ومن وجبت عليه الجزية فأسلم قبل أن تؤخذ منه سقطت عنه.
الشروح عليها
قال: ومن وجبت عليه الجزية فأسلم قبل أن تؤخذ منه سقطت عنه. ش: الجزية تجب بحلول الحول،
فإذا أسلم الذمي بعد حلول الحول فقد وجبت عليه الجزية،
فإن لم تكن أخذت منه سقطت عنه، لعموم قول الله تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} [الأنفال: ٣٨] .
٣٤٧٥ - وقول النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الإسلام يجب ما قبله» . ويؤيد دخول ذلك في العموم أن الجزية عقوبة سببها الكفر، فسقطت بالإسلام كالقتل، وخرج بذلك الديون،
فإن سببها ليس هو الكفر، فلذلك لا تسقط بالإسلام.
٣٤٧٦ - وعن ابن عباس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «ليس على مسلم جزية» . رواه الترمذي، وأبو داود وهذا لفظه، وقد فسره سفيان الثوري بما قلناه، قال: معناه إذا أسلم الذمي بعد ما وجبت عليه الجزية بطلت عنه.
٣٤٧٧ - ويروى أن ذميا أسلم، فطولب بالجزية،
وقيل: إنما أسلمت تعوذا. قال: إن في الإسلام معاذا. فرفع إلى عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فقال عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: إن في الإسلام معاذا. وكتب أن لا تؤخذ منه الجزية، رواه أبو عبيد بنحو من هذا المعنى، وقد دل كلام الخرقي من طريق التنبيه أنه لو أسلم قبل الوجوب لا تؤخذ منه، وهو واضح.
[مَسْأَلَةٌ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ] (٧٦٦٥) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: وَمَنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ، فَأَسْلَمَ قَبْلَ أَنْ تُؤْخَذَ مِنْهُ، سَقَطَتْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الذِّمِّيَّ إذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ، لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ،
وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحَوْلِ سَقَطَتْ عَنْهُ. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ: إنْ أَسْلَمْ بَعْدَ الْحَوْلِ، لَمْ تَسْقُطْ؛ لِأَنَّهَا دَيْنٌ يَسْتَحِقُّهُ صَاحِبُهُ، وَاسْتَحَقَّ الْمُطَالَبَةَ بِهِ فِي حَالِ الْكُفْرِ فَلَمْ يَسْقُطْ بِالْإِسْلَامِ، كَالْخَرَاجِ وَسَائِرِ الدُّيُونِ.
وَلِلشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْحَوْلِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، عَلَيْهِ مِنْ الْجِزْيَةِ بِالْقِسْطِ، كَمَا لَوْ أَفَاقَ بَعْدَ الْحَوْلِ. وَلَنَا، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ} . وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ» . رَوَاهُ الْخَلَّالُ. وَذُكِرَ أَنَّ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنْهُ، فَقَالَ: لَيْسَ يَرْوِيه غَيْرُ جَرِيرٍ.
قَالَ أَحْمَدُ: وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إنْ أَخَذَهَا فِي كَفِّهِ ثُمَّ أَسْلَمَ، رَدَّهَا عَلَيْهِ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«لَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُؤَدِّيَ الْخَرَاجَ» . يَعْنِي الْجِزْيَةَ. وَرُوِيَ أَنَّ ذِمِّيًّا أَسْلَمَ، فَطُولِبَ بِالْجِزْيَةِ،
وَقِيلَ: إنَّمَا أَسْلَمْت تَعَوُّذًا. قَالَ: إنَّ فِي الْإِسْلَامِ مَعَاذًا. فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ، فَقَالَ عُمَرُ: إنَّ فِي الْإِسْلَامِ مَعَاذًا. وَكَتَبَ أَلَّا تُؤْخَذَ مِنْهُ الْجِزْيَةُ. رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا الْمَعْنَى.
وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ صَغَارٌ، فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْحَوْلِ، وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ عُقُوبَةٌ تَجِبُ بِسَبَبِ الْكُفْرِ، فَيُسْقِطُهَا الْإِسْلَامُ، كَالْقَتْلِ. وَبِهَذَا فَارَقَ سَائِرَ الدُّيُونِ.
[فَصْلٌ تُؤْخَذ الْجِزْيَة مِنْ ذِمِّيّ مَاتَ بَعْدَ الْحَوْلِ] (٧٦٦٦) فَصْلٌ: وَإِنْ مَاتَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ الْحَوْلِ، لَمْ تَسْقُطْ الْجِزْيَةُ عَنْهُ، فِي ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ. ذَكَرَهُ أَحْمَدُ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ. وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ، عَنْ الْقَاضِي، أَنَّهَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ. وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ، فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، كَالْحُدُودِ، وَلِأَنَّهَا تَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ، فَتَسْقُطُ بِالْمَوْتِ، كَمَا قَبْلَ الْحَوْلِ.
وَلَنَا، أَنَّهُ دَيْنٌ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ، كَدُيُونِ الْآدَمِيِّينَ، وَالْحَدُّ يَسْقُطُ بِفَوَاتِ مَحِلِّهِ، وَتَعَذُّرِ اسْتِيفَائِهِ،
بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ. وَفَارَقَ الْإِسْلَامَ؛ فَإِنَّهُ الْأَصْلُ، وَالْجِزْيَةُ بَدَلٌ عَنْهُ،
فَإِذَا أَتَى بِالْأَصْلِ اسْتَغْنَى عَنْ الْبَدَلِ، كَمَنْ وَجَدَ الْمَاءَ لَا يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى التَّيَمُّمِ،
بِخِلَافِ الْمَوْتِ، وَلِأَنَّ الْإِسْلَامَ قُرْبَةٌ وَطَاعَةٌ، يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَعَاذًا مِنْ الْجِزْيَةِ، كَمَا ذَكَرَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وَالْمَوْتُ بِخِلَافِهِ.
[فَصْلٌ اجْتَمَعَتْ الْجِزْيَة عَلَيْهِ سِنِينَ] (٧٦٦٧) فَصْلٌ: وَلَا تَتَدَاخَلُ الْجِزْيَةُ، بَلْ إذَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ جِزْيَةُ سِنِينَ، اُسْتُوْفِيَتْ مِنْهُ كُلُّهَا. وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَتَدَاخَلُ؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ، فَتَتَدَاخَلُ، كَالْحُدُودِ. وَلَنَا، أَنَّهَا حَقُّ مَالٍ، يَجِبُ فِي آخِرِ كُلِّ حَوْلٍ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ، كَالدِّيَةِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.