وَيَجِبُ قَبُولُ مَالٍ طَيِّبٍ أَتَى بِلَا مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ
الشروح عليها
(وَيَجِبُ قَبُولُ مَالٍ طَيِّبٍ أَتَى بِلَا مَسْأَلَةٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ) نَقَلَ الْأَثْرَمُ: عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَهُ لِقَوْلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " خُذْهُ " وَعَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا أَنَّهُ رَدَّ،
وَقَالَ: دَعْنَا نَكُونُ أَعِزَّاءً، وَيَأْتِي فِي الْهِبَةِ: يُكْرَهُ رَدُّهَا،
وَإِنْ قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْمَالُ مُحَرَّمًا، أَوْ فِيهِ شُبْهَةٌ رَدَّهُ،
وَكَذَا إنْ اسْتَشْرَفَتْ نَفْسُهُ إلَيْهِ، بِأَنْ قَالَ: سَيَبْعَثُ لِي فُلَانٌ بِكَذَا وَنَحْوِهِ،
وَمَنْ أَعْطَى شَيْئًا لِيُفَرِّقَهُ، فَحَسَّنَ أَحْمَدُ عَدَمَ الْأَخْذِ فِي رِوَايَةِ، وَالْأَوْلَى الْعَمَلُ بِمَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ.
وهذا من تأويل قوله سبحانه وتعالى: (وفى أموالهم حق للسائل والمحروم) ] الذاريات: ١٩].
وإن ظهر كذبهم لم يجب إعطاؤهم.
ولو سألوا مطلقاً لغير معين لم يجب إعطاؤهم ولو أقسموا لأن إبرار القسم إنما هو إذا أقسم على معين.
وإطعام الجائع ونحوه واجب إجماعاً. مع أنه ليس في المال حق سوى الزكاة وفاقا.
وعن ابن عباس مرفوعاً: " إن الله لم يفرض الزكاة إلا لطيب ما بقى من أموالكم " (٢) .
وعن أبي هريرة مرفوعاً: " إذا أديت زكاة مالك. فقد قضيت ما عليك " رواه ابن ماجه والترمذي. وقا ل: حسن غريب.
قال القرطبي: اتفق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها.
قال مالك: يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم.
وهذا إجماع أيضاً. قاله القرطبي. واختار الآجري: أن في المال حقا سوى الزكاة. وهو قول جماعة من العلماء. قال: نحو مواساة قرابة وصلة إخوان وإعطاء سائل، وإعارة محتاج دلوها وركوب ظهرها وإطراق فحلها وسقي منقطع حضر حلابها حتى يَروى.
وذكر القاضي عياض المالكي: أن الجمهور قالوا: إن الحق في الآية المراد به الزكاة. وأنه ليس في المال حق سوى الزكاة. وما جاء غير ذلك حمل على الندب ومكارم الأخلاق. انتهى.
ولو جهل حال السائل فالأصل عدم الوجوب. (ويجب قبول (١) مال طيب أتى بلا مسألة ولا استشراف نفس). نقل الأثرم: عليه أن يأخذه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم " خذه " . وينبغي أن يأخذه ويضيق عليه أن يرده وذكر أحمد أيضاً هذا الخبر.
وقال: هذا إذا كان من مال طيب. ونقل جماعة: أخاف أن يضيق عليه رده. قاله في " التنبيه " واقتصر عليه في " المستوعب ". ونقل إسحاق بن إبراهيم: لا بأس إذا كان من غير استشراف.
وعن أحمد أيضاً: أنه رد ذلك.
وقال: دعنا نكون أعزاء. ورد في رواية المروذي. فقال له أبو اسحاق: أي: شيء تكون الحجة أو كيف يجوز؟
فقال:
لا أعلم فيه شيئاً. إلا أن الرجل إذا تعود لم يصبر عنه.
وكذا ذكر صاحب " المحرر " رواية بجواز الرد.
وقال: قد بين العلة في جواز الرد.
وأن على هذا تحمل النصوص المذكورة للوجوب على الاستحباب. وذكر ابن الجوزي في " المنهاج ": أنه لا يأخذه إلا مع حاجته إليه إذا سلم من الشبهة] والآفات فإن الأفضل أخذه.
قال في " الفروع ": وما ذكر من سلامته من الشبهة [ يؤخذ من كلام غيره لأنه مكروه.
ولا يجب قبول المكروه. وهذا معنى المنقول عن أحمد في جائزة السلطان مع قوله: هي خير من صلة الإخوان. وظاهر كلام غير واحد: يجب ما لم يحرم. وقاله ابن حزم الظاهري. قال: لأنه داخل في وجوب النصيحة.
فإن طابت نفسه عليه فحسن.
وإن أبقاه فليتصدق به فيؤجر على كل حال. ثم من الجهل استسهال المرء أخذ مال زيد في بيع أو أجرة ثم يتجنبه إذا أعطاه إياه بطيب نفس. ثم احتج بقوله صلى الله عليه وسلم:" من رغب عن سنتي فليس مني " .
قال: وكان مالك والشافعي لا يردان ما أعطيا. انتهى.
وعلم مما تقدم: أنه متى استشرفت نفسه إليه بأن قال: سيبعث إليّ فلان أو لعله يبعث لي،
وإن لم يتعرض أو تعرض بقلبه عسى أن يفعل: فلا بأس بالرد. نص على ذلك في رواية الجماعة. وزاد أبو داود: وكأنه اختار الرد. ونقل المروذي ردها. وسأله جعفر يحرم أخذه؛ قال: لا.
ومن أعطى شيئا ليفرقه: فحسّن أحمد عدم الأخذ في رواية.
فصل * قوله: (ويجب. . . إلى آخره) هذا أحد قولَين في المسألة ، والقول الثاني أنه مستحب، لا واجب، ومشَوا عليه في الهبة ، ولعله هو الصحيح، بدليل أنهم مشَوا عليه في أبواب أُخر كالتيمم ، والحج ، حيث قالوا: إنه إذا بُذل له مال هبة يشتري به ماء
وكذا السترة، أو ليحج منه، لا يلزمه قبوله لما يلحقه بسبب ذلك من المِنة، وابن حجر الهيتمي الشافعي في كتابه المسمى بـ"الإنافة في فضل الصدقة والضيافة" ردَّ جميع الأحاديث الدالة على وجوب القبول إلى الندب (١) .
وبخطه: لقوله -عليه الصلاة والسلام- لعمر : "إذا أُعطيت شيئًا من غير أن تسأل فكُلْ وتصدق" متفق عليه ،
وفي الباب أحاديث صحيحة كثيرة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.