فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

كتاب الإجارة]

قال في المغني: إنها مشتقة من الأجر وهو العوض، ومنه سمي الثواب أجرا، وحدها في الوجيز بأنها: عوض معلوم، في منفعة معلومة، من عين معينة أو موصوفة في الذمة، أو في عمل معلوم. وليس بمانع، لدخول الممر وعلو بيت ونحوه، والمنافع المحرمة.

٢١١٣ - قال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إن موسى - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أجر نفسه ثماني حجج أو عشرا، على عفة فرجه، وطعام بطنه» . رواه أحمد وابن ماجه.

٢١١٤ - وعن عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - في حديث الهجرة قالت: «واستأجر النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأبو بكر رجلا هاديا خريتا - والخريت الماهر بالهداية - وهو على دين كفار قريش، وأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال، فأتاهما براحلتيهما صبيحة ليال ثلاث فارتحلا» . رواه أحمد والبخاري.

٢١١٥ - وعن أبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم» فقال أصحابه: وأنت؟ قال: «نعم كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» . رواه أحمد والبخاري، والإجماع على ذلك إلا ما حكي عن الأصم ولا عبرة به، والله أعلم. [معلومية الأجرة والمدة في عقد الإجارة] قال: وإذا وقعت الإجارة على مدة معلومة، بأجرة معلومة؛ فقد ملك المستأجر المنافع، وملكت عليه الأجرة كاملة في وقت العقد، إلا أن يشترطا أجلا.

ش: الإجارة على ضربين: (أحدهما) : أن تقع على عين موصوفة أو معينة، مدة معلومة، كأجرتك هذه الدار شهرا، ونحو ذلك.

٣٬٣٠٤

(والثاني) : أن تقع على عمل معلوم، كبناء حائط، وخياطة ثوب، وحمل إلى موضع معين، ونحو ذلك، والمقصود هنا هو الأول.

واعلم أن الإجارة لها ثلاثة أركان:

(الركن الأول) : العاقد، ولم يذكره الخرقي لوضوحه، إذ شرط العاقد في جميع العقود كونه جائز التصرف.

(الثاني) : المعقود عليه، وهو المنفعة والأجرة؛

٣٬٣٠٥

(أما المنفعة) : فمن شرطها أن تكون معلومة،

٣٬٣٠٦

فإذا كانت على مدة كما قال الخرقي اشترط كونها معلومة، كشهر كذا ونحو ذلك، بلا خلاف نعلمه،

٣٬٣٠٧

ولو علقها على ما يقع اسمه على شيئين؛ كالعيد، وجمادى، فهل يصح وينصرف إلى الأول منهما - وهو رأي أبي محمد - أو لا يصح حتى يعين ذلك؛ وهو رأي القاضي؟ فيه وجهان.

وظاهر كلام الخرقي: أنه لا يشترط في المدة أن تلي العقد وهو صحيح،

٣٬٣٠٨

وإذًا لا بد من ذكر الابتداء كالانتهاء،

٣٬٣٠٩

فلو أطلق فقال: أجرتك هذه الدار شهرا، فهل يصح، ويكون ابتداؤه من حين العقد - وهو اختيار أبي محمد - أو لا يصح حتى يسمي الشهر - وهو منصوص أحمد، وبه قطع القاضي وكثيرون؟ فيه قولان.

وظاهر كلامه أيضا: أنه لا تقدير لأكثر مدة الإجارة، فتجوز إجارة العين مائة سنة وأكثر، إذا غلب على الظن بقاؤها فيها، وهذا المذهب، وقد نص أحمد على جواز عشر سنين،

٣٬٣١٠

وقيل - واختاره ابن حامد -: يتقيد ذلك بسنة، فلا يجوز أكثر منها،

٣٬٣١١

وقيل: بل بثلاثين سنة.

٣٬٣١٢

(وأما الأجرة) : فمن شرطها أيضا أن تكون معلومة كالثمن في المبيع.

٢١١٦ - وقد روي عن أبي سعيد - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «نهى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن استئجار الأجير حتى يبين له أجره» . رواه أحمد، ثم هل يشترط العلم بقدر رأس المال وصفته، أو تكفي مشاهدته؟ فيه وجهان.

(الركن الثالث) : المعقود به وهو الصيغة، وتنعقد بلفظ الإجارة والكراء،

٣٬٣١٣

وكذا ما في معناهما على الصحيح، وهل تنعقد بلفظ البيع؟ فيه وجهان، أصلهما هل هي نوع من البيع أو شبيهة بالبيع.

إذا تقرر هذا وصحت الإجارة فقال الخرقي: فقد ملك المستأجر المنافع. ولا ريب في هذا.

٢١١٧ - وقد نص عليه أحمد، محتجا بأن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - اكترى جمالا ثم صارف الجمال،

٣٬٣١٤

ولو لم يكن قد ملكها لم تصح مصارفته، فظاهر احتجاجه إنما هو في الأجرة، لأنها أحد العوضين،

٣٬٣١٥

فإذا ملكت ملك الأجر، وأيضا فإن المؤجر يملك التصرف في هذه المنفعة كما يتصرف في العين،

٣٬٣١٦

فإذا أجرها ملك المستأجر منها ما كان يملك المؤجر،

٣٬٣١٧

وإذا ملك المستأجر المنافع حين العقد ملك المؤجر جميع الأجرة إذا، لأنها أحد العوضين فيملك بما يملك به الآخر. [إذ المعارضة مبناها المعادلة،

٣٬٣١٨

فإذا ملك المستأجر المنفعة ملك المؤجر الأجرة] .

واعلم أن الأجرة وإن ملكت بالعقد، فإنها لا تستقر إلا بمضي المدة، ولا يستحق تسليمها إلا بعد تسليم المعقود عليه،

٣٬٣١٩

فإذا كانت على عين إلى مدة - وهو الذي ذكره الخرقي - فلا يجب تسليم الأجرة إلا بعد تسليم العين،

٣٬٣٢٠

وإن كانت على عمل في الذمة فلا يجب تسليم أجرته إلا بعد تسليم العمل، وعلى هذا وردت النصوص،

٣٬٣٢١

نحو قوله سبحانه وتعالى: {فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ} [الطلاق: ٦] فإن الإرضاع عمل في الذمة،

٣٬٣٢٢

فإذا سلمته وجب إيتاؤها أجرتها.

٢١١٨ - وما رواه أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «يقول الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة، ومن كنت خصمه خصمته؛ رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا وأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره» . رواه أحمد والبخاري.

٢١١٩ - وروى أيضا في حديث له «عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أنه يغفر لأمته في آخر ليلة من رمضان، قيل: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: «لا ولكن العامل إنما يوفى أجره إذا قضى عمله» رواه أحمد. فهذه النصوص ظاهرها أنها على عمل في الذمة. هذا كله إن لم يوجد شرط لفظي أو عرفي يقتضي التأخير أو التعجيل، فإنه يعمل بمقتضاه، فلو أجره داره شهرا بمائة درهم تحل في آخره، أو أجره على خياطة ثوب بدرهم الآن، عمل على ذلك، وعلى هذا يحمل قول ابن أبي موسى، وإن استؤجر كل يوم بأجر معلوم، فله أجر كل يوم عند تمامه، إذ عرف الناس المطرد في ذلك، أنهم إذا استأجروا إنسانا شهرا كل يوم بكذا، فإنهم يعطونه الأجرة في آخر كل يوم، فيجري هذا مجرى الشرط، ولو لم يحمل على هذا لكان ظاهره مخالفا لقول الخرقي والأصحاب، كما أن ظاهر قول الخرقي: وملكت عليه الأجرة كاملة في وقت العقد، إلا أن يشترطا أجلا. يقتضي أن الأجرة المؤجلة لا تملك حين العقد، وفيه نظر، إذ صرح القاضي في تعليقه في الجنايات بأن الدين في الذمة غير مؤجل، بل ثابت في الحال، وإن تأخرت المطالبة به، وإذا ينبغي أن يكون تقدير كلامه: وملكت عليه الأجرة، ووجب تسليمها إن سلمت العين، إلا أن يشترطا أجلا فلا يجب التسليم، فيكون الاستثناء من مقدر، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

كلامه على هذه المسألة مع المسألة ٨٤٧ قبلها

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.