وَيُجْزِئُ اقْتِصَارٌ عَلَى إنْسَانٍ وَلَوْ غَرِيمَهُ أَوْ مُكَاتَبَهُ مَا لَمْ تَكُنْ حِيلَةٌ
الشروح عليها
(وَيُجْزِئُ اقْتِصَارٌ) فِي إيتَاءِ زَكَاةٍ (عَلَى إنْسَانٍ) وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَحُذَيْفَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ (وَلَوْ غَرِيمَهُ) أَيْ الْمُزَكِّي (أَوْ مُكَاتَبَهُ مَا لَمْ تَكُنْ حِيلَةٌ)
لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} وَلِحَدِيثِ مُعَاذٍ حِينَ بَعَثَهُ إلَى الْيَمَنِ فَلَمْ يُذْكَرْ فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ إلَّا صِنْفٌ وَاحِدٌ ; وَلِأَنَّهُ لَا يَجِبُ تَعْمِيمُ كُلِّ صِنْفٍ بِهَا، فَجَازَ الِاقْتِصَارُ عَلَى وَاحِدٍ، كَالْوَصِيَّةِ لِجَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ، وَالْآيَةُ سِيقَتْ لِبَيَانِ مَنْ يَجُوزُ الدَّفْعُ إلَيْهِ، لَا لِإِيجَابِ الصَّرْفِ لِلْجَمِيعِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ تَعْمِيمُ كُلِّ صِنْفٍ بِهَا،
وَلِمَا فِيهَا مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَجَازَ دَفْعُهَا لِغَرِيمِهِ ; لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْغَارِمِينَ،
فَإِنْ رَدَّهَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنِهِ بِلَا شَرْطٍ جَازَ لَهُ أَخْذُهَا ; لِأَنَّ الْغَرِيمَ مَلَكَ مَا أَخَذَهُ بِالْأَخْذِ أَشْبَهَ مَا لَوْ وَفَاهُ مِنْ مَالِ آخَرَ، لَكِنْ إنْ قَصَدَ بِالدَّفْعِ إحْيَاءَ مَالِهِ وَاسْتِيفَاءَ دَيْنِهِ لَمْ يَجُزْ، لِأَنَّهَا لِلَّهِ تَعَالَى، فَلَا يَصْرِفُهَا إلَى نَفْعِهِ،
وَكَذَا الْقَوْلُ فِي مُكَاتَبٍ.
(ويجزئ اقتصار) في إعطاء من الزكاة (على إنسان) واحد (ولو) كان (غريمه) أي: غريم المزكي (او مكاتبه ما لم يكن) ذلك (حيلة)
: أما كونه يجزئ الاقتصار على واحد، فلقول الله سبحانه وتعالى: (إن تبدوا الصدقات فنعما هى وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)] البقرة: ٢٧١].
ولقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن:" أعلمهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم " . متفق عليه.
فلم يذكر في الآية والخبر إلا صنف واحد.
و" أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني زريق بدفع صدقتهم إلى سلمه بن صخر " .
و" قال لقبيصة: أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها " .
ولو وجب صرفها إلى جمع الأصناف لم يجز صرفها إلى واحد.
ولأنه لا يجب صرفها لجمع الأصناف إذا فرقها الساعي. فكذا إذا فرقها المالك.
ولأنه لا يجب عليه تعميم أهل كل صنف بها. فجاز الاقتصار على واحد؛ كما لو وصى لجماعة لا يمكن حصرهم. وهذا هو اللائق بحكمة الشرع وحسنه. إذ غير جائز أن يكلف الله سبحانه وتعالى من وجبت عليه شاة أو صاع أو فص مثقال دفعه إلى ثمانية عشر نفساً أو أحد وعشرين أو أربعة وعشرين على اختلاف مقالاتهم. والغالب تعذر وجود ذلك في الإقليم العظيم فكيف بمن في القرى. وهو سبحانه وتعالى القائل: (وما جعل عليكم فى الدين من حرج) ] الحج: ٧٨ [.
ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أن أحداً من خلفائه فعل ذلك في صدقة من الصدقات.
ولو كان هذا هو الواجب لما أغفلوه،
ولو فعلوه لنقل ولما أهمل. والآية الكريمة إنما سيقت لبيان من يجوز الصرف إليه لا إيجاب الصرف إلى الجمع. بدليل أنه لايجب تعميم كل صنف بها.
وأما كونه يجزئ إخراجها لغريمه؛ فلأنه من جملة الغارمين.
فإن رده إليه الغارم فله أخذه. نص عليه في رواية مهنا؛ لأن الغريم قد ملك ما أخذه بالأخذ. أشبه ما لو وفاه من مال آخر.
قال في " الفروع ": ويجوز دفع زكاته إلى غريمه ليقضي بها دينه. سواء دفعها إليه ابتداء أو استوفى حقه ثم دفع إليه ليقضي بها دين المقرض. نص على ذلك.
قال أحمد: إن أراد إحياء ماله لم يجز.
وقال أيضاً: إن كان حيلة فلا يعجبني.
وقال أيضا: أخاف أن يكون حيلة فلا أراه.
ونقل ابن القاسم: إذا أراد الحيلة لم يصلح ولا يجور.
قال القاضي وغيره: يعني بالحيلة: أن يعطيه بشرط أن يردها عليه من دينه. فلا يجزئه؛ لأن من شرطها تمليكا صحيحا.
فاذا شرط الرجوع لم يوجد فلم يجزئه. وذكر الشيخ يعني: الموفق أنه حصل من كلام أحمد. أنه إذا قصد بالدفع إحياء ماله واستيفاء دينه لم يجز، لأنها لله فلا يصرفها إلى نفعه.
وفي " الرعاية الصغرى ": إن قضاها بلا شرط صح، كما لو قضى دينه بشيء ثم دفعه إليه زكاة، وتكره حيلة. كذا قال. انتهى.
وإن ابرأ رب الدين غريمه من دينه بنية الزكاة لم يجزئه نص عليه. سواء كان المخرج عيناً أو ديناً وفاقاً لمالك والشافعي.
وأما كون الزكاة يجزئ دفعها إلى مكاتبه، فلأنه صار معه في باب المعاملة كالأجنبي. بدليل جريان الربا بينهما،
ويجوز للمكاتب ردها إلى سيده بحكم الوفاء. أشبه إيفاء الغريم دينه بها. ومحل ذلك أيضاً: ما لم يقصد بالدفع إحياء ماله بأن كان السيد يعلم أنه يعود إلى الرق بعد ذلك لعجزه عن وفاء مال الكقابة.
أما إذا أعطاه ما يعتق برده إليه فلا كلام في الإجزاء.
وأما الحوالة بالزكاة بأن يحيل رب المال الفقير على غريمه بالزكاة فلا يكفي في الإجزاء. جزم به ابن تميم وغيره؛ لعدم الإيتاء المأمور به.
* قوله: (على إنسان) لم يقل على واحد؛ [لعمومه في غير العقلاء، مع أنه قد تقدم أنه يشترط تمليك المعطَى.
* قوله: (ما لم يكن حيلة) ] هذا كلام الإمام ، قال القاضي : مراد الإمام بالحيلة: أن يعطيه الزكاة على شرط أن يردها عليه من دينه، فلا يجزئه، لأن من شرطها التمليك الصحيح.
وقال الموفق : تحصَّل من كلام أحمد أنه إذا قصد بالدفع إحياء ماله لم يُجز، لأنها للَّه، فلا يصرفها إلى نفعه، حاشية .
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.