فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: ثم جلس. ش: [لا إشكال] في سنية هذا الجلوس بين الخطبتين، اقتداء بفعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كما تقدم في حديث جابر بن سمرة.

٨٤٥ - وعن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قال: «كان رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يخطب خطبتين وهو قائم، يفصل بينهما بجلوس» ،

٩٤٨

ولا يجب على المذهب المشهور، لحصول المقصود بدونه.

٨٤٦ - وعن المغيرة بن شعبة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه لم يجلس بين الخطبتين. ذكره أحمد، وابن المنذر. ٨٤٧ - وروى النجاد عن أبي إسحاق قال: رأيت عليا يخطب على المنبر، فلم يجلس حتى فرغ، والظاهر أنه قد حضرهما جماعة من الصحابة، ولم ينقل إنكار، وذهب أبو بكر النجاد من أصحابنا إلى وجوبه، لمداومته على ذلك، والله أعلم. قال: وقام فأتى أيضا بالحمد لله، والثناء عليه، والصلاة على النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وقرأ ووعظ.

ش: قوله: قام. يعني يخطب خطبة ثانية، ولا إشكال أن المذهب وجوب الثانية كالأولى، لأن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كان يخطب خطبتين، وفعله وقع بيانا لمجمل الذكر المأمور به في الآية الكريمة، ولأن الخطبتين بدل الركعتين، فليكونا واجبتين كهما.

٩٤٩

(وقيل) : عن أحمد ما يدل على أن الواجب خطبة واحدة، ولا عمل عليه. (ثم) الثانية تشتمل على ما اشتملت عليه الأولى من الحمد، والصلاة، والقراءة، لما تقدم، وزاد الخرقي في الثانية الموعظة، لحديث جابر بن سمرة: ويذكر الناس. ولأنه المقصود من الخطبة، والمهتم به. واعلم أن هذه الأربع من الحمد، والصلاة، والقراءة، والموعظة، أركان للخطبتين، لا تصح واحدة من الخطبتين إلا بهن، [إلا أن القراءة لا تجب إلا في خطبة واحدة،

٩٥٠

ومن الأصحاب من يشترط الإتيان بلفظ الحمد] ، وقد تقدمت الإشارة إلى دليل ذلك، ولأبي محمد احتمال بأنه لا يجب إلا الحمد والموعظة. وظاهر كلام الخرقي أن الموعظة لا تجيء إلا في الثانية،

٩٥١

وفي المذهب قويل: أن القراءة لا تجب إلا في خطبة،

٩٥٢

ومن الأصحاب من يعين الأولى.

٨٤٨ - لما روي عن الشعبي أنه قال: «كان النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذا صعد المنبر يوم الجمعة استقبل الناس، وقال: «السلام عليكم» ويحمد الله ويثني عليه ويقرأ سورة ثم يجلس» ، ثم يقول: فيخطب، وكان أبو بكر وعمر يفعلانه. رواه الأثرم.

٩٥٣

وظاهره أن القراءة في الأولى، والموعظة في الثانية، والأول المذهب (ولا يشترط) الإتيان بلفظ الوصية، بل إذا قال: أطيعوا الله. ونحو ذلك أجزأه، ولهذا قال الخرقي: ووعظ. (ويتشرط) الإتيان بلفظ الصلاة على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عند العامة، وعند أبي البركات،

٩٥٤

يكتفي بنحو: وأن محمدا عبده ورسوله. فالواجب عنده ذكر الرسول - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لا لفظ الصلاة، اعتمادا على ظاهر حديث أبي هريرة في {وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ} [الشرح: ٤] .

والواجب في القراءة قراءة آية على المشهور،

٩٥٥

وعنه يكتفى بقراءة بعض آية، وهو ظاهر كلام الخرقي، ونظر أبو البركات إلى المعنى، فاكتفى ببعض آية يحصل المقصود، نحو {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ} [الحشر: ١٨] ولم يكتف بآية لا تحصله، نحو {وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا} [العاديات: ١] و {ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ} [المدثر: ٢٢] ولا يعبر عن القراءة بغيرها كـ {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: ٢] في الصلاة، نعم من لا يحسنها، ولم يوجد غيره، فهل يبدلها بفضل ذكر، كما في الصلاة، وكما يأتي ببقية الأركان بلغته، أو تسقط عنه القراءة رأسا، لحصول معناها من بقية الأركان؟

فيه احتمالان. ويبدأ بالحمد، ثم بذكر الرسول ثم بالموعظة، ثم بالقراءة،

٩٥٦

فإن نكس فوجهان (ويشترط) للخطبتين أيضا تقديمهما على الصلاة، اقتداء بفعل رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وحضور العدد المعتبر للجمعة، لسماع أركانهما، لأنهما بدل الركعتين،

٩٥٧

فإن فات السماع لنوم، أو ضجة، أو غفلة لم يؤثر،

٩٥٨

وإن فات لبعدهم عنه، أو لخفض صوته أثر، وكان كما لو خطب وحده،

٩٥٩

وإن فات لصمم بهم وهم بقربه، ووراءه من لا يسمعه للبعد، ولا صمم به فوجهان،

٩٦٠

ويشترط لهما أيضا الوقت، لأنهما كبعض الصلاة،

٩٦١

ويشترط أيضا الموالاة في الخطبة، وبين الخطبتين، وبينهما وبين الصلاة، على الأصح، بأن لا يفرق بينهما تفريقا فاحشا.

وهل يشترط النطق للخطبة؟ فيه قولان، أصحهما نعم،

٩٦٢

فلو كانوا كلهم خرسا صلوا ظهرا،

٩٦٣

والثاني: لا. فيخطب أحدهم بالإشارة. (وهل) يشترط أن يتولاهما من يتولى الصلاة؟ فيه ثلاث روايات: أصحها عند أبي البركات عدم الاشتراط، وأشهرها عند صاحب التلخيص الاشتراط، والثالثة يجوز للعذر كالحدث والحصر والعزل دون غيره فحيث جاز فهل يشترط أن يكون المستخلف ممن شهد الخطبة؟ فيه روايتان أصحهما لا؛ هذا إن كان العدد تاما بدون المستخلف الذي لم يشهد الخطبة،

٩٦٤

أما إن لم يتم إلا به فإن التجميع لا يجوز لهم بحال.

وهل يشترط لهما الطهارة؟ أما الطهارة الصغرى فلا تشترط، على ما جزم به الأكثرون، القاضي، والشريف، وأبو الخطاب في خلافيهما، والشيرازي، وأبو البركات وغيرهم، وحكى أبو محمد رواية بالاشتراط،

٩٦٥

وأخذها من قول أبي الخطاب في الهداية: ومن سننهما الطهارة،

٩٦٦

وأن يتولاهما من يتولى الصلاة،

٩٦٧

وعنه أن ذلك من شرائطهما، فرجع بالإشارة إلى المسألتين

٩٦٨

وأما أبو البركات فرجع بالإشارة إلى الثانية، وجعل الأولى محل وفاق، وهذا أولى، توفيقا بين كلام الأصحاب، إذ لم نر أحدا حكى الخلاف في ذلك إلا صاحب التلخيص،

٩٦٩

فإن كلامه ظاهر في حكاية قول بالاشتراط.

٩٧٠

(وأما الطهارة الكبرى) فمنصوص أحمد أيضا في رواية صالح صحة الخطبة مع فقدها، قال: إذا خطب بهم جنبا، ثم اغتسل وصلى بهم، أرجو أن تجزئه. وتبع إطلاق المنصوص الشريف، وأبو الخطاب في خلافيهما، وقيده القاضي في جامعه،

٩٧١

وفي تعليقه، وصاحب التلخيص فيه: بأن يكون المنبر خارج المسجد، لأن لبثه فيه معصية تنافي العبادة،

٩٧٢

وقال صاحب التلخيص، وأبو محمد: لا تصح خطبته مطلقا، بناء على الصحيح في اعتبار الآية للخطبة، ومنع الجنب منها،

٩٧٣

وقال الشريف: إنه [قياس] قول الخرقي، وكأنه أخذ ذلك من عدم اعتداده بأذان الجنب، وأبو البركات خرج المنع من الصلاة في الدار المغصوبة، حيث حرمت القراءة،

٩٧٤

أما لو اغتسل ثم قرأ الآية، أو نسي الجنابة،

٩٧٥

فإن الخطبة تصح، لعدم تحريم القراءة، ولا أثر عنده للبث، لأنه قد يتوضأ فيباح له، وقد ينسى جنابته، وحيث حرم عليه لا أثر له في شيء من واجبات العبادة، فهو كما لو أذن جنبا في المسجد. والله أعلم.

المغنيابن قدامة

كلامه على هذه المسألة مع المسألة ٢٢٥ قبلها

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.