موجب القتل عمدًا، وهو ما تعمّد ضربه بسلاحٍ ونحوه في تفريق الأجزاء كالمحدّد من الحجر والخشب واللّيطة والنّار الإثم والقود عينًا
الشروح عليها
كِتَابُ الْجِنَايَاتِ] أَوْرَدَ الْجِنَايَاتِ عَقِيبَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلْوِقَايَةِ وَالصِّيَانَةِ،
فَإِنَّ الرَّهْنَ وَثِيقَةٌ لِصِيَانَةِ الْمَالِ وَحُكْمُ الْجِنَايَةِ لِصِيَانَةِ النَّفْسِ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْله تَعَالَى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ}
وَلَمَّا كَانَ الْمَالُ وَسِيلَةً لِبَقَاءِ النَّفْسِ قَدَّمَ الرَّهْنَ عَلَى الْجِنَايَاتِ بِنَاءً عَلَى تَقَدُّمِ الْوَسَائِلِ عَلَى الْمَقَاصِدِ كَذَا فِي أَكْثَرِ الشُّرُوحِ
قَالَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ وَلَكِنْ قَدَّمَ الرَّهْنَ؛ لِأَنَّهُ مَشْرُوعٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
بِخِلَافِ الْجِنَايَةِ؛ لِأَنَّهَا مَحْظُورَةٌ، فَإِنَّهَا عِبَارَةٌ عَمَّا لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ فِعْلُهُ اهـ.
أَقُولُ: هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَيَانِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ إنَّمَا هُوَ أَحْكَامُ الْجِنَايَاتِ دُونَ أَنْفُسِهَا وَلَا شَكَّ أَنَّ أَحْكَامَهَا مَشْرُوعَةٌ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَأَيْضًا فَلَا مَعْنَى لِتَأْخِيرِهَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ،
ثُمَّ إنَّ الْجِنَايَةَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا تَجْنِيهِ مِنْ شَيْءٍ أَيْ تَكْسِبُهُ وَهِيَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ جَنَى عَلَيْهِ شَرًّا جِنَايَةً وَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا يَقْبُحُ وَيَسُوءُ إلَّا أَنَّهُ فِي الشَّرْعِ خُصَّ بِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ حَلَّ بِالنُّفُوسِ وَالْأَطْرَافِ وَالْأَوَّلُ يُسَمَّى قَتْلًا وَهُوَ فِعْلٌ مِنْ الْعِبَادِ تَزُولُ بِهِ الْحَيَاةُ.
وَالثَّانِي يُسَمَّى قَطْعًا وَجُرْحًا هَذَا زُبْدَةُ مَا فِي الْكِتَابِ وَالشُّرُوحِ. الْكَلَامُ فِي الْجِنَايَةِ مِنْ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ مَشْرُوعِيَّتِهَا،
وَالثَّانِي فِي سَبَبِ وُجُوبِهَا، وَالثَّالِثُ فِي تَفْسِيرِهَا لُغَةً، وَالرَّابِعُ فِي تَفْسِيرِهَا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ، وَالْخَامِسُ فِي رُكْنِهَا وَالسَّادِسُ فِي شَرْطِهَا، وَالسَّابِعُ فِي حُكْمِهَا.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَهُوَ مَعْرِفَةُ مَشْرُوعِيَّتِهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ} الْآيَةَ.
وَقَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَمْدُ قَوَدٌ وَالْقَتْلُ عُدْوَانٌ» وَسَبَبُ مَشْرُوعِيَّةِ الْقِصَاصِ رَفْعُ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ
وَأَمَّا مَعْنَاهَا لُغَةً فَهِيَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يَجْنِيهِ الْمَرْءُ مِنْ شَرٍّ وَمَا اكْتَسَبَهُ تَسْمِيَةً لِلْمَصْدَرِ مِنْ جَنَى عَلَيْهِ شَرًّا وَهُوَ عَامٌّ إلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِمَا يَحْرُمُ مِنْ الْفِعْلِ وَأَصْلُهُ مِنْ جَنَى الثَّمَرَ وَهُوَ أَخْذُهُ مِنْ الشَّجَرَةِ
وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَهُوَ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ شَرْعًا سَوَاءٌ كَانَ مِنْ مَالٍ أَوْ نَفْسٍ لَكِنَّهُ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ يُرَادُ بِهِ عِنْدَ إطْلَاقِهِ اسْمُ الْجِنَايَةِ الْوَاقِعَةِ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ مِنْ الْآدَمِيِّ وَالْجِنَايَةُ الْوَاقِعَةُ فِي الْمَالِ تُسَمَّى غَصْبًا وَالْجِنَايَةُ الْوَاقِعَةُ مِنْ الْمُحْرِمِ أَوْ فِي الْحَرَمِ عَلَى الصَّيْدِ جِنَايَةُ الْمُحْرِمِ.
وَأَمَّا رُكْنُهُ فَهُوَ الْقَتْلُ وَهُوَ فِعْلٌ مُضَافٌ إلَى الْعِبَادِ تَزُولُ بِهِ الْحَيَاةُ بِمُجَرَّدِ الْعَادَةِ.
وَأَمَّا شَرْطُهُ فَالْمُمَاثَلَةُ وَالْمُعَادَلَةُ فِي الِاسْتِيفَاءِ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ مَشْرُوطَةٌ فِي أَجْزِيَةِ السَّيِّئَاتِ وَضَمَانِ الْعُدْوَانَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزَى إِلا مِثْلَهَا} وَلِأَنَّ فِي إيجَابِ النَّاقِضِ بَخْسًا بِحَقِّ الْمَظْلُومِ.
وَفِي إيجَابِ الزِّيَادَةِ جَوْرٌ عَلَى الظَّالِمِ وَالنَّجَسُ غَيْرُ مَشْرُوعٍ وَالْحَيْفُ حَرَامٌ فَكَانَ الْإِنْصَافُ وَالِانْتِصَافُ فِي إيجَابِ الْمُمَاثَلَةِ إلَّا أَنَّهُ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي مَحَالِّ الْأَفْعَالِ فِي الْأَنْفُسِ فِي نَوْعِ ضَرُورَةٍ وَهُوَ أَنَّ قَتْلَ الْوَاحِدِ بِطَرِيقِ الِاجْتِمَاعِ غَالِبٌ وُجُودًا وَيَظْهَرُ مِنْ الْأَفْرَادِ نَادِرًا وُقُوعُهَا فَقَتْلُ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ،
وَلَوْ اعْتَبَرْنَا الْمُمَاثَلَةَ فِي مَحَلِّ الْأَفْعَالِ لَأَدَّى إلَى فَتْحِ بَابِ الْعُدْوَانِ وَسَدِّ بَابِ الْقِصَاصِ وَأَيَّةُ
فَائِدَةٍ فِي شَرْعِ الْقِصَاصِ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ الْمُمَاثَلَةِ فِي الْأَنْفُسِ لِلضَّرُورَةِ وَبَقِيَتْ الْمُمَاثَلَةُ فِي الْأَطْرَافِ مُعْتَبَرَةً،
فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى إتْلَافِ الطَّرَفِ لَيْسَ بِغَالِبٍ بَلْ هُوَ نَادِرٌ.
وَأَمَّا حُكْمُهُ فَهُوَ وُجُوبُ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَالْإِثْمِ، قَالَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - الْقَتْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: عَمْدٌ وَخَطَأٌ وَشِبْهُ عَمْدٍ، فَالْعَمْدُ وَهُوَ أَنْ يَتَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ وَمَا يَجْرِي مَجْرَاهُ مِمَّا لَهُ حَدٌّ يَقْطَعُ وَيَجْرَحُ؛ لِأَنَّ الْعَمْدَ وَالْقَصْدَ مِمَّا لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ وَلَكِنَّ الضَّرْبَ بِآلَةٍ جَارِحَةٍ قَابِلَةٍ قَاطِعَةٍ دَلِيلٌ عَلَى الْقَتْلِ فَيُقَامُ مَقَامَ الْعَمْدِ، ثُمَّ آلَةُ الْقَتْلِ عَلَى ضَرْبَيْنِ آلَةُ السِّلَاحِ وَغَيْرُ السِّلَاحِ
أَمَّا السِّلَاحُ فَكُلُّ آلَةٍ جَارِحَةٍ كَالسَّيْفِ وَالسِّكِّينِ وَنَحْوِهِمَا فَيُقْتَلُ بِهِ وَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ،
وَلَوْ قَتَلَهُ بِحَدِيدٍ لَا حَدَّ لَهُ، نَحْوُ أَنْ يَضْرِبَهُ بِعَمُودٍ أَوْ بِصَنْجَةٍ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ صُفْرٍ فَعَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ يَكُونُ عَمْدًا مَحْضًا؛ لِأَنَّ الْحَدِيدَ إذَا لَمْ يَجْرَحْ يَكُونُ عَمْدًا لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا قَوَدَ إلَّا مِنْ حَدِيدٍ» وَالْحَدِيدُ أَصْلٌ فِي الْقَتْلِ بِهِ وَأَنَّهُ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي إيجَابِ الْقَوَدِ بِهِ وَالْحُكْمُ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ النَّصِّ لَا بِالْمَعْنَى وَالنَّصُّ الْوَارِدُ فِي الْحَدِيدِ وَالسَّيْفِ يَكُونُ وَارِدًا فِيمَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ فِي الِاسْتِعْمَالِ دَلَالَةً وَالنُّحَاسُ يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ السِّلَاحُ كَمَا يُسْتَعْمَلُ مِنْ الْحَدِيدِ فَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ ثَابِتًا بِدَلَالَةِ النَّصِّ لَا بِعَيْنِهِ،
وَلَوْ ضَرَبَهُ بِصَنْجَةٍ رَصَاصٍ لَا يَكُونُ عَمْدًا؛ لِأَنَّهُ لَا يُسْتَعْمَلُ مِنْهُ اسْتِعْمَالَ الْحَدِيدِ وَهُوَ السِّلَاحُ،
وَأَمَّا غَيْرُ السِّلَاحِ كَاللِّيطَةِ وَالْمَرْوَةِ وَالرُّمْحِ الَّذِي لَا سِنَانَ فِيهِ وَنَحْوِهِ إذَا جَرَحَهُ فَهُوَ عَمْدٌ مَحْضٌ؛ لِأَنَّهُ إذَا فَرَّقَ الْأَجْزَاءَ عَمِلَ عَمَلَ السَّيْفِ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ مَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحَدِيدِ بِمَا هُوَ مُعْتَادٌ لَهُ فَلَا تَكُونُ شُبْهَةُ الْعَمْدِ اعْتِبَارَ قُصُورِ الْآلَةِ وَلِهَذَا قَالَ إذَا أَحْرَقَ رَجُلًا بِالنَّارِ يُقْتَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّارَ تُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ وَتُبَعِّضُهَا وَتَعْمَلُ عَمَلَ الْحَدِيدِ،
وَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ وَهُوَ الْقَتْلُ بِآلَةٍ لَمْ تُوْضَعْ لَهُ، وَلَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْمَوْتُ غَالِبًا مِثْلُ السَّوْطِ الصَّغِيرِ وَالْعَصَا الصَّغِيرَةِ وَنَحْوِهِ.
فَأَمَّا الْقَتْلُ بِالْعَصَا الْكَبِيرِ وَبِكُلِّ آلَةٍ مُثْقَلَةٍ يَحْصُلُ بِهَا الْمَوْتُ غَالِبًا لَكِنَّهَا غَيْرُ جَارِحَةٍ قَاطِعَةٍ بَلْ هِيَ مُدَقِّقَةٌ مُكَسِّرَةٌ وَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - خِلَافًا لَهُمْ لِمَا يَأْتِي.
وَأَمَّا الْخَطَأُ وَهُوَ مَا لَوْ تَعَمَّدَ شَبَهًا فَيُصِيبُ آدَمِيًّا أَوْ يَقْصِدُهُ فَيَظُنُّهُ صَيْدًا أَوْ حَرْبِيًّا،
فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ وَنَوْعُ مَا هُوَ مُلْحَقٌ بِالْخَطَأِ كَالنَّائِمِ إذَا انْقَلَبَ عَلَى إنْسَانٍ فَقَتَلَهُ،
وَكَذَا الْقَتْلُ بِطَرِيقِ التَّسَبُّبِ كَحَفْرِ الْبِئْرِ وَوَضْعِ الْحَجَرِ فِي الطَّرِيقِ الْمَمَرِّ؛ لِأَنَّهُ إذَا تَسَبَّبَ لِلْقَتْلِ صَارَ كَالْمُوقِعِ وَالدَّافِعِ
وَلَمَّا لَمْ يَقْصِدْ الْقَتْلَ هُوَ كَالْخَطَأِ فِي الْحُكْمِ وَلَا يَكُونُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ شِبْهُ الْعَمْدِ؛ لِأَنَّ مَا دُونَ النَّفْسِ لَا يَخْتَصُّ إتْلَافُهُ بِآلَةٍ دُونَ آلَةٍ بَلْ يَخْتَصُّ بِآلَةٍ جَارِحَةٍ قَاطِعَةٍ،
فَأَمَّا الْقَتْلُ يَخْتَصُّ بِآلَاتٍ بَعْضُهَا جَارِحَةٌ قَاطِعَةٌ وَبَعْضُهَا لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُ النَّفْسِ بِاخْتِلَافِ الْآلَاتِ،
وَأَمَّا حُكْمُهَا فَسَيَأْتِي، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْقَتْلَ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ: عَمْدٌ وَخَطَأٌ وَشِبْهُ عَمْدٍ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ، قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَجْهُ الِانْحِصَارِ فِي هَذِهِ الْخَمْسَةِ هُوَ أَنَّ الْقَتْلَ إذَا صَدَرَ عَنْ إنْسَانٍ لَا يَخْلُو
إمَّا أَنْ حَصَلَ بِسِلَاحٍ أَوْ بِغَيْرِ سِلَاحٍ،
وَإِنْ حَصَلَ بِسِلَاحٍ إمَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ قَصْدُ الْقَتْلِ أَوْ لَا،
فَإِنْ كَانَ فَهُوَ عُدْوَانٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ خَطَأٌ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِسِلَاحٍ فَلَا يَخْلُو
إمَّا أَنْ يَكُونَ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ أَوْ لَا،
فَإِنْ كَانَ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا يَخْلُو
إمَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهُ قَصْدُ التَّأْدِيبِ أَوْ الضَّرْبِ أَوْ لَا.
فَإِنْ كَانَ فَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ،
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَلَا يَخْلُو
إمَّا أَنْ يَكُونَ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ أَوْ لَا،
فَإِنْ كَانَ فَهُوَ الْخَطَأُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَهُوَ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ وَبِهَذَا الِاخْتِصَارِ يُعْرَفُ تَفْسِيرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا اهـ.
أَقُولُ: فِيهِ خَلَلٌ أَمَّا أَوَّلًا فَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْقَتْلَ خَطَأً مَخْصُوصًا بِمَا حَصَلَ بِسِلَاحٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ لَا شَكَّ أَنَّ الْقَتْلَ الْخَطَأَ كَمَا يَكُونُ بِسِلَاحٍ يَكُونُ أَيْضًا بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ كَالْحَجَرِ الْعَظِيمِ وَالْخَشَبَةِ الْعَظِيمَةِ
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَوْلَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ فَهُوَ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ لَيْسَ بِتَامٍّ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ جَارِيًا مَجْرَى الْخَطَأِ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ بِسَبَبٍ أَلْبَتَّةَ بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْقَتْلُ بِخَطَإٍ مَحْضٍ أَيْضًا فَلَا يَتِمَّ الْحَصْرُ فِي الْقَتْلِ بِسَبَبٍ
وَلَمَّا تَنَبَّهْ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ لِمَا فِي وَجْهِ الْحَصْرِ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِنْ الْقُصُورِ،
قَالَ فِي بَيَانِ قَوْلِ الْمُصَنِّفِ الْقَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ وَذَلِكَ أَنَّا اسْتَقْرَيْنَا فَوَجَدْنَا مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ أَحَدَ هَذِهِ الْأَوْجُهِ الْمَذْكُورَةِ، وَنَقَلَ مَا ذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ مِنْ وَجْهِ الْحَصْرِ، فَقَالَ وَضَعْفُهُ وَرَكَاكَتُهُ ظَاهِرَانِ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ وَبَيَانٍ، وَالْمُرَادُ بَيَانُ قَتْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ قَالَ جُمْهُورُ الشُّرَّاحِ إنَّمَا قَيَّدَ بِهِ؛ لِأَنَّ أَنْوَاعَ الْقَتْلِ مِنْ حَيْثُ هُوَ قَتْلٌ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إلَى ضَمَانِ الْقَتْلِ وَعَدَمِ ضَمَانِهِ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ أَوْجُهٍ كَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا وَالْقَتْلِ رَجْمًا وَالْقَتْلِ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَقَتْلِ الْحَرْبِيِّ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ وَنَظِيرُ هَذَا مَا قَالَهُ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ.
الْأَيْمَانُ ثَلَاثَةٌ، وَلَمْ يُرِدْ جِنْسَ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثَةٍ يَمِينٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَيَمِينٌ بِالطَّلَاقِ وَيَمِينٌ بِالْعَتَاقِ وَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الْأَيْمَانَ بِاَللَّهِ تَعَالَى اهـ.
قَالَ قَاضِي خان أَقُولُ: فِيمَا قَالُوا نَظَرٌ إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَنْوَاعِ الْقَتْلِ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْكِتَابِ بَلْ يَدْخُلُ كُلٌّ مِنْ ذَلِكَ فِي وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْأَوْجُهِ،
فَإِنَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَقَتْلِ الْحَرْبِيِّ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا أَوْ رَجْمًا أَوْ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ يَكُونُ قَتْلًا عَمْدًا إنْ تَعَمَّدَ الْقَاتِلُ ضَرْبَ الْمَقْتُولِ بِسِلَاحٍ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ، وَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ إنْ تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ وَلَا مَا أُجْرِيَ مَجْرَى السِّلَاحِ وَيَكُونُ خَطَأً إنْ لَمْ يَكُنْ بِطَرِيقِ التَّعَمُّدِ بَلْ كَانَ بِطَرِيقِ الْخَطَإِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْجُهِ الْمَذْكُورَةِ وَإِنَّمَا تَكُونُ تِلْكَ الْأَنْوَاعُ الْمُبَاحَةُ مِنْ الْقَتْلِ خَارِجَةً عَنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ لِهَذِهِ الْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ فَلَا مَعْنَى لِلْقَوْلِ بِأَنَّ أَنْوَاعَ الْقَتْلِ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةٍ،
وَإِنْ قُلْتُ: كَيْفَ يُتَصَوَّرُ خُرُوجُ تِلْكَ الْأَنْوَاعِ مِنْ الْأَحْكَامِ لِلْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ لِلْقَتْلِ إلَّا مِنْ نَفْسِ هَذِهِ الْأَوْجُهِ، وَحُكْمُ الشَّيْءِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ وَيَلْزَمُهُ
قُلْتُ: قَدْ يَكُونُ تَرَتُّبُ الْحُكْمِ عَلَى شَيْءٍ مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ جَعَلُوا وُجُوبَ الْقَوَدِ مِنْ أَحْكَامِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ مَعَ أَنَّهُ لَهُ شُرُوطٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا كَوْنُ الْقَاتِلِ عَاقِلًا بَالِغًا إذْ لَا يَجِبُ الْقَوَدُ عَلَى الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ أَصْلًا وَمِنْهَا أَنْ لَا يَكُونَ الْمَقْتُولُ جُزْءَ الْقَاتِلِ حَتَّى لَوْ قَتَلَ الْأَبُ وَلَدَهُ عَمْدًا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ.
وَكَذَا لَوْ قَتَلَتْ الْأُمُّ وَلَدَهَا،
وَكَذَا الْجَدُّ وَالْجَدَّةُ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ الْمَقْتُولُ مِلْكَ الْقَاتِلِ حَتَّى لَا يُقْتَلَ الْمَوْلَى بِعَبْدِهِ، وَمِنْهَا كَوْنُ الْمَقْتُولِ مَعْصُومَ الدَّمِ مُطْلَقًا فَلَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ وَلَا ذِمِّيٌّ بِالْكَافِرِ الْحَرْبِيِّ وَلَا بِالْمُرْتَدِّ لِعَدَمِ الْعِصْمَة أَصْلًا وَلَا بِالْمُسْتَأْمِنِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّ عِصْمَتَهُ مَا ثَبَتَتْ مُطْلَقَةً بَلْ مُؤَقَّتَةً إلَى غَايَةِ مَقَامِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ صَرَّحَ بِذَلِكَ كُلُّ مَا فِي عَامَّةِ الْمُعْتَبَرَاتِ فَكَذَا كَوْنُ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ شَرْطًا لِتَرْتِيبِ كُلٍّ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمَذْكُورَةِ لِلْأَوْجُهِ الْخَمْسَةِ مِنْ الْقَتْلِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِمَّا ذَكَرُوا مِنْ الْأَحْكَامِ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ لَهَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ انْتِفَاءَ شَرْطِ تِلْكَ الْأَحْكَامِ وَهُوَ كَوْنُ الْقَتْلِ مَعْصُومَ الدَّمِ وَكَوْنُ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ لَا يَقْدَحُ فِي شَيْءٍ فَالْأَظْهَرُ أَنَّ مُرَادَ الْمُصَنِّفِ بِقَوْلِهِ وَالْمُرَادُ بَيَانُ قَتْلٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ هُوَ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْبَيَانِ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ إنَّمَا هُوَ أَحْوَالٌ بِغَيْرِ حَقٍّ إذْ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مِنْ الْجِنَايَاتِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَحْكَامُهَا دُونَ أَحْوَالِ مُطْلَقِ الْقَتْلِ،
وَإِنْ كَانَ الْأَوْجُهُ الْخَمْسَةُ الْمَذْكُورَةُ تَتَنَاوَلُ كُلَّ ذَلِكَ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (مُوجِبُ الْقَتْلِ عَمْدًا وَهُوَ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ وَنَحْوِهِ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ كَالْمُحَدَّدِ مِنْ الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ وَالنَّارِ الْإِثْمُ وَالْقَوَدُ عَيْنًا) أَيْ الْقَتْلُ الْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُوجِبُ الْإِثْمَ وَالْقِصَاصُ مُتَعَيِّنٌ، قَالَ السِّغْنَاقِيُّ الْقَتْلُ فِعْلٌ يُضَافُ إلَى الْعِبَادِ تَزُولُ بِهِ الْحَيَاةُ.
وَفِي الْمُنْتَقَى ذَكَرَ مَا يُعْرَفُ بِهِ الْعَمْدُ مِنْ غَيْرِهِ قَالَ مُحَمَّدٌ رَجُلٌ تَعَمَّدَ أَنْ يَضْرِبَ يَدَ رَجُلٍ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ بِالسَّيْفِ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ عُنُقَهُ وَأَبَانَ رَأْسَهُ فَهُوَ عَمْدٌ،
وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يَضْرِبَ يَدَ رَجُلٍ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ بِالسَّيْفِ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ عُنُقَ غَيْرِهِ فَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ أَصَابَ غَيْرَ مَا تَعَمَّدَ،
وَفِي الْأَوَّلِ أَصَابَ مَا تَعَمَّدَ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ إتْلَافَ طَرَفِ ذَلِكَ الرَّجُلِ،
وَلَوْ رَمَى قَلَنْسُوَةً عَلَى رَأْسِهِ فَأَصَابَ عُنُقَ غَيْرِهِ فَهُوَ خَطَأٌ،
وَكَذَلِكَ لَوْ قَصَدَ ضَرْبَ الْقَلَنْسُوَةِ فَأَصَابَهُ السَّيْفُ فَهُوَ خَطَأٌ،
وَلَوْ رَمَى رَجُلًا فَأَصَابَ حَائِطًا، ثُمَّ رَجَعَ السَّهْمُ فَأَصَابَ الرَّجُلَ فَهُوَ خَطَأٌ؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِي إصَابَةِ الْحَائِطِ وَرُجُوعُ السَّهْمِ مَبْنِيٌّ عَلَى إصَابَةِ الْحَائِطِ لَا عَلَى الرَّمْيِ السَّابِقِ؛ لِأَنَّهُ آخِرُ السَّبَبَيْنِ وَالْحُكْمُ يُضَافُ فِي آخِرِ السَّبَبَيْنِ وُجُودًا، وَقَدْ تَخَلَّلَ بَيْنَ الرَّمْيِ وَالْإِصَابَةِ الْأَخِيرَةِ إصَابَةُ الْحَائِطِ فَقَطَعَ حُكْمَ الْإِصَابَةِ الْأَخِيرَةِ عَلَى الرَّمْيِ السَّابِقِ،
وَلَوْ لَفَّ ثَوْبًا فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ إنْسَانٍ فَشَجَّهُ مُوضِحَةً فَهُوَ عَمْدٌ سَوَاءٌ اقْتَصَرَ عَلَى الشَّجَّةِ أَوْ مَاتَ؛ لِأَنَّهُ أَصَابَ مَا تَعَمَّدَ بِهِ، وَقَدْ عَمِلَتْ الْآلَامُ عَمَلَهَا أَثَّرَتْ فِي الظَّاهِرِ وَالْبَاطِنِ جَمِيعًا، وَقَدْ مَاتَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُجْرَحَ قَالَ صَارَ خَطَأً،
وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الدِّيَاتِ رَجُلٌ ضَرَبَ رَجُلًا بِسَيْفٍ بِغِمْدِهِ فَخَرَقَ السَّيْفُ الْغِمْدَ فَقَتَلَهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - لَا قَوَدَ عَلَيْهِ،
وَقَالَ مُحَمَّدٌ إنْ كَانَ الْغِمْدُ يَقْتُلُ لَوْ ضُرِبَ بِهِ وَحْدَهُ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ الْغِمْدَ لَا يُقْصَدُ بِهِ إلَّا الضَّرْبُ إذَا كَانَ يَقْتُلُ بِهِ وَهُوَ قَاصِدٌ إلَى الْقَتْلِ، وَقَدْ أَصَابَ الْمَقْتَلَ فَوَجَبَ الْقِصَاصُ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ أَصَابَ الضَّرْبَ دُونَ الْقَتْلِ؛ لِأَنَّ الْغِمْدَ لَا يُقْصَدُ بِهِ إلَّا الضَّرْبُ عَادَةً فَصُورَةُ الْخَطَإِ هُوَ أَنْ يُصِيبَ خِلَافَ مَا قَصَدَ.
وَرَوَى أَبُو يُوسُفَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى رَجُلٌ ضَرَبَ رَجُلًا بِإِبْرَةٍ أَوْ بِشَيْءٍ يُشْبِهُ الْإِبْرَةَ تَعَمُّدًا فَقَتَلَهُ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ ضَرَبَهُ بِمِسَلَّةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ؛ لِأَنَّ الْإِبْرَةَ مِمَّا لَا يُقْصَدُ بِهَا الْقَتْلُ عَادَةً،
وَإِنْ كَانَتْ الْآلَةُ جَارِحَةً؛ لِأَنَّ آلَةَ الْخِيَاطَةِ دُونَ الْقَتْلِ،
فَإِذَا تَمَكَّنَتْ فِيهِ شُبْهَةُ عَدَمِ الْعَمْدِيَّةِ امْتَنَعَ وُجُوبُ مَا لَا يُجَامَعُ
فَأَمَّا الْمِسَلَّةُ فَهِيَ آلَةٌ جَارِحَةٌ يُقْصَدُ بِهَا الْقَتْلُ،
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ أَنَّهُ إنْ غَرَزَ بِالْإِبْرَةِ فِي الْمَقْتَلِ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ وَإِلَّا فَلَا؛ لِأَنَّ غَرْزَ الْإِبْرَةِ فِي الْمَقْتَلِ يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ لَا التَّأْدِيبُ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى ضَرَبَ بِحَدِيدٍ أَوْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ أَوْ شِبْهِهِ أَوْ نُحَاسٍ أَوْ رَصَاصٍ أَوْ صُفْرٍ فَجَرَحَهُ وَمَاتَ أَنَّهُ يُقْتَلُ،
وَإِنْ رَمَاهُ بِصَنْجَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَجَرَحَهُ أَوْ لَمْ يَجْرَحْهُ فَمَاتَ مِنْهُ قُتِلَ،
وَلَوْ ضَرَبَ بِعَصًا رَأْسُهَا مُضَبَّبٌ بِالْحَدِيدِ، وَقَدْ أَصَابَ الْحَدِيدُ حَتَّى جَرَحَهُ أَوْ أَزْهَقَ سَائِرَ جَسَدِهِ أَوْ ضَرَبَهُ بِقُفَّةٍ حَدِيدٍ أَوْ شِبْهِهِ أَوْ بِقِدْرٍ حَدِيدٍ فَمَاتَ مِنْهُ قُتِلَ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قِيَاسِ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ عَلَى مَا بَيَّنَّا.
وَلَوْ ضَرَبَهُ بِعَصًا مِنْ خَشَبٍ قَادَ مَعَهُ أَوْ بِحَجَرٍ غَيْرِ مَمْدُودٍ لَا يُقْتَلُ،
وَإِنْ كَانَ مَمْدُودًا حَتَّى جَرَحَهُ يُقْتَلُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي الْمُجَرَّدِ لَوْ أَلْقَى رَجُلًا فِي الْمَاءِ، ثُمَّ أُخْرِجَ وَبِهِ رَمَقٌ فَمَكَثَ أَيَّامًا حَتَّى مَاتَ يُقْتَلُ بِهِ،
وَإِنْ كَانَ يَجِيءُ وَيَذْهَبُ حَتَّى مَاتَ لَمْ يُقْتَلْ،
وَلَوْ قَمَطَ رَجُلًا وَأَلْقَاهُ فِي الْبَحْرِ فَغَرِقَ تَجِبُ الدِّيَةُ،
وَلَوْ سَبَحَ سِبَاحَةً، ثُمَّ غَرِقَ لَا دِيَةَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَرِقَ بِعَجْزِهِ وَفِي الْأَوَّلِ نَظَرٌ جَيِّدٌ.
وَفِي الْفَتَاوَى الْكُبْرَى مَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي سَبَبٍ دُونَ سَبَبٍ لَفَّ ثَوْبًا فَضَرَبَ بِهِ رَأْسَ رَجُلٍ فَشَجَّهُ مُوضِحًا وَجَبَ الْقِصَاصُ،
وَلَوْ مَاتَ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ،
وَلَوْ مَاتَ مِنْ ذَلِكَ يَجِبُ الْقِصَاصُ وَمَا يَجِبُ فِي سَبَبِهِ وَمُسَبِّبِهِ أَنْ شَجَّهُ مُوضِحَةً بِحَدِيدٍ فِيهَا قِصَاصٌ،
وَإِنْ مَاتَ مِنْهَا يَجِبُ الْقِصَاصُ وَعَلَى عَكْسِهِ مَا لَا يَجِبُ فِي سَبَبٍ وَلَا فِي مُسَبِّبِهِ أَنْ يَجْرَحَهُ بِخَشَبَةٍ عَظِيمَةٍ فَلَا يَجِبُ الْقِصَاصُ،
وَلَوْ مَاتَ كَذَلِكَ، وَفِي الْأَجْنَاسِ وَمَا لَيْسَ بِسِلَاحٍ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ عَمْدٌ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ قَوْلَهُ مُوجِبُ هَذَا أَثَرُ الْعَمْدِ وَالْأَثَرُ مُتَأَخِّرُ وَفَصَلَ بَيْنَ الْمُبْتَدَإِ وَهُوَ قَوْلُهُ مُوجِبُهُ وَخَبَرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْإِثْمُ بِأَجْنَبِيٍّ وَهُوَ قَوْلُهُ أَنْ يَتَعَمَّدَ الضَّمِيرَ جَازَ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمُضَافِ وَأَنْ يَرْجِعَ إلَى الْمُضَافِ إلَيْهِ، وَالضَّمِيرُ إذَا احْتَمَلَ فَسَدَ الْمَعْنَى عَلَى أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ فَيَتَعَيَّنُ الْإِظْهَارُ بِأَنْ يَقُولَ الْعَمْدُ أَنْ يَتَعَمَّدَ وَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ مُوجِبُهُ دُونَ أَنْ يَقُولَ حُكْمُهُ وَأَثَرُهُ لِيُفِيدَ أَنَّ صِفَتَهُ الْوُجُوبُ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْأَحْكَامُ لَا الْحَقَائِقُ فَكَذَا قَدَّمَ الْحُكْمَ عَلَى التَّعْرِيفِ، وَهَذَا فَصْلٌ بِغَيْرِ أَجْنَبِيٍّ فَلَا يَضُرُّ وَالضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلَى الْأَقْرَبِ وَهُوَ الْقَتْلُ؛
لِأَنَّهُ مَحِلٌّ لِلتَّعَمُّدِ فَلَا فَسَادَ. قَوْلُهُ ضَرَبَهُ أَيْ ضَرَبَ الْمَقْتُولَ قَالُوا فَيَخْرُجُ فِيمَا دُونَ النَّفْسِ قَوْلُهُ ضَرَبَهُ أَيْ ضَرَبَ الْمَقْتُولَ قَالَهُ قَاضِي زَادَهْ أَقُولُ: بِرَدٍّ عَلَى الْمَقْتُولِ فِي الْمُنْتَقَى كَمَا نَقَلَهُ فِي الْمُحِيطِ إذَا تَعَمَّدَ أَنْ يَضْرِبَ يَدَ رَجُلٍ فَأَخْطَأَ فَأَصَابَ عُنُقَ ذَلِكَ الرَّجُلِ،
فَإِنْ بَانَ رَأْسُهُ وَقَتَلَهُ فَهُوَ عَمْدٌ وَفِيهِ الْقَوَدُ،
وَإِنْ أَصَابَ عُنُقَ غَيْرِهِ فَهُوَ خَطَأٌ، وَوَجْهُ الْوُرُودِ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ الْقَتْلَ بَلْ تَعَمَّدَ ضَرْبَ الْيَدِ وَجَرَى عَمْدًا فَظَهَرَ أَنَّ الشَّرْطَ،
وَلَوْ لِلْقَطْعِ لَا لِتَقْيِيدِ الْقَتْلِ كَمَا قَالُوا
أَمَّا اشْتِرَاطُ الْعَمْدِ فَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَا تَتَحَقَّقُ دُونَهَا وَلَا بُدَّ مِنْهَا لِيَتَرَتَّب عَلَيْهَا الْعُقُوبَةُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» الْحَدِيثَ.
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ السِّلَاحِ فَلِأَنَّ الْعَمْدَ هُوَ الْقَصْدُ وَهُوَ فِعْلٌ قَدْ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ يَخْفَى فَأُقِيمَ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ غَالِبًا مَقَامَهُ، وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ إذَا قَتَلَ بِهَذِهِ الْآلَةِ، ثُمَّ قَالَ لَمْ أَقْصِدْ قَتْلَهُ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ وَالْمَنْقُولُ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ
قَالَ فِي الْمُجَرَّدِ قَتَلْت فُلَانًا بِسَيْفِي ثُمَّ قَالَ إنَّمَا أَرَدْت غَيْرَهُ فَأَصَابَتْهُ دُرِئَ عَنْهُ الْقِصَاصُ وَلَا يَخْفَى عَدَمُ الْوُرُودِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ضَرَبَهُ
لَا أَنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَهُ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ تَعَمُّدٌ لِلضَّرْبِ لَا تَعَمُّدٌ لِلْقَتْلِ بِدَلِيلِ تَعَمُّدِ قَطْعِ الْيَدِ أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ التَّعْلِيلِ يُشْكِلُ بِمَا إذَا اسْتَعْمَلَ الْآلَةَ الْقَاتِلَةَ فِي الْقَتْلِ الْخَطَإِ كَمَا إذَا رَمَى شَخْصًا بِسَهْمٍ أَوْ ضَرَبَهُ بِسَيْفٍ يَظُنُّهُ صَيْدًا،
فَإِذَا هُوَ آدَمِيٌّ أَوْ يَظُنُّهُ حَرْبِيًّا،
فَإِذَا هُوَ مُسْلِمٌ، وَهَذَا فِي نَوْعِ الْخَطَإِ فِي الْقَصْدِ،
وَكَذَا إذَا رَمَى عَرَضًا بِآلَةٍ قَاتِلَةٍ فَأَصَابَ آدَمِيًّا، وَهَذَا فِي نَوْعِ الْخَطَإِ فِي الْفِعْلِ،
فَإِنَّ اسْتِعْمَالَ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ الَّذِي جُعِلَ دَلِيلًا عَلَى الْقَصْدِ قَدْ تَحَقَّقَ هُنَاكَ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ بِعَمْدٍ بَلْ هُوَ خَطَأٌ مَحْضٌ عَلَى مَا نَصُّوا عَلَيْهِ قَاطِبَةً،
فَإِنْ قُلْتُ: الْمُرَادُ بِاسْتِعْمَالِ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ فِي التَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ اسْتِعْمَالُهَا لِضَرْبِ الْمَقْتُولِ لَا اسْتِعْمَالُهَا فِيهِ أَيْضًا لِضَرْبِ الْمَقْتُولِ لَكِنَّ الْخَطَأَ فِي وَصْفِ الْمَقْتُولِ،
فَإِنْ قُلْتُ: الْمُرَادُ اسْتِعْمَالُهَا لِضَرْبِ الْمَقْتُولِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ آدَمِيٌّ لَا اسْتِعْمَالُهَا لِضَرْبِهِ مُطْلَقًا،
وَفِي نَوْعِ الْخَطَإِ فِي الْقَصْدِ لَمْ يَتَحَقَّقْ الْحَيْثِيَّةُ الْمَذْكُورَةُ
قُلْتُ: كَوْنُ الِاسْتِعْمَالِ مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ أَمْرٌ مُضْمَرٌ رَاجِعٌ إلَى النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ فَلَا يُوقَفُ عَلَيْهِ كَمَا لَا يُوقَفُ عَلَى الْعَمْدِ فَلَا بُدَّ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ خَارِجِيٍّ فَتَدَبَّرْ، وَذَكَرَ قَاضِي خان أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ الْجُرْحُ فِي الْحَدِيدِ وَمَا يُشْبِهُ الْحَدِيدَ مِنْ النُّحَاس وَغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ الرَّاوِيَةِ.
وَأَمَّا الْإِثْمُ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} الْآيَةَ، أَقُولُ: لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ الدَّلِيلُ خَاصٌّ وَالْمُدَّعَى عَامٌّ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْقَتْلِ الْمُؤْثِمُ وَالْقَوَدُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ لُزُومِ الْمَأْثَمِ وَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ مَخْصُوصَةٌ بِقَتْلِ الْمُؤْمِنِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ،
وَإِنْ أَفَادَتْ الْمَأْثَمَ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا فَقَطْ بِعِبَارَتِهَا إلَّا أَنَّهَا تُفِيدُ الْمَأْثَمَ فِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ أَيْضًا بَدَلًا بِنَاءً عَلَى ثُبُوتِ الْعِصْمَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ نَظَرًا إلَى التَّكْلِيفِ أَوْ الدَّارِ كَمَا سَيَأْتِي تَفْصِيلُهُ،
فَإِنْ قِيلَ بَقِيَ خُصُوصُ الدَّلِيلِ مَعَ عُمُومِ الْمُدَّعَى مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ،
وَإِنْ ارْتَكَبَ كَبِيرَةً، وَلَمْ يَثْبُتْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِمَنْ يَقْتُلُ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ الْمُسْتَحِلُّ بِدَلَالَةِ خَالِدًا فِيهَا فَكَانَ الْقَتْلُ بِدُونِ الِاسْتِحْلَالِ خَارِجًا عَنْ مَدْلُولِ الْآيَةِ قُلْنَا لَا نُسَلِّمُ ظُهُورَ كَوْنِ الْمُرَادِ بِمَنْ يَقْتُلُ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ هُوَ الْمُسْتَحِلُّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْخُلُودِ الْمَذْكُورِ فِيهَا هُوَ الْمُكْثُ الطَّوِيلُ كَمَا ذُكِرَ فِي التَّفَاسِيرِ فَلَا يُنَافِي التَّعْمِيمُ مَذْهَبَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ، وَلَئِنْ سَلِمَ كَوْنُ الْمُرَادِ بِذَلِكَ هُوَ الْمُسْتَحِلُّ كَمَا ذُكِرَ فِي الْكُتُبِ الْكَلَامِيَّةِ وَفِي التَّفَاسِيرِ أَيْضًا فَفِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى عِظَمِ تِلْكَ الْجِنَايَةِ وَتَحَقُّقِ الْإِثْمِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ عَمْدًا بِدُونِ الِاسْتِحْلَالِ أَيْضًا وَإِلَّا لَمَا لَزِمَ مِنْ اسْتِحْلَالِهِ الْخُلُودُ فِي النَّارِ.
وَأَمَّا الْقَوَدُ فَلِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - الْعَمْدُ قَوَدٌ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ} الْآيَةَ إلَّا أَنَّهُ يَتَقَيَّدُ بِوَصْفِ الْعَمْدِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ مُوجِبُهُ يَعْنِي أَنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يُوجِبُ الْقَوَدَ بِالْقِصَاصِ أَيْنَمَا يُوجَدُ الْقَتْلُ وَلَا يُفْصَلُ بَيْنَ الْعَمْدِ وَالْخَطَإِ إلَّا أَنَّهُ تَقَيَّدَ بِوَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ الَّذِي تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ وَهُوَ قَوْلُهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ مُوجِبُهُ قَوَدٌ، كَذَا فِي الشُّرُوحِ قَالَ صَاحِبُ الْكِفَايَةِ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْعَمْدُ قَوَدٌ» لَا يُوجِبُ التَّقْيِيدَ؛
لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ بِالذِّكْرِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى نَفْيِ مَا عَدَاهُ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَوْ لَمْ يُوجِبْ هَذَا الْخَبَرُ تَقْيِيدَ الْآيَةِ لَمْ يَكُنْ الْقَوَدُ مُوجِبَ الْعَمْدِ فَقَطْ فَلَا يَكُونُ لِذِكْرِ لَفْظِ الْعَمْدِ
فَائِدَةٌ اهـ.
أَقُولُ: سُؤَالٌ ظَاهِرُ الْوُرُودِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَخْطِرَ بِبَالِ كُلِّ ذِي فِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ وَلَكِنْ لَمْ أَرَ أَحَدًا سِوَاهُ حَاوَلَ ذِكْرَهُ
وَأَمَّا جَوَابُهُ فَمَنْظُورٌ فِيهِ عِنْدِي لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ سُئِلَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ حُكْمِ الْعَمْدِ فَقَطْ بِأَنْ كَانَتْ الْجِنَايَةُ قَتْلَ الْعَمْدِ فَصَارَ قَوْلُهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْعَمْدُ قَوَدٌ» جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِمْ فَفَائِدَةُ ذِكْرِ لَفْظِ الْعَمْدِ حِينَئِذٍ تَطْبِيقُ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ وَمَعَ هَذَا الِاحْتِمَالِ كَيْفَ يَتَعَيَّنُ تَقْيِيدُ كِتَابِ اللَّهِ بِالْحَدِيثِ الْمَزْبُورِ.
قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(كِتَابُ الْجِنَايَاتِ) ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ لِمَا يَجْنِيهِ الْمَرْءُ مِنْ شَرٍّ اكْتَسَبَهُ تَسْمِيَةً لِلْمَصْدَرِ مِنْ جَنَى عَلَيْهِ شَرًّا، وَهُوَ عَامٌّ إلَّا أَنَّهُ خُصَّ بِمَا يَحْرُمُ مِنْ الْفِعْلِ وَأَصْلُهُ مِنْ جَنْيِ الثَّمَرِ، وَهُوَ أَخْذُهُ مِنْ الشَّجَرِ، وَهِيَ فِي الشَّرْعِ اسْمٌ لِفِعْلٍ مُحَرَّمٍ سَوَاءٌ كَانَ فِي مَالٍ أَوْ نَفْسٍ لَكِنْ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ يُرَادُ بِإِطْلَاقِ اسْمِ الْجِنَايَةِ الْفِعْلُ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ، ثُمَّ الْقَتْلُ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ وَخَطَأٍ وَمَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ وَالْقَتْلِ بِسَبَبٍ، وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ قَتْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ مِنْ الْقِصَاصِ وَالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ وَحِرْمَانِ الْإِرْثِ وَالْإِثْمِ عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى هَذَا تَقْسِيمُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - وَذَكَرَ مُحَمَّدٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ - فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ.
وَخَطَأٍ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - (مُوجَبُ الْقَتْلِ عَمْدًا، وَهُوَ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ وَنَحْوِهِ فِي تَفْرِيقِ الْأَجْزَاءِ كَالْمُحَدَّدِ مِنْ الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ وَاللِّيطَةِ وَالنَّارِ الْإِثْمُ وَالْقَوَدُ عَيْنًا) أَيْ الْقَتْلُ الْمَوْصُوفُ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُوجِبُ الْإِثْمَ وَالْقِصَاصَ مُتَعَيِّنًا
أَمَّا اشْتِرَاطُ الْعَمْدِيَّةِ فَلِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَا تَتَحَقَّقُ دُونَهَا وَلَا بُدَّ مِنْهَا لِيَتَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْعُقُوبَةُ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» الْحَدِيثَ،
وَأَمَّا اشْتِرَاطُ السِّلَاحِ أَوْ مَا جَرَى مَجْرَى السِّلَاحِ؛ فَلِأَنَّ الْعَمْدَ هُوَ الْقَصْدُ، وَهُوَ فِعْلُ الْقَلْبِ لَا يُوقَفُ عَلَيْهِ إذْ هُوَ أَمْرٌ مُبْطَنٌ فَأُقِيمَ اسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْقَاتِلَةِ غَالِبًا مَقَامَهُ تَيْسِيرًا كَمَا أُقِيمَ السَّفَرُ مَقَامَ الْمَشَقَّةِ.
وَالنَّوْمُ مُضْطَجِعًا مَقَامَ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ وَالْبُلُوغُ مَقَامَ اعْتِدَالِ الْعَقْلِ تَيْسِيرًا وَالْآلَةُ الْقَاتِلَةُ غَالِبًا هِيَ الْمُحَدَّدَةُ؛ لِأَنَّهَا هِيَ الْمُعَدَّةُ لِلْقَتْلِ، وَمَا لَيْسَ لَهُ حَدٌّ، فَلَيْسَ بِمُعَدٍّ لَهُ حَتَّى لَوْ ضَرَبَهُ بِحَجَرٍ كَبِيرٍ أَوْ خَشَبَةٍ كَبِيرَةٍ أَوْ بِصَنْجَةِ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ - رَحِمَهُ اللَّهُ - عَلَى مَا يَجِيءُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ وَذَكَرَ قَاضِيخَانْ - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَنَّ الْجُرْحَ لَا يُشْتَرَطُ فِي الْحَدِيدِ وَمَا يُشْبِهُ الْحَدِيدَ كَالنُّحَاسِ وَغَيْرِهِ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ،
وَأَمَّا وُجُوبُ الْمَأْثَمِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا} الْآيَةَ.
وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «سِبَابُ الْمُؤْمِنِ فِسْقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَزَوَالُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ» وَعَلَيْهِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ،
وَأَمَّا وُجُوبُ الْقِصَاصِ فَلِقَوْلِهِ تَعَالَى {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى} وقَوْله تَعَالَى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ} وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَتْلُ الْعَمْدُ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الدِّيَةَ فِي الْقَتْلِ خَطَأً بِقَوْلِهِ {وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْعَمْدُ قَوَدٌ»؛ وَلِأَنَّ الْقَتْلَ قِصَاصًا نِهَايَةُ الْعُقُوبَةِ فَلَا يُشْرَعُ إلَّا إذَا تَنَاهَتْ الْجِنَايَةُ، وَلَا تَتَنَاهَى إلَّا بِالْعَمْدِ.
لِأَنَّ الْخَطَأَ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَمْدِ، فَلَا يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ الْمُتَنَاهِيَةَ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ وَالْمُرَادُ بِهِ بَيَانُ قَتْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ إلَخْ) أَيْ الْمُرَادُ الْقَتْلُ الَّذِي هُوَ جِنَايَةٌ، وَهُوَ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْأَحْكَامُ الْمَذْكُورَةُ،
فَإِنَّ الْقَتْلَ أَكْثَرُ مِنْ خَمْسَةٍ كَقَتْلِ الْمُرْتَدِّ وَالْقَتْلِ رَجْمًا وَالْقَتْلِ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَقَتْلِ الْحَرْبِيِّ وَالْقَتْلِ قِصَاصًا ثُمَّ الْقَتْلُ عِبَارَةٌ عَنْ إزْهَاقِ الرُّوحِ بِفِعْلِ شَخْصٍ،
وَإِنْ كَانَ انْزِهَاقُ الرُّوحِ بِلَا فِعْلٍ مَخْلُوقٍ يُسَمَّى ذَلِكَ مَوْتًا. اهـ.
(قَوْلُهُ هَذَا تَقْسِيمُ الشَّيْخِ أَبِي بَكْرٍ الرَّازِيّ) وَتَبِعَهُ الْقُدُورِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ فِي تَقْسِيمِهِ. اهـ.
(قَوْلُهُ أَنَّهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ إلَخْ) قَالَ الْأَتْقَانِيُّ وَنَقَلَ الشَّيْخُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَالشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ اهـ.
(قَوْلُهُ عَمْدٍ وَشِبْهِ عَمْدٍ وَخَطَأٍ) وَصَاحِبُ النَّافِعِ قَالَ الْقَتْلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ عَمْدٍ وَشِبْهٍ عَمْدٍ وَخَطَأٍ وَالْقَتْلِ بِالتَّسْبِيبِ وَلَمْ يَذْكُرْ مَا أُجْرِيَ مَجْرَى الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْخَطَأِ فَلَمْ يُفْرِدْ لَهُ نَوْعًا قَالَهُ الْأَتْقَانِيُّ اهـ قُلْت وَلَعَلَّ مُحَمَّدًا - رَحِمَهُ اللَّهُ - إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ النَّوْعَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ وَهُمَا الْقَتْلُ بِسَبَبٍ وَمَا جَرَى مَجْرَى الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ بَيَانُ أَحْكَامِ الْقَتْلِ الَّذِي فِيهِ مُبَاشَرَةٌ وَالْقَتْلُ بِسَبَبٍ لَيْسَ فِيهِ مُبَاشَرَةٌ،
وَأَمَّا مَا جَرَى مَجْرَى الْخَطَأِ، فَإِنَّهُ،
وَإِنْ كَانَ فِيهِ مُبَاشَرَةٌ لَكِنْ لَمَّا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْخَطَأِ لَمْ يَذْكُرْهُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ
(قَوْلُهُ كَالْمُحَدَّدِ مِنْ الْحَجَرِ وَالْخَشَبِ إلَخْ)
قَالَ فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ فَالْعَمْدُ مَا تَعَمَّدَ قَتْلَهُ بِالْحَدِيدِ كَالسِّكِّينِ وَالسَّيْفِ أَوْ مَا كَانَ كَالْحَدِيدِ سَوَاءٌ كَانَ لَهُ حِدَةٌ يَبْضَعُ بَضْعًا أَوْ لَيْسَ لَهُ حِدَةٌ وَلَكِنْ يَرُضُّ رَضًّا كَالْعَمُودِ وَسَنْجَاةِ الْمِيزَانِ وَغَيْرِهِمَا أَوْ طَعْنٌ بِالرُّمْحِ أَوْ الْإِبْرَةِ أَوْ الْأَشْفَى بَعْدَ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَدِيدِ سَوَاءٌ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الْهَلَاكُ أَوْ لَمْ يَكُنْ.
لِأَنَّ الْحَدِيدَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسَّيْفِ»
وَفِي رِوَايَةٍ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالسِّلَاحِ»
وَفِي رِوَايَةٍ «لَا قَوَدَ إلَّا بِالْحَدِيدِ» وَالْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْمَعْنَى،
وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْحَدِيدِ مِثْلَ الصُّفْرِ وَالرَّصَاصِ وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَالنُّحَاسِ وَالْآنُكِ سَوَاءٌ قَتَلَهُ بَضْعًا أَوْ رَضًّا وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الْحَدِيدِ إنْ عَمِلَ عَمَلَ الْحَدِيدِ فَهُوَ عَمْدٌ وَإِلَّا فَلَا كَمَا إذَا أَحْرَقَهُ بِالنَّارِ فَهُوَ عَمْدٌ؛ لِأَنَّهَا تَعْمَلُ عَمَلَهُ؛ لِأَنَّهَا تَشُقُّ الْجِلْدَ
وَكَذَلِكَ مَا لَهُ حَدٌّ يَعْمَلُ عَمَلَ السَّيْفِ كَالزُّجَاجِ وَلِيطَةِ الْقَصَبِ وَحَجَرٍ لَهُ حَدٌّ مِمَّا يَبْضَعُ بَضْعًا أَوْ يَطْعَنُ كَخَشَبٍ لَهُ حَدٌّ يَجْرَحُ فَهَذَا يَعْمَلُ عَمَلَ الْحَدِيدِ فَهُوَ عَمْدٌ إلَى هُنَا شَرْحُ الطَّحَاوِيِّ وَقَالَ فَخْرُ الدِّينِ قَاضِيخَانْ فِي فَتَاوَاهُ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فِي الْحَدِيدِ وَمَا يُشْبِهُ الْحَدِيدَ كَالنُّحَاسِ وَغَيْرِهِ لَا يُشْتَرَطُ الْجُرْحُ لِوُجُوبِ الْقِصَاصِ
وَقَالَ فِي الْأَجْنَاسِ: ذَكَرَ فِي الشُّرُوطِ الْكَبِيرِ لِأَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِي الْعَمُودِ مِنْ الْحَدِيدِ لِأَنَّهُ لَا يَجْرَحُهُ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ قَالَ شَيْخُ شَيْخِنَا قَاسِمٌ فِي حَاشِيَتِهِ عَلَى شَرْحِ الْمَجْمَعِ: فَعَلَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ الْعِبْرَةُ لِلْحَدِيدِ نَفْسِهِ سَوَاءٌ جَرَحَ أَوْ لَا وَعَلَى رِوَايَةِ الطَّحَاوِيِّ الْعِبْرَةُ لِلْجُرْحِ نَفْسِهِ حَدِيدًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ.
قَالَ فِي الْيَنَابِيعِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ اهـ وَظَاهِرُ صَنِيعِ الزَّيْلَعِيِّ اخْتِيَارُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ الْوَلْوَالِجِيُّ رَجُلٌ ضَرَبَ رَجُلًا بِإِبْرَةٍ وَمَا أَشْبَهَهُ فَمَاتَ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ عَادَةً هَكَذَا ذَكَرَ فِي الْعُيُونِ فَقَتْلُ الْعَمْدِ هُوَ الْمُوجِبُ لِلْقِصَاصِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ مُوجَبُ قَتْلِ الْعَمْدِ الْقَوَدُ وَقَتْلُ الْعَمْدِ مَا تَعَمَّدَ ضَرْبَهُ بِسِلَاحٍ أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَى السِّلَاحِ كَالْآلَةِ الَّتِي تَقْطَعُ وَتَجْرَحُ كَلِيطَةِ قَصَبٍ وَحَجَرٍ لَهُ حِدَةٌ لِصِحَابِهَا وَعَمُودِ حَدِيدٍ وَسَنْجَةِ حَدِيدٍ الصَّحِيحُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا يَجْرَحُ اهـ.
وَقَالَ الْأَتْقَانِيُّ: عِنْدَ قَوْلِهِ وَمَنْ ضَرَبَ رَجُلًا بِمَرٍّ فَقَتَلَهُ قَالَ الصَّدْرُ الشَّهِيدُ وَسَنَجَاتُ الْمِيزَانِ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ أَيْضًا ثُمَّ قَالَ
وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُ الْجُرْحُ أَيْ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ اهـ وَقَدْ نَقَلْت عِبَارَةَ الْأَتْقَانِيِّ بِتَمَامِهَا عِنْدَ قَوْلِهِ فِي الْكَنْزِ وَمَنْ قَتَلَهُ بِمَرٍّ فَارْجِعْ إلَيْهَا إنْ شِئْت وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ اهـ قَوْلُهُ عَلَى اخْتِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ أَيْضًا هُمَا ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَرِوَايَةُ الطَّحَاوِيِّ. اهـ.
(قَوْلُهُ وقَوْله تَعَالَى {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا} [المائدة: ٤٥] إلَى آخِرِ الْآيَةِ) وقَوْله تَعَالَى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} وَشَرَائِعُ مَنْ قَبْلَنَا تَلْزَمُنَا عَلَى أَنَّهُ شَرِيعَةُ رَسُولِنَا مَا لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهَا وَقَالَ تَعَالَى {وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا} وَالسُّلْطَانُ الْقَتْلُ بِدَلَالَةِ قَوْله تَعَالَى {فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ} وَإِنَّمَا قَيَّدْنَاهُ بِالْعَمْدِ،
وَإِنْ كَانَتْ النُّصُوصُ مُطْلَقَةً؛ لِأَنَّ الْقِصَاصَ عُقُوبَةٌ مَحْضَةٌ فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهَا أَيْضًا جِنَايَةً مَحْضَةً، وَهُوَ الْعَمْدُ.
وَهَذَا لِأَنَّ الْخَطَأَ فِيهِ مَعْنَى الْإِبَاحَةِ أَوْ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - «الْعَمْدُ قَوَدٌ» أَيْ حُكْمُ الْعَمْدِ قَوَدٌ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
(فَرْعٌ) ثُمَّ إنَّمَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي الْعَمْدِ إذَا كَانَ الْقَاتِلُ مِنْ أَهْلِ الْعُقُوبَةِ بِأَنْ كَانَ عَاقِلًا بَالِغًا مُخَاطَبًا مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى حُرًّا كَانَ أَوْ عَبْدًا وَالْمَقْتُولُ مَعْصُومُ الدَّمِ عِصْمَةً أَبَدِيَّةً وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا شُبْهَة مِلْكٍ وَلَا شُبْهَةَ الْوِلَادَةِ أَيْ لَا يَكُونُ وَلَدَهُ وَإِنْ سَفَلَ وَأَنْ لَا يَكُونَ مَمْلُوكَهُ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاتِلِ الْقِصَاصُ وَيَقْتَصُّ بِالسَّيْفِ وَلَا يُقْتَلُ بِمَا قَتَلَ بِهِ؛ لِأَنَّ الْمُمَاثَلَةَ فِي الْقِصَاصِ لَيْسَ بِشَرْطٍ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُقْتَلُ بِمَا قَتَلَ بِهِ كَذَا فِي شَرْحِ الطَّحَاوِيِّ. اهـ. أَتْقَانِيٌّ
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.