وإذا قال السيد لعبده أو لأمته: أنت مدبر، أو قد دبرتك، أو أنت حر بعد موتي. فقد صار مدبرا.
الشروح عليها
قال: وإذا قال السيد لعبده أو لأمته: أنت مدبر، أو قد دبرتك، أو أنت حر بعد موتي. فقد صار مدبرا.
ش: أما صيرورته مدبرا بلفظ التدبير نحو: أنت مدبر أو دبرتك، فلأنه أتى بلفظه الموضوع له فصح به، كلفظ العتق فيه،
وأما صيرورته مدبرا إذا أتى بصريح العتق معلقا له بالموت - نحو أنت حر أو محرر، أو حررتك بعد موتي، أو معتق أو عتيق بعد موتي - فلأنه أتى بحقيقة التدبير، إذ حقيقته تعليق العتق بالموت،
وإذا أتي بحقيقة الشيء حصل ذلك الشيء.
ومقتضى كلام الخرقي أنه لا يفتقر في ذلك إلى نية، وهو كذلك، والخرقي لم يتعرض إلا للتدبير المطلق،
ويصح أيضا مؤقتا نحو: أنت مدبر اليوم. نص عليه أحمد، ومعلقا على شرط نحو إذا قدم زيد. أو إذا جاء رأس الشهر فأنت مدبر. ونحو ذلك. والله أعلم.
وقال وله بيعه في الدين.
ش: أي العبد المدبر، بدليل ما يأتي بعد، وهذا هو المعروف في المذهب، حتى إن عامة الأصحاب لا يحكون فيه خلافا، لما تقدم من حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -، وأطلق أحمد المنع في رواية حرب، وسأله في رجل دبر عبده ثم كاتبه يجوز، لأنه يملكه بعد،
وأما بيعه من غيره [فلم يجوزه، وفرق بين بيعه من غيره وكتابته، لأنه إذا كاتبه فهو بعد في ملكه،
وإذا باعه من غيره] فقد خرج عن ملكه،
قلت: ولو كاتب عبده ثم دبره؟ قال: هو جائز.
٣٩٠٢ - وروى أحمد عن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أنه كره بيعه، وهذا الأثر - والله أعلم - مستند أحمد في المنع، (ومفهوم كلام الخرقي) أنه لا يجوز بيعه في غير الدين، وهو إحدى الروايتين.
٣٩٠٣ - لأن في لفظ في حديث جابر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رواه النسائي قال: «أعتق رجل من الأنصار غلاما له عن دبر، وكان محتاجا، وكان عليه دين، فباعه رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بثمانمائة درهم فأعطاه، فقال: «اقض دينك، وأنفق على عيالك» » فالنص ورد في ذلك، والأصل عدم غيره، قياسا على أم الولد، بجامع أن كلا منهما عتقه معلق بالموت.
(والرواية الثانية) يجوز بيعه مطلقا، وهي المذهب عند الأصحاب، اختارها القاضي، والشريف وأبو الخطاب، والشيرازي وأبو محمد وغيرهم، لأن التدبير
إما وصية أو تعليق للعتق على صفة، وأيما كان لا يمنع البيع، وقد أشار إلى هذا التعليل وبيع النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - للمدبر في صورة الحاجة لا يمنع من بيعه مطلقا، لا سيما من قاعدتنا أن الأصل في العقود والشروط الصحة، ما لم يدل دليل على المنع، كما هو مقرر في موضعه.
(تنبيه) ظاهر كلام الخرقي اختصاص الجواز بالدين فقط، وعدم ما سواه، وهو ظاهر كلام أبي محمد في المقنع، وأبي البركات على هذه الرواية وهو ظاهر كلام أحمد،
قال في رواية حنبل وعبد الله: أرى بيع المدبر في الدين إذا كان فقيرا لا يملك شيئا غيره، وظاهر كلام القاضي في جامعه وروايتيه وأبي محمد في الكافي إناطة ذلك على هذا القول بالحاجة، ولا يخفى أنه أعم من الأول، والله أعلم.
[مَسْأَلَة قَالَ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ أَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ قَدْ دَبْرَتك أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي] (٨٦٥٣) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَإِذَا قَالَ لِعَبْدِهِ أَوْ أَمَتِهِ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ، أَوْ قَدْ دَبَّرْتُكَ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي. فَقَدْ صَارَ مُدَبَّرًا) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ إذَا عَلَّقَ صَرِيحَ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ، فَقَالَ أَنْتَ حُرٌّ، أَوْ مُحَرَّرٌ، أَوْ عَتِيقٌ أَوْ مُعْتَقٌ، بَعْدَ مَوْتِي صَارَ مُدَبَّرًا. بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ.
فَأَمَّا إنْ قَالَ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ أَوْ قَدْ دَبَّرْتك. فَإِنَّهُ يَصِيرُ مُدَبَّرًا بِنَفْسِ اللَّفْظِ، مِنْ غَيْرِ افْتِقَارٍ إلَى نِيَّةٍ. وَهَذَا مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: فِيهِ قَوْلٌ آخَرُ، أَنَّهُ لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي التَّدْبِيرِ، وَيَفْتَقِرُ إلَى النِّيَّةِ؛ لِأَنَّهُمَا لَفْظَانِ لَمْ يَكْثُرْ اسْتِعْمَالُهُمَا، فَافْتَقَرَا إلَى النِّيَّةِ، كَالْكِنَايَاتِ.
وَلَنَا أَنَّهُمَا لَفْظَانِ وُضِعَا لِهَذَا الْعَقْدِ، فَلَمْ يَفْتَقِرْ إلَى النِّيَّةِ، كَالْبَيْعِ، وَيُفَارِقُ الْكِنَايَاتِ؛ فَإِنَّهَا غَيْرُ مَوْضُوعَةٍ لَهُ، وَيُشَارِكُهَا فِيهِ غَيْرُهَا، فَافْتَقَرَتْ إلَى النِّيَّةِ لِلتَّعْيِينِ، وَيُرَجَّحُ أَحَدُ الْمُحْتَمَلَيْنِ،
بِخِلَافِ الْمَوْضُوعِ.
[فَصْل يَعْتِقُ الْمُدَبَّرُ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ] (٨٦٥٤) فَصْلٌ: وَيَعْتِقُ الْمُدَبَّرُ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ ثُلُثِ الْمَالِ. فِي قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ عُمَرَ. وَبِهِ قَالَ شُرَيْحٌ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالْحَسَنُ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَمَكْحُولٌ، وَالزُّهْرِيُّ، وَقَتَادَةُ، وَحَمَّادٌ، وَمَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالثَّوْرِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ.
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَمَسْرُوقٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَالنَّخَعِيِّ، وَسَعِيدِ بْن جُبَيْرٍ، أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ فَيَنْفُذُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، كَالْعِتْقِ فِي الصِّحَّةِ، وَعِتْقِ أُمِّ الْوَلَدِ. وَلَنَا أَنَّهُ تَبَرُّعٌ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَكَانَ مِنْ الثُّلُثِ، كَالْوَصِيَّةِ، وَيُفَارِقُ الْعِتْقَ فِي الصِّحَّةِ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِ الْمُعْتِقِ فَيَنْفُذُ فِي الْجَمِيعِ، كَالْهِبَةِ الْمُنَجَّزَةِ. وَقَدْ نَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ يَعْتِقُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. وَلَيْسَ عَلَيْهَا عَمَلٌ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هَذَا قَوْلٌ قَدِيمٌ رَجَعَ عَنْهُ أَحْمَدُ إلَى مَا نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ.
[فَصْل اجْتَمَعَ الْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ وَالتَّدْبِيرُ] فَصْلٌ: وَإِنْ اجْتَمَعَ الْعِتْقُ فِي الْمَرَضِ وَالتَّدْبِيرُ، قُدِّمَ الْعِتْقُ؛ لِأَنَّهُ أَسْبَقُ.
وَإِنْ اجْتَمَعَ التَّدْبِيرُ وَالْوَصِيَّةُ بِالْعِتْقِ، تَسَاوَيَا؛ لِأَنَّهُمَا جَمِيعًا عِتْقٌ بَعْدَ الْمَوْتِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَدَّمَ التَّدْبِيرُ؛ لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ تَقَعُ فِيهِ عِنْدَ الْمَوْتِ، وَالْوَصِيَّةُ تَقِفُ عَلَى الْإِعْتَاقِ بَعْدَهُ.
[فَصْل أَنْوَاعُ التَّدْبِير] .
(٨٦٥٦) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ التَّدْبِيرُ مُطْلَقًا وَمُقَيَّدًا؛ فَالْمُطْلَقُ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ بِالْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ آخَرَ، كَقَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي. وَالْمُقَيَّدُ ضَرْبَانِ؛ أَحَدُهُمَا، خَاصٌّ، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ: إنَّ مِتّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، أَوْ سَفَرِي هَذَا، أَوْ فِي بَلَدِي هَذَا، أَوْ عَامِي هَذَا، فَأَنْتَ حُرٌّ، فَهَذَا جَائِزٌ عَلَى مَا قَالَ، إنْ مَاتَ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي شَرَطَهَا عَتَقَ الْعَبْدُ، وَإِلَّا لَمْ يَعْتِقْ.
وَقَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ مَنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ مُدَبَّرٌ الْيَوْمَ؟ قَالَ: يَكُونُ مُدَبَّرًا ذَلِكَ الْيَوْمَ،
فَإِنْ مَاتَ ذَلِكَ الْيَوْمَ صَارَ حُرًّا. يَعْنِي إذَا مَاتَ الْمَوْلَى.
الضَّرْبُ الثَّانِي، أَنْ يُعَلِّقَ التَّدْبِيرَ عَلَى صِفَةٍ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ إنْ دَخَلْت الدَّارَ، أَوْ إنْ قَدِمَ زَيْدٌ أَوْ إنْ شَفَى اللَّهُ مَرِيضِي، فَأَنْتَ حُرٌّ مُدَبَّرٌ، أَوْ فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي. فَهَذَا لَا يَصِيرُ مُدَبَّرًا فِي الْحَالِ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ التَّدْبِيرَ عَلَى شَرْطٍ،
فَإِذَا وُجِدَ، صَارَ مُدَبَّرًا، وَعَتَقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ،
وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ الشَّرْطُ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ، وَوُجِدَ بَعْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَعْتِقْ؛ لِأَنَّ إطْلَاقَ الشَّرْطِ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ يَقْتَضِي وُجُودَهُ فِي الْحَيَاةِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ عَلَّقَ عَلَيْهِ عِتْقًا مُنَجَّزًا، فَقَالَ إذَا دَخَلْت الدَّارَ، فَأَنْتَ حُرٌّ. فَدَخَلَهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، لَمْ يَعْتِقْ، وَكَمَا لَوْ قَالَ لِوَكِيلِهِ: بِعْ عَبْدِي. فَمَاتَ الْمُوَكِّلُ قَبْلَ بَيْعِهِ، بَطَلَتْ وَكَالَتُهُ. وَلِأَنَّ الْمُدَبَّرَ مَنْ عَلَّقَ عِتْقُهُ بِالْمَوْتِ، وَهَذَا قَبْلَ الْمَوْتِ لَمْ يَكُنْ مُدَبَّرًا، وَبَعْدَ الْمَوْتِ لَا يُمْكِنُ حُدُوثُ التَّدْبِيرِ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ بَعْدَ مَوْتِي، فَأَنْتَ حُرٌّ. فَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهَا رِوَايَتَيْنِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَعْتِقُ. وَهُوَ قِيَاسُ الْمَنْصُوصِ عَنْهُ، فِي قَوْلِهِ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مُوتِي بِيَوْمٍ أَوْ شَهْرٍ. فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَعْتِقُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْعِتْقَ بِصِفَةٍ تُوجَدُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَعْتِقْ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ بَعْدَ بَيْعِي إيَّاكَ، فَأَنْتَ حُرٌّ. وَلِأَنَّهُ إعْتَاقٌ لَهُ بَعْدَ قَرَارِ مِلْكِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَعْتِقْ كَالْمُنَجَّزِ. وَالثَّانِيَةُ، يَعْتِقُ. وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي.
وَهُوَ مَذْهَبُ؛ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِذَلِكَ، فَحُمِلَ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ وَصَّى بِإِعْتَاقِهِ، وَكَمَا لَوْ وَصَّى بِبَيْعِ سِلْعَةٍ وَيَتَصَدَّقُ بِثَمَنِهَا، وَيُفَارِقُ التَّصَرُّفَ بَعْدَ الْبَيْعِ؛
فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ لِلْإِنْسَانِ التَّصَرُّفَ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي ثُلُثِهِ،
بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْبَيْعِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَيُفَارِقُ الْوَصِيَّةَ بِالْعِتْقِ وَبَيْعَ السِّلْعَةِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ لَا يَسْتَقِرُّ لِلْوَرَثَةِ فِيهِ، وَلَا يَمْلِكُونَ التَّصَرُّفَ فِيهِ،
بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
وَقَوْلُهُمْ: حَصَلَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِي ثُلُثِهِ. قُلْنَا: إنَّمَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ تَصَرُّفًا يَثْبُتُ عَقِيبَ مَوْتِهِ، وَيَمْنَعُ انْتِقَالَهُ إلَى الْوَارِثِ،
وَإِنْ ثَبَتَ لِلْوَارِثِ، فَهُوَ ثُبُوتٌ غَيْرُ مُسْتَقِرٍّ، وَقَدْ قِيلَ: يَكُونُ مُرَاعًى،
فَإِذَا قَبِلَ الْمُوصَى لَهُ، تَبَيَّنَّا أَنَّ الْمِلْكَ كَانَ لَهُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ.
وَإِنْ لَمْ يَقْبَلْ، تَبَيَّنَّا أَنَّهُ كَانَ لِلْوَارِثِ. فَعَلَى قَوْلِنَا: لَا يَعْتِقُ بِالدُّخُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ. لِلْوَارِثِ التَّصَرُّفُ فِيهِ كَيْفَ شَاءَ،
وَمَنْ صَحَّحَ هَذَا الشَّرْطَ، احْتَمَلَ أَنْ يَمْنَعَ الْوَارِثَ مِنْ التَّصَرُّفِ فِي رَقَبَتِهِ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ الْعِتْقَ، فَأَشْبَهَ الْمُوصَى بِعِتْقِهِ. وَاحْتَمَلَ أَنْ لَا يَمْنَعَهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ عِتْقَهُ عَلَى صِفَةٍ غَيْرِ الْمَوْتِ، فَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ التَّصَرُّفِ فِيهِ، كَمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، فَأَنْتَ حُرٌّ.
فَأَمَّا كَسْبُهُ قَبْلَ عِتْقِهِ، فَهُوَ لِلْوَارِثِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ فِيهِ مُسْتَقِرٌّ قَبْلَ وُجُودِ الشَّرْطِ كَمَا لَوْ كَانَ الْوَارِثُ هُوَ الَّذِي عَلَّقَ عِتْقَهُ.
[فَصْل قَالَ أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرِ] (٨٦٥٧) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ، أَوْ قَالَ: بِيَوْمٍ. فَقَالَ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ مُهَنَّا: لَا يَعْتِقُ، وَلَا تَصِحُّ هَذِهِ الصِّفَةُ.
وَقَالَ أَيْضًا: سَأَلْت أَحْمَدَ، عَنْ رَجُلٍ قَالَ لِعَبْدِهِ: أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي بِشَهْرٍ، بِأَلْفِ دِرْهَمٍ. فَقَالَ: هَذَا كُلُّهُ لَا يَكُونُ شَيْئًا بَعْدَ مَوْتِهِ. وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ وَذَكَرَ الْقَاضِيَانِ ابْنُ أَبِي مُوسَى وَأَبُو يَعْلَى فِيهَا رِوَايَةً أُخْرَى، أَنَّهُ يَعْتِقُ إذَا وُجِدَتْ الصِّفَتَانِ؛ الْمَوْتُ وَمُضِيُّ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ. وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَأَبُو يُوسُفَ، وَإِسْحَاقُ وَوَجْهُ الرِّوَايَتَيْنِ مَا تَقَدَّمَ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: لَا يَعْتِقُ حَتَّى يَعْتِقَهُ الْوَارِثُ. وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ: يَعْتِقُ. يَكُونُ قَبْلَ الْمَوْتِ مِلْكًا لِلْوَارِثِ، وَكَسْبُهُ لَهُ كَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرِ فِي حَيَاةِ السَّيِّدِ.
وَإِنْ كَانَ أَمَةً، فَوَلَدَتْ قَبْلَ وُجُودِ الصِّفَةِ، فَوَلَدُهَا يَتْبَعُهَا فِي التَّدْبِيرِ، وَيَعْتِقُ بِوُجُودِ الصِّفَةِ، كَمَا تَعْتِقُ هِيَ.
[فَصْل قَالَ لِعَبْدِهِ إذَا قَرَأْت الْقُرْآنَ فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَقَرَأَ الْقُرْآنَ جَمِيعَهُ] . (٨٦٥٨) فَصْلٌ: إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا قَرَأْت الْقُرْآنَ، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي. فَقَرَأَ الْقُرْآنَ جَمِيعَهُ، صَارَ مُدَبَّرًا،
وَإِنْ قَرَأَ بَعْضَهُ، لَمْ يَصِرْ مُدَبَّرًا.
وَإِنْ قَالَ إذَا قَرَأْت قُرْآنًا، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي فَقَرَأَ بَعْضَ الْقُرْآنِ، صَارَ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّهُ فِي الْأُولَى عَرَّفَهُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، فَعَادَ إلَى جَمِيعِهِ، وَهَا هُنَا نَكَّرَهُ، فَاقْتَضَى بَعْضَهُ.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} . وَقَالَ:{وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا} وَلَمْ يُرِدْ جَمِيعَهُ. قُلْنَا قَضِيَّةُ اللَّفْظِ تَتَنَاوَلُ جَمِيعَهُ؛ لِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلِاسْتِغْرَاقِ، وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَى بَعْضِهِ بِدَلِيلٍ، فَلَا يُحْمَلُ عَلَى الْبَعْضِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ، وَلِأَنَّ قَرِينَةَ الْحَالِ تَقْتَضِي قِرَاءَةَ جَمِيعِهِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ أَرَادَ تَرْغِيبَهُ فِي قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ، بِتَعْلِيقِ الْحُرِّيَّةِ بِهِ، وَمُجَازَاتِهِ عَلَى قِرَاءَتِهِ بِالْحُرِّيَّةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُجَازِي بِهَذَا الْأَمْرِ الْكَثِيرِ، وَلَا يُرَغِّبُ بِهِ، إلَّا فِيمَا يَشُقُّ،
أَمَّا قِرَاءَتُهُ آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ فَلَا. [فَصْل قَالَ لِعَبْدِهِ إنَّ شِئْت فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي] .
(٨٦٥٩) فَصْلٌ: فَإِنْ قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ شِئْت، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي. أَوْ إذَا شِئْت، أَوْ مَتَى شِئْت، أَوْ أَيَّ وَقْتٍ شِئْت، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي. فَهُوَ تَدْبِيرٌ بِصِفَةِ، فَمَتَى شَاءَ فِي حَيَاةِ سَيِّدِهِ، صَارَ مُدَبَّرًا، يَعْتِقُ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي. فَدَخَلَهَا فِي حَيَاتِهِ.
وَإِنْ مَاتَ السَّيِّدُ قَبْلَ مَشِيئَتِهِ، بَطَلَتْ الصِّفَةُ، كَمَا لَوْ مَاتَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُخْرَى قَبْلَ دُخُولِ. الدَّارِ.
وَإِنْ قَالَ: مَتَى شِئْت بَعْدَ مَوْتِي، فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ أَيَّ وَقْتٍ شِئْت بَعْدَ مَوْتِي، فَأَنْتَ حُرٌّ. فَهَذَا تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ عَلَى صِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ،
وَأَنَّ قَوْلَ الْقَاضِي صِحَّتَهُ، فَعَلَى قَوْلِهِ، يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي، فَمَتَى شَاءَ بَعْدَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، عَتَقَ، وَمَا كَانَ لَهُ مِنْ كَسْبٍ قَبْلَ مَشِيئَتِهِ، فَهُوَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ عَبْدٌ قَبِلَ ذَلِكَ
بِخِلَافِ الْمُوصَى بِهِ، فَإِنَّ فِي كَسْبِهِ قَبْلَ الْقَبُولِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ يَكُون لِلْمُوصَى لَهُ؛ لِأَنَّنَا تَبَيَّنَّا أَنَّهُ مَلَكَهُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ، وَهَا هُنَا لَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ قَبْلَ الْمَشِيئَةِ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّهُ عِتْقٌ مُعَلَّقٌ عَلَى شَرْطٍ، فَلَا يَثْبُتُ الْعِتْقُ قَبْلَ الشَّرْطِ، وَجْهًا وَاحِدًا.
وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي قَوْلِهِ: إذَا شِئْت، أَوْ إنْ شِئْت، فَأَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي، أَنَّهُ عَلَى الْفَوْرِ،
فَإِنْ شَاءَ فِي الْمَجْلِسِ صَارَ مُدَبَّرًا،
وَإِنْ تَرَاخَتْ الْمَشِيئَةُ عَنْ الْمَجْلِسِ، بَطَلَتْ، وَلَمْ يَصِرْ مُدَبَّرًا بِالْمَشِيئَةِ بَعْدَهُ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِ: اخْتَارِي نَفْسَك.
فَإِنَّ الِاخْتِيَارَ يَقِفُ عَلَى الْمَجْلِسِ، وَهَذَا فِي مَعْنَاهُ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ شِئْت بَعْدَ مَوْتِي، أَوْ إذَا شِئْت بَعْدَ مَوْتِي، فَأَنْتَ حُرٌّ. كَانَ عَلَى الْفَوْرِ أَيْضًا، فَمَتَى شَاءَ عَقِيبَ مَوْتِ سَيِّدِهِ، أَوْ فِي الْمَجْلِسِ، صَارَ حُرًّا،
وَإِنْ تَرَاخَتْ مَشِيئَتُهُ عَنْ الْمَجْلِسِ، لَمْ تَثْبُتْ فِيهِ حُرِّيَّةٌ. وَقَدْ ذَكَرَ فِي الطَّلَاقِ، أَنَّهُ إذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ، إنَّ شِئْت، وَشَاءَ أَبُوك. فَشَاءَا مَعًا. وَقَعَ الطَّلَاقُ، سَوَاءٌ شَاءَا عَلَى الْفَوْرِ أَوْ التَّرَاخِي، أَوْ شَاءَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْفَوْرِ، وَالْآخَرُ عَلَى التَّرَاخِي، وَهَذَا مِثْلُهُ، فَيُخَرَّجُ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ مِثْلُ مَا ذُكِرَ فِي الْأُخْرَى.
[فَصْلٌ قَالَ لِعَبْدِهِ إذَا مِتُّ فَأَنْتَ حُرٌّ أَوْ لَا] (٨٦٦٠) فَصْلٌ: إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ: إذَا مِتُّ، فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ لَا. أَوْ قَالَ: فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ لَسْت بِحُرٍّ لَمْ يَصِرْ مُدَبَّرًا؛ لِأَنَّهُ اسْتِفْهَامٌ، وَلَمْ يَقْطَعْ بِالْعِتْقِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ، أَوْ لَا. وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ.
[فَصْلٌ دَبَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ] (٨٦٦١) فَصْلٌ: وَإِذَا دَبَّرَ أَحَدُ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ، لَمْ يَسْرِ التَّدْبِيرُ إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا. وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا، أَنَّهُ يَسْرِي تَدْبِيرُهُ إذَا كَانَ مُوسِرًا، وَيُقَوَّمُ عَلَيْهِ نَصِيبُ شَرِيكِهِ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، فَسَرَى ذَلِكَ فِيهِ، كَالِاسْتِيلَادِ. وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ. وَلَنَا، أَنَّهُ تَعْلِيقٌ لِلْعِتْقِ بِصِفَةٍ، فَلَمْ يَسْرِ، كَتَعْلِيقِهِ بِدُخُولِ الدَّارِ. وَيُفَارِقُ الِاسْتِيلَادَ؛ فَإِنَّهُ آكَدُ، وَلِهَذَا يَعْتِقُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ.
وَلَوْ قَتَلَتْ سَيِّدَهَا، لَمْ يَبْطُلْ حُكْمُ اسْتِيلَادِهَا،
وَلَا يَجُوزُ بَيْعُهَا، وَالْمُدَبَّرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ. فَعَلَى هَذَا، إنْ مَاتَ الْمُدَبَّرُ، عَتَقَ نَصِيبُهُ إنْ خَرَجَ مِنْ الثُّلُثِ. وَهَلْ يَسْرِي إلَى نَصِيبِ شَرِيكِهِ، إنْ كَانَ مُوسِرًا؟ فِيهِ رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهُمَا الْخِرَقِيِّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَإِنْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ نَصِيبَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُدَبَّرِ، وَهُوَ مُوسِرٌ، عَتَقَ، وَسَرَى إلَى نَصِيبِ الْمُدَبَّرِ. وَذَكَرَ الْقَاضِي، وَأَبُو الْخَطَّابِ، فِيهَا وَجْهَيْنِ. وَلِلشَّافِعِيِّ فِيهَا قَوْلَانِ، أَحَدُهُمَا كَقَوْلِنَا.
وَالثَّانِي، لَا يَسْرِي عِتْقُهُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ الْمُدَبَّرَ قَدْ اسْتَحَقَّ الْوَلَاءَ عَلَى الْعَبْدِ بِمَوْتِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ إبْطَالُهُ.
وَلَنَا، قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «مَنْ أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ، فَكَانَ لَهُ مَا يَبْلُغُ قِيمَةَ الْعَبْدِ، قُوِّمَ عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَدْلِ، وَأُعْطِيَ شُرَكَاؤُهُ حِصَصَهُمْ، وَإِلَّا فَقَدْ عَتَقَ مِنْهُ مَا عَتَقَ» . وَلِأَنَّهُ إذَا سَرَى إلَى إبْطَالِ الْمِلْكِ، الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنْ الْوَلَاءِ، فَالْوَلَاءُ أَوْلَى، وَمَا ذَكَرُوهُ لَا أَصْلَ لَهُ،
وَيَبْطُلُ بِمَا إذَا عَلَّقَ عِتْقَ نَصِيبِهِ بِصِفَةٍ.
[فَصْلٌ إنْ دَبَّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الشَّرِيكَيْنِ نَصِيبَهُ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا] (٨٦٦٢) فَصْلٌ: وَإِنْ دَبَّرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نَصِيبَهُ، فَمَاتَ أَحَدُهُمَا، عَتَقَ نَصِيبُهُ، وَبَقِيَ نَصِيبُ الْآخَرِ عَلَى التَّدْبِيرِ، إنْ لَمْ يَفِ ثُلُثُهُ بِقِيمَةِ حِصَّةِ شَرِيكِهِ،
وَإِنْ كَانَ يَفِي بِهِ، فَهَلْ يَسْرِي الْعِتْقُ إلَيْهِ. عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: إذَا مُتْنَا، فَأَنْتَ حُرٌّ. فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: قَالَ أَحْمَدُ: إذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، فَنَصِيبُهُ حُرٌّ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ أَحْمَدَ جَعَلَ هَذَا اللَّفْظَ تَدْبِيرًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِنَصِيبِهِ، وَمَعْنَاهُ إذَا مَاتَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا، فَنَصِيبُهُ حُرٌّ؛ فَإِنَّهُ قَابَلَ الْجُمْلَةَ بِالْجُمْلَةِ، فَيَصْرِفُ إلَى مُقَابَلَةِ الْبَعْضِ، كَقَوْلِهِ: رَكِبَ النَّاسُ دَوَابَّهُمْ، وَلَبِسُوا ثِيَابَهُمْ، وَأَخَذُوا رِمَاحَهُمْ. يُرِيدُ لَبِسَ كُلُّ إنْسَانٍ ثَوْبَهُ، وَرَكِبَ دَابَّتَهُ وَأَخَذَ رُمْحَهُ.
وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ: أَعْتَقُوا عَبِيدَهُمْ. كَانَ مَعْنَاهُ، أَعْتَقَ كُلُّ وَاحِدٍ عَبْدَهُ وَقَالَ الْقَاضِي: هَذَا تَعْلِيقٌ لِلْحُرِّيَّةِ بِمَوْتِهِمَا جَمِيعًا، وَإِنَّمَا قَالَ أَحْمَدُ: يَعْتِقُ نَصِيبُهُ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وُجُودَ بَعْضِ الصِّفَةِ يَقُومُ مَقَامَ جَمِيعِهَا.
وَلَا يَصِحُّ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْعِلَّةَ، لَعَتَقَ الْعَبْدُ كُلُّهُ، لِوُجُودِ بَعْضِ صِفَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَلِأَنَّنَا قَدْ أَبْطَلْنَا هَذَا الْقَوْلَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْقَاضِي أَنْ لَا يَعْتِقَ شَيْءٌ مِنْهُ قَبْلَ مَوْتِهِمَا جَمِيعًا.
وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَرَدْت أَنَّ الْعَبْدَ حُرٌّ بَعْدَ آخِرِنَا مَوْتًا. انْبَنَى هَذَا عَلَى تَعْلِيقِ الْحُرِّيَّةِ عَلَى صِفَةٍ تُوجَدُ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ؛
فَإِنْ قُلْنَا بِجَوَازِ ذَلِكَ، عَتَقَ بَعْدَ مَوْتِ الْآخَرِ مِنْهُمَا، عَلَيْهِمَا جَمِيعًا،
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ ذَلِكَ، عَتَقَ نَصِيبُ الْآخَرِ مِنْهُمَا بِالتَّدْبِيرِ.
وَفِي سِرَايَتِهِ إلَى بَاقِيهِ، إنْ كَانَ ثُلُثُهُ يَحْتَمِلُ ذَلِكَ، رِوَايَتَانِ.
وَإِنْ قَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: إذَا مِتُّ قَبْلَ شَرِيكِي، فَنَصِيبِي لَهُ،
فَإِذَا مَاتَ فَهُوَ حُرٌّ، وَإِنْ مِتُّ بَعْدَهُ، فَنَصِيبِي حُرٌّ. فَقَدْ وَصَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْآخَرِ،
فَإِذَا مَاتَ أَحَدُهُمَا، صَارَ الْعَبْدُ كُلُّهُ لِلْآخَرِ،
فَإِذَا مَاتَ عَتَقَ كُلُّهُ عَلَيْهِ، وَصَارَ وَلَاؤُهُ كُلُّهُ لَهُ، إنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ تَعْلِيقُ الْعِتْقِ عَلَى صِفَةٍ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ. عَتَقَ عَلَيْهِمَا، وَوَلَاؤُهُ بَيْنَهُمَا.
[مَسْأَلَةٌ بَيْعُ الْمُدَبَّرِ فِي الدَّيْنِ] (٨٦٦٣) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (وَلَهُ بَيْعُهُ فِي الدَّيْنِ) ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ، أَنَّهُ لَا يُبَاعُ فِي الدَّيْنِ. وَقَدْ أَوْمَأَ إلَيْهِ أَحْمَدُ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يُبَاعُ إلَّا فِي دَيْنٍ يَغْلِبُ رَقَبَةَ الْعَبْدِ،
فَإِذَا كَانَ الْعَبْدُ يُسَاوِي أَلْفًا، فَكَانَ عَلَيْهِ خَمْسُمِائَةٍ، لَمْ يَبِعْ الْعَبْدَ. وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهُ قَالَ: أَنَا أَرَى بَيْعَ الْمُدَبَّرِ فِي الدَّيْنِ،
وَإِذَا كَانَ فَقِيرًا لَا يَمْلِكُ شَيْئًا، رَأَيْت أَنْ أَبِيعَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَدْ بَاعَ الْمُدَبَّرَ، لَمَّا عَلِمَ أَنَّ صَاحِبَهُ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا غَيْرَهُ، بَاعَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا عَلِمَ حَاجَتَهُ. وَهَذَا قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَبِي أَيُّوبَ وَأَبِي خَيْثَمَةَ، وَقَالَا: إنْ بَاعَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ، أَجَزْنَاهُ. وَنَقَلَ جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، جَوَازَ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ مُطْلَقًا؛ فِي الدَّيْنِ وَغَيْرِهِ، مَعَ الْحَاجَةِ وَعَدَمِهَا. قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ سَعِيدٍ: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، إذَا كَانَ بِالرَّجُلِ حَاجَةٌ إلَى ثَمَنِهِ، قَالَ: لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ، مُحْتَاجًا كَانَ إلَى ذَلِكَ أَوْ غَيْرَ مُحْتَاجٍ.
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ.
وَرُوِيَ مِثْلُ هَذَا عَنْ عَائِشَةَ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَطَاوُسٍ، وَمُجَاهِدٍ. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ. وَكَرِهَ بَيْعَهُ ابْنُ عُمَرَ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَالشَّعْبِيُّ، وَالنَّخَعِيُّ، وَابْنُ سِيرِينَ، وَالزُّهْرِيُّ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَمَالِكٌ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - رَوَى «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: لَا يُبَاعُ الْمُدَبَّرُ وَلَا يُشْتَرَى» . وَلِأَنَّهُ اسْتَحَقَّ الْعِتْقَ بِمَوْتِ سَيِّدِهِ، أَشْبَهَ أُمَّ الْوَلَدِ.
وَلَنَا، مَا رَوَى جَابِرٌ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ مَمْلُوكًا لَهُ عَنْ دَبْرٍ، فَاحْتَاجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : مَنْ يَشْتَرِيهِ مِنِّي. فَبَاعَهُ مِنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَدَفَعَهَا إلَيْهِ وَقَالَ: أَنْتَ أَحْوَجُ مِنْهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. قَالَ جَابِرٌ: عَبْدٌ قِبْطِيٌّ، مَاتَ عَامَ أَوَّلَ، فِي إمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ.
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ: صَحَّتْ أَحَادِيثُ بَيْعِ الْمُدَبَّرِ، بِاسْتِقَامَةِ الطُّرُقِ، وَالْخَبَرُ إذَا ثَبَتَ اُسْتُغْنِيَ بِهِ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ رَأْيِ النَّاسِ. وَلِأَنَّهُ عِتْقٌ بِصِفَةٍ، ثَبَتَ بِقَوْلِ الْمُعْتِقِ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْبَيْعَ، كَمَا لَوْ قَالَ: إنْ دَخَلْت الدَّارَ، فَأَنْتَ حُرٌّ. وَلِأَنَّهُ تَبَرُّعٌ بِمَالٍ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَلَمْ يَمْنَعْ الْبَيْعَ فِي الْحَيَاةِ، كَالْوَصِيَّةِ. قَالَ أَحْمَدُ: هُمْ يَقُولُونَ: مَنْ قَالَ: غُلَامِي حُرٌّ رَأْسَ الشَّهْرِ. فَلَهُ بَيْعُهُ قَبْلَ رَأْسِ الشَّهْرِ،
وَإِنْ قَالَ: غَدًا. فَلَهُ بَيْعُهُ الْيَوْمَ.
وَإِنْ قَالَ: إذَا مِتُّ. قَالَ: لَا يَبِيعُهُ، فَالْمَوْتُ أَكْثَرُ مِنْ الْأَجَلِ، لَيْسَ هَذَا قِيَاسًا، إنْ جَازَ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ رَأْسِ الشَّهْرِ، فَلَهُ أَنْ يَبِيعَهُ قَبْلَ مَجِيءِ الْمَوْتِ، وَهُمْ يَقُولُونَ فِي مَنْ قَالَ: إنْ مِتُّ مِنْ مَرَضِي هَذَا، فَعَبْدِي حُرٌّ. ثُمَّ لَمْ يَمُتْ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ، فَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَإِنْ قَالَ: إنْ مِتُّ، فَهُوَ حُرٌّ. لَا يُبَاعُ. وَهَذَا مُتَنَاقِضٌ، إنَّمَا أَصْلُهُ الْوَصِيَّةُ مِنْ الثُّلُثِ، فَلَهُ أَنْ يُغَيِّرَ وَصِيَّتَهُ مَا دَامَ حَيًّا.
فَأَمَّا خَبَرُهُمْ، فَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ.
قَالَ الطَّحَاوِيُّ: هُوَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ، وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بَعْدَ الْمَوْتِ، أَوْ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ.
أَمَّا أُمُّ الْوَلَدِ، فَإِنَّ عِتْقَهَا يَثْبُتُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ سَيِّدِهَا، وَلَيْسَ بِتَبَرُّعٍ، وَيَكُونُ مِنْ جَمِيعِ الْمَالِ، وَلَا يُمْكِنُ إبْطَالُهُ بِحَالٍ، وَالتَّدْبِيرُ بِخِلَافِهِ. وَوَجْهُ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، إنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إنَّمَا بَاعَ الْمُدَبَّرَ عِنْدَ الْحَاجَةِ، فَلَا يُتَجَاوَزُ بِهِ مَوْضِعُ الْحَاجَةِ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.