فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

كتاب البيوع]

ش: البيوع جمع بيع، مصدر: باع يبيع. بمعنى: ملك، وبمعنى: اشترى،

٢٬٢٩٧

وكذلك شرى، يكون بالمعنيين، وعن أبي عبيدة وغيره: أباع بمعنى باع، وهو (في اللغة) قيل: أن يدفع عوضا ويأخذ معوضا منه.

٢٬٢٩٨

وقال أبو عبد الله السامري: إنه الإيجاب والقبول إذا تناول عينين، أو عينا بثمن.

٢٬٢٩٩

(وفي الشرع) قال القاضي وابن الزاغوني وغيرهما: إنه عبارة عن الإيجاب والقبول، إذا تضمن عينين للتمليك، وأبدل السامري: عينين. بمالين، ليحترز عما ليس بمال، فلا يطرد لدخول الربا، وقد يدخل القرض على الثاني، فلا ينعكس، لخروج بيع المعاطاة، على رواية مختارة، وخروج المنافع كممر الدار ونحوه، والبيع في الذمة.

٢٬٣٠٠

وقال أبو محمد: مبادلة المال بالمال لغرض التمليك، فدخلت المعاطاة، وقد يدخل القرض، إلا أنه وإن قصد فيه التملك لكن المقصود الأعظم فيه الإرفاق، لكنه يدخل عليه الربا. وحده بعض المتأخرين بأنه: تمليك عين مالية، أو منفعة مباحة، على التأبيد، بعوض مالي على التأبيد، ويدخل عليه أيضا القرض والربا، وبالجملة الحدود قل ما يسلم منها، انتهى.

واشتقاقه قال أبو محمد وكثير من الفقهاء: إنه مشتق من الباع، لأن كل واحد منهما يمد باعه للأخذ. ورد (من جهة الصناعة) بأنه مصدر، والمصدر على رأي البصريين منبع الاشتقاق، فهو مشتق منه، لا أنه مشتق،

٢٬٣٠١

فإن أجيب بالتزام مذهب الكوفيين بأن الأصل والاشتقاق للفعل رد بأنه الفعل الذي منه المصدر، لا فعل مقدر آخر، لأن الباع عينه واو، إذ هو من: بوع. والبيع عينه ياء، من: بيع. وشرط الاشتقاق موافقة الأصل والفرع في الحروف الأصول، وقد يجاب عن هذا وعن كثير من اشتقاقات الفقهاء بأن هذا من الاشتقاق الأكبر، الذي يلحظ فيه المعنى، دون الموافقة في الحروف، ولا ريب أن بين البيع والباع مناسبة ما كما تقدم، على أن بعض البيانيين لم يشترط الموافقة على المعنى [أيضا] فقال في قَوْله تَعَالَى: {إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ} [الشعراء: ١٦٨] : إنه من الاشتقاق الكبير، المشبه للاشتقاق الصغير، مع أن قال من القول، (والقالين) من القلي، وهو البغض، فالحروف لم تتفق، والمعنى لم يتحد.

٢٬٣٠٢

(ومن جهة المعنى) بالبيع في الذمة ونحوه، لانتفاء مد الباع فيه.

٢٬٣٠٣

وقيل: إنه مشتق من البيعة، وفيه نظر، إذ المصدر لا يشتق من المصدر، ثم معنى البيع غير معنى المبايعة. انتهى.

وهو مما علم جوازه من دين الله سبحانه بالضرورة، وقد تضافرت الأدلة من الكتاب والسنة والإجماع على ذلك، قال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: ٢٩] ،

٢٬٣٠٤

وقال تعالى: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: ٢٧٥] ، إن قيل: إن الألف واللام فيه للاستغراق أو للعهد، بناء على أنه منقول شرعي،

٢٬٣٠٥

أما إن قيل: إنه مجمل، فلا،

٢٬٣٠٦

وأما السنة فما لا يحصى كثرة، وسيأتي جملة منه إن شاء الله،

٢٬٣٠٧

وأما الإجماع فبنقل الأثبات، ثم الحكمة تقتضيه، إذ الإنسان قد يحتاج إلى ما في يد صاحبه من مأكول، وملبوس، وغير ذلك، وليس كل أحد يسمح أن يبذل ماله مجانا، فاقتضت الحكمة جواز ذلك، تحصيلا للمصلحة من الطرفين.

واعلم أن ماهية البيع مركبة من ثلاثة أشياء، عاقد، ومعقود عليه، ومعقود به

٢٬٣٠٨

(أما العاقد) فيشترط له أهلية التصرف، وهو أن يكون بالغا، عاقلا، مأذونا له، مختارا، غير محجور عليه،

٢٬٣٠٩

(وأما المعقود به) فهو كل ما دل على الرضا، ولا يتعين: بعت واشتريت. على أشهر الروايتين، وهل يتعين [اللفظ] فلا يصح بيع المعاطاة، أو لا يتعين، فيصح، أو يتعين فيما له خطر دون المحقرات؟ على ثلاثة أقوال، وفصل الخطاب في ذلك أن قوله سبحانه: {إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: ٢٩] ، هل المعتبر حقيقة الرضى، فلا بد من صريح القول، أو ما يدل عليه، فيكتفى بما يدل على ذلك؟

فيه قولان للعلماء.

ثم رتبة الإيجاب التقدم، ورتبة القبول التعاقب له،

٢٬٣١٠

فإن تقدم القبول الإيجاب بلفظ الطلب نحو: بعني. فروايتان منصوصتان، وخرجهما أبو الخطاب وجماعة فيما إذا تقدم بلفظ الماضي، نحو: ابتعت منك.

وظاهر كلام أبي محمد في الكافي منع ذلك، والجزم بالصحة،

٢٬٣١١

أما الاستفهام نحو: أتبيعني؟ فليس بقبول،

٢٬٣١٢

وإذا لا مدخل له في التقسيم،

٢٬٣١٣

وإن تراخى القبول عن الإيجاب صح ما داما في مجلس العقد، ولم يتشاغلا بما يقطعه.

٢٬٣١٤

وأما المعقود [عليه] فيشترط له شروط: (أحدها) كونه مما فيه منفعة مباحة لغير حاجة.

(الثاني) : كونه مأذونا للعاقد في بيعه، بملك أو إذن.

(الثالث) : كونه معلوما للمتعاقدين برؤية حال العقد بلا ريب،

٢٬٣١٥

وكذلك على المذهب بصفة ضابطة لما يختلف به الثمن غالبا، أو برؤية متقدمة بشرط عدم تغير المبيع غالبا.

(الرابع) كونه مقدورا على تسليمه، ثم مع [جميع] ذلك لا بد من انتفاء مانعه، وهو مقارنة نهي من الشارع، وتحقيق ذلك يحتاج إلى بسط طويل، لا يليق بهذا الكتاب، والله أعلم.

[باب خيار المتبايعين]

ش: الخيار اسم مصدر من: اختار يختار اختيارا. وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع أو فسخه، والله أعلم. قال: والمتبايعان كل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا بأبدانهما. ١٨٢١ - ش: الأصل في ذلك ما روى عبد الله بن عمر، - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا -، عن رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعا، أو يخير أحدهما الآخر، فإن تبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد أن تبايعا، ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع» .

متفق عليه.

١٨٢٢ - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال: «البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله» . رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وحسنه الترمذي، وللدارقطني فيه: «حتى يتفرقا من مكانهما» . وهذا نص في أن التفرق بالأبدان لا بالأقوال،

٢٬٣١٦

ويقرب منه حديث ابن عمر لقوله: «وإن تفرقا بعد أن تبايعا» . وحقيقة ذلك بعد صدور البيع، ثم يعين ذلك فعل راويه المشافه لقائله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. ١٨٢٣ - ففي مسلم عن نافع، أن ابن عمر - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كان إذا بايع رجلا فأراد أن لا يقيله مشى هنية ثم رجع، وراوي الحديث إذا فسره بما يقتضي ظاهره أكد ذلك الظاهر، ومنع تأويله عند العامة، [ثم يرجح ذلك أن البائع اسم مشتق من البيع، وحقيقته بعد البيع] .

واعتراض المالكي بعمل أهل المدينة مردود بمخالفة سعيد بن المسيب، والزهري، وابن أبي ذئب، ولقد بالغ ابن أبي ذئب في الإنكار على من خالف الحديث. واعتراض الحنفي بكونه خبر آحاد فيما تعم به البلوى مردود باستفاضة الحديث.

١٨٢٤ - فقد رواه الجماعة من حديث عبد الله بن عمر، وحكيم بن حزام، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص؛ والترمذي وأبو داود من حديث أبي هريرة، والنسائي من حديث سمرة بن جندب، وأبو داود من حديث أبي برزة، والترمذي من حديث جابر. ثم قد عمل الصحابة عليه، على أنا لا نسلم الأصل، بل نقول بخبر الواحد والحال ما تقدم.

وقول الخرقي: والمتبايعان. يدخل فيه جميع أنواع البيع، من التولية، والمرابحة، والشركة، والمواضعة،

٢٬٣١٧

وكذلك (الصلح) بمعنى البيع، كما إذا أقر له بدين أو بعين، ثم صالحه عنه بعوض، (والإجارة) لأنها بيع منافع،

٢٬٣١٨

وفي الكافي وجه بالمنع إذا كانت الإجارة على مدة تلي العقد، ويدخل أيضا الصرف، والسلم، لأنهما بيع حقيقة،

٢٬٣١٩

وعنه: لا خيار فيهما، وخص القاضي في روايتيه الخلاف بالصرف، وتردد في السلم هل يلحق بالصرف أو ببقية البياعات؟ على احتمالين، ويدخل أيضا (الهبة بعوض) ، إذ المغلب إذا حكم البيع على المشهور، والإقالة، والقسمة، حيث قيل: إنهما بيع، ويدخل أيضا (الحوالة) إن قيل: إنها بيع.

٢٬٣٢٠

لا إن قيل: إنها إسقاط، أو عقد مستقل، لوجود البيع في جميع ما تقدم. ويستثنى من عموم كلامه إذا اشترى من يعتق عليه، فإنه لا خيار له، كما لو باشر عتقه، وسيأتي إن شاء الله تعالى،

٢٬٣٢١

وفي سقوط حق صاحبه وجهان. ويخرج من كلامه كل ما ليس ببيع، كالنكاح، والخلع، والقرض والكتابة، وغير ذلك،

٢٬٣٢٢

وكذلك المساقاة، والمزارعة، والسبق، والشفعة، إذا أخذ بها،

٢٬٣٢٣

وفي الأربعة إن قيل بلزومها وجه. وقد يخرج من كلامه ما إذا اتحد العاقد، كما إذا اشترى لنفسه من مال ابنه الصغير، ونحو ذلك، إذ لا متبايعان، وقد يدخل لأنه في حكم متبايعين، وبالجملة في ثبوت الخيار لمن هذه حالته قولان، المجزوم به منهما - لصاحب [التلخيص] وابن حمدان في الصغرى، وأورده أبو محمد مذهبا - عدم الثبوت، وعلى القول بالثبوت هل يعتبر مفارقة المجلس، أو لا بد من اختيار اللزوم؟

قولان أيضا. وقوله: ما لم يتفرقا بأبدانهما. يقتضي أن الخيار لهما ولو طال المجلس بنوم، أو بناء حاجز، أو مشي منهما، ونحو ذلك، وهو كذلك، لظاهر الحديث.

١٨٢٥ - وكذا فهم أبو برزة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أحد رواة الحديث، وكلامه (شامل) لما إذا مات أحدهما، لعدم التفرق بالأبدان، وهو أحد الوجهين.

٢٬٣٢٤

(والثاني) - وبه جزم ابن حمدان، وصاحب التلخيص، ويحتمله كلام الخرقي كما سيأتي - أن الخيار والحال هذه يبطل، إذ الموت أعظم الفرقتين، (وشامل) أيضا لما إذا تبايعا على أن لا خيار بينهما، وهو إحدى الروايتين، واختيار القاضي في تعليقه، وأبي الخطاب في خلافه الصغير، وأبي الحسين، وابن عقيل في الفصول، لأن أكثر الأحاديث: «البيعان بالخيار» ، من غير زيادة، ولأنه إسقاط للحق قبل وجوبه.

(والثانية) - وهي اختيار ابن أبي موسى، والقاضي في روايتيه، والشيرازي، وأبي محمد - يبطل الخيار والحال هذه، لما تقدم في حديث ابن عمر: «أو يخير أحدهما الآخر، فإن تبايعا على ذلك فقد وجب البيع» ، والأخذ بالزائد أولى، والتبايع على ذلك يمنع انعقاد السبب مؤقتا.

(فعلى الأولى) في فساد العقد باشتراط ذلك قولان، أظهرهما - وهو ظاهر كلام الخرقي - عدم الفساد. ومفهوم كلامه أنه متى حصل تفرقهما بطل خيارهما، ويدخل في ذلك ما لو حصلت الفرقة بهرب، أو من غير قصد، أو جهلا، أو بإكراه، وهو كذلك، نعم في الإكراه (وجه آخر) ، يحكى عن القاضي، وأورده في التلخيص مذهبا: أن خيار المكره لا ينقطع،

٢٬٣٢٥

وإذا يكون له الخيار في المجلس الذي زال عنه الإكراه فيه دون صاحبه، (وقول ثالث) : إن كان المكره قادرا على كلام يقطع به خياره انقطع، وإلا فلا،

تعليق

ثم إن أبا محمد في المغني خص الخلاف بما إذا أكره أحدهما،

٢٬٣٢٦

أما إن أكرها فقال: ينقطع خيارهما، لأن كل واحد منهما ينقطع خياره بفرقة الآخر، فأشبه ما لو أكره صاحبه دونه، وصرح في الكافي بالخلاف في الصورتين، [وهو أجود] وقد قطع ابن عقيل في الفصول ببقاء خيارهما مع إكراههما، وجعل من صور ذلك إذا رأيا سبعا، أو ظالما يؤذيهما، أو احتملهما السيل أو أحدهما، أو حملت الريح أحدهما، وجعل في جميع ذلك الخيار لهما في موضع زوال المانع، ويتلخص من ذلك - على ما قطع به ابن عقيل، وأورده في المغني مذهبا، فيما إذا أكرها أو أحدهما - ثلاثة أقوال، يبطل الخيار في الصورتين، لا يبطل فيهما، يبطل فيما إذا أكرها، ولا يبطل فيما إذا أكره أحدهما، بل يكون الخيار له دون صاحبه.

ثم هل له الخيار مطلقا، أو بشرط عدم قدرته على كلام يقطع به خياره؟ فيه قولان. (تنبيهان) : «أحدهما» المرجع في التفرق إلى العرف لعدم نص من الشارع ببيانه، وقد ضبط ذلك بأنهما إن كانا في رحب واسع فبأن يمشي أحدهما مستدبرا لصاحبه خطوات، على ما قطع به ابن عقيل، وأورده في المغني مذهبا، اتباعا لفعل ابن عمر المتقدم،

٢٬٣٢٧

وقيل - وقطع به في الكافي -: [بل] يبعد منه، بحيث لا يسمع كلامه عادة،

٢٬٣٢٨

وإن كانا في دار كبيرة فمن بيت إلى آخر، أو إلى مجلس أو صفة، بحيث يعد مفارقا له،

٢٬٣٢٩

وفي صغيرة يصعد أحدهما سطحها، أو يخرج منها،

٢٬٣٣٠

وفي سفينة صغيرة يخرج أحدهما ويمشي،

٢٬٣٣١

وفي كبيرة يصعد أحدهما أعلاها وينزل الآخر أسفلها، ونحو ذلك.

(الثاني) : قول الخرقي: ما لم يتفرقا -

٢٬٣٣٢

وكذلك في الحديث - قال الأزهري: سئل أحمد بن يحيى - ثعلب - عن الفرق بين التفرق والافتراق، فقال: أخبرني ابن الأعرابي عن المفضل قال: يقال: فرقت بين الكلامين - مخففا - فافترقا، وفرقت بين اثنين - مشددا - فتفرقا، فجعل الافتراق في الأقوال، والتفرق في الأبدان وهو يؤيد ما ذهبنا إليه.

وقوله في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص «إلا أن يكون صفقة خيار» أصل الصفقة ضرب اليد [على اليد] في البيع، ثم جعل عبارة عن العقد، أي إلا أن يكون عقد خيار، ثم يحتمل أن المراد عقد شرط فيه الخيار، ويكون مستثنى مما بعد الغاية، ويحتمل أنه عقد نفي فيه الخيار، فيكون مستثنى من المنطوق، ولعله أظهر وقول نافع: مشى هنيهة. تصغير «هنة» وهي كلمة يعبر بها عن كل شيء قليل، والله أعلم.

المغنيابن قدامة

كِتَابُ الْبُيُوعِ] الْبَيْعُ: مُبَادَلَةُ الْمَالِ بِالْمَالِ، تَمْلِيكًا، وَتَمَلُّكًا. وَاشْتِقَاقُهُ: مِنْ الْبَاعِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ يَمُدُّ بَاعَهُ لِلْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَانَ يُبَايِعُ صَاحِبَهُ، أَيْ يُصَافِحُهُ عِنْدَ الْبَيْعِ؛ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ الْبَيْعُ صَفْقَةً.

١١٬١٥٣

وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، إذَا تَضَمَّنَ عَيْنَيْنِ لِلتَّمْلِيكِ. وَهُوَ حَدٌّ قَاصِرٌ؛ لِخُرُوجِ بَيْعِ الْمُعَاطَاةِ مِنْهُ، وَدُخُولِ عُقُودٍ سِوَى الْبَيْعِ فِيهِ. وَالْبَيْعُ جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.

١١٬١٥٤

أَمَّا الْكِتَابُ، فَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} .

وقَوْله تَعَالَى:{وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ} وقَوْله تَعَالَى: {إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} . وقَوْله تَعَالَى:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كَانَتْ عُكَاظٌ، وَمَجَنَّةُ، وَذُو الْمَجَازِ، أَسْوَاقًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ تَأَثَّمُوا فِيهِ، فَأُنْزِلَتْ:{لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ} . يَعْنِي فِي مَوَاسِمِ الْحَجِّ. وَعَنْ الزُّبَيْرِ نَحْوُهُ.

١١٬١٥٥

وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى رِفَاعَةُ، أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إلَى الْمُصَلَّى، فَرَأَى النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ، فَقَالَ:«يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ. فَاسْتَجَابُوا لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَرَفَعُوا أَعْنَاقَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ إلَيْهِ، فَقَالَ: إنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّارًا، إلَّا مَنْ بَرَّ وَصَدَقَ» . قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الْأَمِينُ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» .

قَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ. فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ سِوَى هَذِهِ. وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَازِ الْبَيْعِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْحِكْمَةُ تَقْتَضِيهِ؛ لِأَنَّ حَاجَةَ الْإِنْسَانِ تَتَعَلَّقُ بِمَا فِي يَدِ صَاحِبِهِ، وَصَاحِبُهُ لَا يَبْذُلُهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ، فَفِي شَرْعِ الْبَيْعِ وَتَجْوِيزِهِ شَرْعُ طَرِيقٍ إلَى وُصُولِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إلَى غَرَضِهِ، وَدَفْعِ حَاجَتِهِ.

[فَصْلٌ الْبَيْعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ] (٢٧٥١) فَصْلٌ: وَالْبَيْعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ. فَالْإِيجَابُ، أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك أَوْ مَلَّكْتُك، أَوْ لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا. وَالْقَبُولُ، أَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْت، أَوْ قَبِلْت، وَنَحْوَهُمَا.

١١٬١٥٦

فَإِنْ تَقَدَّمَ الْقَبُولُ عَلَى الْإِيجَابِ بِلَفْظِ الْمَاضِي، فَقَالَ: ابْتَعْت مِنْك. فَقَالَ: بِعْتُك. صَحَّ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وُجِدَ مِنْهُمَا عَلَى وَجْهٍ تَحْصُلُ مِنْهُ الدَّلَالَةُ عَلَى تَرَاضِيهِمَا بِهِ، فَصَحَّ، كَمَا لَوْ تَقَدَّمَ الْإِيجَابُ.

١١٬١٥٧

وَإِنْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الطَّلَبِ، فَقَالَ: بِعْنِي ثَوْبَك. فَقَالَ: بِعْتُك. فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، إحْدَاهُمَا، يَصِحُّ كَذَلِكَ. وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِيَةُ، لَا يَصِحُّ. وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ تَأَخَّرَ عَنْ الْإِيجَابِ، لَمْ يَصِحَّ بِهِ الْبَيْعُ، فَلَمْ يَصِحَّ إذَا تَقَدَّمَ، كَلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، وَلِأَنَّهُ عَقْدٌ عَرِيَ عَنْ الْقَبُولِ، فَلَمْ يَنْعَقِدْ، كَمَا لَوْ لَمْ يَطْلُبْ.

وَحَكَى أَبُو الْخَطَّابِ فِيمَا إذَا تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الْمَاضِي، رِوَايَتَيْنِ أَيْضًا،

١١٬١٥٨

فَأَمَّا إنْ تَقَدَّمَ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ، مِثْلَ أَنْ يَقُولَ: أَتَبِيعُنِي ثَوْبَك بِكَذَا؟ فَيَقُولُ: بِعْتُك. لَمْ يَصِحَّ بِحَالٍ. نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ وَبِهِ يَقُولُ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ. وَلَا نَعْلَمُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُمْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِقَبُولٍ وَلَا اسْتِدْعَاءٍ. الضَّرْبُ الثَّانِي، الْمُعَاطَاةُ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ: أَعْطِنِي بِهَذَا الدِّينَارِ خُبْزًا. فَيُعْطِيهِ مَا يُرْضِيهِ، أَوْ يَقُولَ: خُذْ هَذَا الثَّوْبَ بِدِينَارٍ. فَيَأْخُذُهُ، فَهَذَا بَيْعٌ صَحِيحٌ.

نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ، فِي مَنْ قَالَ لِخَبَّازٍ: كَيْفَ تَبِيعُ الْخُبْزَ؟ قَالَ: كَذَا بِدِرْهَمٍ. قَالَ: زِنْهُ، وَتَصَدَّقْ بِهِ.

١١٬١٥٩

فَإِذَا وَزَنَهُ فَهُوَ عَلَيْهِ. وَقَوْلُ مَالِكٍ نَحْوٌ مِنْ هَذَا، فَإِنَّهُ قَالَ: يَقَعُ الْبَيْعُ بِمَا يَعْتَقِدُهُ النَّاسُ بَيْعًا.

١١٬١٦٠

وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: يَصِحُّ فِي خَسَائِسِ الْأَشْيَاءِ.

وَحُكِيَ عَنْ الْقَاضِي مِثْلُ هَذَا، قَالَ: يَصِحُّ فِي الْأَشْيَاءِ الْيَسِيرَةِ دُونَ الْكَبِيرَةِ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -، أَنَّ الْبَيْعَ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْإِيجَابِ، وَالْقَبُولِ. وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ إلَى مِثْلِ قَوْلِنَا.

وَلَنَا، أَنَّ اللَّهَ أَحَلَّ الْبَيْعَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّتَهُ، فَوَجَبَ الرُّجُوعُ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ، كَمَا رُجِعَ إلَيْهِ فِي الْقَبْضِ وَالْإِحْرَازِ وَالتَّفَرُّقِ، وَالْمُسْلِمُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ وَبِيَاعَاتِهِمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ كَانَ مَوْجُودًا بَيْنَهُمْ، مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ، وَإِنَّمَا عَلَّقَ الشَّرْعُ عَلَيْهِ أَحْكَامًا، وَأَبْقَاهُ عَلَى مَا كَانَ، فَلَا يَجُوزُ تَغْيِيرُهُ بِالرَّأْيِ وَالتَّحَكُّمِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَصْحَابِهِ، مَعَ كَثْرَةِ وُقُوعِ الْبَيْعِ بَيْنَهُمْ، اسْتِعْمَالُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ،

١١٬١٦١

وَلَوْ اسْتَعْمَلُوا ذَلِكَ فِي بِيَاعَاتِهِمْ لَنُقِلَ نَقْلًا شَائِعًا،

١١٬١٦٢

وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا، لَوَجَبَ نَقْلُهُ، وَلَمْ يُتَصَوَّرْ مِنْهُمْ إهْمَالُهُ وَالْغَفْلَةُ عَنْ نَقْلِهِ، وَلِأَنَّ الْبَيْعَ مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى،

١١٬١٦٣

فَلَوْ اُشْتُرِطَ لَهُ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ لَبَيَّنَهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بَيَانًا عَامًّا، وَلَمْ يَخْفَ حُكْمُهُ؛ لِأَنَّهُ يُفْضِي إلَى وُقُوعِ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ كَثِيرًا، وَأَكَلِهِمْ الْمَالَ بِالْبَاطِلِ، وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيمَا عَلِمْنَاهُ، وَلِأَنَّ النَّاسَ يَتَبَايَعُونَ فِي أَسْوَاقِهِمْ بِالْمُعَاطَاةِ فِي كُلِّ عَصْرٍ، وَلَمْ يُنْقَلْ إنْكَارُهُ مِنْ قِبَلِ مُخَالِفِينَا، فَكَانَ ذَلِكَ إجْمَاعًا،

١١٬١٦٤

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فِي الْهِبَةِ، وَالْهَدِيَّةِ، وَالصَّدَقَةِ، وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ فِيهِ، وَقَدْ أُهْدِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ الْحَبَشَةِ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - إذَا أُتِيَ بِطَعَامٍ سَأَلَ عَنْهُ: أَهَدِيَّةٌ أَمْ صَدَقَةٌ؟ . فَإِنْ قِيلَ: صَدَقَةٌ. قَالَ لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. وَلَمْ يَأْكُلْ، وَإِنْ قِيلَ: هَدِيَّةٌ. ضَرَبَ بِيَدِهِ، وَأَكَلَ مَعَهُمْ.»

١١٬١٦٥

وَفِي حَدِيثِ سَلْمَانَ، حِينَ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِتَمْرٍ، فَقَالَ: هَذَا شَيْءٌ مِنْ الصَّدَقَةِ، رَأَيْتُك أَنْتَ وَأَصْحَابَك أَحَقَّ النَّاسِ بِهِ. «فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَصْحَابِهِ: كُلُوا. وَلَمْ يَأْكُلْ» ثُمَّ أَتَاهُ ثَانِيَةً بِتَمْرٍ، فَقَالَ: رَأَيْتُك لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ، وَهَذَا شَيْءٌ أَهْدَيْتُهُ لَك. «فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: بِسْمِ اللَّهِ. وَأَكَلَ.» وَلَمْ يُنْقَلْ قَبُولٌ وَلَا أَمْرٌ بِإِيجَابٍ. وَإِنَّمَا سَأَلَ لِيَعْلَمَ، هَلْ هُوَ صَدَقَةٌ، أَوْ هَدِيَّةٌ،

١١٬١٦٦

وَفِي أَكْثَرِ الْأَخْبَارِ لَمْ يُنْقَلْ إيجَابٌ وَلَا قَبُولٌ، وَلَيْسَ إلَّا الْمُعَاطَاةُ، وَالتَّفَرُّقُ عَنْ تَرَاضٍ يَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ،

١١٬١٦٧

وَلَوْ كَانَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ شَرْطًا فِي هَذِهِ الْعُقُودِ لَشَقَّ ذَلِكَ، وَلَكَانَتْ أَكْثَرُ عُقُودِ الْمُسْلِمِينَ فَاسِدَةً، وَأَكْثَرُ أَمْوَالِهِمْ مُحَرَّمَةً. وَلِأَنَّ الْإِيجَابَ وَالْقَبُولَ إنَّمَا يُرَادَانِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى التَّرَاضِي،

١١٬١٦٨

فَإِذَا وُجِدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، مِنْ الْمُسَاوَمَةِ وَالتَّعَاطِي، قَامَ مَقَامَهُمَا، وَأَجْزَأَ عَنْهُمَا؛ لِعَدَمِ التَّعَبُّدِ فِيهِ.

[بَابُ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ] [مَسْأَلَةٌ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا] [فَصْلٌ لِكُلٍّ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ] (خِيَارُ الْمُتَبَايِعَيْنِ) أَيْ بَابُ خِيَارِ الْمُتَبَايِعَيْنِ، فَحُذِفَ اخْتِصَارًا. (٢٧٥٢) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: (وَالْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأَبْدَانِهِمَا)

فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ فُصُولٍ:

(٢٧٥٣) فَصْلٌ: أَحَدُهَا أَنَّ الْبَيْعَ يَقَعُ جَائِزًا، وَلِكُلٍّ مِنْ الْمُتَبَايِعَيْنِ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ، مَا دَامَا مُجْتَمِعَيْنِ، لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ، وَابْنِ عُمَرَ، وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَبِي بَرْزَةَ، وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَشُرَيْحٌ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعَطَاءٌ، وَطَاوُسٌ، وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، وَالشَّافِعِيُّ، وَإِسْحَاقُ، وَأَبُو عُبَيْدٍ، وَأَبُو ثَوْرٍ.

١١٬١٦٩

وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَلْزَمُ الْعَقْدُ بِالْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، وَلَا خِيَارَ لَهُمَا؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: الْبَيْعُ صَفْقَةٌ أَوْ خِيَارٌ. وَلِأَنَّهُ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَزِمَ بِمُجَرَّدِهِ، كَالنِّكَاحِ وَالْخُلْعِ.

وَلَنَا، مَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا، أَوْ يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ، وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

١١٬١٧٠

وَقَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» . رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ. وَرَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ. وَاتُّفِقَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ، وَحَكِيمٍ، وَرَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ، مَالِكٌ، وَأَيُّوبُ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَهُوَ صَرِيحٌ فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ. وَعَابَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى مَالِكٍ مُخَالَفَتَهُ لِلْحَدِيثِ، مَعَ رِوَايَتِهِ لَهُ، وَثُبُوتِهِ عِنْدَهُ،

١١٬١٧١

وَقَالَ الشَّافِعِيُّ، - رَحِمَهُ اللَّهُ -: لَا أَدْرِي هَلْ اتَّهَمَ مَالِكٌ نَفْسَهُ أَوْ نَافِعًا؟ وَأُعْظِمُ أَنْ أَقُولَ: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ.

١١٬١٧٢

وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: يُسْتَتَابُ مَالِكٌ فِي تَرْكِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ.

١١٬١٧٣

فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالتَّفَرُّقِ هَاهُنَا التَّفَرُّقُ بِالْأَقْوَالِ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} .

١١٬١٧٤

وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً» . أَيْ بِالْأَقْوَالِ وَالِاعْتِقَادَاتِ. قُلْنَا: هَذَا بَاطِلٌ لِوُجُوهٍ: مِنْهَا، أَنَّ اللَّفْظَ لَا يَحْتَمِلُ مَا قَالُوهُ؛ إذْ لَيْسَ بَيْنَ الْمُتَبَايِعَيْنِ تَفَرُّقٌ بِلَفْظٍ وَلَا اعْتِقَادٍ، إنَّمَا بَيْنَهُمَا اتِّفَاقٌ عَلَى الثَّمَنِ وَالْمَبِيعِ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ. الثَّانِي، أَنَّ هَذَا يُبْطِلُ

١١٬١٧٥

فَائِدَةَ الْحَدِيثِ؛ إذْ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُمَا بِالْخِيَارِ قَبْلَ الْعَقْدِ فِي إنْشَائِهِ وَإِتْمَامِهِ، أَوْ تَرْكِهِ. الثَّالِثُ، أَنَّهُ

١١٬١٧٦

قَالَ فِي الْحَدِيثِ:«إذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ» .

فَجَعَلَ لَهُمَا الْخِيَارَ بَعْدَ تَبَايُعِهِمَا، وَقَالَ:«وَإِنْ تَفَرَّقَا بَعْدَ أَنْ تَبَايَعَا، وَلَمْ يَتْرُكْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» . الرَّابِعُ، أَنَّهُ يَرُدُّهُ تَفْسِيرُ ابْنِ عُمَرَ لِلْحَدِيثِ بِفِعْلِهِ، فَإِنَّهُ كَانَ إذَا بَايَعَ رَجُلًا مَشَى خُطُوَاتٍ؛ لِيَلْزَمَ الْبَيْعُ، وَتَفْسِيرُ أَبِي بَرْزَةَ لَهُ، بِقَوْلِهِ عَلَى مِثْلِ قَوْلِنَا، وَهُمَا رَاوِيَا الْحَدِيثِ، وَأَعْلَمُ بِمَعْنَاهُ، وَقَوْلُ عُمَرَ: الْبَيْعُ صَفْقَةٌ أَوْ خِيَارٌ. مَعْنَاهُ، أَنَّ الْبَيْعَ يَنْقَسِمُ إلَى بَيْعٍ شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ، وَبَيْعٍ لَمْ يُشْتَرَطْ فِيهِ، سَمَّاهُ صَفْقَةً لِقِصَرِ مُدَّةِ الْخِيَارِ فِيهِ، فَإِنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ مِثْلَ مَذْهَبِنَا،

١١٬١٧٧

وَلَوْ أَرَادَ مَا قَالُوهُ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَارَضَ بِهِ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَا حُجَّةَ فِي قَوْلِ أَحَدٍ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ كَانَ عُمَرُ إذَا بَلَغَهُ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَجَعَ عَنْ قَوْلِهِ، فَكَيْف يُعَارَضُ قَوْلُهُ بِقَوْلِهِ؟ عَلَى أَنَّ قَوْلَ عُمَرَ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إذَا خَالَفَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ، وَقَدْ خَالَفَهُ ابْنُهُ، وَأَبُو بَرْزَةَ، وَغَيْرُهُمَا،

١١٬١٧٨

وَلَا يَصِحُّ قِيَاسُ الْبَيْعِ عَلَى النِّكَاحِ؛ لِأَنَّ النِّكَاحَ لَا يَقَعُ غَالِبًا إلَّا بَعْدَ رَوِيَّةٍ وَنَظَرٍ وَتَمَكُّثٍ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الْخِيَارِ بَعْدَهُ، وَلِأَنَّ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ فِيهِ مَضَرَّةً، لِمَا يَلْزَمُ مِنْ رَدِّ الْمَرْأَةِ بَعْدَ ابْتِذَالِهَا بِالْعَقْدِ، وَذَهَابِ حُرْمَتِهَا بِالرَّدِّ، وَإِلْحَاقِهَا بِالسِّلَعِ الْمَبِيعَةِ، فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارٌ لِذَلِكَ، وَلِهَذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارُ الشَّرْطِ، وَلَا خِيَارُ الرُّؤْيَةِ، وَالْحُكْمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ظَاهِرٌ؛ لِظُهُورِ دَلِيلِهِ، وَوَهَاءِ مَا ذَكَرَهُ الْمُخَالِفُ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْل خِيَارُ الْمَجْلِسِ] (٢٧٥٤) الْفَصْلُ الثَّانِي، أَنَّ الْبَيْعَ يَلْزَمُ بِتَفَرُّقِهِمَا؛ لِدَلَالَةِ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ، وَلَا خِلَافَ فِي لُزُومِهِ بَعْدَ التَّفَرُّقِ، وَالْمَرْجِعُ فِي التَّفَرُّقِ إلَى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَتِهِمْ، فِيمَا يَعُدُّونَهُ تَفَرُّقًا؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ عَلَّقَ عَلَيْهِ حُكْمًا، وَلَمْ يُبَيِّنْهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ، كَالْقَبْضِ، وَالْإِحْرَازِ،

١١٬١٧٩

فَإِنْ كَانَا فِي فَضَاءٍ وَاسِعٍ، كَالْمَسْجِدِ الْكَبِيرِ، وَالصَّحْرَاءِ، فَبِأَنْ يَمْشِيَ أَحَدُهُمَا مُسْتَدْبِرًا لِصَاحِبِهِ خُطُوَاتٍ،

١١٬١٨٠

وَقِيلَ: هُوَ أَنْ يَبْعُدَ مِنْهُ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ كَلَامَهُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ بِهِ فِي الْعَادَةِ.

قَالَ أَبُو الْحَارِثِ: سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ تَفْرِقَةِ الْأَبْدَانِ؟ فَقَالَ: إذَا أَخَذَ هَذَا كَذَا، وَهَذَا كَذَا، فَقَدْ تَفَرَّقَا. وَرَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ نَافِعٍ، قَالَ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا بَايَعَ، فَأَرَادَ أَنْ لَا يُقِيلَهُ، مَشَى هُنَيْهَةً، ثُمَّ رَجَعَ.

١١٬١٨١

وَإِنْ كَانَا فِي دَارٍ كَبِيرَةٍ، ذَاتِ مَجَالِسٍ وَبُيُوتٍ، فَالْمُفَارَقَةُ أَنْ يُفَارِقَهُ مِنْ بَيْتٍ إلَى بَيْتٍ، أَوْ إلَى مَجْلِسٍ، أَوْ صِفَةٍ، أَوْ مِنْ مَجْلِسٍ إلَى بَيْتٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

١١٬١٨٢

فَإِنْ كَانَا فِي دَارٍ صَغِيرَةٍ،

١١٬١٨٣

فَإِذَا صَعِدَ أَحَدُهُمَا السَّطْحَ، أَوْ خَرَجَ مِنْهَا، فَقَدْ فَارَقَهُ.

١١٬١٨٤

وَإِنْ كَانَا فِي سَفِينَةٍ صَغِيرَةٍ، خَرَجَ أَحَدُهُمَا مِنْهَا وَمَشَى،

١١٬١٨٥

وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَةً صَعِدَ أَحَدُهُمَا عَلَى أَعْلَاهَا، وَنَزَلَ الْآخَرُ فِي أَسْفَلِهَا. وَهَذَا كُلُّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي هُوَ الْبَائِعَ، مِثْلُ أَنْ يَشْتَرِيَ لِنَفْسِهِ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ، أَوْ اشْتَرَى لِوَلَدِهِ مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِيَارُ الْمَجْلِسِ؛ لِأَنَّهُ تَوَلَّى طَرَفَيْ الْعَقْدِ، فَلَمْ يَثْبُتْ لَهُ خِيَارٌ، كَالشَّفِيعِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ فِيهِ، وَيُعْتَبَرَ مُفَارَقَةُ مَجْلِسِ الْعَقْدِ لِلُزُومِهِ؛ لِأَنَّ الِافْتِرَاقَ لَا يُمْكِنُ هَاهُنَا، لِكَوْنِ الْبَائِعِ هُوَ الْمُشْتَرِي،

١١٬١٨٦

وَمَتَى حَصَلَ التَّفَرُّقُ لَزِمَ الْعَقْدُ، قَصَدَا ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقْصِدَاهُ، عَلِمَاهُ أَوْ جَهِلَاهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَلَّقَ الْخِيَارَ عَلَى التَّفَرُّقِ، وَقَدْ وُجِدَ.

١١٬١٨٧

وَلَوْ هَرَبَ أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ، لَزِمَ الْعَقْدُ؛ لِأَنَّهُ فَارَقَهُ بِاخْتِيَارِهِ، وَلَا يَقِفُ لُزُومُ الْعَقْدِ عَلَى رِضَاهُمَا، وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفَارِقُ صَاحِبَهُ لِيَلْزَمَ الْبَيْعُ.

١١٬١٨٨

وَلَوْ أَقَامَا فِي الْمَجْلِسِ، وَسَدَلَا بَيْنَهُمَا سِتْرًا، أَوْ بَنَيَا بَيْنَهُمَا حَاجِزًا، أَوْ نَامَا، أَوْ قَامَا فَمَضَيَا جَمِيعًا وَلَمْ يَتَفَرَّقَا، فَالْخِيَارُ بِحَالِهِ،

١١٬١٨٩

وَإِنْ طَالَتْ الْمُدَّةُ لِعَدَمِ التَّفَرُّقِ.

وَرَوَى أَبُو دَاوُد، وَالْأَثْرَمُ، بِإِسْنَادِهِمَا عَنْ أَبِي الْوَضِيءِ، قَالَ: غَزَوْنَا غَزْوَةً لَنَا، فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَبَاعَ صَاحِبٌ لَنَا فَرَسًا بِغُلَامٍ، ثُمَّ أَقَامَا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا وَلَيْلَتِهِمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَا مِنْ الْغَدِ، وَحَضَرَ الرَّحِيلُ، قَامَ إلَى فَرَسِهِ يُسْرِجُهُ، فَنَدِمَ، فَأَتَى الرَّجُلُ، وَأَخَذَهُ بِالْبَيْعِ، فَأَبَى الرَّجُلُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَيْهِ، فَقَالَ: بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو بَرْزَةَ صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -. فَأَتَيَا أَبَا بَرْزَةَ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ، فَقَالَا لَهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ. فَقَالَ: أَتَرْضَيَانِ أَنْ أَقْضِيَ بَيْنَكُمَا بِقَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -؟

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا.» مَا أَرَاكُمَا افْتَرَقْتُمَا.

١١٬١٩٠

فَإِنْ فَارَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ مُكْرَهًا، احْتَمَلَ بُطْلَانَ الْخِيَارِ؛ لِوُجُودِ غَايَتِهِ، وَهُوَ التَّفَرُّقُ، وَلِأَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَاهُ فِي مُفَارَقَةِ صَاحِبِهِ لَهُ، فَكَذَلِكَ فِي مُفَارَقَتِهِ لِصَاحِبِهِ.

١١٬١٩١

وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَنْقَطِعُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عُلِّقَ عَلَى التَّفَرُّقِ، فَلَمْ يَثْبُتْ مَعَ الْإِكْرَاهِ، كَمَا لَوْ عُلِّقَ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ كَهَذَيْنِ. فَعَلَى قَوْلِ مَنْ لَا يَرَى انْقِطَاعَ الْخِيَارِ، إنْ أُكْرِهَ أَحَدُهُمَا عَلَى فُرْقَةِ صَاحِبِهِ، انْقَطَعَ خِيَارُ صَاحِبِهِ، كَمَا لَوْ هَرَبَ مِنْهُ، وَفَارَقَهُ بِغَيْرِ رِضَاهُ، وَيَكُونُ الْخِيَارُ لِلْمُكْرَهِ مِنْهُمَا فِي الْمَجْلِسِ الَّذِي يَزُولُ عَنْهُ فِيهِ الْإِكْرَاهُ، حَتَّى يُفَارِقَهُ.

١١٬١٩٢

وَإِنْ أُكْرِهَا جَمِيعًا انْقَطَعَ خِيَارُهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْقَطِعُ خِيَارُهُ بِفُرْقَةِ الْآخَرِ لَهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ أُكْرِهَ صَاحِبُهُ دُونَهُ. وَذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ صُوَرِ الْإِكْرَاهِ، مَا لَوْ رَأَيَا سَبْعًا أَوْ ظَالِمًا خَشِيَاهُ، فَهَرَبَا فَزَعًا مِنْهُ، أَوْ حَمَلَهُمَا سَيْلٌ أَوْ فَرَّقَتْ رِيحٌ بَيْنَهُمَا.

(٢٧٥٥) فَصْلٌ: وَإِنْ خَرِسَ أَحَدُهُمَا، قَامَتْ إشَارَتُهُ مَقَامَ لَفْظِهِ،

١١٬١٩٣

فَإِنْ لَمْ تُفْهَمْ إشَارَتُهُ، أَوْ جُنَّ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ، قَامَ وَلِيُّهُ مِنْ الْأَبِ، أَوْ وَصِيُّهُ، أَوْ الْحَاكِمُ، مَقَامَهُ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ.

١١٬١٩٤

وَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا بَطَلَ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَذَّرَ مِنْهُ الْخِيَارُ، وَالْخِيَارُ لَا يُوَرَّثُ.

١١٬١٩٥

وَأَمَّا الْبَاقِي مِنْهُمَا فَيَبْطُلُ خِيَارُهُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ يَبْطُلُ بِالتَّفَرُّقِ، وَالتَّفَرُّقُ بِالْمَوْتِ أَعْظَمُ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبْطُلَ؛ لِأَنَّ التَّفَرُّقَ بِالْأَبْدَانِ لَمْ يَحْصُلْ.

١١٬١٩٦

فَإِنْ حُمِلَ الْمَيِّتُ بَطَلَ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ حَصَلَتْ بِالْبَدَنِ وَالرُّوحِ مَعًا.

(٢٧٥٦) فَصْلٌ: وَقَدْ رَوَى عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ بِالْخِيَارِ حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفَارِقَ صَاحِبَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَسْتَقِيلَهُ» . رَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَالْأَثْرَمُ، وَالتِّرْمِذِيُّ،

١١٬١٩٧

وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ. وَقَوْلُهُ:" إلَّا أَنْ تَكُونَ صَفْقَةَ خِيَارٍ ". يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْبَيْعَ الْمَشْرُوطَ فِيهِ الْخِيَارُ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ بِتَفَرُّقِهِمَا، وَلَا يَكُونُ تَفَرُّقُهُمَا غَايَةً لِلْخِيَارِ فِيهِ؛ لِكَوْنِهِ ثَابِتًا بَعْدَ تَفَرُّقِهِمَا. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ الْبَيْعَ الَّذِي شَرَطَا فِيهِ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُمَا فِيهِ خِيَارٌ، فَيَلْزَمُ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ تَفَرُّقٍ. وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ مُفَارَقَةِ أَحَدِ الْمُتَبَايِعَيْنِ لِصَاحِبِهِ خَشْيَةً مِنْ فَسْخِ الْبَيْعِ، وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ، فَإِنَّهُ ذُكِرَ لَهُ فِعْلُ ابْنِ عُمَرَ، وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، فَقَالَ: هَذَا الْآنَ قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي بَكْرٍ.

وَذَكَرَ الْقَاضِي، أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ أَحْمَدَ، جَوَازُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا اشْتَرَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ فَارَقَ صَاحِبَهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ لِأَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُقَدَّمُ عَلَى فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا،

١١٬١٩٨

وَلَوْ عَلِمَهُ لَمَا خَالَفَهُ.

(٢٧٥٧) الْفَصْلُ الثَّالِثُ: أَنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ أَنَّ الْخِيَارَ يَمْتَدُّ إلَى التَّفَرُّقِ، وَلَا يَبْطُلُ بِالتَّخَايُرِ قَبْلَ الْعَقْدِ وَلَا بَعْدَهُ، وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا» . مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ، وَلَا تَخْصِيصٍ، هَكَذَا رَوَاهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَأَبُو بَرْزَةَ، وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ أَنَّ الْخِيَارَ يَبْطُلُ بِالتَّخَايُرِ.

اخْتَارَهَا الشَّرِيفُ بْنُ أَبِي مُوسَى، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ أَصَحُّ؛

١١٬١٩٩

لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» . يَعْنِي لَزِمَ.

١١٬٢٠٠

وَفِي لَفْظٍ:«الْمُتَبَايِعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ كَانَ عَنْ خِيَارٍ، فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَالْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ أَوْلَى. وَالتَّخَايُرُ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ وَبَعْدَهُ فِي الْمَجْلِسِ وَاحِدٌ، فَالتَّخَايُرُ فِي ابْتِدَائِهِ أَنْ يَقُولَ: بِعْتُك وَلَا خِيَارَ بَيْنَنَا. وَيَقْبَلُ الْآخَرُ عَلَى ذَلِكَ، فَلَا يَكُونُ لَهُمَا خِيَارٌ. وَالتَّخَايُرُ بَعْدَهُ أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ: اخْتَرْت إمْضَاءَ الْعَقْدِ، أَوْ إلْزَامَهُ، أَوْ اخْتَرْت الْعَقْدَ، أَوْ أَسْقَطْت خِيَارِي. فَيَلْزَمُ الْعَقْدُ مِنْ الطَّرَفَيْنِ،

١١٬٢٠١

وَإِنْ اخْتَارَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، لَزِمَ فِي حَقِّهِ وَحْدَهُ، كَمَا لَوْ كَانَ خِيَارُ الشَّرْطِ لَهُمَا، فَأَسْقَطَ أَحَدُهُمَا خِيَارَهُ دُونَ الْآخَرِ.

١١٬٢٠٢

وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: فِي التَّخَايُرِ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ قَوْلَانِ، أَظْهَرُهُمَا لَا يُقْطَعُ الْخِيَارُ؛ لِأَنَّهُ إسْقَاطٌ لِلْحَقِّ قَبْلَ سَبَبِهِ، فَلَمْ يَجُزْ، كَخِيَارِ الشُّفْعَةِ.

فَعَلَى هَذَا، هَلْ يَبْطُلُ الْعَقْدُ بِهَذَا الشَّرْطِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الشُّرُوطِ الْفَاسِدَةِ. وَلَنَا،

١١٬٢٠٣

قَوْلُهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «فَإِنْ خَيَّرَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ الْبَيْعُ» . وَقَوْلُهُ:«إلَّا أَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ كَانَ عَنْ خِيَارٍ، فَإِنْ كَانَ الْبَيْعُ عَنْ خِيَارٍ وَجَبَ الْبَيْعُ» .

وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْحُكْمِ، فَلَا يُعَوَّلُ عَلَى مَا خَالَفَهُ. وَلِأَنَّ مَا أَثَّرَ فِي الْخِيَارِ فِي الْمَجْلِسِ، أَثَّرَ فِيهِ مُقَارِنًا لِلْعَقْدِ، كَاشْتِرَاطِ الْخِيَارِ. وَلِأَنَّهُ أَحَدُ الْخِيَارَيْنِ فِي الْبَيْعِ، فَجَازَ إخْلَاؤُهُ عَنْهُ، كَخِيَارِ الشَّرْطِ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهُ إسْقَاطٌ لِلْخِيَارِ قَبْلَ سَبَبِهِ. لَيْسَ كَذَلِكَ،

١١٬٢٠٤

فَإِنَّ سَبَبَ الْخِيَارِ الْبَيْعُ الْمُطْلَقُ،

١١٬٢٠٥

فَأَمَّا الْبَيْعُ مَعَ التَّخَايُرِ فَلَيْسَ بِسَبَبِ لَهُ. ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ سَبَبُ الْخِيَارِ، لَكِنَّ الْمَانِعَ مُقَارِنٌ لَهُ، فَلَمْ يَثْبُتْ حُكْمُهُ،

١١٬٢٠٦

وَأَمَّا الشَّفِيعُ، فَإِنَّهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ الْعَقْدِ، فَلَمْ يَصِحَّ اشْتِرَاطُ إسْقَاطِ خِيَارِهِ فِي الْعَقْدِ،

١١٬٢٠٧

بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا. فَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ. وَلَمْ يَقُلْ الْآخَرُ شَيْئًا، فَالسَّاكِتُ مِنْهُمَا عَلَى خِيَارِهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ مَا يُبْطِلُ خِيَارَهُ.

١١٬٢٠٨

وَأَمَّا الْقَائِلُ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَبْطُلَ خِيَارُهُ؛ لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، أَوْ يَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: اخْتَرْ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ لِصَاحِبِهِ مَا مَلَكَهُ مِنْ الْخِيَارِ، فَسَقَطَ خِيَارُهُ، وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَبْطُلَ خِيَارُهُ؛ لِأَنَّهُ خَيَّرَهُ، فَلَمْ يَخْتَرْ، فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ، كَمَا لَوْ جَعَلَ لِزَوْجَتِهِ الْخِيَارَ، فَلَمْ تَخْتَرْ، شَيْئًا، وَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ خَيَّرَهُ فَاخْتَارَ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى؛

لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَلِأَنَّهُ جَعَلَ الْخِيَارَ لِغَيْرِهِ، وَيُفَارِقُ الزَّوْجَةَ؛ لِأَنَّهُ مَلَّكَهَا مَا لَا تَمْلِكُ،

١١٬٢٠٩

فَإِذَا لَمْ تَقْبَلْ، سَقَطَ، وَهَا هُنَا كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَمْلِكُ الْخِيَارَ، فَلَمْ يَكُنْ قَوْلُهُ تَمْلِيكًا، إنَّمَا كَانَ إسْقَاطًا، فَسَقَطَ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.