فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K
المسألة ٣٩٤مختصر الخرقيالحنابلةج ٢ ص ٥٠٢ج ٢ ص ٥٠٢

وليس في حلية سيف الرجل، ومنطقته، وخاتمه زكاة. والمتخذ آنية الذهب والفضة عاص، وفيها الزكاة. وما كان من الركاز - وهو دفن الجاهلية، قل أو كثر - ففيه الخمس لأهل الصدقات، وباقيه فله.

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: وليس في حلية سيف الرجل، ومنطقته، وخاتمه زكاة. ش: إنما سقطت [الزكاة] من ذلك لإباحتها للرجال، فهي كحلية النساء، [إذ قد صرفت عن جهة النماء إلى فعل مباح، أشبهت ثياب البذلة] والدليل على إباحة ذلك.

١٢٤٠ - أما السيف فلأن أنسا - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: «كانت قبيعة سيف النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فضة» . ١٢٤١ - وقال هشام بن عروة: كان سيف الزبير محلى بالفضة. رواهما الأثرم.

١٬٤٤٠

وأما المنطقة فلأن ذلك معتاد للرجل، أشبه الخاتم، وهذا المشهور،

١٬٤٤١

والمختار للأصحاب من الروايتين. وعن أحمد - رَحِمَهُ اللَّهُ - أنه كرهها، لما فيها من الفخر، والخيلاء.

١٢٤٢ - وأما الخاتم فلأن «النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتخذ خاتما من ورق؛» متفق عليه.

«تنبيهات» : «أحدها» : قول الخرقي يشمل التحلية بالذهب والفضة، وينبغي أن يحمل كلامه على الفضة، لأن الذهب لا يباح منه إلا حلية السيف، على المشهور [من الروايتين] ولا يلحق به كل سلاح على قول العامة، خلافا للآمدي، وما دعت إليه الضرورة كشد الأسنان به، ولا يباح اليسير منه مفردا كالخاتم، بلا خلاف أعلمه ولا تبعا لغيره على المذهب،

١٬٤٤٢

فلو حمل كلامه على الذهب لزم فساده في الخاتم قطعا،

١٬٤٤٣

وفي المنطقة على المذهب.

(الثاني) : قول الخرقي: حلية السيف. يشمل القبيعة، وهي ما على طرف مقبضه وغيرها، وأكثر الأصحاب يخص ذلك بالقبيعة، وكان أبو العباس كتب في شرح العمدة فيما يباح من الذهب قبيعة السيف، ثم ضرب عليه، وكتب: حلية السيف. وهذا مقتضى كلام أحمد.

١٢٤٣ - لأنه قال: روي أنه كان في سيف عثمان بن حنيف مسمار من ذهب.

١٬٤٤٤

وقال: إنه كان لعمر سيف فيه سبائك من ذهب. [والمنطقة] تجعل في الوسط، وتسميها العامة الحياصة.

(الثالث) : ظاهر كلام الخرقي [أنه] لا يباح للرجل تحلية غير هذه الثلاثة. وقد خرج القاضي في الجوشن، والدرع، والخوذة، والمغفر وجهين. (أحدهما) : أنها كالمنطقة، وهو قول الأكثرين، أبي الخطاب، وابن عقيل، والمتأخرين؛ (الثاني) : المنع رواية واحدة، كما هو ظاهر كلام الخرقي، والخف، والران، عند القاضي، والآمدي، وأبي الخطاب، والأكثرين كالجوشن، وعند ابن عقيل لا يباح، ففيه الزكاة،

١٬٤٤٥

وكذلك الحكم عنده في الكمران، والخريطة قال أبو العباس: وعلى قول غيره هما كالخف.

١٬٤٤٦

وقال التميمي: يكره عمل خفين من فضة كالنعلين،

١٬٤٤٧

ولا يحرم، وألحق أبو الخطاب وجماعة حمائل السيف - وهي علائقه - [بالمنطقة] وجزم القاضي بالمنع، وحكاه عن أحمد. والله أعلم. قال: والمتخذ آنية الذهب والفضة عاص، وفيها الزكاة. ش: هذا المشهور المعروف، المنصوص [عليه] من الروايتين، حتى أن القاضي في التعليق، وجمهور الأصحاب لم يحكوا خلافا، إذ الاتخاذ يراد للاستعمال، والاستعمال محرم، فكذلك الاتخاذ، دليله آلات اللهو، كالطنبور، والعود. (والرواية الثانية) : يباح الاتخاذ، نظرا [إلى] أن المحرم الاستعمال،

١٬٤٤٨

أما الاتخاذ فإنه تغيير المال من صفة إلى صفة، فلا يؤثر والله أعلم.

[زكاة الركاز] قال: وما كان من الركاز - وهو دفن الجاهلية، قل أو كثر - ففيه الخمس لأهل الصدقات، وباقيه فله. ش: عرف الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - الركاز بأنه دفن الجاهلية، ويعرف ذلك بأن توجد عليه أسماء ملوكهم، أو صلبانهم، ونحو ذلك. قال مالك - رَحِمَهُ اللَّهُ - في الموطأ: الأمر الذي لا اختلاف فيه عندنا، والذي سمعت أهل العلم يقولون، أن الركاز إنما هو دفن يوجد من دفن الجاهلية، ما لم يطلب بمال، ولم يتكلف فيه بنفقة، ولا كبير عمل ولا مؤنة.

انتهى أما ما وجد عليه علامة المسلمين كأسماء ملوكهم، وأنبيائهم، أو آية من القرآن، أو نحو ذلك، أو على بعضه، فليس بركاز، لأن ذلك قرينة صيرورته إلى مسلم،

١٬٤٤٩

وكذلك لو لم يوجد عليه علامة، لانتفاء الشرط، وهو علامة الكفار.

إذا تقرر [ذلك] فما حكم بأنه ركاز ففيه الخمس.

١٢٤٤ - لما روى أبو هريرة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «العجماء جبار، والبئر جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس» رواه الجماعة، ولا فرق بين القليل والكثير، لعموم الحديث، ولأنه مال مخمس من مال الكفار، أشبه الغنيمة، ومصرف الخمس لأهل الزكاة، في إحدى الروايتين، اختارها الخرقي، نظرا إلى أنه مستفاد من الأرض، أشبه المعدن.

١٢٤٥ - وعن علي - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنه أمر صاحب الكنز أن يتصدق به على المساكين، حكاه الإمام أحمد. (والرواية الثانية) - وهي اختيار ابن أبي موسى، والقاضي في تعليقه وجامعه وابن عقيل، وأبي محمد - أن مصرفه مصرف الفيء، لأنه مال كافر مخموس، أشبه الغنيمة.

١٢٤٦ - ويروى ذلك عن عمر بن الخطاب - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - والباقي بعد الخمس لواجده، وله صور: (إحداها) : إذا وجده في موات، أو في أرض لا يعلم مالكها، أو في ملكه الذي ملكه بالإحياء، ونحو ذلك، فهذا يكون له بلا نزاع. (الثانية) : وجده في ملك انتقل إليه بهبة أو بيع، أو غير ذلك، [فهو] لواجده أيضا، في أنص الروايتين، واختيار القاضي في التعليق، نظرا إلى أنه يملك بالظهور عليه، أشبه الغنيمة.

(والرواية الثانية) : يكون لمن انتقل عنه إن اعترف به، وإلا فلأول مالك،

١٬٤٥٠

قال أبو محمد: فإن لم يعرف أول مالك فكالمال الضائع، نظرا إلى أنه يملك بملك الأرض كأجزائها ولهذه المسألة التفات إلى مسألة المباح من الكلأ ونحوه، هل يملك بملك الأرض، أو لا يملك إلا بالأخذ؟ فيه روايتان، كذا أشار إليه القاضي وغيره.

(الثالثة) : وجده في ملك آدمي معصوم، كأن دخل دار إنسان فحفر فوجد ركازا، فحكمه حكم الذي قبله، فيه الروايتان عند أبي البركات، وأبي محمد في المقنع وقطع صاحب التلخيص هنا تبعا لأبي الخطاب في الهداية أنه لمالك الأرض، وقد أورد على القاضي هذه المسألة، فقال: لا يمتنع أن يقول: [إنه] لواجده، كما لو وجد طائرا أو ظبيا. انتهى. وقد نص أحمد فيمن استأجر إنسانا ليحفر له بئرا، فوجد ركازا، أنه لصاحب الدار، ونص في رواية الكحال في الساكن إذا وجد كنزا أنه له،

١٬٤٥١

ومن مسألة الأجير أخذ القاضي وغيره الرواية في الملك المنتقل إليه [أنه يكون لمن انتقل إليه] قالوا: لأنه لم يجعله للأجير بالظهور، بل جعله لمالك الأرض،

تعليق

ثم إن القاضي في التعليق كلامه يقتضي أنه سلم مسألة الأجير، فقال لما أورد عليه الأجير: عمله لغيره. وهذا التسليم يمنع من جريان الخلاف، ويشعر بتقرير النصوص على ظواهرها. (الرابعة) : وجده في أرض الحرب بنفسه، فهو ركاز،

١٬٤٥٢

وإن وجده بجماعة لهم منعة فهو غنيمة.

واعلم أن ظاهر كلام الخرقي أنه لا فرق [بين] أن يكون الركاز ذهبا، أو عروضا، أو غير ذلك، ونص عليه أحمد. وظاهر كلامه أيضا أن هذا الخمس لا يجب إلا على مسلم، فإنه قال: يصرف لأهل الصدقات. فيكون صدقة، وقد قال: إن الصدقة لا تجب إلا على الأحرار المسلمين.

١٬٤٥٣

وكذا قال في التلخيص، إن قلنا: إنه زكاة. لم تجب على الذمي،

١٬٤٥٤

[وإن قلنا: إنه فيء. وجب عليه، وقدم في المغني أنه يجب على الذمي] ثم قال: ويتخرج أن لا يجب عليه بناء على أنه زكاة، قال: والأول أصح.

١٬٤٥٥

«تنبيه» : العجماء: الدابة، والجبار: الهدر، يعني أن الدابة إذا أتلفت شيئا فلا شيء فيه، وهذا له موضع يذكر فيه إن شاء الله تعالى،

١٬٤٥٦

وكذا المعدن والبئر إذا تلف بهما أجير فلا شيء فيه، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةُ لَيْسَ فِي حِلْيَةِ سَيْفِ الرَّجُلِ وَمِنْطَقَتِهِ وَخَاتَمِهِ زَكَاةٌ] (١٨٩٣) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَلَيْسَ فِي حِلْيَةِ سَيْفِ الرَّجُلِ وَمِنْطَقَتِهِ وَخَاتَمِهِ زَكَاةٌ وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مُبَاحًا مِنْ الْحُلِيِّ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ إذَا كَانَ مُعَدًّا لِلِاسْتِعْمَالِ، سَوَاءٌ كَانَ لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ جِهَةِ النَّمَاءِ إلَى اسْتِعْمَالٍ مُبَاحٍ، فَأَشْبَهَ ثِيَابَ الْبِذْلَةِ وَعَوَامِلَ الْمَاشِيَةِ،

٧٬٦٣٣

وَيُبَاحُ لِلرِّجَالِ مِنْ الْفِضَّةِ الْخَاتَمُ؛ «لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - اتَّخَذَ خَاتَمًا مِنْ وَرِقٍ.» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَحِلْيَةُ السَّيْفِ، بِأَنْ تُجْعَلَ قَبِيعَتُهُ فِضَّةً أَوْ تَحْلِيَتُهَا بِفِضَّةٍ؛

٧٬٦٣٤

فَإِنَّ أَنَسًا قَالَ:«كَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِضَّةً.»

٧٬٦٣٥

وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: كَانَ سَيْفُ الزُّبَيْرِ مُحَلًّى بِالْفِضَّةِ. رَوَاهُمَا الْأَثْرَمُ بِإِسْنَادِهِ. وَالْمِنْطَقَةُ تُبَاحُ تَحْلِيَتُهَا بِالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهَا حِلْيَةٌ مُعْتَادَةٌ لِلرَّجُلِ، فَهِيَ كَالْخَاتَمِ وَقَدْ نُقِلَ كَرَاهَةُ ذَلِكَ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ، فَهُوَ كَالطَّوْقِ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛ لِأَنَّ الطَّوْقَ لَيْسَ بِمُعْتَادٍ فِي حَقِّ الرَّجُلِ،

٧٬٦٣٦

بِخِلَافِ الْمِنْطَقَةِ. وَعَلَى قِيَاسِ الْمِنْطَقَةِ، الْجَوْشَنُ، وَالْخُوذَةُ، وَالْخُفُّ، وَالرَّانُ، وَالْحَمَائِلُ.

وَتُبَاحُ الْفِضَّةُ فِي الْإِنَاءِ وَمَا أَشْبَهَهَا؛ لِلْحَاجَةِ، وَنَعْنِي بِالْحَاجَةِ أَنَّهُ يُنْتَفَعُ بِهَا فِي ذَلِكَ،

٧٬٦٣٧

وَإِنْ قَامَ غَيْرُهَا مَقَامَهَا. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ، أَنَسٍ «أَنَّ قَدَحَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - انْكَسَرَ، فَاتَّخَذَ مَكَانَ الشَّعْبِ سِلْسِلَةً مِنْ فِضَّةٍ.»

٧٬٦٣٨

وَقَالَ الْقَاضِي: يُبَاحُ الْيَسِيرُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِحَاجَةٍ. وَإِنَّمَا كَرِهَ أَحْمَدُ الْحَلْقَةَ فِي الْإِنَاءِ؛ لِأَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ.

٧٬٦٣٩

وَأَمَّا الذَّهَبُ، فَيُبَاحُ مِنْهُ مَا دَعَتْ الضَّرُورَةُ إلَيْهِ، كَالْأَنْفِ فِي حَقِّ مِنْ قُطِعَ أَنْفُهُ؛ لِمَا رُوِيَ «عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طُرْفَةَ، أَنَّ جَدَّهُ عَرْفَجَةَ بْنَ أَسْعَدَ. قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكِلَابِ، فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاتَّخَذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

٧٬٦٤٠

وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: رَبْطُ الْأَسْنَانِ بِالذَّهَبِ إذَا خُشِيَ عَلَيْهَا أَنْ تَسْقُطَ قَدْ فَعَلَهُ النَّاسُ، فَلَا بَأْسَ بِهِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ.

وَرَوَى الْأَثْرَمُ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ، وَأَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيُّ، وَأَبِي رَافِعٍ، وَثَابِتٍ اسْتَرْقُوا وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ زَيْدٍ بْنِ ثَابِتٍ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّهُمْ شَدُّوا أَسْنَانَهُمْ بِالذَّهَبِ. وَعَنْ الْحَسَنِ، وَالزُّهْرِيِّ، وَالنَّخَعِيِّ، أَنَّهُمْ رَخَّصُوا فِيهِ. وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنْ الذَّهَبِ، فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، الرُّخْصَةُ فِيهِ فِي السَّيْفِ.

قَالَ الْأَثْرَمُ، قَالَ أَحْمَدُ: قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ كَانَ فِي سَيْفِ عُثْمَانَ بْنِ حُنَيْفٍ مِسْمَارٌ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فَذَاكَ الْآنَ فِي السَّيْفِ.

٧٬٦٤١

وَقَالَ: إنَّهُ كَانَ لِعُمَرَ سَيْفٌ سَبَائِكُهُ مِنْ ذَهَبٍ. مِنْ حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ، عَنْ نَافِعٍ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، بِإِسْنَادِهِ عَنْ مَزْيَدَةَ الْعَصَرِيِّ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دَخَلَ مَكَّةَ وَعَلَى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ» .

وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ. قَالَ الْأَثْرَمُ: قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ: يَخَافُ عَلَيْهِ أَنْ يَسْقُطَ يَجْعَلُ فِيهِ مِسْمَارًا مِنْ ذَهَبٍ؟ قَالَ: إنَّمَا رُخِّصَ فِي الْأَسْنَانِ، وَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عَلَى الضَّرُورَةِ،

٧٬٦٤٢

فَأَمَّا الْمِسْمَارُ، فَقَدْ رُوِيَ:«مَنْ تَحَلَّى بِخُرَيْصِيصَةٍ، كُوِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .

٧٬٦٤٣

قُلْت: أَيُّ شَيْءٍ خُرَيْصِيصَةٌ؟ قَالَ: شَيْءٌ صَغِيرٌ مِثْلُ الشُّعَيْرَةِ.

وَرَوَى الْأَثْرَمُ أَيْضًا، بِإِسْنَادِهِ عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ، قَالَ:«مَنْ حُلِّيَ، أَوْ تَحَلَّى بِخُرَيْصِيصَةٍ، كُوِيَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَغْفُورًا لَهُ أَوْ مُعَذَّبًا» . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا، أَنَّهُ أَبَاحَ يَسِيرَ الذَّهَبِ، وَلَعَلَّهُ يَحْتَجُّ بِمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ الْأَخْبَارِ، وَبِقِيَاسِ الذَّهَبِ عَلَى الْفِضَّةِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَى الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ، فَلَمْ يَحْرُمْ يَسِيرُهُ كَسَائِرِهَا، وَكُلُّ مَا أُبِيحَ مِنْ الْحُلِيِّ، فَلَا زَكَاةَ فِيهِ، إذَا كَانَ مُعَدًّا لِلِاسْتِعْمَالِ.

[مَسْأَلَةُ الْمُتَّخِذ آنِيَةَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَاصٍ وَفِيهَا الزَّكَاةُ] (١٨٩٤) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَالْمُتَّخِذُ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ عَاصٍ، وَفِيهَا الزَّكَاةُ) وَجُمْلَتُهُ، أَنَّ اتِّخَاذَ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ حَرَامٌ عَلَى النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ جَمِيعًا،

٧٬٦٤٤

وَكَذَلِكَ اسْتِعْمَالُهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَا يَحْرُمُ اتِّخَاذُهَا؛ لِأَنَّ النَّصَّ إنَّمَا وَرَدَ فِي تَحْرِيمِ الِاسْتِعْمَالِ، فَيَبْقَى إبَاحَةُ الِاتِّخَاذِ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ فِي الْإِبَاحَةِ. وَلَنَا، أَنَّ مَا حَرُمَ اسْتِعْمَالُهُ حَرُمَ اتِّخَاذُهُ عَلَى هَيْئَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَالْمَلَاهِي، وَيَسْتَوِي فِي ذَلِكَ الرِّجَالُ، وَالنِّسَاءُ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِيَ لِلتَّحْرِيمِ يَعُمُّهَا، وَهُوَ الْإِفْضَاءُ إلَى السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، فَيَسْتَوِيَانِ فِي التَّحْرِيمِ، وَإِنَّمَا أُحِلَّ لِلنِّسَاءِ التَّحَلِّي لِحَاجَتِهِنَّ إلَيْهِ لِلتَّزَيُّنِ لِلْأَزْوَاجِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمَوْجُودٍ فِي الْآنِيَةِ، فَيَبْقَى عَلَى التَّحْرِيمِ.

إذَا ثَبَتَ هَذَا، فَإِنَّ فِيهَا الزَّكَاةَ، بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَلَا زَكَاةَ فِيهَا حَتَّى تَبْلُغَ نِصَابًا بِالْوَزْنِ، أَوْ يَكُونَ عِنْدَهُ مَا يَبْلُغُ نِصَابًا بِضَمِّهَا إلَيْهِ.

٧٬٦٤٥

وَإِنْ زَادَتْ قِيمَتُهُ لِصِنَاعَتِهِ، فَلَا عِبْرَةَ بِهَا؛ لِأَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ فَلَا قِيمَةَ لَهَا فِي الشَّرْعِ، وَلَهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهَا قَدْرَ رُبْعِ عُشْرِهَا بِقِيمَتِهِ غَيْرَ مَصُوغٍ.

٧٬٦٤٦

وَإِنْ أَحَبَّ كَسْرَهَا، أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهَا مَكْسُورًا،

٧٬٦٤٧

وَإِنْ أَخْرَجَ رُبْعَ عُشْرِهَا مَصُوغًا، جَازَ؛ لِأَنَّ الصِّنَاعَةَ لَمْ تَنْقُصْهَا عَنْ قِيمَةِ الْمَكْسُورِ.

وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ وَجْهًا فِي اعْتِبَارِ قِيمَتِهَا. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.

[فَصْلُ كُلُّ مَا كَانَ اتِّخَاذُهُ مُحَرَّمًا مِنْ الْأَثْمَانِ لَمْ تَسْقُطْ زَكَاتُهُ بِاِتِّخَاذِهِ] (١٨٩٥) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَا كَانَ اتِّخَاذُهُ مُحَرَّمًا مِنْ الْأَثْمَانِ، لَمْ تَسْقُطْ زَكَاتُهُ بِاِتِّخَاذِهِ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيهَا، لِكَوْنِهَا مَخْلُوقَةً لِلتِّجَارَةِ، وَالتَّوَسُّلِ بِهَا إلَى غَيْرِهَا، وَلَمْ يُوجَدْ مَا يَمْنَعُ ذَلِكَ، فَبَقِيَتْ عَلَى أَصْلِهَا.

قَالَ أَحْمَدُ: مَا كَانَ عَلَى سَرْجٍ أَوْ لِجَامٍ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ. وَنَصَّ عَلَى حِلْيَةِ الثُّفْرِ وَالرِّكَابِ وَاللِّجَامِ، أَنَّهُ مُحَرَّمٌ.

٧٬٦٤٨

وَقَالَ، فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ: أَكْرَهُ رَأْسَ الْمُكْحُلَةِ فِضَّةً. ثُمَّ قَالَ: وَهَذَا شَيْءٌ تَأَوَّلْته. وَعَلَى قِيَاسِ مَا ذَكَرَهُ، حِلْيَةُ الدَّوَاةِ، وَالْمِقْلَمَةِ، وَالسَّرْجِ، وَنَحْوِهِ مِمَّا عَلَى الدَّابَّةِ.

٧٬٦٤٩

وَلَوْ مَوَّهَ سَقْفَهُ بِذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ، فَهُوَ مُحَرَّمٌ، وَفِيهِ الزَّكَاةُ.

٧٬٦٥٠

وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يُبَاحُ؛ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْمُبَاحِ، فَيَتْبَعُهُ فِي الْإِبَاحَةِ. وَلَنَا، أَنَّ هَذَا إسْرَافٌ، وَيُفْضِي فِعْلُهُ إلَى الْخُيَلَاءِ، وَكَسْرِ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ، فَحَرُمَ، كَاِتِّخَاذِ الْآنِيَةِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ التَّخَتُّمِ بِخَاتَمِ الذَّهَبِ لِلرَّجُلِ، فَتَمْوِيهُ السَّقْفِ أَوْلَى.

٧٬٦٥١

وَإِنْ صَارَ التَّمْوِيهُ الَّذِي فِي السَّقْفِ مُسْتَهْلَكًا لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ، لَمْ تَحْرُمْ اسْتِدَامَتُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا

٧٬٦٥٢

فَائِدَةَ فِي إتْلَافِهِ وَإِزَالَتِهِ، وَلَا زَكَاةَ فِيهِ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ ذَهَبَتْ وَإِنْ لَمْ تَذْهَبْ مَالِيَّتُهُ، وَلَمْ يَكُنْ مُسْتَهْلَكًا، حَرُمَتْ اسْتَدَامَتْهُ. وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ لَمَّا وَلِي، أَرَادَ جَمْعَ مَا فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ مِمَّا مُوِّهَ بِهِ مِنْ الذَّهَبِ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ. فَتَرَكَهُ.

٧٬٦٥٣

وَلَا يَجُوزُ تَحْلِيَةُ الْمَصَاحِفِ وَلَا الْمَحَارِيبِ، وَلَا اتِّخَاذَ قَنَادِيلَ مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؛ لِأَنَّهَا بِمَنْزِلَةِ الْآنِيَةِ.

٧٬٦٥٤

وَإِنْ وَقَفَهَا عَلَى مَسْجِدٍ أَوْ نَحْوِهِ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِبِرٍّ وَلَا مَعْرُوفٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الصَّدَقَةِ، فَيُكْسَرُ وَيُصْرَفُ فِي مَصْلَحَةِ الْمَسْجِدِ وَعِمَارَتِهِ.

٧٬٦٥٥

وَكَذَلِكَ إنَّ حَبَسَ الرَّجُلُ فَرَسًا لَهُ لِجَامٌ مُفَضَّضٌ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: فِي الرَّجُلِ يَقِفُ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَمَعَهُ لِجَامٌ مُفَضَّضٌ: فَهُوَ عَلَى مَا وَقَفَهُ،

٧٬٦٥٦

وَإِنْ بِيعَتْ الْفِضَّةُ مِنْ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ وَجُعِلَتْ فِي وَقْفِ مِثْلِهِ فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ؛ لِأَنَّ الْفِضَّةَ لَا يُنْتَفَعُ بِهَا، وَلَعَلَّهُ يَشْتَرِي بِذَلِكَ سَرْجًا وَلِجَامًا، فَيَكُونُ أَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ. قِيلَ: فَتُبَاعُ الْفِضَّةُ، وَيُنْفِقُ عَلَى الْفَرَسِ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ حِلْيَةِ السَّرْجِ وَاللِّجَامِ بِالْفِضَّةِ، لَوْلَا ذَلِكَ لَمَا قَالَ: هُوَ عَلَى مَا وَقَفَ. وَهَذَا لِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِهِ، فَأَشْبَهَ حِلْيَةَ الْمِنْطَقَةِ.

٧٬٦٥٧

وَإِذَا قُلْنَا بِتَحْرِيمِهَا فَصَارَ بِحَيْثُ لَا يَجْتَمِعُ مِنْهُ شَيْءٌ، لَمْ يَحْرُمْ اسْتَدَامَتْهُ، كَقَوْلِنَا فِي تَمْوِيهِ السَّقْفِ، وَأَبَاحَ الْقَاضِي عِلَاقَةَ الْمُصْحَفِ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً لِلنِّسَاءِ خَاصَّةً. وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ؛ لِأَنَّ حِلْيَةَ الْمَرْأَةِ مَا لَبِسَتْهُ، وَتَحَلَّتْ بِهِ فِي بَدَنِهَا أَوْ ثِيَابِهَا، وَمَا عَدَاهُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأَوَانِي، لَا يُبَاحُ لِلنِّسَاءِ مِنْهُ إلَّا مَا أُبِيحَ لِلرِّجَالِ.

٧٬٦٥٨

وَلَوْ أُبِيحَ لَهَا ذَلِكَ لَأُبِيحَ عِلَاقَةُ الْأَوَانِي وَالْأَدْرَاجِ وَنَحْوِهِمَا. ذَكَرَهُ ابْنُ عَقِيلٍ.

(١٨٩٦) فَصْلٌ: وَكُلُّ مَا يَحْرُمُ اتِّخَاذُهُ، فَفِيهِ الزَّكَاةُ إذَا كَانَ نِصَابًا، أَوْ بَلَغَ بِضَمِّهِ إلَى مَا عِنْدَهُ نِصَابًا، عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ.

[مَسْأَلَةُ زَكَاة الرِّكَازِ] (١٨٩٧) مَسْأَلَةٌ: قَالَ: وَمَا كَانَ مِنْ الرِّكَازِ، وَهُوَ دِفْنُ الْجَاهِلِيَّةِ، قَلَّ أَوْ كَثُرَ، فَفِيهِ الْخَمْسُ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ، وَبَاقِيه لَهُ الدِّفْنُ، بِكَسْرِ الدَّالِ: الْمَدْفُونُ. وَالرِّكَازُ: الْمَدْفُونُ فِي الْأَرْضِ. وَاشْتِقَاقُهُ مِنْ رَكَزَ يَرْكِزُ. مِثْلُ غَرَزَ يَغْرِزُ: إذَا خَفِيَ. يُقَالُ: رَكَزَ الرُّمْحَ، إذَا غَرَزَ أَسْفَلَهُ فِي الْأَرْضِ. وَمِنْهُ الرِّكْزُ، وَهُوَ الصَّوْتُ الْخَفِيُّ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا} . وَالْأَصْلُ فِي صَدَقَةِ الرِّكَازِ، مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ.»

مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَهُوَ أَيْضًا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ هَذَا الْحَدِيثَ، إلَّا الْحَسَنَ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ، وَأَرْضِ الْعَرَبِ، فَقَالَ: فِيمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ الْخُمْسُ، وَفِيمَا يُوجَدُ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ الزَّكَاةُ.

[مَسْأَلَةُ زَكَاة الرِّكَازِ تَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ] [الْفَصْلُ الْأَوَّلُ الرِّكَازُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْخُمْسِ] (١٨٩٨) فَصْلٌ: وَأَوْجَبَ الْخُمْسَ فِي الْجَمِيعِ الزُّهْرِيُّ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ، وَأَصْحَابُهُ، وَأَبُو ثَوْرٍ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَغَيْرُهُمْ. وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى خَمْسَةِ فُصُولٍ:(١٨٩٩) الْفَصْلُ الْأَوَّلُ، أَنَّ الرِّكَازَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الْخُمْسِ مَا كَانَ مِنْ دِفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ. هَذَا قَوْلُ الْحَسَنِ، وَالشَّعْبِيِّ، وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ.

وَيُعْتَبَرُ ذَلِكَ بِأَنْ تُرَى عَلَيْهِ عَلَامَاتُهُمْ، كَأَسْمَاءِ مُلُوكِهِمْ، وَصُوَرِهِمْ وَصُلُبِهِمْ، وَصُوَرِ أَصْنَامِهِمْ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.

٧٬٦٥٩

فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ، أَوْ اسْمُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَحَدٌ مِنْ خُلَفَاءِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ وَالٍ لَهُمْ، أَوْ آيَةٌ مِنْ قُرْآنِ أَوَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهُوَ لُقَطَةٌ؛ لِأَنَّهُ مِلْكُ مُسْلِمٍ لَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ عَنْهُ.

٧٬٦٦٠

وَإِنْ كَانَ عَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ الْإِسْلَامِ، وَعَلَى بَعْضِهِ عَلَامَةُ الْكُفْرِ، فَكَذَلِكَ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَنْصُورٍ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صَارَ إلَى مُسْلِمٍ، وَلَمْ يُعْلَمْ زَوَالُهُ عَنْ مِلْكِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَشْبَهَ مَا عَلَى جَمِيعِهِ عَلَامَةُ الْمُسْلِمِينَ.

[الْفَصْلُ الثَّانِي فِي مَوْضِعِ الرِّكَازِ وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ] (١٩٠٠) الْفَصْلُ الثَّانِي، فِي مَوْضِعِهِ، وَلَا يَخْلُو مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا، أَنْ يَجِدَهُ فِي مَوَاتٍ، أَوْ مَا لَا يُعْلَمُ لَهُ مَالِكٌ، مِثْلُ الْأَرْضِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا آثَارُ الْمُلْكِ، كَالْأَبْنِيَةِ الْقَدِيمَةِ، وَالتُّلُولِ، وَجُدْرَانِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَقُبُورِهِمْ. فَهَذَا فِيهِ الْخُمْسُ بِغَيْرِ خِلَافٍ، سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ.

٧٬٦٦١

وَلَوْ وَجَدَهُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ عَلَى وَجْهِهَا، أَوْ فِي طَرِيقٍ غَيْرِ مَسْلُوكٍ، أَوْ قَرْيَةٍ خَرَابٍ، فَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْحُكْمِ؛ لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:«سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ اللُّقَطَةِ؟ فَقَالَ: مَا كَانَ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ، أَوْ فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَعَرِّفْهَا سَنَةً، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا، وَإِلَّا فَلَكَ، وَمَا لَمْ يَكُنْ فِي طَرِيقٍ مَأْتِيٍّ، وَلَا فِي قَرْيَةٍ عَامِرَةٍ، فَفِيهِ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» رَوَاهُ النَّسَائِيّ.

الْقِسْمُ الثَّانِي، أَنْ يَجِدَهُ فِي مِلْكِهِ الْمُنْتَقِلِ إلَيْهِ، فَهُوَ لَهُ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَكَانَ لِمَنْ ظَهَرَ عَلَيْهِ كَالْغَنَائِمِ، وَلِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الْأَرْضِ، لِأَنَّهُ مُودَعٌ فِيهَا، وَإِنَّمَا يُمْلَكُ بِالظُّهُورِ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ أَنْ يَمْلِكَهُ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، هُوَ لِلْمَالِكِ قَبْلَهُ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ،

٧٬٦٦٢

وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ فَهُوَ لِلَّذِي قَبْلَهُ كَذَلِكَ إلَى أَوَّلِ مَالِكٍ. وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ كَانَتْ يَدُهُ عَلَى الدَّارِ، فَكَانَتْ عَلَى مَا فِيهَا.

٧٬٦٦٣

وَإِنْ انْتَقَلَتْ الدَّارُ بِالْمِيرَاثِ، حُكِمَ بِأَنَّهُ مِيرَاثٌ،

٧٬٦٦٤

فَإِنْ اتَّفَقَ الْوَرَثَةُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِمَوْرُوثِهِمْ، فَهُوَ لِأَوَّلِ مَالِكٍ فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَوَّلُ مَالِكٍ، فَهُوَ كَالْمَالِ الضَّائِعِ الَّذِي لَا يُعْرَفْ لَهُ مَالِكٌ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الرِّكَازَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَجْزَائِهَا وَإِنَّمَا هُوَ مُودَعٌ فِيهَا، فَيَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْمُبَاحَاتِ مِنْ الْحَشِيشِ وَالْحَطَبِ وَالصَّيْدِ يَجِدُهُ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ، فَيَأْخُذُهُ، فَيَكُونُ أَحَقَّ بِهِ، لَكِنْ إنْ ادَّعَى الْمَالِكُ الَّذِي انْتَقَلَ الْمِلْكُ عَنْهُ أَنَّهُ لَهُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛

لِأَنَّ يَدَهُ كَانَتْ عَلَيْهِ، لِكَوْنِهَا عَلَى مَحِلِّهِ،

٧٬٦٦٥

وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ.

٧٬٦٦٦

وَإِنْ اخْتَلَفَ الْوَرَثَةُ، فَأَنْكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَكُونَ لِمُوَرِّثِهِمْ، وَلَمْ يُنْكِرْهُ الْبَاقُونَ، فَحُكْمُ مَنْ أَنْكَرَ فِي نَصِيبِهِ حُكْمُ الْمَالِكِ الَّذِي لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، وَحُكْمُ الْمُعْتَرِفِينَ حُكْمُ الْمَالِكِ الْمُعْتَرِفِ. الْقِسْمُ الثَّالِثُ، أَنْ يَجِدَهُ فِي مِلْكِ آدَمِيٍّ مُسْلِمٍ مَعْصُومٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، فَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِصَاحِبِ الدَّارِ؛ فَإِنَّهُ

٧٬٦٦٧

قَالَ، فِي مَنْ اسْتَأْجَرَ حَفَّارًا لِيَحْفِرَ فِي دَارِهِ، فَأَصَابَ فِي الدَّارِ كَنْزًا عَادِيًّا: فَهُوَ لِصَاحِبِ الدَّارِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ.

وَنُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِوَاجِدِهِ؛ لِأَنَّهُ

٧٬٦٦٨

قَالَ فِي مَسْأَلَةِ مَنْ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لَهُ فِي دَارِهِ، فَأَصَابَ فِي الدَّارِ كَنْزًا: فَهُوَ لِلْأَجِيرِ. نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْكَحَّالُ. قَالَ الْقَاضِي هُوَ الصَّحِيحُ. وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّكَازَ لِوَاجِدِهِ. وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ، وَأَبِي ثَوْرٍ. وَاسْتَحْسَنَهُ أَبُو يُوسُفَ. وَذَلِكَ لِأَنَّ الْكَنْزَ لَا يُمْلَكُ بِمِلْكِ الدَّارِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، فَيَكُونُ لِمَنْ وَجَدَهُ، لَكِنْ إنْ ادَّعَاهُ الْمَالِكُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ يَدَهُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهَا عَلَى مَحِلِّهِ.

٧٬٦٦٩

وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ.

٧٬٦٧٠

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: هُوَ لِمَالِكِ الدَّارِ إنْ اعْتَرَفَ بِهِ،

٧٬٦٧١

وَإِنْ لَمْ يَعْتَرِفْ بِهِ، فَهُوَ لِأَوَّلِ مَالِكٍ، لِأَنَّهُ فِي يَدِهِ.

وَيُخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ، لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الرِّوَايَةِ فِي الْقِسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ.

٧٬٦٧٢

وَإِنْ اسْتَأْجَرَ حَفَّارًا لِيَحْفِرَ لَهُ طَلَبًا لِكَنْزٍ يَجِدُهُ، فَوَجَدَهُ، فَلَا شَيْءَ لِلْأَجِيرِ، وَيَكُونُ الْوَاجِدُ لَهُ هُوَ الْمُسْتَأْجِرُ؛ لِأَنَّهُ اسْتَأْجَرَهُ لِذَلِكَ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْتَشَّ لَهُ أَوْ يَصْطَادَ،

٧٬٦٧٣

فَإِنَّ الْحَاصِلَ مِنْ ذَلِكَ لِلْمُسْتَأْجِرِ دُونَ الْأَجِيرِ.

٧٬٦٧٤

وَإِنْ اسْتَأْجَرَهُ لَأَمْرٍ غَيْرِ طَلَبِ الرِّكَازِ، فَالْوَاجِدُ لَهُ هُوَ الْأَجِيرُ. وَهَكَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إذَا اسْتَأْجَرْت أَجِيرًا لِيَحْفِرَ لِي فِي دَارِي، فَوَجَدَ كَنْزًا، فَهُوَ لَهُ.

٧٬٦٧٥

وَإِنْ قُلْت: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحْفِرَ لِي هَاهُنَا. رَجَاءَ أَنَّ أَجِدَ كَنْزًا، فَسَمَّيْت لَهُ، فَلَهُ أَجْرُهُ، وَلِي مَا يُوجَدُ.

(١٩٠١) فَصْلٌ: وَإِنْ اكْتَرَى دَارًا، فَوَجَدَ فِيهَا رِكَازًا، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ، وَالْآخَرُ هُوَ لِلْمَالِكِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ، فِي مَنْ وَجَدَ رِكَازًا فِي مِلْكٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ،

٧٬٦٧٦

وَإِنْ اخْتَلَفَا، فَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: هَذَا لِي. فَعَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ؛ لِأَنَّ الدِّفْنَ تَابِعٌ لِلْأَرْضِ.

٧٬٦٧٧

وَالثَّانِي، الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُكْتَرِي؛ لِأَنَّ هَذَا مُودَعٌ فِي الْأَرْضِ، وَلَيْسَ مِنْهَا، فَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ مِنْ يَدُهُ عَلَيْهَا، كَالْقُمَاشِ. الْقِسْمُ الرَّابِعُ، أَنْ يَجِدَهُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ،

٧٬٦٧٨

فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ إلَّا بِجَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، فَهُوَ غَنِيمَةٌ لَهُمْ،

٧٬٦٧٩

وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ بِنَفْسِهِ، فَهُوَ لِوَاجِدِهِ، حُكْمُهُ حُكْمُ مَا لَوْ وَجَدَهُ فِي مَوَاتٍ فِي أَرْضِ الْمُسْلِمِينَ.

٧٬٦٨٠

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: إنْ عُرِفَ مَالِكُ الْأَرْضِ، وَكَانَ حَرْبِيًّا، فَهُوَ غَنِيمَةٌ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ فِي حِرْزِ مَالِكٍ مُعَيَّنٍ؛ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أَخَذَهُ مِنْ بَيْتٍ أَوْ خِزَانَةٍ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَيْسَ لِمَوْضِعِهِ مَالِكٌ مُحْتَرَمٌ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يُعْرَفْ مَالِكُهُ. وَيُخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ قَوْلِهِمْ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا إنَّ الرِّكَازَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ يَكُونُ لِمَالِكِ الْأَرْضِ.

[الْفَصْلُ الثَّالِثُ صِفَةِ الرِّكَازِ الَّذِي فِيهِ الْخُمْسُ] (١٩٠٢) الْفَصْلُ الثَّالِثُ، فِي صِفَةِ الرِّكَازِ الَّذِي فِيهِ الْخُمْسُ، وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مَالًا عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، مِنْ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالصُّفْرِ وَالنُّحَاسِ وَالْآنِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ، وَأَبِي عُبَيْدٍ، وَابْنِ الْمُنْذِرِ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ: لَا تَجِبُ إلَّا فِي الْأَثْمَانِ. وَلَنَا،

٧٬٦٨١

عُمُومُ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» . وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الْكُفَّارِ، فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمْسُ مَعَ اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ، كَالْغَنِيمَةِ.

إذَا ثَبَتَ هَذَا فَإِنَّ الْخُمُسَ يَجِبُ فِي قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ، فِي قَوْلِ إمَامِنَا، وَمَالِكٍ، وَإِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ.

٧٬٦٨٢

وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: يُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ يَجِبْ فِيمَا اُسْتُخْرِجَ مِنْ الْأَرْضِ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ النِّصَابُ، كَالْمَعْدِنِ وَالزَّرْعِ. وَلَنَا، عُمُومُ الْحَدِيثِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَخْمُوسٌ، فَلَا يُعْتَبَرُ لَهُ نِصَابٌ، كَالْغَنِيمَةِ، وَلِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ، فَأَشْبَهَ الْغَنِيمَةَ، وَالْمَعْدِنُ وَالزَّرْعُ يَحْتَاجُ إلَى عَمَلٍ وَنَوَائِبَ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ النِّصَابُ تَخْفِيفًا،

٧٬٦٨٣

بِخِلَافِ الرِّكَازِ، وَلِأَنَّ الْوَاجِبَ فِيهِمَا مُوَاسَاةٌ، فَاعْتُبِرَ النِّصَابُ لِيَبْلُغَ حَدًّا يَحْتَمِلُ الْمُوَاسَاةَ مِنْهُ،

٧٬٦٨٤

بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.

[الْفَصْلُ الرَّابِعُ الْقَدْرِ الْوَاجِبِ فِي الرِّكَازِ وَمَصْرِفِهِ] (١٩٠٣) الْفَصْلُ الرَّابِعُ، فِي قَدْرِ الْوَاجِبِ فِي الرِّكَازِ، وَمَصْرِفِهِ،

٧٬٦٨٥

أَمَّا قَدْرُهُ فَهُوَ الْخُمْسُ؛ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْحَدِيثِ وَالْإِجْمَاعِ،

٧٬٦٨٦

وَأَمَّا مَصْرِفُهُ فَاخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ، مَعَ مَا فِيهِ مِنْ اخْتِلَافِ أَهْلِ الْعِلْمِ. فَقَالَ الْخِرَقِيِّ: هُوَ لِأَهْلِ الصَّدَقَاتِ. وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، فَقَالَ: يُعْطِي الْخُمْسَ مِنْ الرِّكَازِ عَلَى مَكَانِهِ،

٧٬٦٨٧

وَإِنْ تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ أَجْزَأَهُ.

وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ عَلَيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ، أَمَرَ صَاحِبَ الْكَنْزِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ. حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ،

٧٬٦٨٨

وَقَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بِشْرٍ الْخَثْعَمِيِّ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ يُقَالُ لَهُ: ابْنُ حُمَمَةَ، قَالَ: سَقَطْت عَلَيَّ جَرَّةٍ مِنْ دَيْرٍ قَدِيمٍ بِالْكُوفَةِ، عِنْدَ جَبَّانَةِ بِشْرٍ، فِيهَا أَرْبَعَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَذَهَبْت بِهَا إلَى عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَقَالَ: اقْسِمْهَا خَمْسَةَ أَخْمَاسٍ. فَقَسَمْتهَا، فَأَخَذَ عَلِيٌّ مِنْهَا خُمْسًا، وَأَعْطَانِي أَرْبَعَةَ أَخْمَاسٍ، فَلَمَّا أَدْبَرْت دَعَانِي، فَقَالَ: فِي جِيرَانِك فُقَرَاءُ وَمَسَاكِينُ؟

٧٬٦٨٩

قُلْت: نَعَمْ. قَالَ: فَخُذْهَا فَاقْسِمْهَا بَيْنَهُمْ.

وَلِأَنَّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَرْضِ، أَشْبَهَ الْمَعْدِنَ وَالزَّرْعَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الْفَيْءِ. نَقَلَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَكَمِ، عَنْ أَحْمَدَ. وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ أَصَحُّ، وَأَقْيَسُ عَلَى مَذْهَبِهِ. وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالْمُزَنِيُّ لِمَا رَوَى أَبُو عُبَيْدٍ، عَنْ هُشَيْمٍ عَنْ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ، أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ أَلْفَ دِينَارٍ مَدْفُونَةً خَارِجًا مِنْ الْمَدِينَةِ، فَأَتَى بِهِمَا عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ، فَأَخَذَ مِنْهَا الْخَمْسَ مِائَتَيْ دِينَارٍ، وَدَفَعَ إلَى الرَّجُلِ بَقِيَّتَهَا، وَجَعَلَ عُمَرُ يَقْسِمُ الْمِائَتَيْنِ بَيْنَ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، إلَى أَنْ فَضَلَ مِنْهَا فَضْلَةٌ، فَقَالَ: أَيْنَ صَاحِبُ الدَّنَانِيرِ؟

فَقَامَ إلَيْهِ، فَقَالَ عُمَرُ: خُذْ هَذِهِ الدَّنَانِيرَ فَهِيَ لَكَ.

٧٬٦٩٠

وَلَوْ كَانَتْ زَكَاةً خَصَّ بِهَا أَهْلَهَا، وَلَمْ يَرُدَّهُ عَلَى وَاجِدِهِ، وَلِأَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الذِّمِّيِّ، وَالزَّكَاةُ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَخْمُوسٌ زَالَتْ عَنْهُ يَدُ الْكَافِرِ، أَشْبَهَ خُمْسَ الْغَنِيمَةِ.

[الْفَصْلُ الْخَامِسُ فِي مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُمْسُ فِي زَكَاة الرِّكَازِ] (١٩٠٤) الْفَصْلُ الْخَامِسُ، فِي مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُمْسُ. وَهُوَ كُلُّ مَنْ وَجَدَهُ، مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ، وَحُرٍّ وَعَبْدٍ وَمُكَاتَبٍ، وَكَبِيرٍ وَصَغِيرٍ، وَعَاقِلٍ وَمَجْنُونٍ، إلَّا أَنَّ الْوَاجِدَ لَهُ إذَا كَانَ عَبْدًا فَهُوَ لِسَيِّدِهِ؛ لِأَنَّهُ كَسْبُ مَالٍ، فَأَشْبَهَ الِاحْتِشَاشَ وَالِاصْطِيَادَ،

٧٬٦٩١

وَإِنْ كَانَ مُكَاتَبًا مَلَكَهُ، وَعَلَيْهِ خُمْسُهُ؛ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ كَسْبِهِ،

٧٬٦٩٢

وَإِنْ كَانَ صَبِيًّا أَوْ مَجْنُونًا فَهُوَ لَهُمَا، وَيُخْرِجُ عَنْهُمَا وَلِيُّهُمَا. وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ.

قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، عَلَى أَنَّ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي الرِّكَازِ يَجِدُهُ الْخُمْسَ. قَالَهُ مَالِكٌ، وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ، وَالثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَهْلُ الْعِرَاقِ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَغَيْرُهُمْ.

٧٬٦٩٣

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَجِبُ الْخُمْسُ إلَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ؛ لِأَنَّهُ زَكَاةٌ. وَحُكِيَ عَنْهُ فِي الصَّبِيِّ وَالْمَرْأَةِ أَنَّهُمَا لَا يَمْلِكَانِ الرِّكَازَ.

٧٬٦٩٤

وَقَالَ الثَّوْرِيُّ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَأَبُو عُبَيْدٍ: إذَا كَانَ الْوَاجِدُ لَهُ عَبْدًا، يُرْضَخُ لَهُ مِنْهُ، وَلَا يُعْطَاهُ كُلَّهُ. وَلَنَا، عُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ:«وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ» . فَإِنَّهُ يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى وُجُوبِ الْخُمْسِ فِي كُلِّ رِكَازٍ يُوجَدُ، وَبِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ بَاقِيَهُ لِوَاجِدِهِ مَنْ كَانَ، وَلِأَنَّهُ مَالُ كَافِرٍ مَظْهُورٌ عَلَيْهِ، فَكَانَ فِيهِ الْخُمْسُ عَلَى مَنْ وَجَدَهُ وَبَاقِيه لِوَاجِدِهِ، كَالْغَنِيمَةِ، وَلِأَنَّهُ اكْتِسَابُ مَالٍ، فَكَانَ لِمُكْتَسِبِهِ إنْ كَانَ حُرًّا، أَوْ لِسَيِّدِهِ إنْ كَانَ عَبْدًا، كَالِاحْتِشَاشِ، وَالِاصْطِيَادِ.

وَيَتَخَرَّجُ لَنَا أَنْ لَا يَجِبَ الْخُمْسُ إلَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ، بِنَاءً عَلَى قَوْلِنَا إنَّهُ زَكَاةٌ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ.

٧٬٦٩٥

(١٩٠٥) فَصْلٌ: وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الْإِنْسَانُ تَفْرِقَةَ الْخُمْسِ بِنَفْسِهِ. وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، لِأَنَّ عَلِيًّا أَمَرَ وَاجِدَ الْكَنْزِ بِتَفْرِقَتِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ. قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَلِأَنَّهُ أَدَّى الْحَقَّ إلَى مُسْتَحِقِّهِ، فَبَرِئَ مِنْهُ، كَمَا لَوْ فَرَّقَ الزَّكَاةَ، أَوْ أَدَّى الدَّيْنَ إلَى رَبِّهِ. وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ فَيْءٌ، فَلَمْ يَمْلِكْ تَفْرِقَتَهُ بِنَفْسِهِ، كَخُمْسِ الْغَنِيمَةِ. وَبِهَذَا قَالَ أَبُو ثَوْرٍ.

قَالَ: وَإِنْ فَعَلَ ضَمَّنَهُ الْإِمَامُ. قَالَ الْقَاضِي: وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ رَدُّ خَمْسِ الرِّكَازِ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ، فَلَمْ يَجُزْ رَدُّهُ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ، كَالزَّكَاةِ، وَخُمْسِ الْغَنِيمَةِ.

٧٬٦٩٦

وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى وَاجِدِهِ، وَلِأَنَّهُ فَيْءٌ، فَجَازَ رَدُّهُ أَوْ رَدُّ بَعْضِهِ عَلَى وَاجِدِهِ، كَخَرَاجِ الْأَرْضِ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ.

[مَسْأَلَةُ الْكَلَامِ فِي الْمَعْدِنِ يَشْتَمِلُ عَلَى فُصُولٍ أَرْبَعَةٍ] [الْفَصْل الْأَوَّل فِي صِفَةِ الْمَعْدِنِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ] (١٩٠٦) مَسْأَلَةٌ:

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.