فقه المذاهب الأربعة ابحث عن مسألة في كتب المذاهبCtrl K

الشروح عليها

شرح الزركشي على مختصر الخرقيالزركشي

قال: وتنقض المرأة شعرها لغسلها من الحيض، وليس عليها نقضه [لغسلها] من الجنابة، إذا روت أصوله. [والله أعلم] . ش: هذا منصوص أحمد في الصورتين، ومختار كثير من الأصحاب.

٢٢٥ - لما روي عن «عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قال لها - وكانت حائضا - «انقضي شعرك واغتسلي» رواه ابن ماجه، قال صاحب المنتقى: بإسناد صحيح.

٢٢٦ - وفي مسلم: «أن أم سلمة سألت النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فقالت: «أفأنقضه لغسل الجنابة» . ٢٢٧ - وأصرح من ذلك ما روي عن أنس - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذا اغتسلت المرأة من حيضها نقضت شعرها، واغتسلت بالخطمي والأشنان، [وإذا اغتسلت من الجنابة لم تنقضه، ولم تغتسل بالخطمي والأشنان] » رواه البيهقي في السنن، لكن في إسناده محمد بن يونس، قال: وليس بثقة. والمعنى في ذلك أن مدة الحيض تطول، فيتلبد الشعر، فشرع النقض، طريقا موصلا إلى وصول الماء إلى أصول الشعر، بخلاف غسل الجنابة، فإنه لا يطول غالبا، فلا حاجة إلى النقض، لوصول الماء بدونه غالبا، فلذلك لم يطلب النقض رفعا لكلفته.

وحكى ابن الزاغوني رواية أخرى في الحيض، أنه لا يجب النقض، وهو اختيار أبي محمد، وابن عبدوس، وابن عقيل في التذكرة.

٢٢٨ - لأن في مسلم: «أن أم سلمة قالت: قلت يا رسول الله إني امرأة أشد ظفر رأسي، أفأنقضه للحيض والجنابة؟ قال: «لا، إنما يكفيك أن تفرغي عليك ثلاث حفنات، ثم قد طهرت» وحديث أنس لا يصح، وحديث عائشة - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا -، قضية عين فيحتمل أنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رأى عليها ما يمنع وصول الماء، لكن ذكرها للحيض ظاهره أن العلة ذلك، والأولى حمل الحديثين على الاستحباب، جمعا بين الأدلة. وقرينة ذلك ذكر الخطمي والأشنان في حديث أنس.

ولنا قول آخر بالوجوب في الجنابة، قياسا على الحيض، والنص يرده، وابن الزاغوني قيده بما إذا طالت المدة، قال: بناء على أن العلة في النقض في الحيض طول المدة أما إن جعل المناط النص تعبدا فلا.

وقول الخرقي: إذا روت أصوله. فيه إشعار على أنه يشترط إيصال الماء إلى أصول الشعر والبشرة، وهو كذلك، وإن كانت كثيفة، بخلاف ما تقدم في الوضوء.

٢٢٩ - وقد شهد لذلك قوله: - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - «تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشرة» وإذا أوجب الخرقي - رَحِمَهُ اللَّهُ - تروية أصول الشعر، ويلزم من ذلك غسل البشرة، فما بالك بالشعور نفسها، فيؤخذ من ذلك وجوب غسلها وإن استرسل، وهو المذهب، وحكى أبو محمد وجها أنه لا يجب غسل المسترسل، وقال: إنه يحتمله كلام الخرقي. فلا يظهر لي وجه احتمال كلام الخرقي لذلك، والله أعلم.

قال المصنف - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -:

[

لا زيادة له على هذه المسألة.

المغنيابن قدامة

[مَسْأَلَةٌ قَالَ تَنْقُضُ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا لِغُسْلِهَا مِنْ الْحَيْضِ] مَسْأَلَةٌ: قَالَ: (وَتَنْقُضُ الْمَرْأَةُ شَعْرَهَا لِغُسْلِهَا مِنْ الْحَيْضِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا نَقْضُهُ مِنْ الْجَنَابَةِ إذَا أَرْوَتْ أُصُولَهُ) نَصَّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ قَالَ مُهَنَّا: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ الْمَرْأَةِ تَنْقُضُ شَعْرَهَا إذَا اغْتَسَلَتْ مِنْ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: لَا. فَقُلْت لَهُ: فِي هَذَا شَيْءٌ قَالَ: نَعَمْ، حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ

١٬١٥٩

قُلْت: فَتَنْقُضُ شَعْرَهَا مِنْ الْحَيْضِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قُلْت لَهُ: وَكَيْفَ تَنْقُضُهُ مِنْ الْحَيْضَةِ، وَلَا تَنْقُضُهُ مِنْ الْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ حَدِيثُ أَسْمَاءَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ " لَا تَنْقُضُهُ.

" وَلَا يَخْتَلِفُ الْمَذْهَبُ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ نَقْضُهُ مِنْ الْجَنَابَةِ، وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَرَوَى أَحْمَدُ فِي " الْمُسْنَدِ "، حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، قَالَ. «بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَأْمُرُ النِّسَاءَ إذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، فَقَالَتْ: يَا عَجَبًا لِابْنِ عُمَرَ، يَأْمُرُ النِّسَاءَ إذَا اغْتَسَلْنَ أَنْ يَنْقُضْنَ رُءُوسَهُنَّ، أَفَلَا يَأْمُرُهُنَّ أَنْ يَحْلِقْنَ، رُءُوسَهُنَّ، لَقَدْ كُنْت أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَغْتَسِلُ فَلَا أَزِيدُ عَلَى أَنْ أُفْرِغَ عَلَى رَأْسِي ثَلَاثَ إفْرَاغَاتٍ» .

وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ عَلَى أَنَّ نَقْضَهُ غَيْرُ وَاجِبٍ؛ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ «أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي، أَفَأَنْقُضُهُ لِلْجَنَابَةِ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاءَ فَتَطْهُرِينَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي رَأْسِهَا حَشْوٌ أَوْ سِدْرٌ يَمْنَعُ وُصُولَ الْمَاءِ إلَى مَا تَحْتَهُ، فَيَجِبُ إزَالَتُهُ،

١٬١٦٠

وَإِنْ كَانَ خَفِيفًا لَا يَمْنَعُ، لَمْ يَجِبْ، وَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي هَذَا سَوَاءٌ، وَإِنَّمَا اخْتَصَّتْ الْمَرْأَةُ بِالذِّكْرِ؛ لِأَنَّ الْعَادَةَ اخْتِصَاصُهَا بِكَثْرَةِ الشَّعْرِ وَتَوْفِيرِهِ وَتَطْوِيلِهِ.

١٬١٦١

وَأَمَّا نَقْضُهُ لِلْغُسْلِ مِنْ الْحَيْضِ فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِهِ، فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لَهَا إذْ كَانَتْ حَائِضًا:«خُذِي مَاءَك وَسِدْرَك، وَامْتَشِطِي» . وَلَا يَكُونُ الْمَشْطُ إلَّا فِي شَعْرٍ غَيْرِ مَضْفُورٍ، وَلِلْبُخَارِيِّ:«اُنْقُضِي رَأْسَك وَامْتَشِطِي» . وَلِابْنِ مَاجَهْ:«اُنْقُضِي شَعْرَك وَاغْتَسِلِي»

؛ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ وُجُوبُ نَقْضِ الشَّعْرِ لِيَتَحَقَّقَ وُصُولُ الْمَاءِ إلَى مَا يَجِبُ غَسْلُهُ، فَعُفِيَ عَنْهُ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ؛ لِأَنَّهُ يَكْثُرُ فَيَشُقُّ ذَلِكَ فِيهِ، وَالْحَيْضُ بِخِلَافِهِ، فَبَقِيَ عَلَى مُقْتَضَى الْأَصْلِ فِي الْوُجُوبِ.

١٬١٦٢

وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: هَذَا مُسْتَحَبٌّ غَيْرُ وَاجِبٍ. وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ، إنْ شَاءَ اللَّهُ؛ لِأَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ «أُمِّ سَلَمَةَ، أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: إنِّي امْرَأَةٌ أَشُدُّ ضَفْرَ رَأْسِي أَفَأَنْقُضُهُ لِلْحَيْضَةِ وَلِلْجَنَابَةِ؟ فَقَالَ: لَا، إنَّمَا يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ، ثُمَّ تُفِيضِينَ عَلَيْك الْمَاءَ، فَتَطْهُرِينَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ قَبُولُهَا، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي نَفْيِ الْوُجُوبِ وَرَوَتْ «، أَسْمَاءُ، أَنَّهَا سَأَلْت النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ، فَقَالَ: تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ مَاءَهَا وَسِدْرَهَا فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ دَلْكًا شَدِيدًا، حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَيْهَا الْمَاءَ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

١٬١٦٣

وَلَوْ كَانَ النَّقْضُ وَاجِبًا لَذَكَرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ؛ وَلِأَنَّهُ مَوْضِعٌ مِنْ الْبَدَنِ، فَاسْتَوَى فِيهِ الْحَيْضُ وَالْجَنَابَةُ، كَسَائِرِ الْبَدَنِ، وَحَدِيثُ عَائِشَةَ، الَّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، لَيْسَ فِيهِ أَمْرٌ بِالْغُسْلِ،

١٬١٦٤

وَلَوْ أُمِرَتْ بِالْغُسْلِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ هُوَ غُسْلَ الْحَيْضِ، إنَّمَا أُمِرَتْ بِالْغُسْلِ فِي حَالِ الْحَيْضِ لِلْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ؛ فَإِنَّهَا قَالَتْ: أَدْرَكَنِي يَوْمُ عَرَفَةَ، وَأَنَا حَائِضٌ، فَشَكَوْت ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ:" دَعِي عُمْرَتَك، وَانْقُضِي رَأْسَك، وَامْتَشِطِي ".

١٬١٦٥

وَإِنْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِالْغُسْلِ حُمِلَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ، وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهَا بِالْمَشْطِ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَتِهِ أَوْلَى.

[فَصْلٌ غَسْلُ بَشَرَةِ الرَّأْسِ وَاجِبٌ] فَصْلٌ: وَغَسْلُ بَشَرَةِ الرَّأْسِ وَاجِبٌ، سَوَاءٌ كَانَ الشَّعْرُ كَثِيفًا أَوْ خَفِيفًا،

١٬١٦٦

وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ، كَجِلْدِ اللِّحْيَةِ، وَغَيْرِهَا؛ لِمَا رَوَتْ «أَسْمَاءُ، أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، فَقَالَ: تَأْخُذُ مَاءً، فَتَطَهَّرُ، فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، أَوْ تَبْلُغُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَصُبُّ عَلَى رَأْسِهَا، فَتَدْلُكُهُ حَتَّى تَبْلُغَ شُؤُونَ رَأْسِهَا، ثُمَّ تُفِيضُ عَلَيْهَا الْمَاءَ» . وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«مَنْ تَرَكَ مَوْضِعَ شَعْرَةٍ مِنْ جَنَابَةٍ لَمْ يُصِبْهَا الْمَاءُ فُعِلَ بِهِ مِنْ النَّارِ كَذَا وَكَذَا» .

قَالَ عَلِيٌّ: فَمِنْ ثَمَّ عَادَيْت شَعْرِي. قَالَ: وَكَانَ يَجُزُّ شَعْرَهُ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؛ وَلِأَنَّ مَا تَحْتَ الشَّعْرِ بَشَرَةٌ أَمْكَنَ إيصَالُ الْمَاءِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَلَزِمَهُ كَسَائِرِ بَشَرَتِهِ.

١٬١٦٧

[فَصْلٌ غَسْلُ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ الشَّعْرِ وَبَلُّ مَا عَلَى الْجَسَدِ مِنْهُ] فَصْلٌ: فَأَمَّا غَسْلُ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ الشَّعْرِ، وَبَلُّ مَا عَلَى الْجَسَدِ مِنْهُ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا يَجِبُ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الْأَصْحَابِ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ:«تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ، فَبُلُّوا الشَّعْرَ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَغَيْرُهُ؛ وَلِأَنَّهُ شَعْرٌ نَابِتٌ فِي مَحَلِّ الْغُسْلِ، فَوَجَبَ غَسْلُهُ، كَشَعْرِ الْحَاجِبَيْنِ وَأَهْدَابِ الْعَيْنَيْنِ.

١٬١٦٨

وَالثَّانِي لَا يَجِبُ، وَيَحْتَمِلُهُ كَلَامُ الْخِرَقِيِّ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:" يَكْفِيك أَنْ تَحْثِي عَلَى رَأْسِك ثَلَاثَ حَثَيَاتٍ ". مَعَ إخْبَارِهَا إيَّاهُ بِشَدِّ ضَفْرِ رَأْسِهَا، وَمِثْلُ هَذَا لَا يَبُلُّ الشَّعْرَ الْمَشْدُودَ ضَفْرُهُ فِي الْعَادَةِ؛ وَلِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ بَلُّهُ لَوَجَبَ نَقْضُهُ لِيُعْلَمَ أَنَّ الْغُسْلَ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ؛ وَلِأَنَّ الشَّعْرَ لَيْسَ مِنْ أَجْزَاءِ الْحَيَوَانِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ بِمَوْتِهِ، وَلَا حَيَاةَ فِيهِ، وَلَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ مَسُّهُ مِنْ الْمَرْأَةِ، وَلَا تَطْلُقُ بِطَلَاقِهِ، فَلَمْ يَجِبْ غَسْلُهُ لِلْجَنَابَةِ كَثِيَابِهَا.

١٬١٦٩

وَأَمَّا حَدِيثُ:" بُلُّوا الشَّعْرَ ". فَيَرْوِيهِ الْحَارِثُ بْنُ وَجِيهٍ وَحْدَهُ، وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ.

١٬١٧٠

وَأَمَّا الْحَاجِبَانِ فَيَجِبُ غَسْلُهُمَا؛ لِأَنَّ مِنْ ضَرُورَةِ غَسْلِ بَشَرَتِهِمَا غَسْلُهُمَا.

١٬١٧١

وَكَذَا كُلُّ شَعْرٍ مِنْ ضَرُورَةِ غَسْلِ بَشَرَتِهِ غَسْلُهُ، فَيَجِبُ غَسْلُهُ؛ ضَرُورَةَ أَنَّ الْوَاجِبَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِهِ.

١٬١٧٢

وَإِنْ قُلْنَا بِوُجُوبِ غَسْلِهِ، فَتَرَكَ غَسْلَ بَعْضِهِ، لَمْ يَتِمَّ غُسْلُهُ.

١٬١٧٣

فَإِنْ قَطَعَ الْمَتْرُوكَ، ثَمَّ غَسَلَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ فِي بَدَنِهِ شَيْءٌ غَيْرُ مَغْسُولٍ،

١٬١٧٤

وَلَوْ غَسَلَهُ، ثُمَّ انْقَطَعَ، لَمْ يَجِبْ غَسْلُ مَوْضِعِ الْقَطْعِ. وَلَمْ يَقْدَحْ ذَلِكَ فِي غُسْلِهِ.

[فَصْلٌ غُسْلُ الْحَيْضِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ] فَصْلٌ: وَغُسْلُ الْحَيْضِ كَغُسْلِ الْجَنَابَةِ، إلَّا فِي نَقْضِ الشَّعْرِ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ تَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَتَأْخُذَ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً فَتَتَّبِعُ بِهَا مَجْرَى الدَّمِ، وَالْمَوْضِعَ الَّذِي يَصِلُ إلَيْهِ الْمَاءُ مِنْ فَرْجِهَا؛ لِيَقْطَعَ عَنْهَا زُفُورَةَ الدَّمِ وَرَائِحَتَهُ،

١٬١٧٥

فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مِسْكًا فَغَيْرُهُ مِنْ الطِّيبِ،

١٬١٧٦

فَإِنْ لَمْ تَجِدْ فَالْمَاءُ شَافٍ كَافٍ. قَالَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - اللَّهُ عَنْهَا «. إنَّ أَسْمَاءَ سَأَلَتْ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ غُسْلِ الْمَحِيضِ، قَالَ: تَأْخُذُ إحْدَاكُنَّ سِدْرَتَهَا وَمَاءَهَا، فَتَطَهَّرُ فَتُحْسِنُ الطُّهُورَ، ثُمَّ تَأْخُذُ فِرْصَةً مُمَسَّكَةً، فَتَتَطَهَّرُ بِهَا. فَقَالَتْ أَسْمَاءُ: وَكَيْفَ أَتَطَهَّرُ بِهَا؟ فَقَالَ: سُبْحَانَ اللَّهِ، تَطَهَّرِي بِهَا. فَقَالَتْ عَائِشَةُ كَأَنَّهَا تُخْفِي ذَلِكَ: تَتَبَّعِي أَثَرَ الدَّمِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. الْفِرْصَةُ: هِيَ الْقِطْعَةُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.

١٬١٧٧

[فَصْلٌ الْجُنُبُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ أَوْ يَطَأَ ثَانِيًا أَوْ يَأْكُلَ يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأُ] فَصْلٌ: وَيُسْتَحَبُّ لِلْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، أَوْ يَطَأَ ثَانِيًا، أَوْ يَأْكُلَ، أَنْ يَغْسِلَ فَرْجَهُ وَيَتَوَضَّأَ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَتَوَضَّأُ إلَّا غَسْلَ قَدَمَيْهِ.

١٬١٧٨

وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ: إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ يَغْسِلُ كَفَّيْهِ وَيَتَمَضْمَضُ. وَحُكِيَ نَحْوُهُ عَنْ إمَامِنَا وَإِسْحَاقَ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: يَغْسِلُ كَفَّيْهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، وَهُوَ جُنُبٌ، غَسَلَ يَدَيْهِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ،

١٬١٧٩

وَقَالَ مَالِكٌ يَغْسِلُ يَدَيْهِ. إنْ كَانَ أَصَابَهُمَا أَذًى.

١٬١٨٠

وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَنَامُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً؛ لِمَا رَوَى الْأَسْوَدُ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:«كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَنَامُ، وَهُوَ جُنُبٌ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمَا. وَرَوَى أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ ": حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:«كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُجْنِبُ، ثُمَّ يَنَامُ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً حَتَّى يَقُومَ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَغْتَسِلَ.»

وَرُوِيَ «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ؛ وَلِأَنَّهُ حَدَثٌ يُوجِبُ الْغُسْلَ، فَلَا يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ مَعَ بَقَائِهِ، كَالْحَيْضِ.

وَلَنَا مَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ سَأَلَ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «أَيَرْقُدُ أَحَدُنَا، وَهُوَ جُنُبٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا تَوَضَّأَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ، فَلْيَتَوَضَّأْ» . رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَعَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأْكُلَ، أَوْ يَنَامَ، تَوَضَّأَ. يَعْنِي وَهُوَ جُنُبٌ.» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد.

١٬١٨١

فَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ:«يَنَامُ، وَهُوَ جُنُبٌ، وَلَا يَمَسُّ مَاءً» . فَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الْأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ، «أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَانَ يَتَوَضَّأُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ» . رَوَاهُ شُعْبَةُ، وَالثَّوْرِيُّ، وَيَرَوْنَ أَنَّهُ غَلَطٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ. قَالَ أَحْمَدُ: أَبُو إِسْحَاقَ رَوَى عَنْ الْأَسْوَدِ حَدِيثًا خَالَفَ فِيهِ النَّاسَ، فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ عَنْ الْأَسْوَدِ مِثْلَ مَا قَدْ قَالَ،

١٬١٨٢

فَلَوْ أَحَالَهُ عَلَى غَيْرِ الْأَسْوَدِ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَتَوَضَّأْ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ ، عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْجَوَازِ، وَأَحَادِيثُنَا تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، فَالْحَائِضُ حَدَثُهَا قَائِمٌ، فَلَا وُضُوءَ مَعَ مَا يُنَافِيهِ، فَلَا مَعْنَى لِلْوُضُوءِ.

[فُصُولٌ فِي الْحَمَّامِ] بِنَاءُ الْحَمَّامِ، وَبَيْعُهُ، وَشِرَاؤُهُ، وَكِرَاؤُهُ، مَكْرُوهٌ عِنْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ.

١٬١٨٣

قَالَ فِي الَّذِي يَبْنِي حَمَّامًا لِلنِّسَاءِ: لَيْسَ بِعَدْلٍ. قَالَ أَبُو دَاوُد: سَأَلْت أَحْمَدَ عَنْ كَرْيِ الْحَمَّامِ؟ قَالَ: أَخْشَى. كَأَنَّهُ كَرِهَهُ.

١٬١٨٤

وَقِيلَ لَهُ، فَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَى الْمُكْتَرِي أَنْ لَا يَدْخُلَهُ أَحَدٌ بِغَيْرِ إزَارٍ. فَقَالَ: وَيُضْبَطُ هَذَا؟ وَكَأَنَّهُ لَمْ يُعْجِبْهُ. وَإِنَّمَا كَرِهَهُ؛ لِمَا فِيهِ مِنْ فِعْلِ الْمُنْكَرَاتِ، مِنْ كَشْفِ الْعَوْرَاتِ، وَمُشَاهَدَتِهَا، وَدُخُولِ النِّسَاءِ إيَّاهُ

١٬١٨٥

[فَصْلٌ كَانَ الدَّاخِلُ لِلْحَمَّامِ رَجُلًا] فَصْلٌ: فَأَمَّا دُخُولُهُ؛

١٬١٨٦

فَإِنْ كَانَ الدَّاخِلُ رَجُلًا يَسْلَمُ مِنْ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَاتِ، وَنَظَرِ النَّاسِ إلَى عَوْرَتِهِ، فَلَا بَأْسَ بِدُخُولِهِ؛ فَإِنَّهُ يُرْوَى، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ دَخَلَ حَمَّامًا بِالْجُحْفَةِ. وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -.

وَيُرْوَى عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، أَنَّهُ دَخَلَ الْحَمَّامَ. وَكَانَ الْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ يَدْخُلَانِ الْحَمَّامَ، رَوَاهُ الْخَلَّالُ.

١٬١٨٧

وَإِنْ خَشِيَ أَنْ لَا يَسْلَمَ مِنْ ذَلِكَ، كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْمَنُ وُقُوعَهُ فِي الْمَحْظُورِ،

١٬١٨٨

فَإِنَّ كَشْفَ الْعَوْرَةِ وَمُشَاهَدَتَهَا حَرَامٌ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى بَهْزُ بْنُ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّهُ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، «عَوْرَاتُنَا مَا نَأْتِي مِنْهَا وَمَا نَذَرُ؟ قَالَ: احْفَظْ عَوْرَتَك، إلَّا مِنْ زَوْجَتِك أَوْ مَا مَلَكَتْ يَمِينُك. قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُنَا خَالِيًا؟ قَالَ: فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ» وَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ، وَلَا تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ»«. وَقَالَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: لَا تَمْشُوا عُرَاةً» .

رَوَاهُمَا مُسْلِمٌ.

قَالَ أَحْمَدُ: إنْ عَلِمْت أَنَّ كُلَّ مَنْ فِي الْحَمَّامِ عَلَيْهِ إزَارٌ فَادْخُلْهُ، وَإِلَّا فَلَا تَدْخُلْ.

١٬١٨٩

وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: دُخُولُ الْحَمَّامِ بِغَيْرِ إزَارٍ حَرَامٌ

١٬١٩٠

[فَصْلٌ النِّسَاءُ لَيْسَ لَهُنَّ دُخُولُ الْحَمَّامَاتِ] فَصْلٌ: فَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَيْسَ لَهُنَّ دُخُولُهُ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ السَّتْرِ، إلَّا لِعُذْرٍ؛ مِنْ حَيْضٍ، أَوْ نِفَاسٍ، أَوْ مَرَضٍ، أَوْ حَاجَةٍ إلَى الْغُسْلِ، وَلَا يُمْكِنُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ فِي بَيْتِهَا؛ لِتَعَذُّرِ ذَلِكَ عَلَيْهَا، أَوْ خَوْفِهَا مِنْ مَرَضٍ، أَوْ ضَرَرٍ، فَيُبَاحُ لَهَا ذَلِكَ، إذَا غَضَّتْ بَصَرَهَا، وَسَتَرَتْ عَوْرَتَهَا.

١٬١٩١

وَأَمَّا مَعَ عَدَمِ الْعُذْرِ، فَلَا لِمَا رُوِيَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«سَتُفْتَحُ عَلَيْكُمْ أَرْضُ الْعَجَمِ، وَسَتَجِدُونَ فِيهَا حَمَّامَاتٍ، فَامْنَعُوا نِسَاءَكُمْ، إلَّا حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ» . وَرُوِيَ «أَنَّ عَائِشَةَ دَخَلَ عَلَيْهَا نِسَاءٌ مِنْ أَهْلِ حِمْصَ، فَقَالَتْ: لَعَلَّكُنَّ مِنْ النِّسَاءِ اللَّائِي يَدْخُلْنَ الْحَمَّامَاتِ، سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ: إنَّ الْمَرْأَةَ إذَا خَلَعَتْ ثِيَابَهَا فِي غَيْرِ بَيْتِ زَوْجِهَا هَتَكَتْ سِتْرَهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ» .

١٬١٩٢

[فَصْلٌ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا بَيْنَ النَّاسِ] فَصْلٌ: وَمَنْ اغْتَسَلَ عُرْيَانًا بَيْنَ النَّاسِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ كَشْفَهَا لِلنَّاسِ مُحَرَّمٌ، لِمَا ذَكَرْنَا،

١٬١٩٣

وَإِنْ كَانَ خَالِيًا جَازَ؛ لِأَنَّ مُوسَى - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، اغْتَسَلَ عُرْيَانًا. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَأَيُّوبُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -، اغْتَسَلَ عُرْيَانًا.

١٬١٩٤

وَإِنْ سَتَرَهُ إنْسَانٌ بِثَوْبٍ فَلَا بَأْسَ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَسْتَتِرُ بِثَوْبٍ، وَيَغْتَسِلُ،

١٬١٩٥

وَيُسْتَحَبُّ التَّسَتُّرُ، وَإِنْ كَانَ خَالِيًا؛ «لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُسْتَحْيَا مِنْهُ مِنْ النَّاسِ.»

[فَصْلٌ الْغُسْلُ بِمَاءِ الْحَمَّامِ] فَصْلٌ: وَيُجْزِئُهُ الْغُسْلُ بِمَاءِ الْحَمَّامِ. قَالَ الْخَلَّالُ: ثَبَتَ عَنْ أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، أَنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ يُجْزِئُ أَنْ يُغْتَسَلَ بِهِ، وَلَا يُغْتَسَلُ مِنْهُ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلَا تَزُولُ بِالشَّكِّ.

١٬١٩٦

وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِالْوُضُوءِ مِنْ مَاءِ الْحَمَّامِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْأُنْبُوبَةِ. وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ،

١٬١٩٧

وَلَوْ لَمْ يَفْعَلْهُ جَازَ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ الطَّهَارَةُ، وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: مَاءُ الْحَمَّامِ عِنْدِي طَاهِرٌ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي. وَقَدْ رَوَى عَنْهُ الْأَثْرَمُ، أَنَّهُ قَالَ: مِنْ النَّاسِ مَنْ يُشَدِّدُ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي؛ لِأَنَّهُ يُنْزَفُ، يَخْرُجُ الْأَوَّلُ فَالْأَوَّلُ.

١٬١٩٨

قُلْت: يَكُونُ كَالْجَارِي، وَهُوَ يَسْتَقِرُّ فِي مَكَان قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ؟ ، فَقَالَ: قَدْ قُلْت لَك فِيهِ اخْتِلَافٌ. وَأَرَاهُ قَدْ ظَهَرَ مِنْهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَحْتَاطَ بِمَاءٍ آخَرَ، وَلَمْ يُبَيِّنْ لَهُ ذَلِكَ.

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ لَا يُنَجِّسُهُ إلَّا التَّغَيُّرُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَتَنَجَّسُ لَمْ يَكُنْ لِكَوْنِهِ جَارِيًا أَثَرٌ وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ الِاحْتِيَاطَ مَعَ الْحُكْمِ بِطَهَارَةِ الْمَاءِ؛ لِأَنَّ مَاءَ الْحَمَّامِ طَاهِرٌ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ قَبْلُ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ الْجَارِي إذَا كَانَ الْمَاءُ يَفِيضُ مِنْ الْحَوْضِ وَيَخْرُجُ،

١٬١٩٩

فَإِنَّ الَّذِي يَأْتِي أَخِيرًا يَدْفَعُ مَا فِي الْحَوْضِ، وَيَثْبُتُ فِي مَكَانِهِ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَا فِي الْحَوْضِ كَدِرًا، وَتَتَابَعَتْ عَلَيْهِ دَفَعَ مِنْ الْمَاءِ صَافِيًا، لَزَالَتْ كُدُورَتُهُ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ ذِكْرُ اللَّهِ فِي الْحَمَّامِ] فَصْلٌ: وَلَا بَأْسَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي الْحَمَّامِ؛

١٬٢٠٠

فَإِنَّ ذِكْرَ اللَّهِ حَسَنٌ فِي كُلِّ مَكَان، مَا لَمْ يَرِدْ الْمَنْعُ مِنْهُ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ دَخَلَ الْحَمَّامَ فَقَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ. وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ.

١٬٢٠١

فَأَمَّا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَمْ يُبْنَ لِهَذَا. وَكَرِهَ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ فِيهِ أَبُو وَائِلٍ، وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ، وَمَكْحُولٌ، وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ. وَلَمْ يَكْرَهْهُ النَّخَعِيُّ، وَمَالِكٌ؛ لِمَا ذَكَرْنَا فِي ذِكْرِ اللَّهِ فِيهِ وَوَجْهُ الْأَوَّلِ، أَنَّهُ مَحَلٌّ لِلتَّكَشُّفِ، وَيُفْعَلُ فِيهِ مَا لَا يُسْتَحْسَنُ عَمَلُهُ فِي غَيْرِهِ، فَاسْتُحِبَّ صِيَانَةُ الْقُرْآنِ عَنْهُ وَالْأَوْلَى جَوَازُ الْقِرَاءَةِ فِيهِ؛ لِأَنَّنَا لَا نَعْلَمُ فِيهِ حُجَّةً تَمْنَعُ مِنْ قِرَاءَتِهِ.

١٬٢٠٢

فَأَمَّا التَّسْلِيمُ فِيهِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: لَا أَعْلَمُ أَنَّنِي سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا. وَالْأَوْلَى جَوَازُهُ؛ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ.»

[فَصْلٌ لَا يَدْخُلُ الْمَاءَ إلَّا مُسْتَتِرًا] فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَدْخُلَ الْمَاءَ إلَّا مُسْتَتِرًا؛ إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا. وَذَلِكَ لِمَا رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ، أَنَّهُمَا دَخَلَا الْمَاءَ، وَعَلَيْهِمَا بُرْدَانِ، فَقِيلَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ، فَقَالَا: إنَّ لِلْمَاءِ سُكَّانًا. وَلِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَسْتُرُ، فَتَبْدُو عَوْرَةُ مَنْ دَخَلَهُ عُرْيَانًا [بَابُ التَّيَمُّمِ] التَّيَمُّمُ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ} .

١٬٢٠٣

وَقَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:

تَيَمَّمْت لِلْعَيْنِ الَّتِي عِنْدَ ضَارِجٍ ... يَفِيءُ عَلَيْهَا الظِّلُّ عَرْمَضُهَا طَامِي وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا} . أَيْ: اقْصِدُوهُ. ثُمَّ نُقِلَ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ إلَى مَسْحِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّعِيدِ. وَهُوَ جَائِزٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ،

١٬٢٠٥

وَأَمَّا السُّنَّةُ، فَحَدِيثُ عَمَّارٍ وَغَيْرِهِ،

١٬٢٠٦

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ، فَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ فِي الْجُمْلَةِ.

الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.