فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: وكذلك النبيذ. ش: يعني أنه مباح ما لم يغل، أو يأت عليه ثلاثة أيام لما تقدم من حديث ابن عباس وأبي هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -، والنبيذ ما يلقى فيه تمر أو زبيب أو نحوهما ليحلو به الماء.

[حكم انقلاب الخمر خلا] قال: والخمرة إذا أفسدت فصيرت خلا لم تزل عن تحريمها. ش: هذا هو المذهب المشهور المجزوم به.

٣٢٤٩ - لما روي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سئل عن الخمر يتخذ خلا فقال: «لا» . .» . رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه. ٣٢٥٠ -

٦٬٤٧٠

وعنه أيضا «أن أبا طلحة سأل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن أيتام ورثوا خمرا، فقال: «أهرقوها» قال: أفلا نجعلها خلا؟ قال: «لا» » رواه أحمد وأبو داود، فنهى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عن التخليل، والنهي يقتضي الفساد، وأمر بإراقتها مع كونها لأيتام،

٦٬٤٧١

ولو زال تحريمها بالتخليل لأرشده - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلى ذلك، حذارا من ضياع المال، لا سيما وهي لأيتام.

٣٢٥١ - وقد روي أن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صعد المنبر فقال: لا تحل خمر أفسدت، حتى يكون الله تعالى هو الذي تولى إفسادها، ولا بأس على مسلم ابتاع من أهل الكتاب خلا ما لم يعتمد إفسادها، فعند ذلك يقع النهي. رواه أبو عبيد في الأموال بنحو من هذا المعنى، وهذا قاله بمحضر من الصحابة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - ولم ينكر فكان إجماعا،

٦٬٤٧٢

وقيل: يزول تحريمها مطلقا، لأن علة التحريم الشدة المطربة، وقد زالت فيزول التحريم،

٦٬٤٧٣

وقيل - وهو احتمال لأبي محمد - إن قصد تخليلها بنقلها من الشمس إلى الفيحاء أو بالعكس حلت لما تقدم،

٦٬٤٧٤

وإن خللت بما يلقى فيها لم تحل، لنجاسة الملقى فيها،

٦٬٤٧٥

فإذا انقلبت بقي الملقى فيها على نجاسته.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ النَّبِيذُ إذَا تُرِكَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ] (٧٣٦١) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَكَذَلِكَ النَّبِيذُ) يَعْنِي: أَنَّ النَّبِيذَ مُبَاحٌ مَا لَمْ يُغْلَ، أَوْ تَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ. وَالنَّبِيذُ: مَا يُلْقَى فِيهِ تَمْرٌ أَوْ زَبِيبٌ أَوْ نَحْوُهُمَا؛ لِيَحْلُوَ بِهِ الْمَاءُ، وَتَذْهَبَ مُلُوحَتُهُ، فَلَا بَأْسَ بِهِ مَا لَمْ يُغْلَ، أَوْ تَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ؛ لِمَا رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ.

٣٧٬٦١٩

وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَصُومُ، فَتَحَيَّنْت فِطْرَهُ بِنَبِيذٍ صَنَعْتُهُ فِي دُبَّاءٍ ثُمَّ أَتَيْته بِهِ، فَإِذَا هُوَ يَنِشُّ. فَقَالَ: اضْرِبْ بِهَذَا الْحَائِطِ؛ فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِأَنَّهُ إذَا بَلَغَ ذَلِكَ صَارَ مُسْكِرًا، وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ.

[فَصْلٌ حُكْمُ الْخَمْرِ] (٧٣٦٢) فَصْلٌ: وَالْخَمْرُ نَجِسَةٌ. فِي قَوْلِ عَامَّة أَهْل الْعِلْمِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَرَّمَهَا لِعَيْنِهَا، فَكَانَتْ نَجِسَةً، كَالْخِنْزِيرِ. وَكُلُّ مُسْكِرٍ فَهُوَ حَرَامٌ، نَجِسٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا.

[فَصْلٌ مَا طُبِخَ مِنْ الْعَصِيرِ وَالنَّبِيذِ قَبْلَ غَلَيَانِهِ حَتَّى صَارَ غَيْرَ مُسْكِرٍ كَالدِّبْسِ] (٧٣٦٣) فَصْلٌ: وَمَا طُبِخَ مِنْ الْعَصِيرِ وَالنَّبِيذِ قَبْلَ غَلَيَانِهِ، حَتَّى صَارَ غَيْرَ مُسْكِرٍ، كَالدِّبْسِ، وَرُبِّ الْخُرْنُوبِ، وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُرَبَّيَاتِ وَالسُّكَّرِ، فَهُوَ مُبَاحٌ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا ثَبَتَ فِي الْمُسْكِرِ، فَفِيمَا عَدَاهُ يَبْقَى عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ وَمَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ، سَوَاءٌ ذَهَبَ مِنْهُ الثُّلُثَانِ، أَوْ أَقَلُّ، أَوْ أَكْثَرُ. قَالَ أَبُو دَاوُد: سَأَلْت أَحْمَدَ، عَنْ شُرْبِ الطِّلَاءِ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ، وَبَقِيَ ثُلُثُهُ؟

قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ. قِيلَ لِأَحْمَدْ: إنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ يُسْكِرُ. قَالَ: لَا يُسْكِرُ،

٣٧٬٦٢٠

وَلَوْ كَانَ يُسْكِرُ مَا أَحَلَّهُ عُمَرُ.

[فَصْلٌ لَا بَأْسَ بِالْفُقَّاعِ] (٧٣٦٤) فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِالْفُقَّاعِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ. وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْكِرُ،

٣٧٬٦٢١

وَإِذَا تُرِكَ يَفْسُدُ، بِخِلَافِ الْخَمْرِ، وَالْأَشْيَاءُ عَلَى الْإِبَاحَةِ، مَا لَمْ يَرِدْ بِتَحْرِيمِهَا حُجَّةٌ.

[فَصْلٌ الِانْتِبَاذُ فِي الْأَوْعِيَةِ] (٧٣٦٥) فَصْلٌ: وَيَحُوزُ الِانْتِبَاذُ فِي الْأَوْعِيَةِ كُلِّهَا. وَعَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ كَرِهَ الِانْتِبَاذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنَّقِيرِ وَالْمُزَفَّتِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الِانْتِبَاذِ فِيهَا وَالدُّبَّاءُ: وَهُوَ الْيَقْطِينُ. وَالْحَنْتَمُ: الْجِرَارُ. وَالنَّقِيرُ: الْخَشَبُ. وَالْمُزَفَّتُ: الَّذِي يُطْلَى بِالزِّفْتِ.

٣٧٬٦٢٢

وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ؛ لِمَا رَوَى بُرَيْدَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«نَهَيْتُكُمْ عَنْ ثَلَاثٍ، وَأَنَا آمُرُكُمْ بِهِنَّ؛ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْأَشْرِبَةِ أَنْ لَا تَشْرَبُوا إلَّا فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ، فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى نَسْخِ النَّهْيِ، وَلَا حُكْمَ لِلْمَنْسُوخِ.

٣٧٬٦٢٣

[فَصْلٌ يُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ] (٧٣٦٦) فَصْلٌ: وَيُكْرَهُ الْخَلِيطَانِ، وَهُوَ أَنْ يُنْبَذَ فِي الْمَاءِ شَيْئَانِ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْخَلِيطَيْنِ» ،

٣٧٬٦٢٤

وَقَالَ أَحْمَدُ: الْخَلِيطَانِ حَرَامٌ. وَقَالَ فِي الرَّجُلِ يَنْقَعُ الزَّبِيبَ، وَالتَّمْرَ الْهِنْدِيَّ، وَالْعُنَّابَ وَنَحْوَهُ، يَنْقَعُهُ غُدْوَةً، وَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً لِلدَّوَاءِ: أَكْرَهُهُ؛ لِأَنَّهُ نَبِيذٌ، وَلَكِنْ يَطْبُخُهُ وَيَشْرَبُهُ عَلَى الْمَكَانِ. وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ «نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا، وَنَهَى أَنْ يُنْبَذَ الزَّبِيبُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا.»

٣٧٬٦٢٥

وَفِي رِوَايَةٍ: وَانْتَبِذْ كُلَّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ ". وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ، قَالَ «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ التَّمْرِ وَالزَّهْوِ، وَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَلْيُنْبَذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى حِدَةٍ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ الْقَاضِي: يَعْنِي أَحْمَدُ بِقَوْلِهِ: هُوَ حَرَامٌ. إذَا اشْتَدَّ وَأَسْكَرَ،

٣٧٬٦٢٦

وَإِذَا لَمْ يُسْكِرْ لَمْ يَحْرُمْ.

وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ - إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِعِلَّةِ إسْرَاعِهِ إلَى السُّكْرِ الْمُحَرَّمِ،

٣٧٬٦٢٧

فَإِذَا لَمْ يُوجَدْ، لَمْ يَثْبُتْ التَّحْرِيمُ، كَمَا أَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - نَهَى عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ، ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالشُّرْبِ فِيهَا، مَا لَمْ تُوجَدْ حَقِيقَةُ الْإِسْكَارِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا مَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:«كُنَّا نَنْبِذُ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَنَأْخُذُ قَبْضَةً مِنْ تَمْرٍ، وَقَبْضَةً مِنْ زَبِيبٍ، فَنَطْرَحُهَا فِيهِ، ثُمَّ نَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ، فَنَنْبِذُهُ غُدْوَةً، فَيَشْرَبُهُ عَشِيَّةً، وَنَنْبِذُهُ عَشِيَّةً، فَيَشْرَبُهُ غُدْوَةً.» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ، وَأَبُو دَاوُد.

فَلَمَّا كَانَتْ مُدَّةُ الِانْتِبَاذِ قَرِيبَةً، وَهِيَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ، لَا يُتَوَهَّمُ الْإِسْكَارُ فِيهَا لَمْ يُكْرَهْ،

٣٧٬٦٢٨

وَلَوْ كَانَ مَكْرُوهًا لَمَا فُعِلَ هَذَا فِي بَيْتِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَهُ. فَعَلَى هَذَا، لَا يُكْرَهُ مَا كَانَ فِي الْمُدَّةِ الْيَسِيرَةِ،

٣٧٬٦٢٩

وَيُكْرَهُ مَا كَانَ فِي مُدَّةٍ يُحْتَمَلُ إفْضَاؤُهُ إلَى الْإِسْكَارِ، وَلَا يَثْبُتُ التَّحْرِيمُ مَا لَمْ يُغْلَ، أَوْ تَمْضِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ.

[مَسْأَلَةٌ الْخَمْرَةُ إذَا أُفْسِدَتْ فَصُيِّرَتْ خَلًّا] (٧٣٦٧) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْخَمْرَةُ إذَا أُفْسِدَتْ، فَصُيِّرَتْ خَلًّا، لَمْ تَزُلْ عَنْ تَحْرِيمِهَا، وَإِنْ قَلَبَ اللَّهُ عَيْنَهَا فَصَارَتْ خَلًّا، فَهِيَ حَلَالٌ) رُوِيَ هَذَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَالِكٍ.

٣٧٬٦٣٠

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ أُلْقِيَ فِيهَا شَيْءٌ يُفْسِدُهَا كَالْمِلْحِ، فَتَخَلَّلَتْ، فَهِيَ عَلَى تَحْرِيمِهَا،

٣٧٬٦٣١

وَإِنْ نُقِلَتْ مِنْ شَمْسٍ إلَى ظِلٍّ، أَوْ مِنْ ظِلٍّ إلَى شَمْسٍ فَتَخَلَّلَتْ، فَفِي إبَاحَتِهَا قَوْلَانِ.

٣٧٬٦٣٢

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَطْهُرُ فِي الْحَالَيْنِ؛ لِأَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِهَا زَالَتْ بِتَخْلِيلِهَا فَطَهُرَتْ، كَمَا لَوْ تَخَلَّلَتْ بِنَفْسِهَا، يُحَقِّقُهُ أَنَّ التَّطْهِيرَ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ مَا حَصَلَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِعْلِ الْآدَمِيِّ، كَتَطْهِيرِ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَالْأَرْضِ. وَنَحْوُ هَذَا قَوْلُ عَطَاءٍ، وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، وَالْحَارِثِ الْعُكْلِيِّ. وَذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي مَذْهَبِنَا،

٣٧٬٦٣٣

فَقَالَ: وَإِنْ خُلِّلَتْ لَمْ تَطْهُرْ.

٣٧٬٦٣٤

وَقِيلَ: تَطْهُرُ.

وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو سَعِيدٍ، قَالَ:«كَانَ عِنْدَنَا خَمْرٌ لِيَتِيمٍ، فَلَمَّا نَزَلَتْ الْمَائِدَةُ، سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّهُ لِيَتِيمٍ؟ قَالَ: أَهْرِيقُوهُ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ:«سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَتَّخِذُ الْخَمْرَ خَلًّا؟ قَالَ: لَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ أَبِي طَلْحَةَ، «أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ أَيْتَامٍ وَرِثُوا خَمْرًا؟ فَقَالَ: أَهْرِقْهَا قَالَ: أَفَلَا أُخَلِّلُهَا؟ قَالَ: لَا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

وَهَذَا نَهْيٌ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ، وَلَوْ كَانَ إلَى اسْتِصْلَاحِهَا سَبِيلٌ، لَمْ تَجُزْ إرَاقَتُهَا، بَلْ أَرْشَدَهُمْ إلَيْهِ، سِيَّمَا وَهِيَ لِأَيْتَامٍ يَحْرُمُ التَّفْرِيطُ فِي أَمْوَالِهِمْ؛ وَلِأَنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ، فَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: لَا يَحِلُّ خَلُّ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى هُوَ تَوَلَّى إفْسَادَهَا. وَلَا بَأْسَ عَلَى مُسْلِمٍ ابْتَاعَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ خَلًّا، مَا لَمْ يَتَعَمَّدْ لِإِفْسَادِهَا، فَعِنْدَ ذَلِكَ يَقَعُ النَّهْيُ. رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.

وَهَذَا قَوْلٌ يَشْتَهِرُ؛ لِأَنَّهُ خَطَبَ بِهِ النَّاسَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يُنْكَرْ.

٣٧٬٦٣٥

فَأَمَّا إذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا، فَإِنَّهَا تَطْهُرُ وَتَحِلُّ، فِي قَوْلِ جَمِيعِهِمْ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَوَائِلِ، أَنَّهُمْ اصْطَبَغُوا بِخَلِّ خَمْرٍ؛ مِنْهُمْ عَلِيٌّ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ، وَابْنُ عُمَرَ، وَعَائِشَةُ. وَرَخَّصَ فِيهِ الْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَخْبَارِهِمْ أَنَّهُمْ اتَّخَذُوهُ خَلًّا، وَلَا أَنَّهُ انْقَلَبَ بِنَفْسِهِ، لَكِنْ قَدْ بَيَّنَهُ عُمَرُ بِقَوْلِهِ: لَا يَحِلُّ خَلُّ خَمْرٍ أُفْسِدَتْ، حَتَّى يَكُونَ اللَّهُ هُوَ يَتَوَلَّى إفْسَادَهَا. وَلِأَنَّهَا إذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا، فَقَدْ زَالَتْ عِلَّةُ تَحْرِيمِهَا، مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ خَلَّفَتْهَا، فَطَهُرَتْ، كَالْمَاءِ إذَا زَالَ تَغَيُّرُهُ بِمُكْثِهِ.

٣٧٬٦٣٦

وَإِذَا أُلْقِيَ فِيهَا شَيْءٌ تَنَجَّسَ بِهَا، ثُمَّ إذَا انْقَلَبَتْ، بَقِيَ مَا أُلْقِيَ فِيهَا نَجِسًا، فَنَجَّسَهَا وَحَرَّمَهَا.

٣٧٬٦٣٧

فَأَمَّا إنْ نَقَلَهَا مِنْ مَوْضِعٍ إلَى آخَرَ، فَتَخَلَّلَتْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُلْقِيَ فِيهَا شَيْئًا،

٣٧٬٦٣٨

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَصَدَ تَخْلِيلَهَا، حَلَّتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا تَخَلَّلَتْ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهَا.

٣٧٬٦٣٩

وَإِنْ قَصَدَ بِذَلِكَ تَخْلِيلَهَا، اُحْتُمِلَ أَنْ تَطْهُرَ؛ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا إلَّا الْقَصْدُ، فَلَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا تَطْهُرَ؛ لِأَنَّهَا خُلِّلَتْ، فَلَمْ تَطْهُرْ، كَمَا لَوْ أُلْقِيَ فِيهَا شَيْءٌ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.