ودمان لو حلق القارن قبل الذّبح
الشروح عليها
(قَوْلُهُ: وَدَمَانِ لَوْ حَلَقَ الْقَارِنُ قَبْلَ الذَّبْحِ) أَيْ يَجِبُ دَمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ بِتَقْدِيمِ الْقَارِنِ أَوْ الْمُتَمَتِّعِ الْحَلْقَ عَلَى الذَّبْحِ وَعِنْدَهُمَا يَلْزَمُهُ دَمٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ نَصَّ ضَابِطُ الْمَذْهَبِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَلَى أَنَّ أَحَدَ الدَّمَيْنِ دَمُ الْقِرَانِ وَالْآخَرَ لِتَأْخِيرِ النُّسُكِ عَنْ وَقْتِهِ،
وَأَنَّ عِنْدَهُمَا يَلْزَمُ دَمُ الْقِرَانِ فَقَطْ لَكِنْ وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ اشْتِبَاهٌ بِسَبَبِ ذِكْرِ الدَّمَيْنِ فِي بَابِ الْجِنَايَةِ فَإِنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْعِبَارَاتِ أَنَّ الدَّمَيْنِ لِأَجْلِ الْجِنَايَةِ، وَإِلَّا كَانَ ذِكْرُ الدَّمِ الْوَاحِدِ كَافِيًا لِلْعِلْمِ بِدَمِ الْقِرَانِ مِنْ بَابِهِ، وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فَإِنَّهُ قَالَ: فَعَلَيْهِ دَمَانِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ دَمٌ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ؛ لِأَنَّ أَوَانَهُ بَعْدَ الذَّبْحِ وَدَمٌ لِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَنْ الْحَلْقِ وَعِنْدَهُمَا يَجِبُ دَمٌ وَاحِدٌ، وَهُوَ الْأَوَّلُ،
وَلَا يَجِبُ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ شَيْءٌ. اهـ.
فَجُعِلَ الدَّمَيْنِ لِلْجِنَايَةِ فَنَسَبَهُ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ إلَى التَّخْبِيطِ، وَإِلَى التَّنَاقُضِ فَإِنَّهُ جَعَلَ فِي بَابِ الْقِرَانِ أَحَدَهُمَا لِلشُّكْرِ وَالْآخَرَ لِلْجِنَايَةِ وَنَسَبَهُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ إلَى أَنَّهُ سَهْوٌ مِنْ الْقَلَمِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ ذَلِكَ لَزِمَ فِي كُلِّ تَقْدِيمِ نُسُكٍ عَلَى نُسُكٍ دَمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْأَمْرَيْنِ، وَلَا قَائِلَ بِهِ.
وَلَوَجَبَ فِي حَلْقِ الْقَارِنِ قَبْلَ الذَّبْحِ ثَلَاثَةَ دِمَاءٍ فِي تَفْرِيعِ مَنْ يَقُولُ: إنَّ إحْرَامَ عُمْرَتِهِ انْتَهَى بِالْوُقُوفِ،
وَفِي تَفْرِيعِ مَنْ لَا يَرَاهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ خَمْسَةَ دِمَاءٍ؛ لِأَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى إحْرَامَيْنِ وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ جِنَايَتَانِ فَفِيهِمَا أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ وَدَمُ الْقِرَانِ. اهـ.
وَهَكَذَا فِي النِّهَايَةِ وَالْعِنَايَةِ، وَلَمْ أَرَ جَوَابًا عَنْهُ وَظَهَرَ لِي أَنَّهُ لَا تَخْبِيطَ، وَلَا سَهْوَ مِنْ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ لِمَا أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ اخْتِلَافًا فَمَا فِي الْهِدَايَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ دَمٌ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ إجْمَاعًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ وَغَيْرِهَا
وَيَجِبُ دَمُ الْقِرَانِ إجْمَاعًا وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي الدَّمِ الثَّالِثِ فَهَاهُنَا مَشَى عَلَى هَذَا الْقَوْلِ،
وَأَمَّا قَوْلُهُ قَرِيبًا: وَقَالَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْوَجْهَيْنِ، وَذَكَرَ مِنْهُ مَا إذَا حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَصْلِ الرِّوَايَةِ الْمَنْقُولَةِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ عَنْهُمَا أَوْ مَعْنَاهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ،
وَأَمَّا بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ فَيَقُولَانِ بِوُجُوبِ الدَّمِ وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي الْعِنَايَةِ،
وَأَمَّا التَّنَاقُضُ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْغَايَةِ فَمَمْنُوعٌ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرَهُ فِي بَابِ الْقِرَانِ مِنْ لُزُومِ دَمٍ وَاحِدٍ لَوْ حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ فَإِنَّمَا هُوَ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ الْهَدْيِ كَمَا هُوَ صُورَةُ الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ يَكُنْ جَانِيًا بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ أَبَاحَ لَهُ التَّحَلُّلَ بِالْحَلْقِ، وَإِنَّمَا قَدَّمَ نُسُكًا عَلَى نُسُكٍ فَقَطْ فَلَزِمَهُ دَمٌ،
وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ هُنَا مِنْ لُزُومِ دَمَيْنِ لَوْ حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ فَإِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ جِنَايَةً؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ لَا يَحِلُّ لَهُ قَبْلَ الذَّبْحِ لِقُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَكَانَ جَانِيًا مُؤَخِّرًا فَلَزِمَهُ دَمَانِ،
وَأَمَّا إلْزَامُ أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ دَمَيْنِ فِيمَا إذَا قَدَّمَ نُسُكًا عَلَى نُسُكٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ الْأَمْرَيْنِ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ فَمَمْنُوعٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ قَبْلَ الذَّبْحِ لَا يَحِلُّ فَكَانَ جِنَايَةً عَلَى الْإِحْرَامِ
بِخِلَافِ الذَّبْحِ قَبْلَ الرَّمْيِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِجِنَايَةٍ؛ لِأَنَّهُ مُبَاحٌ مَشْرُوعٌ فِي نَفْسِهِ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ نُسُكًا كَامِلًا إذَا قَدَّمَهُ فَكَيْفَ يُوجِبُ دَمًا، وَلَيْسَ بِجِنَايَةٍ، وَإِنَّمَا يَجِبُ دَمٌ وَاحِدٌ بِاعْتِبَارِ التَّقْدِيمِ وَبِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّهُ لَوْ حَلَقَ قَبْلَ الرَّمْيِ فَهُوَ كَمَا لَوْ حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ بِالْأَوْلَى.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: لَوَجَبَ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ فَنَلْتَزِمُهُ؛ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ يَلْزَمُهُ ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ دَمَانِ لِلْجِنَايَةِ وَدَمُ الْقِرَانِ،
وَأَمَّا لُزُومُ خَمْسَةِ دِمَاءٍ فَمَمْنُوعٌ عَلَى كُلِّ قَوْلٍ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْقَارِنِ إنَّمَا تَكُونُ مَضْمُونَةً بِدَمَيْنِ فِيمَا عَلَى الْمُفْرِدِ فِيهِ دَمٌ وَالْمُفْرِدُ لَوْ حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ فَلَا يَتَضَاعَفُ الْغُرْمُ عَلَى الْقَارِنِ هَكَذَا أَجَابَ فِي الْعِنَايَةِ، وَأَجَابَ فِي غَايَةِ الْبَيَانِ بِأَنَّ التَّضَاعُفَ عَلَى الْقَارِنِ إنَّمَا يَكُونُ فِيمَا إذَا أَدْخَلَ نَقْصًا فِي إحْرَامِ عُمْرَتِهِ
أَمَّا فِيمَا لَا يُوجِبُ نَقْصًا فِيهِ فَلَا يَجِبُ إلَّا دَمٌ وَاحِدٌ كَمَا قَدَّمْنَاهُ فَإِنَّهُ قَدْ أَتَى بِرُكْنِهَا وَوَاجِبِهَا وَلِهَذَا إذَا أَفَاضَ الْقَارِنُ قَبْلَ الْإِمَامِ أَوْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا لَا يَلْزَمُهُ إلَّا دَمٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّهُ لَا تَعَلُّقَ لِلْعُمْرَةِ بِالْوُقُوفِ وَطَوَافِ الزِّيَارَةِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ جِنَايَةُ الْقَارِنِ مَضْمُونَةً بِدَمَيْنِ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَرْبَعَةُ دِمَاءٍ لَا خَمْسَةٌ؛ لِأَنَّ حَلْقَهُ قَبْلَ أَوَانِهِ جِنَايَةٌ تُوجِبُ دَمَيْنِ وَتَقْدِيمُ النُّسُكِ عَلَى النُّسُكِ يُوجِبُ دَمًا وَاحِدًا وَدَمُ الْقِرَانِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَدَّدَ دَمُ الْقِرَانِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَعَدَّدَ دَمُ التَّقْدِيمِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جِنَايَةٌ؛
لِأَنَّ الْجِنَايَةَ عَلَى الْحَلْقِ قَبْلَ أَوَانِهِ، وَقَدْ وَجَبَ فِيهَا دَمَانِ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ آخَرُ هَذَا مَا ظَهَرَ لِي فِي تَوْجِيهِ كَلَامِ الْهِدَايَةِ لَكِنَّ الْمَذْهَبَ خِلَافُهُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
(قَوْلُهُ: وَلَكِنْ وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمَشَايِخِ اشْتِبَاهٌ إلَخْ)
قَالَ فِي النَّهْرِ فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَا مَعْنَى لِلِاشْتِبَاهِ مَعَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ أَحَدَهُمَا دَمُ الْقِرَانِ. اهـ.
وَنَقَلَ قَبْلَهُ عَنْ شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لِلصَّدْرِ الشَّهِيدِ قَارِنٌ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَعَلَيْهِ دَمَانِ،
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: عَلَيْهِ دَمٌ وَاحِدٌ لِجِنَايَتِهِ عَلَى إحْرَامِهِ،
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ دَمٌ آخَرُ لِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَلَى الْحَلْقِ. اهـ.
يَعْنِي فَمَا فِي الْهِدَايَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا اشْتِبَاهَ كَمَا سَيَذْكُرُهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ مِعْرَاجِ الدِّرَايَةِ
(قَوْلُهُ: وَظَهَرَ لِي إلَخْ) شُرُوعٌ فِي تَوْجِيهِ كَلَامِ الْهِدَايَةِ وَحَاصِلُ مَا اعْتَرَضَ عَلَيْهِ أَنَّ فِي كَلَامِهِ خَلَلًا مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ مُخَالَفَتُهُ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ الثَّانِي مُخَالَفَتُهُ لِمَا ذَكَرَ فِي بَابِ الْقِرَانِ الثَّالِثُ لُزُومُ خَمْسَةِ دِمَاءٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، الرَّابِعُ مُخَالَفَتُهُ لِمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ عَدَمِ وُجُوبِ شَيْءٍ عِنْدَهُمَا فِيمَا إذَا حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ وَسَيُشِيرُ إلَى هَذَا، وَقَدْ اسْتَوْفَى - رَحِمَهُ اللَّهُ - الْأَجْوِبَةَ عَنْ جَمِيعِ مَا ذُكِرَ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى النَّاظِرِ، وَأَنْتَ إذَا تَأَمَّلْت مَا هُنَا لَمْ تَرَ فِي النَّهْرِ زِيَادَةً عَلَيْهِ بَلْ جَزَمْت بِالْعَكْسِ فَقَوْلُهُ فِي النَّهْرِ، وَهَذَا الْجَمْعُ لَا تَرَاهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ تَمَدُّحٌ بِنِعْمَةِ غَيْرِهِ نَعَمْ صَرَّحَ بِأَنَّ عَدَمَ مُطَابَقَةِ مَا فِي الْهِدَايَةِ لِمَا فِي الْجَامِعِ إنَّمَا هُوَ عَلَى نَقْلِ فَخْرِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهِ لَا عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الشَّهِيدِ، وَقَدْ أَخَذَهُ مِنْ الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ عَنْ الْمِعْرَاجِ هُوَ هَذَا،
وَإِنَّ الْمُرَادَ بِالْبَعْضِ هُوَ الصَّدْرُ.
(قَوْلُهُ: فَمَا فِي الْهِدَايَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ) أَيْ لَا عَلَى الرِّوَايَةِ السَّابِقَةِ عَنْ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ، وَهِيَ رِوَايَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ،
وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُ بَلْ عَلَى مَا مَرَّ عَنْ الصَّدْرِ وَفِي شَرْحِ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْكَافِي بَعْدَ نَقْلِ كَلَامِ هَذَا الْبَعْضِ،
وَمَنْ خَطَّأَ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ فَلِغَفْلَتِهِ عَنْ هَذِهِ الرِّوَايَةِ
(قَوْلُهُ: وَبِهَذَا انْدَفَعَ مَا فِي الْعِنَايَةِ) أَيْ مِنْ أَنَّ مَا هُنَا مُنَاقِضٌ لِمَا ذَكَرَهُ قَرِيبًا مِنْ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا فِي الْوَجْهَيْنِ إلَى أَنْ قَالَ: وَالْحَلْقُ قَبْلَ الذَّبْحِ،
وَمِنْ أَنَّ ذَلِكَ يَأْبَى حَمْلَ كَلَامِهِ عَلَى مَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ فَإِنَّ ذَلِكَ صَرِيحٌ بِأَنَّهُمَا لَا يَقُولَانِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِوُجُوبِ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِالْكَفَّارَةِ أَصْلًا وَبَيَانُ الِانْدِفَاعِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَنَّهُ مَشَى فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَفِي مَسْأَلَتِنَا عَلَى قَوْلِ بَعْضِهِمْ، وَمَا قَدَّمَهُ قَبْلَهَا قَرِيبًا عَلَى أَصْلِ رِوَايَةِ الْجَامِعِ أَوْ أَنَّ مَا قَدَّمَهُ قَرِيبًا مَعْنَاهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمَا بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ لَا الْجِنَايَةِ كَمَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِي الْعِنَايَةِ وَالْمُثْبَتُ هُنَا دَمُ الْجِنَايَةِ فِي الْإِحْرَامِ، وَهَذَا الْجَوَابُ عَنْ الْعِنَايَةِ.
وَالْجَوَابُ الْآتِي عَمَّا فِي غَايَةِ الْبَيَانِ مَذْكُورَانِ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ
(قَوْلُهُ: فَإِنَّمَا هُوَ لِكَوْنِهِ جِنَايَةً) يَعْنِي أَنَّ قَوْلَ الْهِدَايَةِ دَمٌ بِالْحَلْقِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ أَرَادَ بِهِ الْجِنَايَةَ عَلَى الْإِحْرَامِ لَا تَقْدِيمَ الْحَلْقِ عَلَى الذَّبْحِ يُفْصِحُ عَنْهُ مَا مَرَّ عَنْ الصَّدْرِ الشَّهِيدِ وَبِهِ انْدَفَعَ مَا فِي الْفَتْحِ مِنْ الْإِلْزَامِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ قَرِيبًا.
(قَوْلُهُ: وَأَمَّا الْإِلْزَامُ أَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ دَمَيْنِ إلَخْ) جَوَابٌ عَمَّا أَوْرَدَهُ فِي الْفَتْحِ مِنْ أَنَّهُ لَوْ وَجَبَ دَمٌ بِتَقْدِيمِ الْحَلْقِ وَدَمٌ بِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ لَزِمَ أَنْ يَجِبَ الدَّمَانِ فِي كُلِّ تَقْدِيمِ نُسُكٍ عَلَى آخَرَ لِوُجُودِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ. وَالْجَوَابُ أَنَّك عَلِمْت أَنَّ مُرَادَ الْهِدَايَةِ بِوُجُوبِ الدَّمِ بِتَقْدِيمِ الْحَلْقِ وُجُوبُهُ بِالْجِنَايَةِ لَا مِنْ حَيْثُ هُوَ تَقْدِيمٌ وَالذَّبْحُ قَبْلَ الرَّمْيِ مَشْرُوعٌ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ جِنَايَةً فَإِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ كُلَّ وَقْتٍ
بِخِلَافِ الْحَلْقِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِلْمُحْرِمِ أَصْلًا نَعَمْ الذَّبْحُ الَّذِي هُوَ نُسُكٌ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الرَّمْيِ فَإِذَا قَدَّمَهُ عَلَيْهِ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا كَامِلًا فَيَجِبُ الدَّمُ بِاعْتِبَارِ تَقْدِيمِهِ مُرَادًا بِهِ النُّسُكَ لَا بِكَوْنِهِ نَفْسِهِ جِنَايَةً
(قَوْلُهُ: وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ نُسُكًا كَامِلًا إذَا قَدَّمَهُ) كَذَا فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ،
وَفِي غَيْرِهَا مِنْ النُّسَخِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نُسُكًا إذَا قَدَّمَهُ، وَلَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَاهَا وَالْأَوْلَى مُوَافَقَةٌ لِمَا قَرَّرْته أَوَّلًا وَالْمَعْنَى، وَإِنَّمَا انْتَفَى كَوْنُهُ نُسُكًا كَامِلًا حِينَ تَقْدِيمِهِ فَقَوْلُهُ إذَا قَدَّمَهُ مُتَعَلِّقٌ بِانْتَفَى الْمَفْهُومُ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى:{مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ} أَيْ انْتَفَى عَنْك ذَلِكَ بِنِعْمَةِ رَبِّك كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ جِنَايَةَ الْقَارِنِ إنَّمَا تَكُونُ إلَخْ) اعْتَرَضَهُ فِي الْحَوَاشِي السَّعْدِيَّةِ بِأَنَّ الْمُفْرِدَ إنَّمَا لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ لَا جِنَايَةَ مِنْهُ عَلَى إحْرَامِهِ لِعَدَمِ تَوَقُّتِ الْحَلْقِ فِي حَقِّهِ بِكَوْنِهِ قَبْلَ الذَّبْحِ،
وَأَمَّا الْقَارِنُ فَلَيْسَ كَذَلِكَ ثُمَّ أَجَابَ بِمَا يَأْتِي.
(قَوْلُهُ: أَمَّا فِيمَا لَا يُوجِبُ نَقْصًا فِيهِ إلَخْ) قَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِ الْمَتْنِ فَأَحْلَقَ يَوْمَ النَّحْرِ حَلَّ مِنْ إحْرَامِهِ عَنْ فَتْحِ الْقَدِيرِ أَنَّ قَضَاءَ الْأَعْمَالِ لَا يَمْنَعُ بَقَاءَ الْإِحْرَامِ، وَالْوُجُوبُ إنَّمَا هُوَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ جِنَايَةٌ عَلَى الْإِحْرَامِ فَتَأَمَّلْ.
[فَصْلٌ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ] (فَصْلٌ إنْ قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا أَوْ دَلَّ عَلَيْهِ مَنْ قَتَلَهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ) .
(و) يجب (دمان لو حلق القارن قبل الذبح) عند أبي حنيفة دم بالحلق في غير أوانه لأنه أوانه بعد الذبح ودم بتأخير الذبح عن الحلق، وعندهما يجب عليه دم واحد وهو الأول ولا يجب بسبب التأخير شيء لما قلنا، كذا في (الهداية) وجزم في (فتح القدير) بأنه سهو بل أحد الدمين لمجموع التقديم والتأخير والثاني دم القران، والذي يجب عندهما هنا دم القران لأن الحلق قبل أوانه ولو وجب ذلك وجب في كل تقديم نسك على نسك دمان لأنه لا ينفك عن الأمرين ولا قائل به،
ولو وجب في حق القارن قبل الذبح ثلاثة دماء في تفريع من يقول؟ إن إحرام عمرته انتهى بالوقوف وفي تفريع من لا يراه كما قدمناه خمسة دماء لأن جنايته على إحرامين والتقديم والتأخير جنايات فيهما أربعة دماء ودم القران وهكذا سماه في (العناية) لكن من حيث مطابقته لما في (الجامع) ، وذلك أن محمدًا
قال في (الجامع الصغير) ما لفظه: فإن حلق قبل أن يذبح فعليه دمان دم للحلق قبل الذبح ودم للقران يعني عند الإمام، وقالا: ليس عليه إلا دم القران ومع عدم مطابقته فهو مناقض لما قدمه من أنه لا شيء عليه عندهما بالحلق قبل الذبح.
وفي (غاية البيان) : خبط صاحب (الهداية) لأنه جعل الدمين هنا للجناية وفي القران جعل أحدهما للشكر والآخر للجناية وأجاب بعض بأنه لم يرد بقوله بالحلق قبل أوانه تقديم الحلق على الذبح ليلزم ما ذكر بل الجناية على الإحرام يفصح عن ذلك ما قاله الصدر الشهيد في شرح (الجامع الصغير) : قارن حلق قبل أن يذبح فعليه دمان وقال أبو يوسف ومحمد: عليه دم آخر لتأخير الذبح على الحلق
وأما دم القارئ فمتفق عليه ولم يذكوه لأن الكلام في الدماء الواجبة بسبب الجناية على الإحرام
وأما لزوم إيجاب الخمسة فهو اعتراض المحبوبي، وقد أجيب عنه بان ما على المفرد فيه دم فعلى القارئ عمان ولو قدم المفرد الحلق على الذبح لا شيء عليه فلا يتضاعف على القارئ، وعدم مطابقته ما في (الجامع) إنما هو على نقل فخر الإسلام ومن حذا حذوه لا على ما قدمناه عن الشهيد وعن هذا
قال في (الدراية) : اختلفت عبارات فصل إن قتل محرم صيدًا أو دل عليه من قتله فعليه الجزاء المشايخ في هذه المسالة فذكر فخر الإسلام في (جامعه) قارن حلق قبل أن يذبح فعليه دمان وقالا: ليس عليه إلا دم القارن وهكذا ذكر محمد في (الجامع (وقاضي خان في (جامعه) وقال بعضهم: دم القران واجب إجماعًا
ويجب دم آخر إجماعًا بسبب الجناية على الإحرام ودم آخر عند أبي حنيفة بسبب تأخير الذبح عن الحلق وواليه مال صاحب (الكتاب) انتهى. وقو صاحب (العناية) /هذا يآباه فيما مر وقالا: لا شيء عليه في الوجهين فإنه تصريح بانهما لا يقولان في هذه الصورة بوجوب شيء يتعلق بهذه الكفارة أصلاً ورده في (الحواشي السعدية) بأن المرأة لا يجب شيء بسبب تأخير النسك إذ الكلام فيه وبه عرف أنه لا مناقضة بين كلامه إذ المنفي فيما سبق دم التأخير والمثبت هنا دم الجناية على الإحرام ودعوى الخبط في كلامه لعدم فهمه، وذلك أن ما مر في القران إنما هو عند العجز عن الذبح وتأخيره في هذه الحالة مرخص فيه لا يجب به دم، ولهذا لم ينقل ثمة الخلاف ولو كان الواجب دم جناية التأخير لكان لهما خلاف وإذا تقرر هذا فقوله في (البحر) : نص محمد أن أحد الدمين دم القران والآخر لتأخير النسك عن وقته وقد وقع لكثير من المشايخ اشتباه بسبب ذكر الدم الواحد كافيًا للعلم بدم القران، وهذا الجمع لا نراه في غير هذا الكتاب وإنما أطلنا في هذا المقام لأنه من مزال الأقدام ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
[٣٠] فصل في جزاء الصيد لما كانت الجناية على الإحرام في الصيد نوعا آخر مغايرًا لما مر من أنواع الجنايات أوردها في فصل على حدة وجمعه مع ما تقدم في باب واحد للاتحاد في الجندر، ولا يخفى أن الصيد اسم للحيوان الممتنع للتوحش بأصل الخلقة أي: الذي يمنع نفسه عمن قصده
إما بقوائمه أو بجناحه فخرج نحو الغنم والبقر من الحيوانات الأصلية وقيد بالمتوحش بأصل الخلقة ليدخل الحمام المسؤول والظبي المستأنس وليخرج الإبل المتوحشة وإنما لم تجب الزكاة أي: الذبح فيها للضرورة، وأورد على التعريف أنه صادق على الكلب والسنور المستوحشين وليسا بصيد، وأجيب بأن الكلب أهلي في الأصل لكن ربما توحش
وأما السنور المتوحش ففيه روايتان، ولا كلام أن الأهلي منه ليس بصيد.
قال بعض المتأخرين: وبقي قيد أهملوه في التعريف وهو أن يكون مقصودًا بالأخذ لقولهم في الجرادة؟ إنها صيد لادن الصيد ما لا يمكن أخذه إلا بحيلة، ويقصد . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
بالأخذ وفي (الفتح) هذا القيد الزائد يلزم منه
إما فساد التعريف السابق أو هذا اللاحق
ثم إن كان توالده في البر فبري وإلا فبحري فالمعول عليه في كونه بريًا أو بحريًا إنما هو التوالد لا مع كون مثواه أي: إقامته فيه كما هو ظاهر عبارة من زاد ومثواه فيه، وعلى هذا فلا يجب الجزاء بقتل كلب أز الضفدع المائي وإن كان يعيش في البر، والمحرم على المحرم إنما هو صيد البر للآية الكريمة لا البحر مطلقًا في الأصح خلافا لما في (مناسك الكرماني) من تخصيص الإباحة فيه كالسمك لأن قتل محرم صيدًا بريًا مأكولاً أو مملوكًا عامدًا كان أو لا مباشرًا ولو غير متعمدًا كنائم انقلب على صيد أو متسببًا إذا كان متعديًا كما إذا نصب شبكة أو حفر له حفير
بخلاف ما لو نصب فسطاطًا لنفسه فتعلق به صيد أو حفر حفرة للماء أو لحيوان مباح القتل كذئب فعطب فيها صيد أو أرسل كلبه إلى حيوان مباح فأخذ ما يحرم أو إلى صيد في الحل وهو حلال فجاوز إلى الحرم حيث لا يلزمه شيء لعدم التعدي، فما في (المحيط) لو خرج أربعة من بيتهم بمكة إلى منى وأمروا أحدهم أن يغلق الباب وفيه حمام مات عطشًا فعلى كل واحد جزاء، لأن الآمرين تسببوا والخالق بالإغلاق محمول على ما إذا علم الآمرون بذلك أو دل عليه من قتله فعليه الجزاء ليس مطلق الدلالة يوجما الجزاء بل مقيدة بأن يصدقه وأن لا يكون المدلول عالمًا بمكانه وأن لا ينفلت منه وأن يبقى الدال محرمًا إلى قتله وأن يتصل القتل بالدلالة فإن فقد واحد من هذه الشروط انتفى الجزاء وبقيت الكراهة، أي: التحريمية.
فقد صرح في (النهاية) الإثم فيها وليعر معنى التصديق أن يقول: صدقت بل أن لا يكذبه، وعن هذا
قال في (الكافي) وغيره: لو أخبر محرم بصيد فلم يره حتى أخبره محرم آخر فلم يصدق الأول ولم يكذبه ثم طلب الصيد فقتله كان على كل واحد منهما الجزاء ولو كذب الأول لم يكن عليه،
ولو أرسل المحرم محرمة إلى محرم يدله على الصيد فقتله المرسل إليه فعلى كل من الثلاثة الجزاء،
قال في (البحر) : وظهر بالشرط الثاني ضعف ما في (المحيط) عن (المنتقى) قال: خذ هذين وهو يراهما فقتلهما كان على الدال جزاء واحد وإن كان لا يراهما فجزاءان لأنه مع الرؤية عالم بمكانه ولذا لم يذكروا هنا الإشارة كما في الإحرام لاختصاصها بالحاضر وشرط وجوب الجزاء عدم العلم بالمكان، فالحاصل أنهما سواء في منع المحرم منهما لكن . . . . . . . . . . . .
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
الدلالة موجبة للجزاء بشروطها والإشارة لا توجب الجزاء اللهم إلا أن يقال: إن الأمر بالأخذ غير الدلالة فيوجب الجزاء مطلقًا ويدل عليه ما في (الفتح) وغيره أو أمر غيره بأخذ صيد فامر المأمور آخر فالجزاء لم على الآمر الثاني لأنه لم يشتمل أمر الأول
بخلاف ما لو دل الأول على صيد وأمره فامر الثاني ثالثا بالقتل حيث يجب الجزاء على الثلاثة انتهى.
وأقول: قدمنا في الإحرام أن كلأ من الإشارة والدلالة إنما يحرم إذا لم يعلم المحرم
لا إن علم هو الأصح
وقيل: يحرم مطلقًا وعلم منه ثبوت حرمة الإشارة مع عدم العلم اتفاقًا فيلزم الجزاء بها بل هي أقوى من الدلالة ثم رأيته في (البدائع) قال: لو دل عليه أو أشار إليه فإن كان المدلول يرى الصيد أو يعلم به من غير دلالة وإشارة فلا شيء على الدال، وإيه رآه بدلالته فقتله فعليه الجزاء عند أصحابنا،
وفي (السراج) لو أشار المحرم لرجل إلى صيد فقال: خذ ذلك الصيد فأخذه وصيدًا كان معه في الوكر فعلى الآمر الجزاء في الأول دون الثاني فقولهم: إن الإشارة لا شيء فيها وأنهم لم يذكروها ممنوع ولا تلازم بين الإشارة وعلم الإشارة إليه قبلها كما هو واضح والشروط المتقدمة في الدلالة ينبغي إن ثابتة فيها الأول معنى لتكذيبه مع رؤيته وهذا وإن لم أره في كلامهم صريحًا إلا أن النظر الصحيح يقتضيه، وقولهم: اللهم إلا أن يقال: إلى آخره ممنوع من قبيل الدلالة فقد علل في (السراج) ما في (الفتح) من كون الجزاء في الآمر على الثاني فقط بأنه أمره بالقتل ولم يأمره بالدلالة فلم يكن ممتثلاً ما أمره به انتهى.
فجعل الأمر الثاني دلالة ولا فرق بينه وبين الأول غاية الأمر أنه لما لم يشتمل أمره فكأنه كذبه وإنما تعدد الجزاء في الثانية باعتبار الدلالة لا الأمر لعدم امتثاله إياه فلم يبق ثمة إلا دلالة تعددت والأمر بعدها ليس تكذيبًا لها فما في (الفتح) لا دلالة فيه واقتصارهم علي الإشارة والدلالة فيه دلالة على ذلك فتدبر، ومما ألحق بالدلالة ما لو رأى محرم صيدًا في وضع لا يقدر عليه فدله محرم على الطريق أو صيدًا دخل غارًات فلم يعرف بابه فدله عليه
قال في (المحيط) : لأنه لما دله على الطرلمجتى فكانه على الصيد دله وعلى هذا لو رآه في موضع لا يقدر على أخذه إلا أن يرميه فدفع له ما يرميه به أو دل عليه سكينًا فقتله كان عليهما الجزاء وما في (الأصل) من عدم الجزاء على المعير حمله أكثر المشايخ على ما إذا كان مع القاتل سلاح آخر
قال السرخسي: والأصح عندي أنه لا جزاء عليه مطلقا وبهذا عرف أنه لا حاجة لما في (البحر) من أن هذه الفروع من الإعانة لا الدلالة وأنه إذا فقد شروطها وهو قيمة الصيد بتقويم عدلين في مقتله أو أقرب موضع منه وجب الجزاء للإعانة لأن تعليله في (المحيط) يآباه ثم هذا الجزاء يتعدد بتعدد المقتول إلا إذا قصد به رفض إحرامه كما نص محليه في (الأصل) .
(وَدَمَانِ لَوْ حَلَقَ الْقَارِنُ قَبْلَ الذَّبْحِ) أَيْ يَجِبُ عَلَى الْقَارِنِ دَمَانِ إذَا حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْمَشَايِخِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَعِبَارَةُ فَخْرِ الْإِسْلَامِ: قَارِنٌ حَلَقَ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ فَعَلَيْهِ دَمَانِ، وَقَالَا: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا دَمُ الْقِرَانِ؛ لِأَنَّ تَأْخِيرَ النُّسُكِ عَنْ وَقْتِهِ يُوجِبُ الدَّمَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُنَا لَمَّا حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ تَرَكَ التَّرْتِيبَ بِتَقْدِيمِ هَذَا وَتَأْخِيرِ ذَاكَ، وَهُوَ جِنَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَدَمٌ آخَرُ لِلْقِرَانِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجِبُ لِلْأَوَّلِ، وَلَفْظُ مُحَمَّدٍ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ: قَارِنٌ ذَبَحَ قَبْلَ الْحَلْقِ عَلَيْهِ دَمَانِ دَمٌ لِلْحَلْقِ قَبْلَ الذَّبْحِ، وَدَمٌ لِلْقِرَانِ يَعْنِي عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ: لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا دَمُ الْقِرَانِ وَقَالَ الْقَاضِي الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ: اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ دَمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ دَمُ الْقِرَانِ لِتَحَقُّقِ سَبَبِهِ ثُمَّ عِنْدَهُ يَجِبُ دَمٌ آخَرُ بِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ عَنْ الْحَلْقِ، وَعِنْدَهُمَا لَا يَجِبُ شَيْءٌ بِسَبَبِ التَّأْخِيرِ،
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَجِبُ دَمَانِ إجْمَاعًا دَمُ الْقِرَانِ وَدَمٌ بِسَبَبِ الْجِنَايَةِ عَلَى الْإِحْرَامِ؛ لِأَنَّ الْحَلْقَ لَا يَحِلُّ إلَّا بَعْدَ الذَّبْحِ فَإِذَا حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ فَقَدْ صَارَ جَانِيًا عَلَى إحْرَامِهِ
وَيَجِبُ دَمٌ آخَرُ بِتَأْخِيرِ الذَّبْحِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ خِلَافًا لَهُمَا وَإِلَيْهِ مَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فَيَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَجِبَ خَمْسَةُ دِمَاءٍ عَلَى قَوْلِهِ ثَلَاثَةٌ مَا ذَكَرَهُ هُوَ وَدَمَانِ لِلْجِنَايَةِ فِي إحْرَامِهِ؛ لِأَنَّ جِنَايَةَ الْقَارِنِ مَضْمُونٌ بِدَمَيْنِ وَحَلْقُهُ قَبْلَ أَوَانِهِ جِنَايَةٌ وَعِنْدَهُمَا ثَلَاثَةُ دِمَاءٍ دَمَانِ لِلْجِنَايَةِ
وَكَذَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ أَيْضًا يَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ دَمَيْنِ لِأَجْلِ الْجِنَايَةِ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ فِي الْكَافِي وَاَللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ (فَصْلٌ) اعْلَمْ أَنَّ الصَّيْدَ هُوَ الْحَيَوَانُ الْمُمْتَنِعُ الْمُتَوَحِّشُ بِأَصْلِ الْخِلْقَةِ، وَهُوَ نَوْعَانِ بَرِّيٌّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ وَتَنَاسُلُهُ فِي الْبَرِّ، وَبَحْرِيٌّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ تَوَالُدُهُ فِي الْمَاءِ؛ لِأَنَّ الْمَوْلِدَ هُوَ الْأَصْلُ، وَالتَّعَيُّشُ بَعْدَ ذَلِكَ عَارِضٌ فَلَا يَتَغَيَّرُ بِهِ،
وَيَحْرُمُ الْأَوَّلُ عَلَى الْمُحْرِمِ دُونَ الثَّانِي لِقَوْلِهِ تَعَالَى {لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} وقَوْله تَعَالَى {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ} الْآيَةَ وَالْخَمْسُ الْفَوَاسِقُ خَارِجَةٌ بِالنَّصِّ عَلَى مَا يَجِيءُ قَالَ - رَحِمَهُ اللَّهُ -
(قَوْلُهُ: وَدَمٌ لِلْقِرَانِ) لَيْسَ فِي خَطِّ الشَّارِحِ
(قَوْلُهُ: لِأَنَّ جِنَايَةَ الْقَارِنِ إلَخْ) قَالَ شَيْخُنَا - رَحِمَهُ اللَّهُ -: هَذَا غَلَطٌ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ إنَّمَا تَتَضَاعَفُ عَلَى الْقَارِنِ إذَا كَانَتْ تِلْكَ الْجِنَايَةُ تُوجِبُ عَلَى الْمُفْرِدِ دَمًا، وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ، وَلَا خِلَافَ أَيْضًا أَنَّ الْمُفْرِدَ لَوْ حَلَقَ قَبْلَ الذَّبْحِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ شَيْءٌ، فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَى الْقَارِنِ بِهِ دَمَانِ فَالْحَقُّ مَا قَالَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ عَلَيْهِ دَمَيْنِ لَيْسَ إلَّا عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعِنْدَهُمَا دَمٌ وَاحِدٌ. اهـ.
[فَصْلٌ الصَّيْدَ فِي الحرم] {فَصْلٌ}
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.