إيماء الأخرس، وكتابته كالبيان بخلاف معتقل اللّسان في وصيّةٍ ونكاحٍ وطلاقٍ وبيعٍ وشراءٍ وقودٍ
الشروح عليها
(مَسَائِلُ شَتَّى) قَدْ كَانَتْ عَادَةُ الْمُصَنَّفِينَ أَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ آخِرَ الْكِتَابِ مَا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْأَبْوَابِ السَّابِقَةِ مِنْ الْمَسَائِلِ اسْتِدْرَاكًا لِلْفَائِتِ وَيُتَرْجِمُونَ لِتِلْكَ الْمَسَائِلِ بِمَسَائِلَ شَتَّى أَوْ بِمَسَائِلَ مَنْثُورَةٍ فَعَمِلَ الْمُصَنِّفُ هُنَا أَيْضًا كَذَلِكَ جَرْيًا عَلَى عَادَتِهِمْ،
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ مَسَائِلُ شَتَّى أَيْ مُتَفَرِّقَةٍ وَهُوَ جَمْعُ شَتِيتٍ وَهُوَ التَّفَرُّقُ فَإِنْ قُلْت جَاءَنِي الْقَوْمُ شَتَّى يَكُونُ نَصْبًا عَلَى الْحَالِ أَيْ مُتَفَرِّقِينَ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(إيمَاءُ الْأَخْرَسِ وَكِتَابَتُهُ كَالْبَيَانِ بِخِلَافِ مُعْتَقَلِ اللِّسَانِ فِي وَصِيَّتِهِ وَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَقَوَدٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا فَرْقَ بَيْنَ مُعْتَقَلِ اللِّسَانِ وَالْأَخْرَسِ، وَلَنَا أَنَّ الْإِشَارَةَ إنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ الْعِبَارَةِ إذَا صَارَتْ مَعْهُودَةً وَذَلِكَ فِي الْأَخْرَسِ دُونَ مُعْتَقَلِ اللِّسَانِ حَتَّى لَوْ امْتَدَّ ذَلِكَ وَصَارَتْ إشَارَتُهُ مَعْهُودَةً صَارَ بِمَنْزِلَةِ الْأَخْرَسِ، وَقَدَّرَ مُدَّةَ الِامْتِدَادِ فِي الْمُحِيطِ بِشَهْرٍ وَفِي جَامِعِ الْفُصُولَيْنِ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقَدَّرَ التُّمُرْتَاشِيُّ الِامْتِدَادَ بِسَنَةٍ وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَبُو مُحَمَّدٍ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ إذَا دَامَتْ الْعُقْلَةُ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالْإِشَارَةِ
وَيَجُوزُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ النُّطْقِ بِمَعْنًى لَا يُرْجَى زَوَالُهُ فَكَانَ كَالْأَخْرَسِ قَالَ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَأَطْلَقَ فِي الْأَخْرَسِ فَشَمِلَ الْأَصْلِيَّ وَالْعَارِضَ وَالْمُرَادُ الْأَصْلِيُّ
أَمَّا الْوَصِيَّةُ؛ لِأَنَّ التَّقْصِيرَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ حَيْثُ أَخَّرَ الْوَصِيَّةَ إلَى هَذَا الْوَقْتِ
بِخِلَافِ الْأَخْرَسِ؛ لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهِ وَلِأَنَّ الْعَارِضَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ دُونَ الْأَصْلِ فَلَا يُقَاسُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ،
وَإِذَا كَانَ إيمَاءُ الْأَخْرَسِ وَكِتَابَتُهُ كَالْبَيَانِ وَهُوَ النُّطْقُ بِاللِّسَانِ تَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ بِالْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ حَتَّى يَجُوزَ نِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ وَعِتْقُهُ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ؛ لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَكُونُ بَيَانًا مِنْ الْقَادِرِ عَلَى النُّطْقِ فَالْعَاجِزُ أَوْلَى وَلِأَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَّنَ الشَّهْرَ بِالْإِشَارَةِ حَيْثُ قَالَ «الشَّهْرُ هَكَذَا وَأَشَارَ بِأَصَابِعِهِ» قَالُوا وَالْكِتَابُ مِمَّنْ يَأْتِي بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ مِمَّنْ ذَكَرَ أَقُولُ: فِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى بَعْضِ الْمُدَّعِي وَلَا يَدُلُّ عَلَى بَعْضِهِ الْآخَرِ بَلْ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ فَإِنَّ كِتَابَةَ الْأَخْرَسِ حُجَّةٌ فِيمَا سِوَى الْحُدُودِ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي الْحُدُودِ، وَهَذَا الدَّلِيلُ الْمَذْكُورُ لَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ كَوْنِهَا فِي الْحُدُودِ إذْ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْحُدُودِ وَمَا سِوَاهَا بَلْ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهَا حُجَّةً فِي الْحُدُودِ أَيْضًا إذَا كَانَتْ مُسْتَبِينَةً مَرْسُومَةً وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النُّطْقِ فِي الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ عَلَى مَا قَالُوا، فَإِنَّهُ إذَا كَانَ بِمَنْزِلَةِ النُّطْقِ فِي حَقِّ الْحَاضِرِ أَيْضًا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً ضَرُورَةً فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حُجَّةً فِي الْحُدُودِ أَيْضًا كَمَا كَانَ النُّطْقُ حُجَّةً فِيهَا فَلْيُتَأَمَّلْ فِي الْمَخْلَصِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الدَّلَالَةَ كَالْبَيَانِ هُوَ أَنَّهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَلَّغَ الرِّسَالَةَ بِالْكِتَابِ كَالْخِطَابِ فَإِذَا كَانَ خِطَابًا فِي حَقِّ الْقَادِرِ فَفِي حَقِّ الْأَخْرَسِ أَوْلَى؛ لِأَنَّ عَجْزَهُ ظَاهِرٌ وَأَلْزَمُ عَادَةً؛ لِأَنَّ الْغَائِبَ يَقْدِرُ عَلَى الْحُضُورِ بَلْ يَقْدِرُ ظَاهِرًا وَالْأَخْرَسُ لَا يَقْدِرُ عَلَى نُطْقٍ وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ عَلَى الدَّوَامِ، ثُمَّ الْكِتَابُ عَلَى ثَلَاثَةِ مَرَاتِبَ مُسْتَبِينٌ وَمَرْسُومٌ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُعَنْوَنًا أَيْ مُصَدَّرٌ بِالْعِنْوَانِ وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ فِي صَدْرِهِ مِنْ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي سَيْرِ الْكُتُبِ فَيَكُونُ هَذَا كَالنُّطْقِ فَيَلْزَمُ حُجَّةً وَمُسْتَبِينٌ غَيْرُ مَرْسُومٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْجُدْرَانِ وَأَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ أَوْ عَلَى الْكَاغِدِ لَا عَلَى وَجْهِ الرَّسْمِ فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ لَغْوًا؛
لِأَنَّهُ لَا عُرْفَ فِي إظْهَارِ الْأَمْرِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً إلَّا بِانْضِمَامِ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ كَالْبَيِّنَةِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ وَالْإِمْلَاءِ عَلَى الْغَيْرِ حَتَّى يَكْتُبَهُ؛ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ تَكُونُ تَجْرِبَةً وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّحْقِيقِ وَبِهَذِهِ الْإِشَارَةِ تَتَبَيَّنُ الْجِهَةُ
وَقِيلَ الْإِمْلَاءُ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ لَا يَكُونُ حُجَّةً وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَغَيْرُ مُسْتَبِينٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ أَوْ الْمَاءِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كَلَامٍ غَيْرِ مَسْمُوعٍ وَلَا يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ وَإِنْ نَوَى، وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ وَقَوَدٍ وَعَلَّلَ فِي الْهِدَايَةِ بِأَنَّ الْقِصَاصَ فِيهِ مَعْنَى الْعِوَضِيَّةِ؛ لِأَنَّهُ شُرِعَ جَابِرًا فَجَازَ أَنْ يَثْبُتَ مَعَ الشُّبْهَةِ كَسَائِرِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي هِيَ حَقُّ الْعَبْدِ
بِخِلَافِ الْحُدُودِ الْخَالِصَةِ لِلَّهِ تَعَالَى فَشُرِعَتْ زَوَاجِرَ وَلَيْسَ فِيهَا مَعْنَى الْعِوَضِيَّةِ فَلَا تَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ.
أَقُولُ: فِيهِ بَحْثٌ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ مَا ذُكِرَ هَا هُنَا مِنْ جَوَازِ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ مَعَ الشُّبْهَةِ مُخَالِفٌ لِمَا صَرَّحَ بِهِ فِيمَا مَرَّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْهَا كِتَابُ الْكَفَالَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ وَلَا تَجُوزُ الْكَفَالَةُ بِالنَّفْسِ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ مَبْنَى الْكُلِّ عَلَى الدَّرْءِ فَلَا يَجِبُ فِيهَا الِاسْتِيثَاقُ وَمِنْهَا كِتَابُ الشَّهَادَاتِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ وَلَا تُقْبَلُ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّ شُبْهَةَ الْبَدَلِيَّةِ لِقِيَامِهَا مَقَامَ شَهَادَةِ الرِّجَالِ فَلَا تُقْبَلُ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ ثُمَّ
قَالَ فِي بَابِ الشَّهَادَةِ الشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ جَائِزَةٌ فِي كُلِّ حَقٍّ لَا يَسْقُطُ بِالشُّبْهَةِ وَلَا تُقْبَلُ فِيمَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَمِنْهَا كِتَابُ الْوَكَالَةِ حَيْثُ قَالَ فِيهِ وَتَجُوزُ الْوَكَالَةُ بِالْخُصُومَةِ فِي سَائِرِ الْحُقُوقِ،
وَكَذَا بِإِيفَائِهَا وَاسْتِيفَائِهَا إلَّا فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فَإِنَّ الْوَكَالَةَ لَا تَصِحُّ بِاسْتِيفَائِهَا مَعَ غَيْبَةِ الْمُوَكِّلِ عَنْ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهَا تُدْرَأُ بِالشُّبُهَاتِ،
وَكَذَا فِي كِتَابِ الدَّعْوَى وَمِنْهَا كِتَابُ الْجِنَايَاتِ فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِيهِ فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ مِنْهُ بِعَدَمِ ثُبُوتِ الْقِصَاصِ بِالشُّبْهَةِ بَلْ جَعَلَهَا أَصْلًا مُؤَثِّرًا فِي سُقُوطِ الْقِصَاصِ وَفَرَّعَ عَلَيْهِ كَثِيرًا مِنْ مَسَائِلِ سُقُوطِ الْقِصَاصِ بِتَحَقُّقِ نَوْعٍ مِنْ الشُّبْهَةِ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا لَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ فِي تَمَامِ ذَلِكَ الْكِتَابِ،
وَأَمَّا ثَانِيًا فَلِأَنَّ قَيْدَ الْخَالِصَةِ فِي قَوْلِهِ
أَمَّا الْحُدُودُ الْخَالِصَةُ لِلَّهِ تَعَالَى فَشُرِعَتْ زَوَاجِرَ مُسْتَدْرَكٌ فَإِنَّ حَدَّ الْقَذْفِ غَيْرُ خَالِصٍ لِلَّهِ تَعَالَى بَلْ فِيهِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقُّ الْعَبْدِ مُقَدَّمٌ.
كَمَا صَرَّحُوا بِهِ عَلَى أَنَّهُ زَاجِرٌ لَا يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ وَلَا تَكُونُ إشَارَةُ الْأَخْرَسِ حُجَّةً فِيهِ أَيْضًا كَمَا صَرَّحُوا بِهِ لَا يَثْبُتُ بِالشُّبْهَةِ فِيمَا مَرَّ آنِفًا فَلَا يَتِمُّ التَّفْرِيقُ بِالنَّظَرِ إلَيْهِ وَقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ الْإِشَارَةُ وَالْكِتَابَةُ كَالْبَيَانِ دَلَّتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى أَنَّ الْإِشَارَةَ مُعْتَبَرَةٌ وَإِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْكِتَابَةِ لِأَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ أَشَارَ وَكَتَبَ قَالَ صَاحِبُ الْعِنَايَةِ وَلَنَا فِي دَعْوَى الْجَمِيعِ بَيْنَهُمَا نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ
قَالَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ وَإِذَا كَانَ الْأَخْرَسُ يَكْتُبُ أَوْ يُومِئُ وَكَلِمَةُ أَوَّلًا حَدُّ الشَّيْئَيْنِ لَا لِلْجَمْعِ عَلَى أَنَّا نَقُولُ
قَالَ فِي الْأَصْلِ وَإِنْ كَانَ الْأَخْرَسُ لَا يَكْتُبُ وَكَانَتْ لَهُ إشَارَةٌ تُعْرَفُ فِي نِكَاحِهِ وَطَلَاقِهِ وَشِرَائِهِ وَبَيْعِهِ فَهُوَ جَائِزٌ وَيُعْلَمُ مِنْ إشَارَةِ رِوَايَةِ الْأَصْلِ أَنَّ الْإِشَارَةَ مِنْ الْأَخْرَسِ لَا تُعْتَبَرُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْكِتَابَةِ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ حُكْمُ إشَارَةِ الْأَخْرَسِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكْتُبَ فَافْهَمْ إلَى هُنَا قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
لا يتكلم على هذه المسألة.
لا يتكلم على هذه المسألة.
(مَسَائِلُ شَتَّى) قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(إيمَاءُ الْأَخْرَسِ، وَكِتَابَتُهُ كَالْبَيَانِ بِخِلَافِ مُعْتَقَلِ اللِّسَانِ فِي وَصِيَّةٍ وَنِكَاحٍ وَطَلَاقٍ وَبَيْعٍ وَشِرَاءٍ وَقَوَدٍ) وَقَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - تَجُوزُ كِتَابَتُهُ وَإِيمَاؤُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ لِأَنَّ الْمُجَوِّزَ إنَّمَا هُوَ الْعَجْزُ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْفَصْلَيْنِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ أَصْلًا أَوْ عَارِضًا كَالْوَحْشِيِّ وَالْمُتَوَحِّشِ مِنْ الْأَهْلِيِّ فِي حَقِّ الذَّكَاةِ، وَالْفَرْقُ لَنَا أَنَّ الْإِشَارَةَ إنَّمَا تَقُومُ مَقَامَ الْعِبَارَةِ إذَا صَارَتْ مَعْهُودَةً، وَذَلِكَ فِي الْأَخْرَسِ دُونَ الْمُعْتَقَلِ لِسَانُهُ حَتَّى لَوْ امْتَدَّ ذَلِكَ، وَصَارَتْ لَهُ إشَارَةٌ مَعْلُومَةٌ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْأَخْرَسِ.
، وَلِأَنَّ التَّفْرِيطَ جَاءَ مِنْ قِبَلِهِ حَيْثُ أَخَّرَ الْوَصِيَّةَ إلَى هَذَا الْوَقْتِ
بِخِلَافِ الْأَخْرَسِ لِأَنَّهُ لَا تَفْرِيطَ مِنْ جِهَتِهِ، وَلِأَنَّ الْعَارِضَ عَلَى شَرَفِ الزَّوَالِ دُونَ الْأَصْلِيِّ فَلَا يُقَاسُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ،
وَفِي الْآبِدِ عَرَّفْنَاهُ بِالنَّصِّ، وَهُوَ مَا رُوِيَ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - «أَنَّ بَعِيرًا مِنْ إبِلِ الصَّدَقَةِ نَدَّ فَرَمَاهُ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَسَمَّى فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - إنَّ لَهَا أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ فَإِذَا فَعَلَتْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَافْعَلُوا بِهَا كَمَا فَعَلْتُمْ بِهَذَا ثُمَّ كُلُوهُ» ثُمَّ قَدَّرَ الِامْتِدَادُ هُنَا التُّمُرْتَاشِيُّ بِسَنَةٍ.
وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَبُو مُحَمَّدٍ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - فَقَالَ إنْ دَامَتْ الْعَقْلَةُ إلَى وَقْتِ الْمَوْتِ يَجُوزُ إقْرَارُهُ بِالْإِشَارَةِ،
وَيَجُوزُ الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ عَجَزَ عَنْ النُّطْقِ بِمَعْنًى لَا يُرْجَى زَوَالُهُ فَكَانَ كَالْأَخْرَسِ قَالُوا وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى،
وَإِذَا كَانَ إيمَاءُ الْأَخْرَسِ، وَكِتَابَتُهُ كَالْبَيَانِ، وَهُوَ النُّطْقُ بِاللِّسَانِ تَلْزَمُهُ الْأَحْكَامُ بِالْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ حَتَّى يَجُوزَ نِكَاحُهُ وَطَلَاقُهُ وَعَتَاقُهُ وَبَيْعُهُ وَشِرَاؤُهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ.
لِأَنَّ الْإِشَارَةَ تَكُونُ بَيَانًا مِنْ الْقَادِرِ فَمَا ظَنُّك مِنْ الْعَاجِزِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ أَفْصَحَ الْعَرَبِ، وَمَعَ هَذَا أَنْبَأَ بِالْإِشَارَةِ بِقَوْلِهِ «الشَّهْرُ هَكَذَا» الْحَدِيثَ، وَالْكِتَابَةُ مِمَّنْ نَأَى بِمَنْزِلَةِ الْخِطَابِ مِمَّنْ دَنَا أَلَا تَرَى أَنَّهُ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - بَلَّغَ الرِّسَالَةَ إلَى الْغُيَّبِ بِالْكِتَابَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ حُجَّةً عَلَيْهِمْ كَمَا إذَا بَلَّغَهُمْ بِالْعِبَارَةِ فَإِذَا كَانَ الْكِتَابُ كَالْخِطَابِ عِنْدَ الْعَجْزِ فَفِي حَقِّ الْأَخْرَسِ أَوْلَى لِأَنَّ عَجْزَهُ أَظْهَرُ وَأَلْزَمُ عَادَةً لِأَنَّ الْغَائِبَ يَقْدِرُ عَلَى الْحُضُورِ بَلْ يَحْضُرُ ظَاهِرًا، وَالْأَخْرَسُ لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ.
وَالظَّاهِرُ بَقَاؤُهُ عَلَى الدَّوَامِ ثُمَّ الْكِتَابُ عَلَى ثَلَاثِ مَرَاتِبَ مُسْتَبِينٌ مَرْسُومٌ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُعَنْوَنًا أَيْ مُصَدَّرًا بِالْعِنْوَانِ، وَهُوَ أَنْ يَكْتُبَ فِي صَدْرِهِ مِنْ فُلَانٍ إلَى فُلَانٍ عَلَى مَا جَرَتْ بِهِ الْعَادَةُ فِي تَسْيِيرِ الْكِتَابِ فَيَكُونُ هَذَا كَالنُّطْقِ فَلَزِمَ حُجَّةً، وَمُسْتَبِينٌ غَيْرُ مَرْسُومٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْجُدْرَانِ وَأَوْرَاقِ الْأَشْجَارِ أَوْ عَلَى الْكَاغَدِ لَا عَلَى وَجْهِ الرَّسْمِ فَإِنَّ هَذَا يَكُونُ لَغْوًا لِأَنَّهُ لَا عُرْفَ فِي إظْهَارِ الْأَمْرِ بِهَذَا الطَّرِيقِ فَلَا يَكُونُ حُجَّةً إلَّا بِانْضِمَامِ شَيْءٍ آخَرَ إلَيْهِ كَالنِّيَّةِ وَالْإِشْهَادِ عَلَيْهِ وَالْإِمْلَاءِ عَلَى الْغَيْرِ حَتَّى يَكْتُبَهُ لِأَنَّ الْكِتَابَةَ قَدْ تَكُونُ لِلتَّجْرِبَةِ، وَقَدْ تَكُونُ لِلتَّحْقِيقِ.
وَبِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ تَتَعَيَّنُ الْجِهَةُ، وَقِيلَ الْإِمْلَاءُ مِنْ غَيْرِ إشْهَادٍ لَا يَكُونُ حُجَّةً، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَغَيْرُ مُسْتَبِينٍ كَالْكِتَابَةِ عَلَى الْهَوَاءِ أَوْ الْمَاءِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ كَلَامٍ غَيْرِ مَسْمُوعٍ، وَلَا يَثْبُتُ بِهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَحْكَامِ،
وَإِنْ نَوَى قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ مَسَائِلُ شَتَّى) أَيْ مُتَفَرِّقَةٌ مِنْ كُلِّ بَابٍ يُقَالُ شَتَّى وَشَتَّانَ قَالَ تَعَالَى {وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى} أَيْ مُتَفَرِّقَةٌ وَإِيرَادُ مَسَائِلَ شَتَّى فِي آخِرِ الْكُتُبِ مِنْ دَأْبِ الْمُصَنِّفِينَ. اهـ.
(قَوْلُهُ مُسْتَبِينٌ) وَهُوَ صَرِيحٌ لَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ. اهـ.
(قَوْلُهُ مَرْسُومٌ) الْمَقْصُودُ مِنْ الْمَرْسُومِ أَنْ يَكُونَ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ فِي إظْهَارِ الْأَمْرِ عُرْفًا كَالْكُتُبِ الْمُعَنْوَنَةِ وَالْمَحَاضِرِ وَالسِّجِلَّاتِ وَالْقِصَصِ وَنَحْوِهَا اهـ يَحْيَى
(قَوْلُهُ وَمُسْتَبِينٌ غَيْرُ مَرْسُومٍ) وَهُوَ كِنَايَةٌ فَيَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ اهـ.
(قَوْلُهُ لَا عَلَى وَجْهِ الرَّسْمِ) أَيْ لَا عَلَى وَجْهِ الْمُعْتَادِ فِي إثْبَاتِ الْمَقَاصِدِ كَمَا يُكْتَبُ عَلَى الْكَاغَدِ لِتَجْرِبَةِ الْمِدَادِ أَوْ الْقَلَمِ أَوْ الْخَطِّ وَنَحْوِهَا. اهـ.
(قَوْلُهُ كَالنِّيَّةِ) فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا يُبَيِّنُ نِيَّتَهُ بِلِسَانِهِ وَإِنْ كَانَ أَخْرَسَ يُبَيِّنُ نِيَّتَهُ بِكِتَابَتِهِ كَذَا فِي الْمَبْسُوطِ اهـ قَوْلُهُ وَفِي الْقِصَاصِ إلَخْ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْحَدِّ وَالْقَوَدِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الْقَوَدَ حَقُّ الْعَبْدِ وَهُوَ مُحْتَاجٌ فَيُعْتَبَرُ فِيهِ الْإِشَارَةُ لِلضَّرُورَةِ وَالْحَدَّ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ الْعَالَمِينَ فَلَا يُعْتَبَرُ وَثَانِيهِمَا أَنَّ الْقَوَدَ فِيهِ شُبْهَةُ الْعِوَضِيَّةِ.
لِأَنَّهُ شُرِعَ جَابِرًا وَالْأَعْوَاضُ تَثْبُتُ مَعَ الشُّبْهَةِ وَالْحَدُّ لَيْسَ كَذَلِكَ. اهـ. يَحْيَى
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.