وتسن سورة بعد الفاتحة إلا في الثالثة والرابعة في الأظهر.
الشروح عليها
(وَيُسَنُّ) لِإِمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ (سُورَةٌ) يَقْرَؤُهَا فِي صَلَاتِهِ (بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) مَكْتُوبَةً وَلَوْ مَنْذُورَةً خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ، أَوْ نَافِلَةً: أَيْ قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ آيَةٍ فَأَكْثَرَ، وَالْأَكْمَلُ ثَلَاثٌ، وَالْأَوْجَهُ حُصُولُ أَصْلِ السُّنَّةِ بِمَا دُونَ آيَةٍ إنْ أَفَادَ، وَأَنَّهُ لَوْ قَرَأَ الْبَسْمَلَةَ لَا بِقَصْدِ أَنَّهَا الَّتِي أَوَّلُ الْفَاتِحَةِ حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ لِأَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ، وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَهَا عَلَيْهَا لَمْ تُحْسَبْ كَمَا لَوْ كَرَّرَ الْفَاتِحَةَ إلَّا إذَا لَمْ يَحْفَظْ غَيْرَهَا فِيمَا يَظْهَرُ، وَدَلِيلُنَا مَا صَحَّ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا عَنْهَا» وَتَقَدَّمَ فِي التَّيَمُّمِ حُرْمَةُ مَا زَادَ عَلَى الْفَاتِحَةِ عَلَى الْجُنُبِ إذَا فَقَدَ الطَّهُورَيْنِ وَسُورَةٌ كَامِلَةٌ أَفْضَلُ مِنْ قَدْرِهَا مِنْ طَوِيلَةٍ لَا أَطْوَلَ مِنْهَا لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهَا وَالْوَقْفَ عَلَى آخِرِهَا صَحِيحَانِ بِالْقَطْعِ بِخِلَافِهِمَا فِي بَعْضِ الصُّورَةِ فَإِنَّهُمَا قَدْ يَخْفَيَانِ، ثُمَّ مَحَلُّ أَفْضَلِيَّتِهَا فِي غَيْرِ التَّرَاوِيحِ،
أَمَّا فِيهَا فَقِرَاءَةُ بَعْضِ الطَّوِيلَةِ أَفْضَلُ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا الْقِيَامُ بِجَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَعَلَيْهِ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالتَّرَاوِيحِ بَلْ كُلُّ مَحَلٍّ وَرَدَ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْبَعْضِ، فَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ كَقِرَاءَةِ آيَتَيْ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فِي الْفَجْرِ،
وَلَوْ كَرَّرَ سُورَةً فِي الرَّكْعَتَيْنِ حَصَلَ أَصْلُ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ (إلَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ) مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ وَالثَّالِثَةِ مِنْ الْمَغْرِبِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِلِاتِّبَاعِ فِي الشِّقَّيْنِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ دَلِيلُهُ الِاتِّبَاعُ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ وَالِاتِّبَاعَانِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُمَا،
وَيُسَنُّ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْأَصَحِّ،
وَكَذَا الثَّالِثَةُ عَلَى الرَّابِعَةِ عَلَى الثَّانِي، ثُمَّ فِي تَرْجِيحِهِمْ الْأَوَّلَ تَقْدِيمٌ لِدَلِيلِهِ النَّافِي عَلَى دَلِيلِ الثَّانِي الْمُثْبِتِ عَكْسُ الرَّاجِحِ فِي الْأُصُولِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ، كَذَا قَالَهُ الشَّارِحُ.
قُلْت: هُوَ أَنَّ مِنْ طُرُقِ التَّرْجِيحِ اتِّفَاقَ الشَّيْخَيْنِ وَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُولَى،
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَرَوَاهَا مُسْلِمٌ فَقَطْ، فَقُدِّمَتْ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ لِأَنَّهَا أَقْوَى وَأَنَّهُمْ إنَّمَا قَدَّمُوا النَّافِيَ خَشْيَةً مِنْ حُصُولِ الْمَلَلِ عَلَى الْمُصَلِّي وَلِهَذَا سُنَّ تَطْوِيلُ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ، وَلَيْسَتْ عِلَّتُهُ فِيمَا يَظْهَرُ سِوَى النَّشَاطِ وَكَوْنِ الْفَرَاغِ فِيهَا أَكْثَرَ، وَحِينَئِذٍ فَقِرَاءَتُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فِي غَيْرِ الْأُولَيَيْنِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ، أَوْ لِأَنَّهُ كُلَّمَا طَالَتْ صَلَاتُهُ زَادَتْ قُرَّةُ عَيْنِهِ،
بِخِلَافِ غَيْرِهِ، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ: يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مِنْ النَّصِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ، وَشَمَلَ كَلَامُ الْمُصَنِّفِ مَا لَوْ نَوَى الرُّبَاعِيَّةَ لِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ خِلَافًا لِقَضِيَّةِ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ فِي بَابِ التَّطَوُّعِ
(قَوْلُهُ سُورَةٌ) قَالَ الشَّيْخُ عَمِيرَةُ: يَجُوزُ الْهَمْزُ وَتَرْكُهُ وَهُوَ أَشْهَرُ وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ انْتَهَى سم عَلَى مَنْهَجٍ
(قَوْلُهُ: مَكْتُوبَةً) حَالٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي صَلَاتِهِ
(قَوْلُهُ: آيَةً فَأَكْثَرَ) مَفْهُومُهُ أَنَّ مَا دُونَ الْآيَةِ لَا يُجْزِي فِي أَدَاءِ السُّنَّةِ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَالْأَوْجَهُ إلَخْ
(قَوْلُهُ: لَا بِقَصْدِ أَنَّهَا الَّتِي أَوَّلُ الْفَاتِحَةِ) أَيْ فَإِنْ كَانَ بِقَصْدِ ذَلِكَ لَمْ تَحْصُلْ بِهِ السُّنَّةُ بَلْ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ إنْ قُلْنَا بِأَنَّ تَكْرِيرَ بَعْضِ الرُّكْنِ الْقَوْلِيِّ مُبْطِلٌ
(قَوْلُهُ: إلَّا إذَا لَمْ يَحْفَظْ غَيْرَهَا فِيمَا يَظْهَرُ) أَيْ فَيُكَرِّرُهَا بِتَمَامِهَا إنْ أَرَادَ تَحْصِيلَ سُنَّةِ السُّورَةِ الْكَامِلَةِ أَوْ بَعْضِهَا وَإِنْ قَلَّ إنْ أَرَادَ أَنَّ أَصْلَ السُّنَّةِ هَذَا.
وَقَدْ يُقَالُ الْأَوْلَى عَدَمُ تَكْرِيرِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ مُبْطِلٌ لِلصَّلَاةِ عَلَى قَوْلٍ، إلَّا أَنْ يُقَالَ مَحَلُّ جَرَيَانِ الْقَوْلِ بِالْبُطْلَانِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ
(قَوْلُهُ: وَدَلِيلُنَا) أَيْ لِسَنِّ السُّورَةِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ، وَعِبَارَةُ حَجّ وَلَمْ تَجِبْ: أَيْ السُّورَةُ.
لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا مِنْهَا» انْتَهَى وَهِيَ بِالْمِيمِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَالشَّارِحُ ذَكَرَهَا بِالْعَيْنِ فِيهِمَا وَلَعَلَّهُمَا رِوَايَتَانِ
(قَوْلُهُ: عِوَضٌ عَنْ غَيْرِهَا) يُتَأَمَّلُ مَعْنَى قَوْلِهِ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِهَا فَإِنَّهَا حَيْثُ وَجَبَتْ كَانَ وُجُوبُهَا أَصْلِيًّا وَلَيْسَتْ عِوَضًا عَنْ شَيْءٍ،
وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا حَاصِلُهُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّعْوِيضِ أَنَّهُ كَانَ ثَمَّ وَاجِبٌ وَعُوِّضَتْ هَذِهِ عَنْهُ، بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مَا فُصِّلَ فِي غَيْرِهَا مِنْ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالثَّنَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَقَامَتْ مَقَامَ غَيْرِهَا فِي إفَادَةِ الْمَعْنَى الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا وَلَيْسَ غَيْرُهَا مُشْتَمِلًا عَلَى مَا فِيهَا حَتَّى يَقُومَ مَقَامَهَا
(قَوْلُهُ وَسُورَةٌ كَامِلَةٌ أَفْضَلُ مِنْ قَدْرِهَا مِنْ طَوِيلَةٍ) أَيْ وَمَعَ كَوْنِ السُّورَةِ الْكَامِلَةِ أَفْضَلَ مِنْ الْبَعْضِ لَوْ نَذَرَ بَعْضًا مُعَيَّنًا مِنْ سُورَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهُ، وَلَا تَقُومُ السُّورَةُ مَقَامَهُ وَإِنْ كَانَتْ السُّورَةُ أَطْوَلَ وَأَفْضَلَ، كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِقَدْرٍ مِنْ الْفِضَّةِ وَتَصَدَّقَ بَدَلَهُ بِذَهَبٍ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ، وَخَرَجَ بِقَوْلِنَا مُعَيَّنًا مَا لَوْ نَذَرَ بَعْضًا مُبْهَمًا مِنْ سُورَةٍ بِأَنْ قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ بَعْضَ سُورَةٍ، فَيَبْرَأُ مِنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ بِقِرَاءَةِ بَعْضٍ مِنْ أَيِّ سُورَةٍ، وَبِقِرَاءَةِ السُّورَةِ الْكَامِلَةِ لِأَنَّهُ يَصْدُقُ عَلَى مَنْ قَرَأَ سُورَةً كَامِلَةً أَنَّهُ قَرَأَ بَعْضَهَا لِدُخُولِ الْجُزْءِ فِي ضِمْنِ الْكُلِّ
(قَوْلُهُ: وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ السُّنَّةَ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الْبَعْضِ أَفْضَلَ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ بِجَمِيعِ الْقُرْآنِ فِيهَا،
فَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَالسُّورَةُ أَفْضَلُ.
ثُمَّ رَأَيْت فِي سم عَلَى مَنْهَجِ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ، وَعِبَارَتُهُ وَافَقَ م ر عَلَى أَنَّ مَحَلَّ تَفْصِيلِ قِرَاءَةِ بَعْضِ الطَّوِيلَةِ فِي التَّرَاوِيحِ إذَا قَصَدَ الْقِيَامَ بِجَمِيعِ الْقُرْآنِ فِي رَمَضَانَ،
فَإِنْ لَمْ يَقْصِدْ ذَلِكَ فَهُوَ كَغَيْرِهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ انْتَهَى.
(قَوْلُهُ: فِي الشِّقَّيْنِ) هُمَا قَوْلُهُ
وَيُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَقَوْلُهُ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ
(قَوْلُهُ: قُلْت: هُوَ) أَيْ الَّذِي قَامَ عِنْدَهُمْ
(قَوْلُهُ: زَادَتْ قُرَّةُ عَيْنِهِ) وَأَصْحَابُهُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا يَعْرِضُ لَهُمْ مِنْ الْكَسَلِ خَلْفَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - مَا يَحْصُلُ لِغَيْرِهِمْ
(قَوْلُهُ: مَا لَوْ نَوَى الرُّبَاعِيَّةَ) وَخَرَجَ بِهَا مَا لَوْ فَعَلَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ مِنْ النَّفْلِ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ كَمَا يَأْتِي قَبْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْخَامِسُ الرُّكُوعُ
(قَوْلُهُ:: وَعَلَّلُوهُ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ التَّعْلِيلِ أَنَّ مَحَلَّ الْأَفْضَلِيَّةِ إذَا قَصَدَ الْقِيَامَ بِالْقُرْآنِ، وَذَكَرَ الشِّهَابُ سم أَنَّ الشَّارِحَ قَدْ وَافَقَ عَلَيْهِ
(قَوْلُهُ: مَا لَوْ نَوَى الرُّبَاعِيَّةَ) يَعْنِي: فَعَلَهَا كَذَلِكَ إذْ الْكَلَامُ فِي الْفَرْضِ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي لَهُ قُبَيْلَ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْخَامِسُ الرُّكُوعُ، وَالْفَرْضُ لَا دَخْلَ لِنِيَّةِ ذَلِكَ، وَعَدَمِ نِيَّتِهِ فِيهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(وَيُسَنُّ) فِي سِرِّيَّةٍ وَجَهْرِيَّةٍ لِإِمَامٍ وَمُنْفَرِدٍ كَمَأْمُومٍ لَمْ يَسْمَعْ (سُورَةٌ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) فِي غَيْرِ صَلَاةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ مِنْ الْجُنُبِ لِحُرْمَتِهَا عَلَيْهِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ لِكَرَاهَتِهَا فِيهَا وَذَلِكَ لِلْأَخْبَارِ الْكَثِيرَةِ الصَّحِيحَةِ فِي ذَلِكَ وَلَمْ تَجِبْ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ «أُمُّ الْقُرْآنِ» عِوَضٌ مِنْ غَيْرِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا مِنْهَا وَيَحْصُلُ أَصْلُ سُنَّتِهَا بِآيَةٍ بَلْ بِبَعْضِهَا إنْ أَفَادَ عَلَى الْأَوْجَهِ وَالْأَفْضَلُ ثَلَاثٌ وَسُورَةٌ كَامِلَةٌ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ طَوِيلَةٍ وَإِنْ طَالَ مِنْ حَيْثُ الِاتِّبَاعُ الَّذِي قَدْ يَرْبُو ثَوَابُهُ عَلَى زِيَادَةِ الْحُرُوفِ نَظِيرَ صَلَاةِ ظُهْرِ يَوْمِ النَّحْرِ لِلْحَاجِّ بِمِنًى دُونَ مَسْجِدِ مَكَّةَ فِي حَقِّ مَنْ نَزَلَ إلَيْهِ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ إذْ الِاتِّبَاعُ ثَمَّ يَرْبُو عَلَى زِيَادَةِ الْمُضَاعَفَةِ فَانْدَفَعَ مَا لِكَثِيرِينَ هُنَا، ثُمَّ الْبَعْضُ فِي التَّرَاوِيحِ أَفْضَلُ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ السُّنَّةَ الْقِيَامُ فِي جَمِيعِهَا بِالْقُرْآنِ
وَمِثْلُهَا نَحْوُ سُنَّةِ الصُّبْحِ لِوُرُودِ الْبَعْضِ فِيهَا أَيْضًا.
وَأَفْهَمَ قَوْلُهُ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ أَنَّهُ لَوْ قَدَّمَهَا عَلَيْهَا لَمْ تُحْسَبْ كَمَا لَوْ كَرَّرَ الْفَاتِحَةَ إلَّا إذَا لَمْ يَحْفَظْ غَيْرَهَا عَلَى الْأَوْجَهِ (إلَّا) فِي الرَّكْعَةِ (الثَّالِثَةِ) مِنْ الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا (وَالرَّابِعَةِ) مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ وَمَا بَعْدَ أَوَّلِ تَشَهُّدٍ مِنْ النَّوَافِلِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِثُبُوتِهِ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمُقَابِلِهِ ثَبَتَ فِي مُسْلِمٍ مِنْ فِعْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَيْضًا وَقَاعِدَةُ تَقْدِيمِ الْمُثْبِتِ عَلَى النَّافِي تُؤَيِّدُهُ فَلِذَا صَحَّحَهُ أَكْثَرُ الْعِرَاقِيِّينَ وَاخْتَارَهُ السُّبْكِيُّ وَعَلَيْهِ يَكُونُ أَقْصَرَ مِنْ الْأُولَيَيْنِ لِنَدْبِ تَقْصِيرِ الثَّانِيَةِ عَنْ الْأُولَى كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَبَرُ وَلِأَنَّ النَّشَاطَ فِي الْأَوَّلِ وَمَا يَلِيهِ أَكْثَرُ وَبِهِ يَتَوَجَّهُ مُخَالَفَتُهُمْ لِتِلْكَ الْقَاعِدَةِ وَحَمْلُهُمْ قِرَاءَتَهَا فِيهِمَا عَلَى بَيَانِ الْجَوَازِ لِأَنَّ الْمَعْرُوفَ الْمُسْتَمِرَّ مِنْ أَحْوَالِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رِعَايَةُ النَّشَاطِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ
(قَوْلُهُ فِي سِرِّيَّةٍ إلَخْ) وَلَوْ كَرَّرَ سُورَةً فِي الرَّكْعَتَيْنِ حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ نِهَايَةٌ وسم وَفَتْحُ الْجَوَّادِ
(قَوْلُهُ لَمْ يَسْمَعْ) يَنْبَغِي سَمَاعًا مُفَسَّرًا سم
(قَوْلُهُ فِي غَيْرِ صَلَاةِ إلَخْ) أَيْ وَلَوْ كَانَ الْغَيْرُ مَنْذُورَةً خِلَافًا لِلْإِسْنَوِيِّ نِهَايَةٌ
(قَوْلُهُ الْجُنُبِ) أَيْ وَنَحْوِهِ
(قَوْلُهُ وَذَلِكَ) رَاجِعٌ إلَى الْمَتْنِ
(قَوْلُهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ إلَخْ) فِي تَقْرِيبِهِ وَقْفَةٌ
(قَوْلُهُ أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ مِنْ غَيْرِهَا) يُتَأَمَّلُ مَعْنَاهُ فَإِنَّهَا بِحَيْثُ وَجَبَتْ كَانَ وُجُوبُهَا أَصْلِيًّا وَلَيْسَتْ عِوَضًا عَنْ شَيْءٍ وَفِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مَا حَاصِلُهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّعْوِيضِ أَنَّهُ كَانَ ثَمَّ وَاجِبٌ وَعَوَّضَتْ هَذِهِ عَنْهُ بَلْ الْمُرَادُ أَنَّهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى مَا فُصِلَ فِي غَيْرِهَا مِنْ الذَّاتِ وَالصِّفَاتِ وَالثَّنَاءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَقَامَتْ مَقَامَ غَيْرِهَا فِي إفَادَةِ الْمَعْنَى الَّذِي اشْتَمَلَ عَلَيْهِ غَيْرُهَا وَلَيْسَ غَيْرُهَا مُشْتَمِلًا عَلَى مَا فِيهَا حَتَّى يَقُومَ مَقَامَهَا ع ش
(قَوْلُهُ بِآيَةٍ إلَخْ) وَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ لَوْ قَرَأَ الْبَسْمَلَةَ لَا بِقَصْدِ أَنَّهَا الَّتِي أَوَّلُ الْفَاتِحَةِ حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ لِأَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ نِهَايَةٌ وَفِي الْكُرْدِيِّ بَعْدَ ذِكْرِ مِثْلِهِ عَنْ فَتْحِ الْجَوَّادِ وَغَيْرِهِ مَا نَصُّهُ وَفِي الْإِيعَابِ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ كَوْنَهَا غَيْرَ الَّتِي فِي الْفَاتِحَةِ أَوْ يُطْلِقَ اهـ.
(قَوْلُهُ بَلْ بِبَعْضِهَا إلَخْ) كَذَا فِي شَرْحَيْ الْبَهْجَةِ وَالْمَنْهَجِ لِشَيْخِ الْإِسْلَامِ كُرْدِيٍّ.
(قَوْلُهُ عَلَى الْأَوْجَهِ) وَلَا يَبْعُدُ التَّأَدِّي بِنَحْوِ الْحُرُوفِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ كَ الم وَص وَق وَن إنْ قُلْنَا إنَّهُ مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أَوْ مُبْتَدَؤُهُ وَلَا حَظَّ ذَلِكَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ جُمْلَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى هَذَا آيَةٌ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ آيَةٌ حُذِفَ بَعْضُهَا وَهَذَا لَا يُنَافِي إفَادَتَهَا وَفَهْمَ الْمَعْنَى مِنْهَا فَلْيُتَأَمَّلْ سم
(قَوْلُهُ وَسُورَةٌ كَامِلَةٌ أَفْضَلُ إلَخْ) وَمَعَ هَذَا لَوْ نَذَرَ بَعْضًا مِنْ سُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهُ وَلَا تَقُومُ سُورَةٌ أُخْرَى مَقَامَهُ وَإِنْ كَانَتْ أَطْوَلَ كَمَا لَوْ نَذَرَ التَّصَدُّقَ بِقَدْرٍ مِنْ الْفِضَّةِ وَتَصَدَّقَ بَدَلَهُ بِذَهَبٍ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ وَخَرَجَ بِالْمُعَيَّنَةِ مَا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَقْرَأَ بَعْضَ سُورَةٍ فَيَبْرَأَ مِنْ عُهْدَةِ النَّذْرِ بِقِرَاءَةِ بَعْضٍ مِنْ أَيِّ سُورَةٍ وَبِقِرَاءَةِ سُورَةٍ كَامِلَةٍ ع ش
(قَوْلُهُ وَإِنْ طَالَ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إنَّمَا هِيَ أَفْضَلُ مِنْ قَدْرِهَا مِنْ طَوِيلَةٍ م ر اهـ سم أَيْ لَا أَطْوَلَ مِنْهَا نِهَايَةٌ وَمُغْنِي
(قَوْلُهُ عَلَى زِيَادَةِ الْحُرُوفِ) أَيْ عَلَى ثَوَابِهَا
(قَوْلُهُ مَا لِكَثِيرَيْنِ هُنَا) وَافَقَهُمْ النِّهَايَةُ وَالْمُغْنِي كَمَا مَرَّ آنِفًا
(قَوْلُهُ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ السُّنَّةَ إلَخْ) يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَحَلَّ كَوْنِ الْبَعْضِ أَفْضَلَ إذَا أَرَادَ الصَّلَاةَ بِجَمِيعِ الْقُرْآنِ فِي التَّرَاوِيحِ فَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فَالسُّورَةُ أَفْضَلُ كَمَا فِي سم عَلَى الْمَنْهَجِ عَنْ تَصْرِيحِ م ر بِذَلِكَ ع ش وَرَشِيدِيٌّ
(قَوْلُهُ وَمِثْلُهَا نَحْوَ سُنَّةِ الصُّبْحِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْبَعْضَ فِي سُنَّةِ الصُّبْحِ أَفْضَلُ وَلَعَلَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ سم عِبَارَةُ الْكُرْدِيِّ فَالْبَعْضُ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْ سُورَةٍ لَمْ تَرِدْ
وَأَمَّا الْوَارِدَةُ كَالْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ فِي سُنَّةِ الصُّبْحِ فَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ آيَتَيْ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فَتَنَبَّهْ لَهُ اهـ.
(قَوْلُهُ لِوُرُودِ الْبَعْضِ إلَخْ) أَيْ آيَتَيْ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي
(قَوْلُهُ إذَا لَمْ يَحْفَظْ غَيْرَهَا) شَامِلٌ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فَلْيُنْظَرْ سم لَكِنَّ الْمُتَبَادِرَ مِنْ الْمَقَامِ عَدَمُ الشُّمُولِ قَوْلُ الْمَتْنِ (إلَّا فِي الثَّالِثَةِ إلَخْ) شَمِلَ ذَلِكَ مَا لَوْ نَوَى الرُّبَاعِيَّةَ بِتَشَهُّدٍ وَاحِدٍ خِلَافًا لِقَضِيَّةِ كَلَامِ الزَّرْكَشِيّ فِي بَابِ التَّطَوُّعِ نِهَايَةٌ يَعْنِي لَوْ فَعَلَهَا كَذَلِكَ إذْ الْكَلَامُ فِي الْفَرْضِ بِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي لَهُ رَشِيدِيٌّ وَع ش
(قَوْلُهُ وَمَا بَعْدَ أَوَّلِ تَشَهُّدٍ) عِبَارَةُ النِّهَايَةِ وَلَوْ اقْتَصَرَ الْمُتَنَفِّلُ عَلَى تَشَهُّدٍ سُنَّتْ لَهُ السُّورَةُ فِي الْكُلِّ أَوْ أَكْثَرَ سُنَّتْ فِيمَا قَبْلَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ اهـ.
(قَوْلُهُ تَكُونَانِ أَقْصَرَ مِنْ الْأُولَيَيْنِ) أَيْ وَتَكُونُ الرَّابِعَةُ أَقْصَرَ مِنْ الثَّالِثَةِ نِهَايَةٌ وَمُغْنِي
(قَوْلُهُ لِنَدْبِ) إلَى الْمَتْنِ فِي النِّهَايَةِ
(قَوْلُهُ فِي الْأَوَّلِ) الْأَوْلَى التَّأْنِيثُ
(قَوْلُهُ وَبِهِ) أَيْ بِقَوْلِهِ لِأَنَّ النَّشَاطَ إلَخْ
(قَوْلُهُ يَتَوَجَّهُ) الْأَوْلَى يُوَجَّهُ مِنْ التَّوْجِيهِ
(قَوْلُهُ لَمْ يَسْمَعْ) يَنْبَغِي سَمَاعًا مُفَسَّرًا قَوْلُهُ بِآيَةٍ)
قَالَ فِي الْعُبَابِ وَتَتَأَدَّى السُّنَّةُ بِبَعْضِ سُورَةٍ وَلَوْ آيَةٍ وَالْأَوْلَى ثَلَاثُ آيَاتٍ اهـ وَلَا يَبْعُدُ التَّأَدِّي بِنَحْوِ الْحُرُوفِ فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ كَ الم وص وق ون إنْ قُلْنَا إنَّهُ مُبْتَدَأٌ أَوْ خَبَرٌ حُذِفَ خَبَرُهُ أَوْ مُبْتَدَؤُهُ وَلَاحَظَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ جُمْلَةٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى هَذَا آيَةٌ غَايَةُ الْأَمْرِ أَنَّهُ آيَةٌ حُذِفَ بَعْضُهَا وَهَذَا لَا يُنَافِي إفَادَتَهَا وَفَهْمَ الْمَعْنَى مِنْهَا فَلْيُتَأَمَّلْ.
(فَرْعٌ) لَوْ كَرَّرَ سُورَةً فِي الرَّكْعَتَيْنِ حَصَلَ أَصْلُ سُنَّةِ الْقِرَاءَةِ م ر
(قَوْلُهُ بَلْ بِبَعْضِهَا إنْ أَفَادَ) كَذَا شَرْحُ م ر وَلَا يَخْفَى أَنَّ اعْتِبَارَ الْإِفَادَةِ هُنَا لَا تُنَافِي قَوْلَهُ السَّابِقَ فِي شَرْحٍ قُلْت الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ جَوَازُ التَّفْرِقَةِ وَإِنْ لَمْ تُفِدْ مَعْنًى مَنْظُومًا لِأَنَّ ذَاكَ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْوَاجِبِ الْأَصْلِيِّ وَهَذَا عِنْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْإِتْيَانِ بِالسُّورَةِ فَانْظُرْ إذَا عَجَزَ عَنْ الْمُفِيدِ
(قَوْلُهُ وَإِنْ طَالَ) الْمُعْتَمَدُ أَنَّهُ إنَّمَا هِيَ أَفْضَلُ مِنْ قَدْرِهَا مِنْ طَوِيلَةٍ م ر
(قَوْلُهُ وَمِثْلُهَا نَحْوَ سُنَّةِ الصُّبْحِ) قَضِيَّتُهُ أَنَّ الْبَعْضَ فِي سُنَّةِ الصُّبْحِ أَفْضَلُ وَلَعَلَّهُ بِالنِّسْبَةِ لِغَيْرِ الْكَافِرُونَ وَالْإِخْلَاصِ
(قَوْلُهُ إذَا لَمْ يُحْفَظْ غَيْرُهَا) شَامِلٌ لِلذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ فَلْيُنْظَرْ
(وَتُسَنُّ) لِلْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ (سُورَةٌ) يَقْرَؤُهَا فِي الصَّلَاةِ (بَعْدَ الْفَاتِحَةِ) وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ سِرِّيَّةً (إلَّا فِي الثَّالِثَةِ) مِنْ الْمَغْرِبِ وَغَيْرِهَا (وَالرَّابِعَةِ) مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ (فِي الْأَظْهَرِ) لِلِاتِّبَاعِ فِي الشِّقَّيْنِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ، وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ دَلِيلُهُ الِاتِّبَاعُ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ، وَالِاتِّبَاعَانِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُمَا، وَالسُّورَةُ عَلَى الثَّانِي أَقْصَرُ كَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَسَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ سُنَّ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْأَصَحِّ،
وَكَذَا الثَّالِثَةُ عَلَى الرَّابِعَةِ عَلَى الثَّانِي.
قَالَ الشَّارِحُ: ثُمَّ فِي تَرْجِيحِهِمْ الْأَوَّلَ تَقْدِيمٌ لِدَلِيلِهِ النَّافِي عَلَى دَلِيلِ الثَّانِي الْمُثْبِتُ عَكْسَ الرَّاجِحِ فِي الْأُصُولِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ اهـ.
وَيَظْهَرُ أَنَّهُمْ إنَّمَا قَدَّمُوهُ لِتَقْوِيَتِهِ بِحَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقْرَأُ فِي الظُّهْرِ بِالْأُولَيَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَسُورَتَيْنِ، وَفِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ بِأُمِّ الْكِتَابِ وَيُسْمِعُنَا الْآيَةَ أَحْيَانًا، وَيُطَوِّلُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى مَا لَا يُطَوِّلُ فِي الثَّانِيَةِ، وَكَذَا فِي الْعَصْرِ وَهَكَذَا فِي الصُّبْحِ» اهـ.
وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ السُّورَةُ لِحَدِيثِ «أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ مِنْ غَيْرِهَا، وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا مِنْهَا» رَوَاهُ الْحَاكِمُ،
وَقَالَ: إنَّهُ عَلَى شَرْطِهِمَا، وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ مَا لَوْ قَرَأَهَا قَبْلَهَا أَوْ كَرَّرَ الْفَاتِحَةَ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ مَا وَرَدَ فِي السُّنَّةِ، وَلِأَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يُؤَدَّى بِهِ فَرْضٌ وَنَفْلٌ فِي مَحَلٍّ وَاحِدٍ، نَعَمْ لَوْ لَمْ يُحْسِنْ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ وَأَعَادَهَا يَتَّجِهُ كَمَا قَالَ الْأَذْرَعِيُّ الْإِجْزَاءُ، وَيُحْمَلُ كَلَامُهُمْ عَلَى الْغَالِبِ، وَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ الْقُرْآنِ وَلَوْ آيَةً، وَالْأَوْلَى ثَلَاثُ آيَاتٍ لِتَكُونَ قَدْرَ أَقْصَرِ سُورَةٍ، وَالسُّورَةُ الْكَامِلَةُ أَفْضَلُ مِنْ قَدْرِهَا مِنْ طَوِيلَةٍ؛
لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ بِهَا وَالْوَقْفَ عَلَى آخِرِهَا صَحِيحَانِ بِالْقَطْعِ بِخِلَافِهِمَا فِي بَعْضِ السُّورَةِ فَإِنَّهُمَا يَخْفَيَانِ، وَمَحَلُّهُ فِي غَيْرِ التَّرَاوِيحِ.
أَمَّا فِيهَا فَقِرَاءَةُ بَعْضِ الطَّوِيلَةِ أَفْضَلُ كَمَا أَفْتَى بِهِ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ السُّنَّةَ فِيهَا الْقِيَامُ بِجَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَعَلَيْهِ فَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالتَّرَاوِيحِ، بَلْ كُلُّ مَحَلٍّ وَرَدَ فِيهِ الْأَمْرُ بِالْبَعْضِ فَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ أَفْضَلُ كَقِرَاءَةِ آيَتَيْ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ
(وَتُسَنُّ سُورَةٌ بَعْدَ الْفَاتِحَةِ إلَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ فِي الْأَظْهَرِ) لِلِاتِّبَاعِ فِي الشِّقَّيْنِ، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ. وَمُقَابِلُ الْأَظْهَرِ دَلِيلُهُ الِاتِّبَاعُ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ، وَالِاتِّبَاعَانِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، وَيُقَاسُ عَلَيْهِمَا غَيْرُهُمَا، وَالسُّورَةُ عَلَى الثَّانِي أَقْصَرُ كَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ، وَسَيَأْتِي آخِرَ الْبَابِ سَنُّ تَطْوِيلِ قِرَاءَةِ الْأُولَى عَلَى الثَّانِيَةِ فِي الْأَصَحِّ،
وَكَذَا الثَّالِثَةُ عَلَى الرَّابِعَةِ عَلَى الثَّانِي، ثُمَّ فِي تَرْجِيحِهِمْ الْأَوَّلَ تَقْدِيمٌ لِدَلِيلِهِ النَّافِي عَلَى دَلِيلِ الثَّانِي الْمُثْبِتِ عَكْسُ الرَّاجِحِ فِي الْأُصُولِ لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ، وَالْعِبَارَةُ تَصْدُقُ بِالْإِمَامِ وَالْمُنْفَرِدِ بِالْمَأْمُومِ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ يَأْتِي.
قَوْلُهُ: (وَتُسَنُّ سُورَةٌ) لِغَيْرِ الْجُنُبِ الْفَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ وَإِلَّا الْفَاتِحَةَ لِمَنْ يَعْرِفُهَا، وَتُكْرَهُ فِي غَيْرِ الْقِيَامِ لَا فِيهِ وَلَوْ قَبْلَ الْفَاتِحَةِ، وَلَا تَحْصُلُ بِهَا السُّنَّةُ قَبْلَهَا وَهِيَ اسْمٌ لِقِطْعَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَقَلُّهَا ثَلَاثُ آيَاتٍ، وَالْمُرَادُ هُنَا أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَلَوْ بِالْبَسْمَلَةِ أَوْ بَعْضِ آيَةٍ، وَنَقَلَ الْإِسْنَوِيُّ عَنْ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّهَا تَحْصُلُ وَلَوْ غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ، وَفِيهِ نَظَرٌ إنْ خَرَجَتْ بِذَلِكَ عَنْ الْقُرْآنِيَّةِ، وَإِلَّا فَيُتَّجَهُ الْحُصُولُ وَإِنْ كُرِهَ أَوْ حَرُمَ مِنْ حَيْثُ الْإِعْجَازُ فَرَاجِعْهُ.
فَإِنْ قِيلَ: لَمْ تَجِبْ السُّورَةُ كَالْفَاتِحَةِ لِحَدِيثِ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» أُجِيبُ بِأَنَّهُ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا، وَلِحَدِيثِ «أُمُّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِهَا وَلَيْسَ غَيْرُهَا عِوَضًا عَنْهَا» وَأَقَلُّ كَمَالِ السُّورَةِ ثَلَاثُ آيَاتٍ، وَسُورَةٌ كَامِلَةٌ أَكْمَلُ مِنْ قَدْرِهَا، وَأَكْثَرُ مِنْهَا أَكْمَلُ مِنْهَا، وَتَحْصُلُ السُّورَةُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ الْقُرْآنِ، وَلَا يُكَرِّرُ الْفَاتِحَةَ إنْ حَفِظَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ،
فَإِنْ لَمْ يَحْفَظْ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ كَرَّرَهَا عَنْ السُّورَةِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَفِي هَذِهِ لَوْ ظَهَرَ لَهُ خَلَلٌ فِي قِرَاءَتِهِ الْأُولَى كَفَتْهُ الثَّانِيَةُ كَجِلْسَةِ الِاسْتِرَاحَةِ، وَيُحْتَمَلُ خِلَافُهُ كَوُضُوءِ الِاحْتِيَاطِ رَاجِعْهُ.
قَوْلُهُ: (إلَّا فِي الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ) أَيْ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَإِنْ تَرَكَ التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ،
أَمَّا غَيْرُهَا فَيَقْرَأُ السُّورَةَ مَا لَمْ يَتَشَهَّدْ.
قَوْلُهُ: (وَالسُّورَةُ عَلَى الثَّانِي أَقْصَرُ) أَيْ مَجْمُوعُ الْقِرَاءَةِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ أَقْصَرُ مِنْ مَجْمُوعِهَا فِي الْأَوِّلَتَيْنِ،
وَيُسَنُّ تَطْوِيلُ قِرَاءَةِ الْأُولَى بِأَنْ تَكُونَ الثَّانِيَةُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ الْأُولَى أَوْ قَرِيبَةً مِنْهُ كَمَا فِي الْخَادِمِ.
قَوْلُهُ: (لِمَا قَامَ عِنْدَهُمْ) قَالُوا: وَهُوَ اتِّفَاقُ الشَّيْخَيْنِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ عَلَى النَّفْيِ، وَانْفِرَادُ مُسْلِمٍ بِالْإِثْبَاتِ أَوْ التَّخْفِيفِ عَلَى الْمُصَلِّي.
قَوْلُهُ: (وَفِيهِ تَفْصِيلٌ) أَيْ فِي الْمَأْمُومِ،
وَأَمَّا الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ فَلَا تَفْصِيلَ فِيهِمَا، بَلْ يَقْرَآنِ فِي الْأُولَتَيْنِ مُطْلَقًا وَلَا يَقْرَآنِ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ مُطْلَقًا،
وَلَوْ لَمْ يَقْرَأْ أَحَدُهُمَا فِي الْأَوِّلَتَيْنِ لَمْ يَتَدَارَكْ الْقِرَاءَةَ فِي الْأَخِيرَتَيْنِ قِيَاسًا عَلَى مَا سَيَأْتِي وَلِأَنَّ هَيْئَاتِهِمَا عَدَمُ الْقِرَاءَةِ كَمَا فِي الْجَهْرِ وَعَدَمِهِ وَلَوْ لِسَهْوٍ أَوْ نِسْيَانٍ، وَقَوْلُ بَعْضِهِمْ: إنَّهُ يَتَدَارَكُ فِيهِ نَظَرٌ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (وَتُسَنُّ سُورَةٌ) أَيْ غَيْرُ الْفَاتِحَةِ.
قَوْلُ الْمَتْنِ: (فِي الْأَظْهَرِ) هَذَا الْقَوْلُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ،
وَكَذَا فِي الْجَدِيدِ مِنْ الْمُزَنِيّ وَالْبُوَيْطِيِّ، وَأَفْتَى بِهِ الْأَكْثَرُونَ،
وَالثَّانِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْأُمِّ.
قَوْلُهُ: (لِلِاتِّبَاعِ) فَإِنْ قُلْت قَدْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» فَهَلَّا وَجَبَتْ السُّورَةُ فِي الْأَوَّلَيْنِ؟
قُلْت: لِمَا وَرَدَ مِنْ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - أُمِّ الْقُرْآنِ عِوَضٌ عَنْ غَيْرِهِمَا وَلَيْسَ غَيْرُهَا مِنْهَا عِوَضًا.
قَوْلُهُ: (وَالسُّورَةُ عَلَى الثَّانِي) اقْتَصَرَ فِي الْخَادِمِ عَلَى النِّصْفِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ.
قال: (وتسن سورة بعد (الفاتحة) )؛ لما روى الشيخان [خ - م] عن أبي قتادة: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر في الأوليين بـ (أم الكتاب) وسورتين،
وفي الأخريين بـ (أم الكتاب)، ويسمعنا الآية أحيانًا، ويطول في الركعة الأولى ما لا يطول في الثانية،
وكذا في العصر).
وإنما لم تجب؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:(أم القرآن عوض عن غيرها، وليس غيرها منها عوضًا) رواه الحاكم [١/ ٢٣٨] وقال: على شرط الشيخين.
وأصل السنة يتأدى بقراءة شيء من القرآن، لكن السورة القصيرة أولى من قدرها من الطويلة، هذه عبارة (الشرح) و (الروضة) و (شرح المهذب).
وفي (الشرح الصغير): أفضل من بعض طويلة وإن طال، وهذا هو الصواب، وهو قضية إطلاق الأكثرين، ونقله ابن الأستاذ صريحًا عن البغوي.
ويجوز أن يجمع بين سورتين فأكثر في ركعة واحدة، والسنة أن يقرأ على ترتيب المصحف،
فإن خالف ذلك .. خالف السنة ولا شيء عليه.
لكن يستثنى صلاة فاقد الطهورين، وصلاة الجنازة.
وقول المصنف:(بعد (الفاتحة)) يفهم: أنه لو قرأها قبلها .. لم يعتد بها، وهو كذلك على الصحيح.
ويجوز في السورة الهمز، وتركه وهو أشهر.
فرع:
لو كرر (الفاتحة) وقلنا: لا تبطل صلاته .. لم تحسب المرة الثانية عن السورة بلا خلاف؛ لأن الشيء الواحد لا يؤدى به فرض ونفل في محل واحد، كذا قاله في (شرح المهذب).
ويرد عليه: أنا عهدنا ذلك فيما إذا اغتسل للجنابة والجمعة، ولهذا صرح شارح (التعجيز) بأنها تحسب، خلافًا للمتولي.
ولو فرق بين من يحسن السورة فلا تجزئ،
ومن لا يحسن إلا (الفاتحة) فتحسب .. لكان له وجه.
قال: (إلا في الثالثة والرابعة في الأظهر) وهو القديم، وأفتى به الأكثرون، ويدل له حديث أبي قتادة المتقدم.
والثاني- وهو نص (الأم)، وصححه أكثر العراقيين والبيضاوي في (شرح التبصرة)، واختاره الشيخ-: أنها تسن فيهما أيضًا، إلا أنها تكون أقصر؛ لما روى مسلم [٤٥٢]: (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في الظهر والعصر في كل ركعة قدر ثلاثين آية،
وفي الأخريين قدر خمس عشرة آية- أو قال- قدر نصف ذلك).
وثبت في (الموطأ)[١/ ٧٩] عن أبي عبد الله الصنابحي أنه صلى وراء أبي بكر الصديق المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بسورتين من قصار المفصل، ثم قام في الركعة الثالثة فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته قرأ بـ (أم الكتاب)، وبهذه الآية:{ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب}.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.