إلى حفظ مال ذي الأب بعده
الشروح عليها
(إلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الْأَبِ) وَإِنْ لَمْ يَفُكَّهُ أَبُوهُ عَنْهُ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَبِحِفْظِهِ لِمَالِهِ بِأَنْ لَا يَصْرِفَهُ فِي شَهَوَاتِهِ النَّفْسِيَّةِ مَعَ الْبُلُوغِ يَثْبُتُ رُشْدُهُ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(قَوْلُهُ: إلَى حِفْظِ) أَيْ مَعَ حِفْظِ إلَخْ أَيْ مَعَ صَيْرُورَةِ ذِي الْأَبِ حَافِظًا لِمَالِهِ
وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَمَّا قَدَّمَ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَى الصَّبِيِّ بِالنِّسْبَةِ لِنَفْسِهِ لِبُلُوغِهِ فَقَطْ ذَكَرَ أَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ لِمَالِهِ يَكُونُ لِبُلُوغِهِ مَعَ صَيْرُورَتِهِ حَافِظًا لِمَالِهِ بَعْدَهُ فَقَطْ إنْ كَانَ ذَا أَبٍ أَوْ مَعَ فَكِّ الْوَصِيِّ وَالْمُقَدَّمُ إنْ كَانَ ذَا وَصِيٍّ أَوْ مُقَدَّمٌ فَذُو الْأَبِ بِمُجَرَّدِ صَيْرُورَتِهِ حَافِظًا لِلْمَالِ بَعْدَ بُلُوغِهِ يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ وَإِنْ لَمْ يَفُكَّهُ أَبُوهُ عَنْهُ قَالَ ابْنُ عَاشِرٍ يُسْتَثْنَى مِنْهُ إذَا حَجَرَ الْأَبُ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ عِنْوَانُ الْبُلُوغِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ حَافِظًا لِلْمَالِ إلَّا لِفَكِّ الْأَبِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ الْقَصَّارِ
ص (إلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الْأَبِ بَعْدَهُ) ش: هَذَا حَدُّ الرُّشْدِ الَّذِي لَا يُحْجَرُ عَلَى صَاحِبِهِ بِاتِّفَاقٍ وَاخْتُلِفَ فِي الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْحَجْرِ هَلْ هُوَ ذَلِكَ أَيْضًا؟ وَيُزَادُ فِيهِ اشْتِرَاطُ حُسْنِ التَّنْمِيَةِ ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُؤَلِّفِ فِي التَّوْضِيحِ تَرْجِيحُ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الشَّرْطِ الثَّانِي، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ: اشْتِرَاطُ الشَّرْطِ الثَّانِي وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّشِيدِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا
قَالَ فِي الْمُتَيْطِيَّةِ فِي فَصْلِ الْوِلَايَاتِ وَالْمَحْجُورِ وَإِذَا كَانَ الْيَتِيمُ فَاسِقًا مُبْرِزًا وَكَانَ مَعَ هَذَا نَاظِرًا فِي مَالِهِ ضَابِطًا لَهُ وَجَبَ إطْلَاقُهُ مِنْ الْوِلَايَةِ،
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ، وَلَمْ يَكُنْ نَاظِرًا فِي مَالِهِ لَمْ يَجِبْ إطْلَاقُهُ مِنْ الْوِلَايَةِ انْتَهَى.
قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: وَصِفَةُ مَنْ يُحْجَرُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْرَارِ إنْ كَانَ يُبَذِّرُ مَالَهُ سَرَفًا فِي لَذَّاتِهِ مِنْ الشَّرَابِ وَالْفِسْقِ، وَغَيْرِهِ وَيَسْقُطُ فِيهِ سُقُوطَ مَنْ لَمْ يَعُدَّ الْمَالَ شَيْئًا،
وَأَمَّا مَنْ أَحْرَزَ الْمَالَ وَأَنْمَاهُ، وَهُوَ فَاسِقٌ فِي حَالِهِ غَيْرُ مُبَذِّرٍ لِمَالِهِ فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ،
وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ عِنْدَ وَصِيٍّ قَبَضَهُ، وَيُحْجَرُ عَلَى الْبَالِغِ السَّفِيهِ مَالُهُ،
وَإِنْ كَانَ شَيْخًا وَلَا يَتَوَلَّى الْحَجْرَ إلَّا الْقَاضِي قِيلَ: وَصَاحِبُ الشُّرْطَةِ قَالَ الْقَاضِي: أَحَبُّ إلَيَّ،
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى وَلَدِهِ أَتَى الْإِمَامَ لِيَحْجُرَ عَلَيْهِ، وَيُشْهَرُ ذَلِكَ فِي الْجَامِعِ وَالْأَسْوَاقِ وَيُشْهِدُ عَلَى ذَلِكَ فَمَنْ بَاعَهُ، أَوْ ابْتَاعَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ مَرْدُودٌ انْتَهَى.
مِنْ كِتَابِ الْمِدْيَانِ، وَقَالَ عِيَاضٌ وَقَوْلُهُ:" أَحَبُّ " لِلْوُجُوبِ، وَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا: إنَّ الْحَجْرَ مِمَّا يَخْتَصُّ بِهِ الْقُضَاةُ دُونَ سَائِرِ الْحُكَّامِ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَيَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ انْتَهَى. وَالسَّفَهُ ضِدُّهُ فَهُوَ عَدَمُ حِفْظِ الْمَالِ فِي اللَّذَّاتِ الْمُحَرَّمَةِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ: هُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ،
ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ قَوْلَهُ:" وَغَيْرُهُ " يُفِيدُ ذَلِكَ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَمَعْنَى قَوْلِ الْمُصَنِّفِ:" إلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الْأَبِ بَعْدَهُ " أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَجْرِ بِبُلُوغِهِ بَلْ هُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ إلَى ظُهُورِ رُشْدِهِ
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ: وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَجْرِ قَبْلَ بُلُوغِهِ،
وَإِنْ ظَهَرَ رُشْدُهُ فَإِذَا بَلَغَ
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَجَرَ عَلَيْهِ، وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ أَمْ لَا
أَمَّا إنْ حَجَرَ عَلَيْهِ فَحُكْمُهُ كَمَنْ لَزِمَتْهُ الْوِلَايَةُ،
وَإِنْ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ فَإِنْ عُلِمَ رُشْدُهُ، أَوْ سَفَهُهُ عَمِلَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ جُهِلَ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّفَهِ.
وَرَوَى زِيَادُ بْنُ غَانِمٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الرُّشْدِ انْتَهَى،
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ فِي شَرْحِ آخِرِ مَسْأَلَةٍ مِنْ الرَّسْمِ الْأَوَّلِ مِنْ سَمَاعِ ابْنِ الْقَاسِمِ مِنْ كِتَابِ الْعِتْقِ: وَاخْتُلِفَ هَلْ الْوَلَدُ مَحْمُولٌ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عَلَى الرُّشْدِ أَوْ السَّفَهِ
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّفَهِ حَتَّى يُعْلَمَ رُشْدُهُ انْتَهَى.
(إلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الْأَبِ بَعْدَهُ) قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إذَا ثَمَرَ مَالُهُ وَحَاطَهُ اسْتَوْجَبَ الرُّشْدَ حَتَّى وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَرَضِيِّ الْحَالِ. ابْنُ هِشَامٍ: وَبِهَذَا هُوَ الْعَمَلُ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: الِابْنُ فِي وِلَايَةِ أَبِيهِ مَا دَامَ صَغِيرًا وَيَخْرُجُ مِنْ الْوِلَايَةِ بِبُلُوغِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ الْأَبُ عَلَى إطْلَاقِهِ مِنْ الْوِلَايَةِ.
هَذَا إنْ بَلَغَ مَعْلُومًا بِالرُّشْدِ وَلَيْسَ لِلْأَبِ أَنْ يَرُدَّ مِنْ أَفْعَالِهِ شَيْئًا،
فَإِنْ بَلَغَ وَهُوَ مَعْلُومٌ بِالسَّفَهِ فَلَا يُخْرِجُهُ الِاحْتِلَامُ مِنْ وِلَايَةِ أَبِيهِ وَأَفْعَالُهُ كُلُّهَا مَرْدُودَةٌ غَيْرُ جَائِزَةٍ. وَاخْتُلِفَ إنْ بَلَغَ مَجْهُولَ الْحَالِ لَا يُعْلَمُ رُشْدُهُ مِنْ سَفَهِهِ.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وَاَلَّذِي فِي الِاسْتِغْنَاءِ: لِلْأَبِ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى ابْنِهِ قُرْبَ بُلُوغِهِ فَإِنْ بَعُدَ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ إلَّا السُّلْطَانُ.
(ص) إلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الْأَبِ بَعْدَهُ (ش) يَعْنِي أَنَّ الْحَجْرَ لَا يَزَالُ مُنْسَحِبًا عَلَى الصَّبِيِّ إلَى بُلُوغِهِ رَشِيدًا وَهُوَ الْمُرَادُ بِحِفْظِ الْمَالِ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ بُلُوغِهِ حَسَنَ التَّصَرُّفِ وَحِينَئِذٍ يَنْفَكُّ عَنْهُ حَجْرُ أَبِيهِ وَلَوْ لَمْ يَفُكَّهُ أَبُوهُ عَنْهُ
بِخِلَافِ الْوَصِيِّ وَمُقَدَّمِ الْقَاضِي فَإِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَفُكَّا عَنْهُ الْحَجْرَ بَعْدَ بُلُوغِهِ رَشِيدًا وَإِلَى هَذَا أَشَارَ بِقَوْلِهِ
(قَوْلُهُ: إلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الْأَبِ) بِأَنْ لَا يَصْرِفَهُ فِي لَذَّاتِهِ وَلَوْ مُبَاحَةً وَإِنْ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ، ثُمَّ إنَّك خَبِيرٌ بِأَنَّ فِي الْمُصَنِّفِ شَيْئًا وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ مِنْهُ الْحَافِظُ لِمَالِ ذِي الْأَبِ
فَلَوْ قَالَ إلَى حِفْظِ ذِي الْأَبِ مَالَهُ لَكَانَ أَوْلَى وَيُجَابُ بِأَنَّ الْمَصْدَرَ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ، وَالتَّقْدِيرُ إلَى حِفْظِ ذِي الْأَبِ مَالَهُ، وَلَكِنْ لَمَّا حَذَفَ الْفَاعِلَ هُنَا احْتَاجَ لِلْإِظْهَارِ فِيمَا بَعْدُ حَيْثُ قَالَ ذِي الْأَبِ، وَقَوْلُهُ: وَفَكُّ وَصِيٍّ، أَوْ مُقَدَّمٍ، أَيْ: بَعْدَهُ فَحَذَفَ لَفْظَ بَعْدَهُ مِنْ هُنَا لِدَلَالَةِ الْأَوَّلِ عَلَيْهِ وَصِفَةُ إطْلَاقِ الْحَجْرِ مِنْ الْوَصِيِّ أَنْ يَقُولَ أَشْهَدَ فُلَانٌ أَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ رُشْدُ يَتِيمِهِ فُلَانٍ أَطْلَقَهُ وَرُشْدُهُ وَمِلْكُهُ أَمْرَهُ فَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ سَفِيهًا رُدَّ فِعْلُهُ وَعُزِلَ الْوَصِيُّ وَجُعِلَ غَيْرُهُ عَلَيْهِ، وَلَا يَضْمَنُ الْوَلِيُّ شَيْئًا مِمَّا أَتْلَفَهُ؛ لِأَنَّهُ فَعَلَهُ بِاجْتِهَادِهِ
لا زيادة له على هذه المسألة.
(إلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الْأَبِ بَعْدَهُ) أَيْ الْبُلُوغِ،
وَظَاهِرُهُ انْفِكَاكُ الْحَجْرِ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ الْبُلُوغِ وَحِفْظِ الْمَالِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ حَكَاهُمَا الْمَازِرِيُّ إذْ اللَّازِمُ لِلْحَاجِرِ حِفْظُ الْمَالِ لَا التَّجْرِبَةُ فَمَالِكُهُ أَوْلَى.
وَقِيلَ يُشْتَرَطُ زِيَادَةُ حُسْنِ التَّنْمِيَةِ إذْ لَوْ لَمْ يُحْسِنْهَا لَأَتْلَفَ مَالَهُ قَالَهُ تت. الْحَطّ هَذَا حَدُّ الرُّشْدِ الَّذِي لَا يُحْجَرُ عَلَى صَاحِبِهِ بِاتِّفَاقٍ. وَاخْتُلِفَ فِي الَّذِي يَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْحَجْرِ هَلْ هُوَ ذَلِكَ أَيْضًا أَوْ يُزَادُ فِيهِ حُسْنُ التَّنْمِيَةِ، ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُصَنِّفِ فِي التَّوْضِيحِ تَرْجِيحُ عَدَمِ اشْتِرَاطِ الثَّانِي وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِهِ هُنَا، وَظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ اشْتِرَاطُ الثَّانِي وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الرَّشِيدِ الْعَدَالَةُ، فَفِي الْمُتَيْطِيَّةِ وَإِذَا كَانَ الْيَتِيمُ فَاسِقًا مَرِيدًا وَكَانَ مَعَ هَذَا نَاظِرًا فِي مَالِهِ غَابِطًا لَهُ وَجَبَ إطْلَاقُهُ مِنْ الْوِلَايَةِ،
وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدِّينِ وَالصَّلَاحِ وَلَمْ يَكُنْ نَاظِرًا فِي مَالِهِ فَلَا يَجِبُ إطْلَاقُهُ مِنْهَا.
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ صِفَةُ مَنْ يُحْجَرُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْرَارِ أَنْ يَكُونَ يُبَذِّرُ مَالَهُ سَرَفًا فِي لَذَّاتِهِ مِنْ الشَّرَابِ وَالْفِسْقِ وَغَيْرِهِ، وَيَسْقُطُ فِيهِ سُقُوطَ مَنْ لَا يَعُدُّ الْمَالَ شَيْئًا
وَأَمَّا مَنْ أَحْرَزَ . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
[منح الجليل] مَالَهُ وَأَنْمَاهُ وَهُوَ فَاسِقٌ فِي حَالِهِ غَيْرُ مُبَذِّرٍ لِمَالِهِ فَلَا يُحْجَرُ عَلَيْهِ،
وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ عِنْدَ وَصِيٍّ قَبَضَهُ وَيُحْجَرُ عَلَى الْبَالِغِ السَّفِيهِ فِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ شَيْخًا وَلَا يَتَوَلَّى حَجْرَهُ إلَّا الْقَاضِي، قِيلَ: وَصَاحِبُ الشُّرْطَةِ قَالَ الْقَاضِي أَحَبُّ إلَيَّ،
وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَحْجُرَ عَلَى وَلَدِهِ أَتَى بِهِ إلَى الْإِمَامِ يَحْجُرُ عَلَيْهِ وَشَهَّرَهُ فِي الْجَامِعِ وَالْأَسْوَاقِ وَيُشْهِدُ عَلَيْهِ،
فَمَنْ بَاعَهُ أَوْ ابْتَاعَ مِنْهُ بَعْدَهُ فَهُوَ مَرْدُودٌ.
عِيَاضٌ: قَوْلُهُ: أَحَبُّ إلَيَّ لِلْوُجُوبِ، وَقَدْ قَالَ شُيُوخُنَا الْحَجْرُ: يَخْتَصُّ بِهِ الْقُضَاةُ دُونَ سَائِرِ الْحُكَّامِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَيَحْتَاجُ إلَى نَظَرٍ وَاجْتِهَادٍ. اهـ. وَالسَّفَهُ ضِدُّهُ فَهُوَ عَدَمُ حِفْظِ الْمَالِ فَلَا وَاسِطَةَ بَيْنَهُمَا، سَوَاءٌ صَرَفَهُ فِي الْمُبَاحَاتِ أَوْ الْمُحَرَّمَاتِ قَالَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَاعْتَرَضَ قَوْلَ ابْنِ الْحَاجِبِ " صَرَفَ فِي اللَّذَّاتِ الْمُحَرَّمَةِ "، قَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَغَيْرُهُ هُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ
ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَ الْمُدَوَّنَةِ، وَقَالَ: قَوْلُهُ وَغَيْرُهُ يُبَيِّنُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
وَمَعْنَى قَوْلِهِ إلَى حِفْظِ مَالِ ذِي الْأَبِ بَعْدَهُ أَنَّ الصَّبِيَّ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَجْرِ بِبُلُوغِهِ، بَلْ هُوَ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ إلَى ظُهُورِ رُشْدِهِ،
قَالَ فِي التَّوْضِيحِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْحَجْرِ قَبْلَ بُلُوغِهِ وَإِنْ ظَهَرَ رُشْدُهُ،
فَإِذَا بَلَغَ فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ حَجَرَ عَلَيْهِ وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ أَمْ لَا،
فَإِنْ كَانَ حَجَرَ عَلَيْهِ وَأَشْهَدَ بِهِ فَحُكْمُهُ كَمَنْ لَزِمَتْهُ الْوِلَايَةُ وَإِنْ لَمْ يَحْجُرْ عَلَيْهِ،
فَإِنْ عَلِمَ رُشْدَهُ أَوْ سَفَهَهُ عَمِلَ عَلَيْهِ،
وَإِنْ جَهِلَ فَالْمَشْهُورُ حَمْلُهُ عَلَى السَّفَهِ. وَرَوَى زِيَادُ بْنُ غَانِمٍ عَنْ مَالِكٍ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا - حَمْلَهُ عَلَى الرُّشْدِ اهـ.
وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: اُخْتُلِفَ هَلْ الْوَلَدُ مَحْمُولٌ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ عَلَى الرُّشْدِ أَوْ السَّفَهِ
وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى السَّفَهِ حَتَّى يُعْلَمَ رُشْدُهُ. ابْنُ عَاشِرٍ: يُسْتَثْنَى مَنْ حَجَرَ عَلَيْهِ أَبُوهُ فِي وَقْتٍ يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ وَهُوَ عِنْدَ أَوَّلِ بُلُوغِهِ فَلَا يَنْفَكُّ الْحَجْرُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ حَافِظًا لِلْمَالِ إلَّا بِفَكِّ الْأَبِ. اهـ. وَهُوَ الَّذِي نَقَلَهُ ابْنُ سَهْلٍ عَنْ ابْنِ الْعَطَّارِ، وَنَصَّهُ وَإِنَّمَا يَكُونُ لِلْأَبِ تَجْدِيدُ السَّفَهِ عَلَى وَلَدِهِ قُرْبَ بُلُوغِهِ،
وَإِذَا بَعُدَ بِأَزْيَدَ مِنْ الْعَامِ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَشْهَدُ بِسَفَهِهِ اهـ.
وَقَالَ الْمُتَيْطِيُّ: لَيْسَ لِلْأَبِ الْحَجْرُ عَلَى ابْنِهِ إلَّا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ،
إمَّا أَنْ يَكُونَ سَفِيهًا حِينَ وَفَكِّ وَصِيٍّ، وَمُقَدَّمٍ إلَّا كَدِرْهَمٍ لِعَيْشِهِ، [منح الجليل] الْحُلُمِ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ، وَضَرَبَ عَلَى يَدَيْهِ وَأَشْهَدَ بِبَقَاءِ وِلَايَتِهِ عَلَيْهِ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ، وَلَا يَزَالُ الِابْنُ بَاقِيًا فِي حَجْرِهِ بِذَلِكَ إلَى أَنْ يُرَشِّدَهُ أَبُوهُ أَوْ يَحْكُمَ حَاكِمٌ بِإِطْلَاقِهِ، وَعَلَى هَذَا بَنَى أَهْلُ الْوَثَائِقِ وَثَائِقَهُمْ وَانْعَقَدَتْ بِهِ أَحْكَامُهُمْ، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ الْأَبُ أَغْفَلَ الْحَجْرَ عَلَيْهِ حَتَّى بَعُدَ عَنْ سِنِّ الِاحْتِلَامِ فَلَيْسَ لَهُ تَسْفِيهُهُ إلَّا عِنْدَ الْإِمَامِ.
إلى حفظ مال ذي الأب الكائن بعده أي البلوغ إلى هنا بمعنى مع كما صرح به الشيخ عبد الباقي، يعني أنه لابد أن يضم إلى البلوغ حفظ مال المحجور الذي له أب، فالصبي محجور عليه إلى أن يبلغ مع كونه يحفظ ماله إذا كان ذا أب،
فإذا بلغ ولم يكن حافظا لماله يستمر حجر الأب عليه إلى أن يكون حافظا لماله. فقوله: "لبلوغه" ، وقوله: "إلى حفظ" متعلقان بقوله: "محجور" ، وقوله: "بعده" متعلق "بحفظ" ، وقد مر أن حجر النفس ينتهي للبلوغ،
فإذا بلغ ذهب حيث شاء وليس لأبيه منعه من الذهاب كما قال الإمام مالك في المدونة،
وأما الحجر عليه بالنسبة للمال فهو الذي يستمر إلى حفظ مال ذي الأب. قال المواق: قال ابن القاسم: إذا ثمَّر ماله وحاطه استوجب الرشد حتى وإن كان غير مرضي الحال. (ابن شهاب) : وبهذا هو العمل،
وقال ابن رشد: الابن في ولاية أبيه ما دام صغيرا ويخرج من الولاية ببلوغه،
وإن لم يشهد الأب على إطلاقه من الولاية هذا إن بلغ معلوما بالرشد، وليس للأب أن يرد من أفعاله شيئًا،
فإن بلغ وهو معلوم بالسفه فلا يخرجه الاحتلام من ولاية أبيه وأفعاله كلها مردودة غير جائزة. واختلف إن بلغ مجهول الحال لا يعلم رشده من سفهه،
وفي المدونة دليل على القولين، والذي في الاستغناء: للأب أن يحجر على ابنه قرب بلوغه،
فإن بعد لم يحجر عليه إلا السلطان. انتهى.
وقال البناني عند قوله "إلى حفظ مال ذي الأب" ما نصه: ابن عاشر: يستثنى منه إذا حجر الأب عليه في وقت يجوز له ذلك وهو عنفوان البلوغ، فإنه لا ينفك عنه الحجر وإن كان حافظا للمال إلا بفك الأب. انتهى. وهو الذي نقله ابن سهل عن ابن العطار، ونصه: قال ابن العطار: وإنما يكون للأب تجديد السفه على ولده قرب البلوغ وإذا بعد أزيد من العام لم يكن له ذلك إلا ببينة تشهد بسفهه.
انتهى. وقال المتيطي: ليس للأب أن يحجر على ابنه إلا بأحد وجهين،
إما أن يكون سفهه حين الحلم أو قريبا منه وضرب على يديه وأشهد ببقاء ولايته عليه فذلك جائز له، ولا يزال الابن بذلك باقيا في حجره إلى أن يرشده أبوه أو يحكم له حاكم بإطلاقه، وعلى هذا بنى أهل الوثائق وثائقهم وانعقدت به أحكامهم، والوجه الآخر أن يكون الأب أغفل الحجر عليه حتى بعد عن سن الاحتلام، فلا يكون له تسفيهه إلا عند الإمام. انتهى من كتاب النكاح.
لكن في أبي الحسن في كتاب الهبات في شرح قول المدونة: ومن وهب لعبد هبة الخ ما نصه: انظر فالأب أقوى من الوصي لأنه مقيس على الأب، ومع ذلك جعلوا لمحجور الأب أن يخرج من الحجر إذا ثبت رشده من غير أن يخرجه الأب، وجعلوا حجر الوصي لا يخرج منه محجوره إلا بإخراج الوصي، ويأتي الجواب عن هذا الاستشكال في شرح قوله: "وفك وصي أو مقدم" إن شاء اللَّه تعالى.
وقوله: "إلى حفظ مال ذي الأب بعده" قال الحطاب: هذا حد الرشد الذي لا يحجر على صاحبه باتفاق، واختلف في الرشد الذي يخرج به من الحجر هل هو كذلك أو يزاد فيه اشتراط حسن التنمية؟ ذكر المازري في ذلك قولين. انتهى. وذكرهما اللخمي فيه أيضًا ونصه على ما قال الرهوني: واختلف في الرشد المراد بالقرآن، فقال في المدونة: هو الذي يحرز ماله.
وقال محمد: الرشد هو الصلاح في دينه وماله،
وقال أيضًا: الذي يصلح ماله ويثمره ويحجره عن معاصي اللَّه تعالى.
وقال أشهب: لا ينظر إلى سفهه في دينه إذا كان ممسكا لماله ولا يخدع فيه كما يخدع الصبي، ولا يخاف عليه في تدبيره ولا يبذره.
قال الشيخ: إن اجتمع أن يكون يحرز ماله وينميه فذاك: وإن كان يحرزه ولا يحسن التجر والتنمية فلا يمسك عنه لأن وليه لا يفعل فيه غير ذلك يمسكه وينفق عليه فهو أولى بفعل ذلك. انتهى. قال مقيد هذا الشرح عفا اللَّه تعالى عنه: قد علمت مما مر أن الرشد رشدانِ: رُشْدٌ لا يضرب معه الحجر وهذا متفق على أنه لا يشترط فيه إلا حفظ المال لا حسن التنمية،
فمن يحسن الإمساك بأن يحفظ ماله ولا يحسن التجر فيه لا يضرب عليه الحجر اتفاقا. وَرُشْدٌ يخرج به من الحجر وهذا فيه قولان، أَحَدُهُما وهو الراجح أنه كالأول لا يشترط فيه إلا حفظ المال ولا يشترط فيه حسن التنمية،
فلو كان لا يحسن التجر في ماله مع أنه يحسن الإمساك لخرج من الحجر. القَولُ الثَّانِي: أنه لا يخرج من الحجر إلا بحفظ المال وحسن التنمية، وعلى هذا فمن حفظ ماله ولكنه لا يحسن التجر فيه لا يحجر ضليه،
إما اتفاقا إذا لم يكن محجورا عليه
وإما على الراجح إذا كان محجورا عليه، وهذا الراجح هو الذي مر عليه المص؛ إذ ظاهره أن من يحفظ المال ولا يحسن التجر لا يحجر عليه، بل يخرج من الحجر إذا كان محجورا عليه ولا يضرب عليه الحجر إن لم يكن محجورا عليه وهذا الذي هو ظاهر المص نسبه اللخمي للمدونة. قال الرهوني بعد جلب كلام ما نصه: فتحصل من هذا أن ما أفاده ظاهر المص هو الراجح، خلاف ما درج عليه في التحفة وهذا هو الذي رجحه أبو علي هنا،
وفي حاشية التحفة قائلا هنا: وإنما أطلنا في هذا لأن كثيرا من الطلبة زعموا أن شرط التنمية هو المذهب وليس كذلك. انتهى.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.