وَإِلَّا جَزَّأْنَاهُمْ ثَلَاثَةَ كُلُّ اثْنَيْنِ جُزْءٌ، وَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَسَهْمَيْ رِقٍّ. فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ عَتَقَ وَرَقَّ الْبَاقُونَ
الشروح عليها
(وَإِلَّا) يَظْهَرُ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُمْ وَلَا دَيْنَ عَلَيْهِ (جَزَّأْنَاهُمْ ثَلَاثَةَ) أَجْزَاءٍ (كُلُّ اثْنَيْنِ جُزْءٌ، وَأَقْرَعْنَا بَيْنَهُمْ بِسَهْمِ حُرِّيَّةٍ وَبِسَهْمَيْ رِقٍّ.
فَمَنْ خَرَجَ لَهُ سَهْمُ الْحُرِّيَّةِ) مِنْهُمْ (عَتَقَ وَرَقَّ الْبَاقُونَ) لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَعْتَقَ سِتَّةَ مَمْلُوكِينَ فِي مَرَضِهِ لَا مَالَ لَهُ غَيْرَهُمْ، فَجَزَّأَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِتَّةَ أَجْزَاءٍ فَأَعْتَقَ اثْنَيْنِ وَأَرَقَّ أَرْبَعَةً» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَسَائِرُ أَصْحَابِ السُّنَنِ. .
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَلِأَنَّ فِي تَفْرِيقِ الْعِتْقِ ضَرَرًا فَوَجَبَ جَمْعُهُ بِالْقُرْعَةِ كَالْقِسْمَةِ.
وَإِنْ سَلَّمْنَا مُخَالَفَتَهُ لِقِيَاسِ الْأُصُولِ فَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبُ الِاتِّبَاعِ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ. عَنْ الْهُوَى، وَإِنْكَارُ الْقُرْعَةِ مَرْدُودٌ بِوُرُودِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ بِهَا
(وإلا) أي: وإن لم يظهر له شيء من المال غيرهم: (جزَّأناهم ثلاثة) أي: ثلاثة أجزاء، (كل اتنين جزءاً، وأقرع نا بينهم بسهم حرية وسهمي رق.
فمن خرج له سهم الحرية) من الأجزاء الثلاثة: (عتق، ورقَّ الباقون) .
وبهذا قال عمر بن عبد العزيز وأبان بن عثمان ومالك والشافعى وإسحاق وداود وابن جرير.
وقال أبو حنيفة: يعتق من كل واحد ثلثه ويستسعي في باقيه.
وروي نحو هذا عن سعيد بن المسيب وشريح والشعبي والنخعي وقتادة وحماد؛ لأنهم تساووا في سبب الاستحقاق. فيتساوون في الاستحقاق؛ كما لو كان يملك ثلثهم وحده وهو ثلث ماله، وكما لو وصى بكل واحد لرجل.
وأنكر أصحاب أبي حنيفة القرعة وقالوا: هي من القمار وحكم الجاهلية. ولعلهم يردون الخبر في هذه المسألة لمخالفة قياس الأصول. وذكر الحديث لحماد فقال: هذا قول الشيخ- يعني: إبليس-. فقال له محمد بن ذكوان: رفع القلم عن ثلاثة أحدهم المجنون حتى يُفيق- يعني: أنك مجنون. فقال له حماد: ما دعاك إلى هذا؟ فقال له محمد: وأنت وما دعاك إلى هذا؟
وهذا قليل في جواب حماد وكان حريّاً أن يستتاب عن هذا.
فإن تاب وإلا ضربت عنقه. ولنا: ما روى عمران بن حصين: " أن رجلاً من الأنصار أعتق ستة مملوكين (١) في مرضه لا مال له غيرهم. فجزأهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أجزاء. فأعتق اثنين وأرقَّ أربعة " . وهذا نص في محل النزاع وحجة لنا في الأم رين المختلف فيهما. وهو جمع الحرية واستعمال القرعة. وهو حديث صحيح رواه مسلم وأبو داو د وساكر أصحاب السنن. ورواه عن عمران الحسن وابن سرين وأبو المهلب ثلاثة ائمة.
ورواه الإمام أحمد عن إسحاق بن عيسى عن هشيم عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي زيد الأنصاري، رجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم .
وروي نحوه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم .
ولأن العتق حق في تفريقه ضرر. فوجب جمعه بالقرعة؛ كقسمة الإجبار إذا طلبها أحد الشركاء. ونظيره من القسمة: ما لو كانت دار بين اثنين لأحدهما ثلثها وللآخر ثلثاها، وفيها ثلاث مساكن متساوية، لا ضرر في قسمتها. فطلب أحدهما القسمة: فإنه يُجعل كل بيت سهما، ويقرع بينهما بثلاثة أسهم، لصاحب الثلث سهم، وللآخر سهمان.
وقولهم: أن الخبر يخالف قياس الأصول يمنع ذلك بل هو موافق لما ذكرناه. وقياسهم فاسد؛ لأنه إذا كان ملكه ثلثهم وحده لم يمكن جمع نصيبه. والوصية لا ضرر في تفريقها.
بخلاف مسألتنا.
وإن سلمنا مخالفته قياس الأصول فنقول رسول الله صلى الله عليه وسلم و الاتباع. سواء وافق القياس أو خالفه؛ لأنه قول المعصوم الذي جعل الله سبحانه وتعالى قوله حجة على الخلق أجمعين، وأمر باتباعه وطاعته، وحذر بالعقاب من مخالفة أمره، وجعل الفوز في طاعته والضلال في معصيته. وتطرق الخطأ إلى القياس في قياسه أغلب من تطرق الخطأ إلى أصحاب رسول الله والأئمة بعدهم في روايتهم.
على أنهم قد خالفوا قياس الأصول بأحاديث ضعيفة: فأوجبوا الوضوء بالنبيذ في السفر دون الحضر، ونقضوا الوضوء بالقهقهة في الصلاة دون خارجها.
وقولهم في مسألتنا: يعتقون الثلث ويستسعون العبيد في الثلثين فلا يحصل للورثة شيء في الحال ويحيلونهم على السعاية. فربما لا يحصل منها شيء أصلاً، وربما لا يحصل منها في الشهر إلا اليسير، كالدرهم والدرهمين فيكون هذا كمن لم يحصل له شيء.
وفيه ضرر على العبيد، لأنهم يجبرون على التكسب والسعاية من غير اختيارهم. وربما كانوا إماء فيحملهن ذلك على البغاء، أو عبيداً فيسرقون أو يقطعون الطريق. وفيه ضرر على الميت حيث أفضوا بوصيته إلى الظلم والإضرار وتحقيق ما يوجب له العقاب من ربه والدعاء عليه من عبيده وورثته.
وأما إنكارهم القرعة فقد جاءت في الكتاب والسنة، قال الله سبحانه وتعالى:{وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ}،
وقال سبحانه وتعا لى:{فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ}.
وأما السنة.
فقال أحمد: في القرعة خمس سنن:
" أقرع بين نسائه " .
و" أقرع في ستة مملوكين " . و" قال لرجلين: استهما " .
وقال:" مثل القائم بحدود الله والمداهن فيها كمثل قوم استهموا على سفينة " .
وقال:" لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول لاستهموا عليه " .
وفي حديث ابن الزبير:" أن صفية جاءت بثوبين ليكفن فيهما حمزة. فوجدنا إلى جنبه قتيلاً. فقلنا: لحمزة ثوب وللأنصاري ثوب. فوجدنا أحد الثوبين أوسع من الآخر. فأقرعناعليهما. ثم كفنا كل واحد في الثوب الذي صار له ".
و" تشاحّ الناس يوم القادسية في الأذان فأقرع بينهم سعد " .
وأجمع العلماء على استعمالها في القسمة. ولا نعلم بينهم خلافاً في أن الرجل يقرع بين نسائه إذا أراد السفر بإحداهن،
وإذا أراد البداءة بإحداهن بالقسمة بينهن، وبين الأولياء إذا تشاحوا فيمن يتولى التزويج أو من يتولى استيفاء القصاص ونحو ذلك.
* قوله: (وإلا) ؛ أيْ:[وإن] لم يظهر له مال ولا دين خلافًا لما يوهمه كلام الشارح .
لا زيادة له على هذه المسألة.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.