فإن كانت السلعة قد تلف بعضها، أو مزيدة بما لا تنفصل زيادتها، أو نقد بعض ثمنها، كان البائع فيها كأسوة الغرماء.
الشروح عليها
قال: فإن كانت السلعة قد تلف بعضها، أو مزيدة بما لا تنفصل زيادتها، أو نقد بعض ثمنها، كان البائع فيها كأسوة الغرماء. ش: قد تقدم أن أحد الغرماء إذا وجد متاعه بعينه عند من فلسه الحاكم أنه أحق به، لكن ذلك بشروط (أحدها) أن يكون المتاع باقيا بحاله، لم يتلف بعضه،
فإن تلف بعضه - كأن تلف بعض الدار، أو الثوب، أو الثمرة المبيعة مع الشجرة، أو قطعت بعض أطراف العبد، ونحو ذلك - فلا رجوع للبائع، بل يكون أسوة الغرماء، نظرا للخبر، فإنه لم يجد المتاع بعينه،
فلو تعدد المبيع، كعبدين أو ثوبين، فتلف أحدهما فهل يمتنع الرجوع رأسا، أو يرجع في الموجود، ويضرب مع الغرماء بقسط التالف من الثمن؟ فيه روايتان، ولعل مبناهما أن العقد هل يتعدد بتعدد المبيع أم لا؟ وحكم انتقال البعض ببيع ونحوه حكم التلف، نعم إن عاد المنتقل إلى ملك المفلس فهل هو كالذي لم يزل، أو كالذي لم يعد؟ فيه وجهان مشهوران، وحكى أبو محمد وجها ثالثا: إن عاد بسبب جديد - كبيع أو هبة، ونحوهما فكالذي لم يعد،
وإن عاد بفسخ كالإقالة، والرد بالعيب - فكالذي لم يزل، وجعل أبو محمد من صور تلف البعض إذا استأجر أرضا للزرع، فأفلس بعد مضي مدة لمثلها أجرة، تنزيلا للمدة منزلة المبيع، ومضي بعضها بمنزلة تلف بعضه،
وقال القاضي، وصاحب التلخيص: له الرجوع، ويلزمه تبقية زرع المفلس بأجرة المثل، ثم هل يضرب بها مع الغرماء - وهو المحكي عن القاضي - أو يقدم بها عليهم - وهو الذي في التلخيص -؟ على وجهين.
وقد فهم من كلام الخرقي بطريق التنبيه فيما إذا تلف المبيع جميعه، فإنه لا رجوع،
وكذلك لو انتقل عنه، وفهم من كلامه أيضا أن نقص الصفات - كالهزال، ونسيان صناعة ونحو ذلك - لا يمنع الرجوع، وهو كذلك، لأن المتاع موجود بعينه،
وإذا أخذ إنما يأخذ بجميع حقه، واختلف في وطء البكر، وجرح العبد، هل هو من فقد الصفات فلا يمنع الرجوع - وبه قطع أبو بكر - أو من فقد الأجزاء فيمنع؟ على وجهين،
أما وطء الثيب فبمنزلة فقد الصفات على المشهور، وأجرى ابن أبي موسى فيه الوجهين،
وإذا قيل بالرجوع مع الجرح،
فإن كان الجرح مما لا أرش له، كالحاصل بفعل بهيمة أو المفلس، ونحو ذلك فلا شيء له مع الرجوع،
وإن كان مما له أرش كالحاصل بفعل أجنبي، نظر ما نقص من قيمته، فرجع بقسطه من الثمن، قاله أبو محمد، وقياس جعله من باب فقد الصفات، أنه لا شيء له مطلقا.
(تنبيه) : إذا خلط المبيع أو بعضه بما لا يتميز منه - كأن كان زيتا فخلطه بمثله، ونحو ذلك - فقال أبو محمد: يسقط حقه من الرجوع، لأنه لم يجد عين ماله، [وقد يقال: إنه ينبني على الوجهين في أن الخلط هل هو بمنزلة الإتلاف أم لا؟ ولا نسلم أنه لم يجد عين ماله] ، بل وجده حكما.
(الشرط الثاني) : أن لا يزيد المتاع زيادة متصلة، كالسمن، وتعلم صناعة، ونحو ذلك، على اختيار الخرقي، والشيرازي، ولم يعتبر ذلك الإمام في رواية الميموني، بل جوز للبائع الرجوع بالزيادة مجانا، ومناط ذلك أن المبيع مع الزيادة المتصلة هل خرج عن أن يكون بعينه أم لا؟ وخرج من كلام الخرقي الزيادة المنفصلة، فإنها لا تمنع الرجوع في الجملة، بلا خلاف نعلمه بين الأصحاب، لوجود المتاع بعينه، ثم هل تكون الزيادة للمفلس في الجملة ويحتمله كلام الخرقي، لمنعه من الرجوع مع الزيادة المتصلة، وهو اختيار ابن حامد، والقاضي في روايتيه، والشريف وأبي الخطاب في خلافيهما، وأبي محمد، لأنها نماء ملكه - أو للبائع - وهو اختيار أبي بكر، والقاضي في الجامع، تمسكا بإطلاق أحمد - في رواية حنبل - في ولد الجارية، ونتاج الدابة، أنه للبائع، وهو محمول - عند ابن أبي موسى، وابن حامد، والقاضي، وأبي محمد - على ما إذا باعها حاملا؟
على قولين، فعلى الأول لو كانت الزيادة ولد الأمة فهل يمتنع الرجوع مطلقا، لتعذر التفرقة الممنوع منها شرعا - وهو قول ابن أبي موسى - أو لا يمتنع إلا إن امتنع البائع من دفع القيمة، -
أما إن دفع قيمة الولد فله الرجوع، - أو لا يمتنع مطلقا، بل تباع الأم وولدها، ويصرف للبائع ما خص الأم من الثمن، على أنها ذات ولد؟ على ثلاثة أوجه.
ويدخل في قول الخرقي: أو مزيدة بما لا تنفصل زيادتها. ما إذا زادت بصناعة، كقصارة، ونحو ذلك، وهو أحد الوجهين، واختيار ابن أبي موسى،
(والثاني) - وقال صاحب التلخيص: إنه المذهب - لا يمنع ذلك الرجوع، ثم هل تسلم للبائع مجانا، - كالزيادة المتصلة على المنصوص - أم عليه الأجرة؟ فيه وجهان، وقد تحرز الخرقي بقوله: مزيدة بما لا تنفصل زيادتها. عما إذا كان المتاع بابا فسمر فيه مسامير، أو نحو ذلك،
فإن الزيادة تنفصل، ويرجع البائع في عين ماله.
(الشرط الثالث) : أن لا يكون البائع قبض من ثمنها شيئا،
فإن قبض منه شيئا سقط حقه في الرجوع.
٢٠٤٥ - لأن في الحديث في رواية لأبي داود «أيما رجل باع سلعة، فأدرك سلعته بعينها، عند رجل قد أفلس، ولم يقبض من ثمنها شيئا فهي له، فإن كان قضاه من ثمنها شيئا فما بقي فهو أسوة الغرماء» وفي معنى قبض البعض الإبراء منه، والله أعلم.
[مَسْأَلَةٌ الْبَائِعَ يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ فِي السِّلْعَةِ بِخَمْسِ شَرَائِط] (٣٤١٢) مَسْأَلَةٌ؛ قَالَ: (فَإِنْ كَانَتْ السِّلْعَةُ قَدْ تَلِفَ بَعْضُهَا، أَوْ مَزِيدَةً بِمَا لَا تَنْفَصِلُ زِيَادَتُهَا، أَوْ نَقَدَ بَعْضَ ثَمَنِهَا، كَانَ الْبَائِعُ فِيهَا كَأُسْوَةِ الْغُرَمَاءِ) وَجُمْلَةُ ذَلِكَ أَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ فِي السِّلْعَةِ بِخَمْسِ شَرَائِطَ؛ أَحَدُهَا، أَنْ تَكُونَ السِّلْعَةُ بَاقِيَةً بِعَيْنِهَا، لَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا،
فَإِنْ تَلِفَ جُزْءٌ مِنْهَا كَبَعْضِ أَطْرَافِ الْعَبْدِ، أَوْ ذَهَبَتْ عَيْنُهُ، أَوْ تَلِفَ بَعْضُ الثَّوْبِ، أَوْ انْهَدَمَ بَعْضُ الدَّارِ، أَوْ اشْتَرَى شَجَرًا مُثْمِرًا لَمْ تَظْهَرْ ثَمَرَتُهُ، فَتَلْفِت الثَّمَرَةُ، أَوْ نَحْوُ هَذَا، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ، وَكَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ، وَالْعَنْبَرِيُّ: لَهُ الرُّجُوعُ فِي الْبَاقِي، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِحِصَّةِ التَّالِفِ؛ لِأَنَّهَا عَيْنٌ يَمْلِكُ الرُّجُوعَ فِي جَمِيعِهَا، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ فِي بَعْضِهَا، كَاَلَّذِي لَهُ الْخِيَارُ، وَكَالْأَبِ فِيمَا وَهَبَ لِوَلَدِهِ وَلَنَا، قَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» . فَشَرَطَ أَنْ يَجِدَهُ بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يَجِدْهُ بِعَيْنِهِ. وَلِأَنَّهُ إذَا أَدْرَكَهُ بِعَيْنِهِ، حَصَلَ لَهُ بِالرُّجُوعِ فَصْلُ الْخُصُومَةِ، وَانْقِطَاعُ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الْمُعَامَلَةِ،
بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَ بَعْضَهُ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَرْضَى بِالْمَوْجُودِ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ، أَوْ يَأْخُذَهُ بِقِسْطِهِ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ فَاتَ شَرْطُ الرُّجُوعِ وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ، كَعَبْدَيْنِ، أَوْ ثَوْبَيْنِ تَلِفَ أَحَدُهُمَا، أَوْ بَعْضُ أَحَدُهُمَا، فَفِي جَوَازِ الرُّجُوعِ فِي الْبَاقِي مِنْهُمَا رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، لَا يَرْجِعُ. نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ، عَنْ أَحْمَدَ، قَالَ: لَا يَرْجِعُ بِبَقِيَّةِ الْعَيْنِ، وَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ الْمَبِيعِ بِعَيْنِهِ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ عَيْنًا وَاحِدَةً. وَلِأَنَّ بَعْضَ الْمَبِيعِ تَالِفٌ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ، كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْعَبْدِ وَنَقَلَ الْحَسَنُ بْنُ ثَوَابٍ عَنْ أَحْمَدَ، إنْ كَانَ ثَوْبًا وَاحِدًا، فَتَلِفَ بَعْضُهُ، فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ،
وَإِنْ كَانَ رِزَمًا، فَتَلِفَ بَعْضُهَا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ بِقِيمَتِهَا إذَا كَانَ بِعَيْنِهِ؛ لِأَنَّ السَّالِمَ مِنْ الْمَبِيعِ وَجَدَهُ الْبَائِعُ بِعَيْنِهِ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ إنْسَانٍ قَدْ أَفْلَسَ. فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» .
وَلِأَنَّهُ مَبِيعٌ، وَجَدَهُ بِعَيْنِهِ، فَكَانَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهِ، كَمَا لَوْ كَانَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ.
[فَصْلٌ بَاعَ بَعْضَ الْمَبِيعِ أَوْ وَهَبَهُ أَوْ وَقَفَهُ] (٣٤١٣) فَصْلٌ: وَإِنْ بَاعَ بَعْضَ الْمَبِيعِ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ وَقَفَهُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تَلَفِهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ مَا أَدْرَكَ مَالَهُ بِعَيْنِهِ.
[فَصْلٌ نَقَصَتْ مَالِيَّةُ الْمَبِيعِ لِذَهَابِ صِفَةٍ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ] (٣٤١٤) فَصْلٌ: وَإِنْ نَقَصَتْ مَالِيَّةُ الْمَبِيعِ، لِذَهَابِ صِفَةٍ مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، كَعَبْدٍ هَزِلَ، أَوْ نَسِيَ صِنَاعَةً أَوْ كِتَابَةً، أَوْ كَبِرَ، أَوْ مَرِضَ، أَوْ تَغَيَّرَ عَقْلُهُ، أَوْ كَانَ ثَوْبًا فَخَلِقَ، لَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ؛ لِأَنَّ فَقْدَ الصِّفَةِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ عَيْنَ مَالِهِ، لَكِنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ أَخْذِهِ نَاقِصًا بِجَمِيعِ حَقِّهِ، وَبَيْنَ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِكَمَالِ؛ ثَمَنِهِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ لَا يَتَقَسَّطُ عَلَى صِفَةِ السِّلْعَةِ مِنْ سِمَنٍ، أَوْ هُزَالٍ، أَوْ عِلْمٍ، أَوْ نَحْوِهِ، فَيَصِيرُ كَنَقْصِهِ لِتَغَيُّرِ الْأَسْعَارِ وَلَوْ كَانَ الْمَبِيعُ أَمَةً ثَيِّبًا، فَوَطِئَهَا الْمُشْتَرِي، وَلَمْ تَحْمِلْ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا؛
لِمَا ذَكَرْنَا، فَإِنَّهَا لَمْ تَنْقُصْ فِي ذَاتٍ وَلَا فِي صِفَاتِ.
وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ فَقَدَ صِفَةً، فَإِنَّهُ لَمْ يَذْهَبْ مِنْهَا جَزْءٌ، وَإِنَّمَا هُوَ كَالْجِرَاحِ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ أَذْهَبَ مِنْهَا جُزْءًا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فَقَأَ عَيْنَهَا.
وَإِنْ وُجِدَ الْوَطْءُ مِنْ غَيْرِ الْمُفْلِسِ، فَهُوَ كَوَطْءِ الْمُفْلِسِ، فِيمَا ذَكَرْنَا.
[فَصْلٌ جُرِحَ الْعَبْدُ الْمَبِيع أَوْ شُجَّ] (٣٤١٥) فَصْلٌ: وَإِنْ جُرِحَ الْعَبْدُ أَوْ شُجَّ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ: لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ جُزْءٌ يَنْقُصُ بِهِ الثَّمَنُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ فُقِئَتْ عَيْنُ الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ ذَهَبَ مِنْ الْعَيْنِ جُزْءٌ لَهُ بَدَلٌ فَمَنَعَ الرُّجُوعَ، كَمَا لَوْ قُطِعَتْ يَدُ الْعَبْدِ، وَلِأَنَّهُ لَوْ نَقَصَ صِفَةً مُجَرَّدَةً، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ مِنْ الرُّجُوعِ فِيهَا شَيْءٌ سِوَاهُ، كَمَا ذَكَرْنَا فِي هُزَالِ الْعَبْدِ، وَنِسْيَانِ الصَّنْعَةِ، وَهَاهُنَا بِخِلَافِهِ، وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ فِي الْمَحِلِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ يَقْطَعُ النِّزَاعَ، وَيُزِيلُ الْمُعَامَلَةَ بَيْنَهُمَا، فَلَا يَثْبُتُ فِي مَحِلٍّ لَا يَحْصُلُ بِهِ هَذَا الْمَقْصُودُ وَقَالَ الْقَاضِي: قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ؛
لِأَنَّهُ فَقَدَ صِفَةً، فَأَشْبَهَ نِسْيَانَ الصَّنْعَةِ، وَاسْتِخْلَاقَ الثَّوْبِ.
فَإِذَا رَجَعَ، نَظَرْنَا فِي الْجَرْحِ،
فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا أَرْشَ لَهُ، كَالْحَاصِلِ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ فِعْلِ بَهِيمَةٍ، أَوْ جِنَايَةِ الْمُفْلِسِ، أَوْ جِنَايَةِ عَبْدِهِ، أَوْ جِنَايَةِ الْعَبْدِ عَلَى نَفْسِهِ، فَلَيْسَ لَهُ مَعَ الرُّجُوعِ أَرْشٌ.
وَإِنْ كَانَ الْجَرْحُ مُوجِبًا لِأَرْشٍ كَجِنَايَةِ الْأَجْنَبِيِّ، فَلِلْبَائِعِ إذَا رَجَعَ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِحِصَّةِ مَا نَقَصَ مِنْ الثَّمَنِ، فَيَنْظُرُ كَمْ نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهِ، فَيَرْجِعُ بِقِسْطِ ذَلِكَ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُشْتَرِي لِلْبَائِعِ بِالثَّمَنِ فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا جَعَلْتُمْ لَهُ الْأَرْشَ الَّذِي وَجَبَ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَجِبْ بِهِ أَرْشٌ لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ بِأَكْثَرَ مِنْ الْأَرْشِ. قُلْنَا: لَمَّا أَتْلَفَهُ الْأَجْنَبِيُّ، صَارَ مَضْمُونًا بِإِتْلَافِهِ لِلْمُفْلِسِ، فَكَانَ بِالْأَرْشِ لَهُ وَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى الْمُفْلِسِ لِلْبَائِعِ بِالثَّمَنِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَضْمَنَهُ بِالْأَرْشِ،
وَإِذَا لَمْ يُتْلِفْهُ أَجْنَبِيٌّ، فَلَمْ يَكُنْ مَضْمُونًا، فَلَمْ يَجِبْ بِفَوَاتِهِ شَيْءٌ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَلَّا كَانَ هَذَا الْأَرْشُ لِلْمُشْتَرِي كَكَسْبِهِ، لَا يَضْمَنُهُ لِلْبَائِعِ قُلْنَا: الْكَسْبُ بَدَلُ مَنَافِعِهِ، وَمَنَافِعُهُ مَمْلُوكَةٌ لِلْمُشْتَرِي بِغَيْرِ عِوَضٍ، وَهَذَا بَدَلُ جُزْءٍ مِنْ الْعَيْنِ، وَالْعَيْنُ جَمِيعُهَا مَضْمُونَةٌ بِالْعِوَضِ، فَلِهَذَا ضَمِنَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي.
[فَصْلٌ اشْتَرَى زَيْتًا فَخَلَطَهُ بِزَيْتٍ آخَرَ أَوْ قَمْحًا فَخَلَطَهُ بِمَا لَا يُمْكِنُ مِنْهُ] (٣٤١٦) فَصْلٌ: فَإِنْ اشْتَرَى زَيْتًا، فَخَلَطَهُ بِزَيْتٍ آخَرَ، أَوْ قَمْحًا، فَخَلَطَهُ بِمَا لَا يُمْكِنُ تَمْيِيزُهُ مِنْهُ، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُ زَيْتَهُ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إنْ خَلَطَهُ بِمِثْلِهِ أَوْ دُونِهِ، لَمْ يَسْقُطْ الرُّجُوعُ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَهُ بِالْكَيْلِ أَوْ الْوَزْنِ،
وَإِنْ خَلَطَهُ بِأَجْوَدَ مِنْهُ، فَفِيهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يَسْقُطُ حَقُّهُ مِنْ الْعَيْنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَبِهِ أَقُولُ. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ مَوْجُودَةٌ مِنْ طَرِيقِ الْحُكْمِ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً، وَلِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ اخْتِلَاطِ مَالِهِ بِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ، كَمَا لَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَيْنَ مَالِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ تَلِفَتْ، وَلِأَنَّ مَا يَأْخُذُهُ مِنْ غَيْرِ عَيْنِ مَالِهِ، إنَّمَا يَأْخُذُهُ عِوَضًا عَنْ مَالِهِ، فَلَمْ يَخْتَصَّ بِهِ دُونَ الْغُرَمَاءِ، كَمَا لَوْ تَلِفَ مَالُهُ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «مَنْ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ» .
أَيْ مَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ، وَتَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِهِ مِنْ الْمُفْلِسِ؛ بِدَلِيلِ مَا لَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ زَوَالِ مِلْكِ الْمُفْلِسِ، أَوْ كَانَتْ مَسَامِيرَ قَدْ سَمَّرَ بِهَا بَابًا، أَوْ حَجَرًا قَدْ بَنِي عَلَيْهِ، أَوْ خَشَبًا فِي سَقْفِهِ، أَوْ أَمَةً اسْتَوْلَدَهَا، وَهَذَا إذَا أَخَذَ كَيْلَهُ أَوْ قِيمَتَهُ إنَّمَا يَأْخُذُ عِوَضَ مَالِهِ، فَهُوَ كَالثَّمَنِ وَالْقِيمَةِ. وَفَارَقَ الْمَصْبُوغَ،
فَإِنْ عَيْنَهُ يُمْكِنُهُ أَخْذُهَا، وَالسَّوِيقُ كَذَلِكَ، فَاخْتَلَفَا.
[فَصْلٌ اشْتَرَى شَيْئًا فَعَمِلَ بِهِ مَا أَزَالَ اسْمَهُ] (٣٤١٧) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى حِنْطَةً فَطَحَنَهَا أَوْ زَرَعَهَا، أَوْ دَقِيقًا فَخَبَزَهُ، أَوْ زَيْتًا فَعَمِلَهُ صَابُونًا، أَوْ ثَوْبًا فَقَطَعَهُ قَمِيصًا، أَوْ غَزْلًا فَنَسَجَهُ ثَوْبًا، أَوْ خَشَبًا فَنَجَّرَهُ أَبْوَابًا، أَوْ شَرِيطًا فَعَمِلَهُ إبَرًا، أَوْ شَيْئًا فَعَمِلَ بِهِ مَا أَزَالَ اسْمَهُ، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ.
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِيهِ قَوْلَانِ؛ أَحَدُهُمَا، بِهِ أَقُولُ، يَأْخُذُ عَيْنَ مَالِهِ، وَيُعْطِي قِيمَةَ عَمَلِ الْمُفْلِسِ فِيهَا؛ لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ مَوْجُودَةٌ، وَإِنَّمَا تَغَيَّرَ اسْمُهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ حَمَلًا فَصَارَ كَبْشًا، أَوْ وَدِيًّا فَصَارَ نَخْلًا وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ تَلِفَ، وَلِأَنَّهُ غَيَّرَ اسْمَهُ وَصِفَتَهُ، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ، كَمَا لَوْ كَانَ نَوَى فَنَبَتَ شَجَرًا. وَالْأَصْلُ الَّذِي قَاسُوا عَلَيْهِ مَمْنُوعٌ،
وَإِنْ سَلَّمَ، فَإِنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ اسْمُهُ، بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا.
[فَصْلٌ اشْتَرَى حَبًّا فَصَارَ زَرْعًا أَوْ زَرْعًا فَصَارَ حَبًّا] (٣٤١٨) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ حَبًّا فَصَارَ زَرْعًا، أَوْ زَرْعًا فَصَارَ حَبًّا، أَوْ نَوًى فَنَبَتَ شَجَرًا، أَوْ بَيْضًا فَصَارَ فِرَاخًا ، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يَسْقُطُ. وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ الزَّرْعَ نَفْسُ الْحَبِّ، وَالْفَرْخَ نَفْسُ الْبَيْضَةِ وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَيْنَ مَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ، كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ مُتْلِفٌ فَأَخَذَ قِيمَتَهُ. وَلِأَنَّ الْحَبَّ أَعْيَانٌ ابْتَدَأَهَا اللَّهُ تَعَالَى، لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً عِنْدَ الْبَيْعِ،
وَكَذَلِكَ أَعْيَانُ الزَّرْعِ وَالْفَرْخِ. وَلَوْ اسْتَأْجَرَ أَرْضًا، وَاشْتَرَى بَذْرًا وَمَاءً، فَزَرَعَ، وَسَقَى، وَاسْتَحْصَدَ، وَأَفْلَسَ، فَالْمُؤَجَّرُ وَبَائِعُ الْبَذْرِ وَالْمَاءِ غُرَمَاءُ، لَا حَقَّ لَهُمْ فِي الرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا أَعْيَانَ أَمْوَالِهِمْ. وَعَلَى قَوْلِ مِنْ قَالَ: لَهُ الرُّجُوعُ فِي الزَّرْعِ. يَكُونُ عَلَيْهِ غَرَامَةُ الْأُجْرَةِ وَثَمَنُ الْمَاءِ، أَوْ قِيمَةُ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى ثَوْبًا فَصَبَغَهُ أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِزَيْتِ] (٣٤١٩) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى ثَوْبًا فَصَبَغَهُ، أَوْ سَوِيقًا فَلَتَّهُ بِزَيْتٍ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لِبَائِعِ الثَّوْبِ وَالسَّوِيقِ الرُّجُوعُ فِي أَعْيَانِ أَمْوَالِهِمَا وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِمَا قَائِمَةٌ مُشَاهَدَةٌ، مَا تَغَيَّرَ اسْمُهَا، وَيَكُونُ الْمُفْلِسُ شَرِيكًا لِصَاحِبِ الثَّوْبِ وَالسَّوِيقِ بِمَا زَادَ عَنْ قِيمَتِهِمَا.
فَإِنْ حَصَلَ زِيَادَةٌ، فَهِيَ لَهُ،
وَإِنْ حَصَلَ نَقَصَ، فَعَلَيْهِ. وَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ أَوْ السَّوِيقِ،
فَإِنْ شَاءَ الْبَائِعُ أَخَذَهُمَا نَاقِصَيْنِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ،
وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهُمَا، وَلَهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّ هَذَا نَقْصَ صِفَةٍ، فَهُوَ كَالْهُزَالِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ الرُّجُوعُ إذَا زَادَتْ الْقِيمَةُ؛ لِأَنَّهُ اتَّصَلَ بِالْمَبِيعِ زِيَادَةٌ لِلْمُفْلِسِ، فَمَنَعَتْ الرُّجُوعَ، كَمَا لَوْ سَمِنَ الْعَبْدُ، وَلِأَنَّ الرُّجُوعَ هَاهُنَا لَا يَتَخَلَّصُ بِهِ الْبَائِعُ مِنْ الْمُفْلِسِ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ مِنْ قَطْعِ الْمُنَازَعَةِ، وَإِزَالَةِ الْمُعَامَلَةِ، بَلْ يَحْصُلُ بِهِ ضَرَرُ الشَّرِكَةِ، فَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ، فَلَا يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِهِ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى صَبْغًا فَصَبَغَ بِهِ ثَوْبًا أَوْ زَيْتًا فَلَتّ بِهِ سَوِيقًا] (٣٤٢٠) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى صَبْغًا فَصَبَغَ بِهِ ثَوْبًا، أَوْ زَيْتًا فَلَتَّ بِهِ سَوِيقًا، فَبَائِعُهُمَا أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
وَقَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ: لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ.
قَالُوا: وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا وَصَبْغًا، وَصَبَغَ الثَّوْبَ بِالصَّبْغِ، رَجَعَ بَائِعُ كُلِّ شَيْءٍ فِي عَيْنِ مَالِهِ، وَكَانَ بَائِعُ الصَّبْغِ شَرِيكًا لِبَائِعِ الثَّوْبِ.
وَإِنْ حَصَلَ نَقْصٌ، فَهُوَ مِنْ صَاحِبِ الصَّبْغِ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَتَفَرَّقُ وَيَنْقُصُ وَالثَّوْبُ بِحَالِهِ،
فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ عَشَرَةً، وَقِيمَةُ الصَّبْغِ خَمْسَةً، فَصَارَتْ قِيمَتُهُمَا اثْنَا عَشَرَ، كَانَ لِصَاحِبِ الثَّوْبِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ، وَلِلْآخَرِ سُدُسُهُ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِمَا نَقَصَ، وَذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَذَكَرَ الْقَاضِي مِثْلَ هَذَا فِي مَوْضِعٍ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَيْنَ مَالِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ تَلِفَ، وَلِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ شَغَلَهُ بِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ الْبَيْعِ، فَلَمْ يَمْلِكْ بَائِعُهُ الرُّجُوعَ فِيهِ، كَمَا لَوْ كَانَ حَجَرًا بُنِيَ عَلَيْهِ، أَوْ مَسَامِيرَ سَمَّرَ بِهَا بَابًا.
وَلَوْ اشْتَرَى ثَوْبًا وَصِبْغًا مِنْ وَاحِدٍ، فَصَبَغَهُ بِهِ، فَقَالَ أَصْحَابُنَا: لَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ كَوْنِ الصَّبْغِ مِنْ غَيْرِ بَائِعِ الثَّوْبِ. فَعَلَى قَوْلِهِمْ يَرْجِعُ فِي الثَّوْبِ وَحْدَهُ، وَيَكُونُ الْمُفْلِسُ شَرِيكًا لَهُ بِزِيَادَةِ الصَّبْغِ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِثَمَنِ الصَّبْغِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ فِيهِمَا هَاهُنَا؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ مُتَمَيِّزًا عَنْ غَيْرِهِ، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ، لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّ الْمَعْنَى فِي الْمَحِلِّ الَّذِي يَثْبُتُ فِيهِ الرُّجُوعُ مَوْجُودٌ هَاهُنَا، فَيَمْلِكُ الرُّجُوعَ بِهِ، كَمَا يَمْلِكُهُ ثَمَّ،
وَلَوْ أَنَّهُ اشْتَرَى رُفُوفًا وَمَسَامِيرَ مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَسَمَّرَهَا بِهَا، رَجَعَ بَائِعُهُمَا فِيهِمَا كَذَلِكَ،
وَكَذَلِكَ مَا أَشْبَهَهُ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى ثَوْبًا فَقَصَرَهُ] (٣٤٢١) فَصْلٌ: إذَا اشْتَرَى ثَوْبًا فَقَصَرَهُ، لَمْ يَخْلُ مِنْ حَالَيْنِ؛ أَحَدِهِمَا، أَنْ لَا تَزِيدَ قِيمَتُهُ بِذَلِكَ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ عَيْنَ مَالِهِ قَائِمَةٌ لَمْ يَزُلْ اسْمُهَا، وَلَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا وَلَا اتَّصَلَتْ بِغَيْرِهَا، فَكَانَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، كَمَا لَوْ عَلَّمَ الْعَبْدَ صِنَاعَةً لَمْ تَزِدْ قِيمَتُهُ بِهَا. وَسَوَاءٌ نَقَصَتْ قِيمَتُهُ بِذَلِكَ أَوْ لَمْ تَنْقُصْ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ النَّقْصَ نَقْصُ صِفَةٍ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، كَنِسْيَانِ صِنَاعَةٍ، وَهُزَالِ الْعَبْدِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ مَعَ الرُّجُوعِ الثَّانِي، أَنْ تَزِيدَ قِيمَتُهُ بِذَلِكَ، فَلَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ، عَلَى قِيَاسِ قَوْلِ الْخِرَقِيِّ؛
لِأَنَّ الثَّوْبَ زَادَ زِيَادَةً لَا تَتَمَيَّزُ فَلَمْ يَمْلِكْ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ فِيهِ، كَمَا لَوْ سَمِنَ الْعَبْدُ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ عَيْنَ مَالِهِ مُتَمَيِّزَةً عَنْ غَيْرِهَا، فَلَمْ يَمْلِكْ الرُّجُوعَ، كَبَائِعِ الصِّبْغِ إذَا صَبَغَ بِهِ، وَالزَّيْتِ إذَا لَتّ بِهِ سَوِيقٌ.
وَقَالَ الْقَاضِي وَأَصْحَابُهُ. لَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ لَمْ يَتَغَيَّرْ اسْمُهَا وَلَا ذَهَبَتْ عَيْنُهَا، فَمَلَكَ الرُّجُوعَ فِيهَا، كَمَا لَوْ صَبَغَهَا فَعَلَى قَوْلِهِمْ إنْ كَانَتْ الْقُصَارَةُ بِعَمَلِ الْمُفْلِسِ، أَوْ بِأُجْرَةٍ وَفَّاهَا، فَهُمَا شَرِيكَانِ فِي الثَّوْبِ،
فَإِذَا كَانَتْ قِيمَةُ الثَّوْبِ خَمْسَةً، فَصَارَ يُسَاوِي سِتَّةً، فَلِلْمُفْلِسِ سُدُسُهُ، وَلِبَائِعِهِ خَمْسَةُ أَسْدَاسِهِ،
فَإِنْ اخْتَارَ الْبَائِعُ دَفْعَ قِيمَةِ الزِّيَادَةِ إلَى الْمُفْلِسِ، لَزِمَهُ قَبُولُهَا؛ لِأَنَّهُ يَتَخَلَّصُ بِذَلِكَ مِنْ ضَرَرِ الشَّرِكَةِ مِنْ غَيْرِ مَضَرَّةٍ تَلْحَقُهُ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ دَفَعَ الشَّفِيعُ قِيمَةَ الْبِنَاءِ إلَى الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ لَمْ يَخْتَرْ بِيعَ الثَّوْبُ، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِقَدْرِ حَقِّهِ.
وَإِنْ كَانَ الْعَمَلُ مِنْ صَانِعٍ لَمْ يَسْتَوْفِ أَجْرَهُ، فَلَهُ حَبْسُ الثَّوْبِ عَلَى اسْتِيفَاءِ أَجْرِهِ فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ بِقَدْرِ الْأَجْرِ، دُفِعَتْ إلَيْهِ،
وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ، فَلَهُ حَبْسُ الثَّوْبِ عَلَى اسْتِيفَاءِ قَدْرِ الزِّيَادَةِ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِمَا بَقِيَ،
وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ، مِثْلُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَادَةُ دِرْهَمَيْنِ، وَالْآخَرُ دِرْهَمٌ، فَلَهُ قَدْرُ أَجْرِهِ، وَمَا فَضَلَ لِلْغُرَمَاءِ.
[فَصْلٌ الْمَبِيعُ زَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً] (٣٤٢٢) فَصْلٌ: الشَّرْطُ الثَّانِي، أَنْ لَا يَكُونَ الْمَبِيعُ زَادَ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، كَالسِّمَنِ، وَالْكِبَرِ، وَتَعَلُّمِ الصِّنَاعَةِ أَوْ الْكِتَابَةِ أَوْ الْقُرْآنِ.
وَنَحْوُ ذَلِكَ. وَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي هَذَا، فَذَهَبَ الْخِرَقِيِّ إلَى أَنَّهَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. وَرَوَى الْمَيْمُونِي، عَنْ أَحْمَدَ، أَنَّهَا لَا تَمْنَعُ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا يُخَيِّرُ الْغُرَمَاءَ بَيْنَ أَنْ يُعْطُوهُ السِّلْعَةَ أَوْ ثَمَنِهَا الَّذِي بَاعَهَا بِهِ. وَاحْتَجُّوا بِالْخَبَرِ، وَبِأَنَّهُ فَسْخٌ لَا تَمْنَعُ مِنْهُ الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ، فَلَا تَمْنَعُهُ الْمُتَّصِلَةُ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ، وَفَارَقَ الطَّلَاقَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِفَسْخٍ، وَلِأَنَّ الزَّوْجَ يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِي قِيمَةِ الْعَيْنِ، فَيَصِلُ إلَى حَقِّهِ تَامًّا. وَهَاهُنَا لَا يُمْكِنُهُ الرُّجُوعُ فِي الثَّمَنِ وَلَنَا، أَنَّهُ فَسْخٌ بِسَبَبٍ حَادِثٍ، فَلَمْ يَمْلِكْ بِهِ الرُّجُوعَ فِي عَيْنِ الْمَالِ الزَّائِدَةِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، كَفَسْخِ النِّكَاحِ بِالْإِعْسَارِ أَوْ الرَّضَاعِ، وَلِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِي مِلْكِ الْمُفْلِسِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ الْبَائِعُ أَخْذَهَا، كَالْمُنْفَصِلَةِ، وَكَالْحَاصِلَةِ بِفِعْلِهِ، وَلِأَنَّ النَّمَاءَ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ مِنْ الْبَائِعِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ أَخْذَهُ مِنْهُ، كَغَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهِ، وَفَارَقَ الرَّدَّ بِالْعَيْبِ لِوَجْهَيْنِ؛
أَحَدُهُمَا، أَنَّ الْفَسْخَ فِيهِ مِنْ الْمُشْتَرِي، فَهُوَ رَاضٍ بِإِسْقَاطِ حَقِّهِ مِنْ الزِّيَادَةِ، وَتَرْكِهَا لِلْبَائِعِ،
بِخِلَافِ مَسْأَلَتِنَا وَالثَّانِي، أَنَّ الْفَسْخَ ثُمَّ لِمَعْنَى قَارَنَ الْعَقْدَ، وَهُوَ الْعَيْبُ الْقَدِيمُ، وَالْفَسْخُ هَاهُنَا لِسَبَبٍ حَادِثٍ، فَهُوَ أَشْبَهُ بِفَسْخِ النِّكَاحِ الَّذِي لَا يَسْتَحِقُّ بِهِ اسْتِرْجَاعَ الْعَيْنِ الزَّائِدَةِ. وَقَوْلهمْ: إنَّ الزَّوْجَ إنَّمَا لَمْ يَرْجِعْ فِي الْعَيْنِ لِكَوْنِهِ يَنْدَفِعُ عَنْهُ الضَّرَرُ بِالْقِيمَةِ - لَا يَصِحُّ؛
فَإِنَّ انْدِفَاعَ الضَّرَرِ عَنْهُ بِطَرِيقٍ آخَرَ لَا يَمْنَعُهُ مِنْ أَخْذِ حَقِّهِ مِنْ الْعَيْنِ،
وَلَوْ كَانَ مُسْتَحِقًّا لِلزِّيَادَةِ لَمْ يَسْقُطْ حَقُّهُ مِنْهَا بِالْقُدْرَةِ عَلَى أَخْذِ الْقِيمَةِ، كَمُشْتَرِي الْمَعِيبِ ثُمَّ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ قِيمَةَ الْعَيْنِ زَائِدَةً؛ لِكَوْنِ الزِّيَادَةِ مُسْتَحَقَّةً، فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ، عُلِمَ أَنَّ الْمَانِعَ مِنْ الرُّجُوعِ كَوْنُ الزِّيَادَةِ لِلْمَرْأَةِ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ فَصْلُهَا، فَكَذَلِكَ هَاهُنَا، بَلْ أَوْلَى؛
فَإِنَّ الزِّيَادَةَ يَتَعَلَّقُ بِهَا حَقُّ الْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ، فَمَنْعُ الْمُشْتَرِي مِنْ أَخْذِ زِيَادَةٍ لَيْسَتْ لَهُ، أُولَى مِنْ تَفْوِيتِهَا عَلَى الْغُرَمَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَصِلُوا إلَى تَمَامِ دُيُونِهِمْ، وَالْمُفْلِسِ الْمُحْتَاجِ إلَى تَبْرِئَةِ ذِمَّتِهِ عِنْدَ اشْتِدَادِ حَاجَتِهِ
(٣٤٢٣) فَصْلٌ: وَأَمَّا الْخَبَرُ فَمَحْمُولٌ عَلَى مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ عَلَى صِفَتِهِ، لَيْسَ بِزَائِدٍ، وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقٌّ آخَرُ، وَهَاهُنَا قَدْ تَعَلَّقَتْ بِهِ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ، لِمَا فِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الدَّلِيلِ، يُحَقِّقُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ تَلَفُ بَعْضِ الْمَبِيعِ مَانِعًا مِنْ الرُّجُوعِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ يَلْحَقُ بِالْمُفْلِسِ، وَلَا بِالْغُرَمَاءِ، فَلَأَنْ يَمْنَعَ الزِّيَادَةَ فِيهِ مَعَ تَفْوِيتِهَا بِالرُّجُوعِ عَلَيْهِمْ أَوْلَى، وَلِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ فِي النَّاقِصِ، فَمَا رَجَعَ إلَّا فِيمَا بَاعَهُ وَخَرَجَ مِنْهُ،
وَإِذَا رَجَعَ فِي الزَّائِدِ، أَخَذَ مَا لَمْ يَبِعْهُ، وَاسْتَرْجَعَ مَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ، فَكَانَ بِالْمَنْعِ أَحَقَّ.
[فَصْلٌ الْمَبِيعُ زَادَ زِيَادَة مُنْفَصِلَة] (٣٤٢٤) فَصْلٌ: فَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُنْفَصِلَةُ، كَالْوَلَدِ وَالثَّمَرَةِ وَالْكَسْبِ ، فَلَا تَمْنَعُ الرُّجُوعَ. بِغَيْرِ خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، وَالشَّافِعِيِّ. وَسَوَاءٌ نَقَصَ بِهَا الْمَبِيعُ أَوْ لَمْ يَنْقُصْ، إذَا كَانَ نَقْصَ صِفَةٍ، وَالزِّيَادَةُ لِلْمُفْلِسِ. هَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ الْخِرَقِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَنَعَ الرُّجُوعَ بِالزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ، لِكَوْنِهَا لِلْمُفْلِسِ، فَالْمُنْفَصِلَةُ أَوْلَى. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ وَالْقَاضِي، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَهُوَ الصَّحِيحُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: الزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ. وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ.
وَنَقَلَ حَنْبَلٌ عَنْ أَحْمَدَ، فِي وَلَدِ الْجَارِيَةِ، وَنِتَاجِ الدَّابَّةِ: هُوَ لِلْبَائِعِ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ، فَكَانَتْ لِلْبَائِعِ كَالْمُتَّصِلَةِ. وَلَنَا، أَنَّهَا زِيَادَةٌ انْفَصَلَتْ فِي مِلْكِ الْمُشْتَرِي فَكَانَتْ لَهُ، كَمَا لَوْ رَدَّهُ بِعَيْبٍ، وَلِأَنَّهُ فَسْخٌ اسْتَحَقَّ بِهِ اسْتِرْجَاعَ الْعَيْنِ، فَلَمْ يَسْتَحِقَّ أَخْذَ الزِّيَادَةِ الْمُنْفَصِلَةِ، كَفَسْخِ الْبَيْعِ بِالْعَيْبِ أَوْ الْخِيَارِ أَوْ الْإِقَالَةِ، وَفَسْخِ النِّكَاحِ بِسَبَبِ مِنْ أَسْبَابِ الْفَسْخِ، وَقَوْلُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: «الْخَرَاجُ بِالضَّمَانِ» . يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّمَاءَ وَالْغَلَّةَ لِلْمُشْتَرِي لِكَوْنِ الضَّمَانِ عَلَيْهِ،
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ الْمُتَّصِلَةُ، فَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّهَا لِلْمُفْلِسِ أَيْضًا،
وَفِي ذَلِكَ تَنْبِيهٌ عَلَى كَوْنِ الْمُنْفَصِلَةِ لَهُ ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا ثَمَّ، فَالْفَرْقُ ظَاهِرٌ،
فَإِنَّ الْمُتَّصِلَةَ تَتْبَعُ فِي الْفُسُوخِ وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ،
بِخِلَافِ الْمُنْفَصِلَةِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ لِظُهُورِهِ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ، فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ، يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ بَاعِهِمَا فِي حَالِ حَمْلِهِمَا، فَيَكُونَانِ مَبِيعَيْنِ، وَلِهَذَا خَصَّ هَذَيْنِ بِالذِّكْرِ دُونَ بَقِيَّةِ النَّمَاءِ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى أَمَةً حَامِلًا ثُمَّ أَفْلَسَ] (٣٤٢٥) فَصْلٌ: وَلَوْ اشْتَرَى أَمَةً حَامِلًا، ثُمَّ أَفْلَسَ وَهِيَ حَامِلٌ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْحَمْلُ قَدْ زَادَ بِكِبَرِهِ، وَكَثُرَتْ قِيمَتُهَا مِنْ أَجْلِهِ، فَيَكُونَ مِنْ قَبِيلِ الزَّائِدِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً، عَلَى مَا مَضَى.
وَإِنْ أَفْلَسَ بَعْدَ وَضْعِهَا، فَقَالَ الْقَاضِي: لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِمَا بِكُلِّ حَالٍ، مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ.
وَالصَّحِيحُ أَنَّنَا إنْ قُلْنَا: إنَّ الْحَمْلَ لَا حُكْمَ لَهُ. فَالْوَلَدُ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ، فَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِيهِمَا، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ، يَكُونُ الْوَلَدُ لِلْمُفْلِسِ، فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْنَعَ الرُّجُوعَ فِي الْأُمِّ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْأُمِّ وَوَلَدِهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْأُمِّ، وَيَدْفَعَ قِيمَةَ الْوَلَدِ؛ لِيَكُونَا جَمِيعًا. لَهُ،
وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ، بِيعَتْ الْأُمُّ وَوَلَدُهَا جَمِيعًا، وَقُسِمَ الثَّمَنُ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا، فَمَا خَصَّ الْأُمَّ فَهُوَ لِلْبَائِعِ، وَمَا خَصَّ الْوَلَدَ كَانَ لِلْمُفْلِسِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ لِلْوَلَدِ حُكْمًا. وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ،
فَإِنْ كَانَتْ الْأُمُّ وَالْوَلَدُ قَدْ زَادَا بِالْوَضْعِ، فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْمَبِيعِ الزَّائِدِ زِيَادَةً مُتَّصِلَةً.
وَإِنْ لَمْ يَزِيدَا، جَازَ الرُّجُوعُ فِيهِمَا.
وَإِنْ زَادَ أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ، خَرَجَ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ فَتَلِفَ بَعْضُ أَحَدِهِمَا، فَهَلْ يَمْنَعُ ذَلِكَ الرُّجُوعَ فِي الْأُخْرَى كَذَلِكَ؟ يُخَرَّجُ هَاهُنَا وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّهُ لَهُ الرُّجُوعَ فِيمَا لَمْ يَزِدْ، دُونَ مَا زَادَ، فَيَكُونُ حُكْمُهُ كَحُكْمِ الرُّجُوعِ فِي الْأُمِّ دُونَ الْوَلَدِ، عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ الثَّانِي، لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي شَيْءٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ الْمَبِيعَ إلَّا زَائِدًا، فَامْتَنَعَ عَلَيْهِ الرُّجُوعُ، كَالْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ.
وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ حَيَوَانًا غَيْرَ الْأَمَةِ، فَحُكْمُهُ حُكْمُهَا، إلَّا فِي أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا جَائِزٌ، وَالْأَمَةُ بِخِلَافِ ذَلِكَ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى حَائِلًا فَحَمَلَتْ ثُمَّ أَفْلَسَ وَهِيَ حَامِلٌ فَزَادَتْ قِيمَتُهَا بِهِ] (٣٤٢٦) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى حَائِلًا، فَحَمَلَتْ، ثُمَّ أَفْلَسَ وَهِيَ حَامِلٌ، فَزَادَتْ قِيمَتُهَا بِهِ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَلَا تَمْنَعُهُ، عَلَى رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي،
وَإِنْ أَفْلَسَ بَعْدَ وَضْعِهَا، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ، فَتَكُونُ لِلْمُفْلِسِ، عَلَى الصَّحِيحِ. وَيَمْتَنِعُ الرُّجُوعُ فِي الْأُمِّ دُونَ وَلَدِهَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّفْرِيقِ بَيْنَهُمَا. وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْأُمِّ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الَّتِي قَبْلَهَا وَعَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ، الزِّيَادَةُ لِلْبَائِعِ، فَيَكُونُ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِمَا.
وَقَالَ الْقَاضِي: إذَا وَجَدْنَا حَامِلًا، انْبَنَى عَلَى أَنَّ الْحَمْلَ هَلْ لَهُ حُكْمٌ أَوْ لَا؟
فَإِنْ قُلْنَا: لَا حُكْمَ لَهُ. جَرَى مَجْرَى الزِّيَادَةِ الْمُتَّصِلَةِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ حُكْمٌ. فَالْوَلَدُ فِي حُكْمِ الْمُنْفَصِلِ، يَتَرَبَّصُ بِهِ حَتَّى تَضَعَ، وَيَكُونُ الْحُكْمُ فِيهِ كَمَا لَوْ وَجَدَهُ بَعْدَ وَضْعِهِ.
وَإِنْ كَانَ الْحَمْلُ فِي غَيْر الْآدَمِيَّةِ، جَازَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا، كَمَا تَقَدَّمَ. [فَصْلٌ كَانَ الْمَبِيعُ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا فَأَفْلَسَ الْمُشْتَرِي] (٣٤٢٧) فَصْلٌ: إذَا كَانَ الْمَبِيعُ نَخْلًا أَوْ شَجَرًا، فَأَفْلَسَ الْمُشْتَرِي، لَمْ يَخْلُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدِهَا، أَنْ يُفْلِسَ وَهِيَ بِحَالِهَا، لَمْ تَزِدْ وَلَمْ تُثْمِرْ وَلَمْ يَتْلَفْ بَعْضُهَا، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا. الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ فِيهَا ثَمَرٌ ظَاهِرٌ، أَوْ طَلْعٌ مُؤَبَّرٌ، وَيَشْتَرِطَهُ الْمُشْتَرِي، فَيَأْكُلَهُ، أَوْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ، أَوْ يَذْهَبَ بِجَائِحَةٍ، ثُمَّ يُفْلِسَ، فَهَذَا فِي حُكْمِ مَا لَوْ اشْتَرَى عَيْنَيْنِ فَتَلِفَتْ إحْدَاهُمَا، ثُمَّ أَفْلَسَ، فَهَلْ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي الْأُصُولِ، وَيَضْرِبُ مَعَ الْغُرَمَاءِ بِحِصَّةِ التَّالِفِ مِنْ الثَّمَرِ؟
عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَإِنْ تَلِفَ بَعْضهَا، فَهُوَ كَتَلَفِ جَمِيعِهَا.
وَإِنْ زَادَتْ، أَوْ بَدَا صَلَاحُهَا، فَهَذِهِ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ فِي إحْدَى الْعَيْنَيْنِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا بَيَانَ حُكْمِهَا. الْحَالُ الثَّالِثُ، أَنْ يَبِيعَهُ نَخْلًا قَدْ أَطْلَعَتْ وَلَمْ تُؤَبَّرْ، أَوْ شَجَرًا فِيهَا ثَمَرَةٌ لَمْ تَظْهَرْ، فَهَذِهِ الثَّمَرَةُ تَدْخُلُ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ،
فَإِنْ أَفْلَسَ بَعْدَ تَلَفِ الثَّمَرَةِ، أَوْ تَلَفِ بَعْضِهَا، أَوْ الزِّيَادَةِ فِيهَا، أَوْ بُدُوِّ صَلَاحٍ، فَحُكْمُ ذَلِكَ حُكْمُ تَلَفِ بَعْضِ الْمَبِيعِ وَزِيَادَتِهِ الْمُتَّصِلَةِ؛ لِأَنَّ الْمَبِيعَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ، وَلِهَذَا دَخَلَ الثَّمَرُ فِي مُطْلَقِ الْبَيْعِ،
بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا الْحَالُ الرَّابِعُ، بَاعَهُ نَخْلًا حَائِلًا فَأَثْمَرَ، أَوْ شَجَرًا فَأَثْمَرَ، فَذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ؛ أَحَدِهَا، أَنْ يُفْلِسَ قَبْلَ تَأْبِيرِهَا، فَالطَّلْعُ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، تَمْنَعُ الرُّجُوعَ، عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، كَالسِّمَنِ وَالْكِبَرِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَرْجِعَ فِي النَّخْلِ دُونَ الطَّلْعِ، لِأَنَّهُ يُمْكِنُ فَصْلُهُ،
وَيَصِحُّ إفْرَادُهُ بِالْبَيْعِ، فَهُوَ كَالْمُؤَبَّرِ،
بِخِلَافِ السِّمَنِ وَالْكِبَرِ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ. وَعَلَى رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي، لَا يَمْنَعُ، بَلْ يَرْجِعُ، وَيَكُونُ الطَّلْعُ لِلْبَائِعِ، كَمَا لَوْ فُسِخَ بِعَيْبِ. وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي، يَرْجِعُ فِي الْأَصْلِ دُونَ الطَّلْعِ،
وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ الرَّدُّ بِالْعَيْبِ، وَالْأَخْذُ بِالشُّفْعَةِ. الضَّرْبُ الثَّانِي، أَفْلَسَ بَعْدَ التَّأْبِيرِ وَظُهُورِ الثَّمَرَةِ، فَلَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ. بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَالطَّلْعُ لِلْمُشْتَرِي، إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ.
وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، لِأَنَّ الثَّمَرَةَ لَا تَتْبَعُ فِي الْبَيْعِ الَّذِي ثَبَتَ بِتَرَاضِيهِمَا، فَفِي الْفَسْخِ الْحَاصِلِ بِغَيْرِ رِضَا الْمُشْتَرِي أَوْلَى.
وَلَوْ بَاعَهُ أَرْضًا فَارِغَةً فَزَرَعَهَا الْمُشْتَرِي، ثُمَّ أَفْلَسَ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ فِي الْأَرْضِ دُونَ الزَّرْعِ، وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْمُشْتَرِي الضَّرْبُ الثَّالِثُ، أَفْلَسَ وَالطَّلْعُ غَيْرُ مُؤَبَّرٍ، فَلَمْ يَرْجِعْ حَتَّى أَبَّرَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوعُ، كَمَا لَوْ أَفْلَسَ بَعْدَ تَأْبِيرِهَا؛ لِأَنَّ الْعَيْنَ لَا تَنْتَقِلُ إلَّا بِاخْتِيَارِهِ لَهَا، وَهَذَا لَمْ يَخْتَرْهَا إلَّا بَعْدَ تَأْبِيرِهَا.
فَإِنْ ادَّعَى الْبَائِعُ الرُّجُوعَ قَبْلَ التَّأْبِيرِ، وَأَنْكَرَهُ الْمُفْلِسُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُفْلِسِ مَعَ يَمِينِهِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاءُ مِلْكِهِ، وَعَدَمُ زَوَالِهِ.
وَإِنْ قَالَ لَهُ الْبَائِعُ: بِعْت بَعْدَ التَّأْبِيرِ،
وَقَالَ الْمُفْلِسُ: بَلْ قَبْلَهُ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ؛ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ.
فَإِنْ شَهِدَ الْغُرَمَاءُ لِلْمُفْلِسِ، لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَجُرُّونَ إلَى أَنْفُسِهِمْ نَفْعًا.
وَإِنْ شَهِدُوا لِلْبَائِعِ، وَهُمْ عُدُولٌ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِعَدَمِ التُّهْمَةِ الضَّرْبُ الرَّابِعُ، أَفْلَسَ بَعْدَ أَخْذِ الثَّمَرَةِ، أَوْ ذَهَبَتْ بِجَائِحَةِ، أَوْ غَيْرِهَا، رَجَعَ الْبَائِعَ فِي الْأَصْلِ، وَالثَّمَرَةُ لِلْمُشْتَرِي، إلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ لَا يَتْبَعُ الثَّمَرُ الشَّجَرَ إذَا رَجَعَ الْبَائِعُ فِيهِ، فَلَيْسَ لَهُ مُطَالَبَةُ الْمُفْلِسِ بِقَطْعِ الثَّمَرَةِ قَبْلَ أَوَانِ الْجُذَاذِ.
وَكَذَلِكَ إذَا رَجَعَ فِي الْأَرْضِ، وَفِيهَا زَرْعٌ لِلْمُفْلِسِ، فَلَيْسَ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِأَخْذِهِ قَبْلَ أَوَانِ الْحَصَادِ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ زَرَعَ فِي أَرْضِهِ بِحَقِّ، وَطَلْعُهُ عَلَى الشَّجَرِ بِحَقِّ، فَلَمْ يَلْزَمْهُ أَخْذُهُ، قَبْلَ كَمَالِهِ كَمَا لَوْ بَاعَ الْأَصْلَ وَعَلَيْهِ الثَّمَرَةُ أَوْ الزَّرْعُ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الزَّرْعِ أَجْرٌ؛ لِأَنَّهُ زَرَعَ فِي أَرْضِهِ زَرْعًا تَجِبُ تَبْقِيَتُهُ، فَكَأَنَّهُ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الْأَرْضِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانُ ذَلِكَ إذَا ثَبَتَ هَذَا،
فَإِنْ اتَّفَقَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ عَلَى التَّبْقِيَةِ، أَوْ الْقَطْعِ، فَلَهُمْ ذَلِكَ،
وَإِنْ اخْتَلَفُوا فَطَلَبَ بَعْضُهُمْ قَطْعَهُ، وَبَعْضُهُمْ تَبْقِيَتُهُ، نَظَرْنَا؛
فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا قِيمَةَ لَهُ مَقْطُوعًا، أَوْ قِيمَتُهُ يَسِيرَةً، لَمْ يُقْطَعْ؛ لِأَنَّ قَطْعَهُ سَفَهٌ. وَتَضْيِيعٌ لِلْمَالِ، وَقَدْ نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ إضَاعَتِهِ،
وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ كَثِيرَةً، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، يُقَدَّمُ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ الْقَطْعَ؛ لِأَنَّهُ أَحْوَطُ،
فَإِنَّ فِي تَبْقِيَتُهُ غَرَرًا، وَلِأَنَّ طَالِبَ الْقَطْعِ إنْ كَانَ الْمُفْلِسَ فَهُوَ يَقْصِدُ تَبْرِئَةَ ذِمَّتِهِ،
وَإِنْ كَانَ الْغُرَمَاءَ فَهُمْ يَطْلُبُونَ تَعْجِيلَ حُقُوقِهِمْ، وَذَلِكَ حَقٌّ لَهُمْ وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي، وَأَكْثَرِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَالثَّانِي، يُنْظَرُ إلَى مَا فِيهِ الْحَظُّ فَيُعْمَلُ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ أَنْفَعُ لِجَمِيعِهِمْ، وَالظَّاهِرُ سَلَامَتُهُ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يُزْرَعَ لِلْمُوَلَّى عَلَيْهِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ. إنْ كَانَ الطَّالِبُ لِلْقَطْعِ الْغُرَمَاءَ، وَجَبَتْ إجَابَتُهُمْ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ حَالَّةٌ، فَلَا يَلْزَمُهُمْ تَأْخِيرُهَا مَعَ إمْكَانِ إيفَائِهَا،
وَإِنْ كَانَ الطَّالِبُ لَهُ الْمُفْلِسَ دُونَهُمْ، وَكَانَ التَّأْخِيرُ أَحَظَّ لَهُ، لَمْ يَقْطَعْ؛ لِأَنَّهُمْ رَضُوا بِتَأْخِيرِ حُقُوقِهِمْ لِحَظٍّ يَحْصُلُ لَهُمْ وَلِلْمُفْلِسِ، وَالْمُفْلِسُ يَطْلُبُ مَا فِيهِ ضَرَرٌ بِنَفْسِهِ، وَمَنْعٌ لِلْغُرَمَاءِ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقَدْرِ الَّذِي يَحْصُلُ مِنْ الزِّيَادَةِ بِالتَّأْخِيرِ، فَلَا يَلْزَمُ الْغُرَمَاءَ إجَابَتُهُ إلَى ذَلِكَ.
[فَصْلٌ أَقَرَّ الْغُرَمَاءُ بِأَنَّ الزَّرْعَ أَوْ الطَّلْع لِلْبَائِعِ] (٣٤٢٨) فَصْلٌ: إذَا أَقَرَّ الْغُرَمَاءُ بِأَنَّ الزَّرْعَ أَوْ الطَّلْعَ لِلْبَائِعٍ، وَلَمْ يَشْهَدُوا بِهِ، أَوْ شَهِدُوا بِهِ وَلَمْ يَكُونُوا عُدُولًا، أَوْ لَمْ يُحْكَمْ بِشَهَادَتِهِمْ. حَلَفَ الْمُفْلِسُ، وَثَبَتَ الطَّلْعُ لَهُ يَنْفَرِدُ بِهِ دُونَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ أَنَّهُمْ لَا حَقَّ لَهُمْ فِيهِ فَإِنْ أَرَادَ دَفْعَهُ إلَى أَحَدِهِمْ وَتَخْصِيصَهُ بِثَمَنِهِ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِإِقْرَارِ بَاقِيهمْ بِعَدَمِ حَقِّهِمْ فِيهِ،
فَإِنْ امْتَنَعَ ذَلِكَ الْغَرِيمُ مِنْ قَبُولِهِ، أُجْبِرَ عَلَى قَبُولِهِ، أَوْ الْإِبْرَاءِ مِنْ قَدْرِهِ مِنْ دَيْنِهِ،
فَيُقَالُ لَهُ: إمَّا أَنْ تَقْبِضَهُ،
وَإِمَّا أَنْ تُبْرِئَ مِنْ قَدْرِ ذَلِكَ مِنْ دَيْنِك، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ مَحْكُومٌ بِهِ عَلَى الْمُفْلِسِ، فَكَانَ لَهُ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَهُ مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَدَّى الْمُكَاتَبُ إلَى سَيِّدِهِ نُجُومَ كِتَابَتِهِ، فَقَالَ سَيِّدُهُ: هَذَا حَرَامٌ. وَأَنْكَرَ الْمُكَاتَبُ.
وَإِنْ أَرَادَ قِسْمَتَهُ عَلَى الْغُرَمَاءِ، لَزِمَهُمْ قَبُولُهُ، أَوْ الْإِبْرَاءُ؛ لِذَلِكَ.
فَإِنْ قَبَضُوا الثَّمَرَةَ بِعَيْنِهَا، لَزِمَهُمْ رَدُّ مَا حَصَلَ لَهُمْ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّهُمْ يُقِرُّونَ لَهُ بِهَا، فَلَزِمَهُمْ دَفْعُهَا إلَيْهِ، كَمَا لَوْ أَقَرُّوا بِعِتْقِ عَبْدٍ فِي مِلْكِ غَيْرهمْ، ثُمَّ اشْتَرَوْهُ مِنْهُ وَإِنْ بَاعَ الثَّمَرَةَ، وَفَرَّقَ ثَمَنَهَا فِيهِمْ، أَوْ دَفَعَهُ إلَى بَعْضِهِمْ، لَمْ يَلْزَمْهُمْ رَدُّ مَا أَخَذُوا مِنْ ثَمَنهَا؛ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا اعْتَرَفُوا بِالْعَيْنِ، لَا بِثَمَنِهَا.
وَإِنْ شَهِدَ بَعْضُ الْغُرَمَاءِ دُونَ بَعْضٍ، أَوْ أَقَرَّ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، لَزِمَ الشَّاهِدَ أَوْ الْمُقِرَّ الْحُكْمُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، دُونَ غَيْرِهِ.
وَإِنْ عَرَضَ عَلَيْهِمْ الْمُفْلِسُ الثَّمَرَةَ بِعَيْنِهَا، فَأَبَوْا أَخْذَهَا، لَمْ يَلْزَمْهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُمْ الِاسْتِيفَاءُ مِنْ جِنْسِ دُيُونِهِمْ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ جِنْسٌ مِنْ الثَّمَرِ أَوْ الزَّرْعِ، كَالْمُقْرِضِ أَوْ الْمُسْلِمِ، فَيَلْزَمُهُ أَخْذُ مَا عُرِضَ عَلَيْهِ، إذَا كَانَ بِصِفَةِ حَقِّهِ وَلَوْ أَقَرَّ الْغُرَمَاءُ بِأَنَّ الْمُفْلِسَ أَعْتَقَ عَبْدًا لَهُ قَبْلَ فَلَسِهِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُمْ، إلَّا أَنْ يَشْهَدَ مِنْهُمْ عَدْلَانِ، وَيَكُونُ حُكْمُهُمْ فِي قَبْضِ الْعَبْدِ أَوْ أَخْذِ ثَمَنِهِ إنْ عَرَضَهُ عَلَيْهِمْ، حُكْمَ مَا لَوْ أَقَرُّوا بِالثَّمَنِ لِلْبَائِعِ،
وَكَذَلِكَ إنْ أَقَرُّوا بِعَيْنِ مِمَّا فِي يَدَيْهِ أَنَّهَا غَصْبٌ أَوْ عَارِيَّةٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَالْحُكْمُ كَمَا ذَكَرْنَا سَوَاءٌ وَإِنْ أَقَرُّوا بِأَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ بَعْدَ فَلَسِهِ، انْبَنَى عَلَى صِحَّةِ عِتْقِ الْمُفْلِسِ،
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ عِتْقُهُ. فَلَا أَثَرَ لَإِقْرَارِهِمْ،
وَإِنْ قُلْنَا بِصِحَّتِهِ، فَهُوَ كَإِقْرَارِهِمْ بِعِتْقِهِ قَبْلَ فَلَسِهِ،
وَإِنْ حَكَمَ الْحَاكِمُ بِصِحَّتِهِ، أَوْ بِفَسَادِهِ، نَفَذَ حُكْمُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُجْتَهَدٌ فِيهِ، فَيَلْزَمُ مَا حَكَمَ بِهِ الْحَاكِمُ،
وَلَا يَجُوزُ نَقْضُهُ وَلَا تَغْيِيرُهُ.
[فَصْلٌ صَدَّقَ الْمُفْلِسُ الْبَائِعَ فِي الرُّجُوعِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ وَكَذَّبَهُ الْغُرَمَاءُ] (٣٤٢٩) فَصْلٌ: وَإِنْ صَدَّقَ الْمُفْلِسُ الْبَائِعَ فِي الرُّجُوعِ قَبْلَ التَّأْبِيرِ، وَكَذَّبَهُ الْغُرَمَاءُ، لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ؛ لِأَنَّ حُقُوقَهُمْ تَعَلَّقَتْ بِالثَّمَرَةِ ظَاهِرًا، فَلَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِالنَّخِيلِ، وَعَلَى الْغُرَمَاءِ الْيَمِينُ، أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّ الْبَائِعَ رَجَعَ قَبْلَ التَّأْبِيرِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الْيَمِينَ لَا يَنُوبُونَ فِيهَا عَنْ الْمُفْلِسِ، بَلْ هِيَ ثَابِتَةٌ فِي حَقِّهِمْ ابْتِدَاءً،
بِخِلَافِ مَا لَوْ ادَّعَى حَقًّا وَأَقَامَ شَاهِدًا فَلَمْ يَحْلِفْ، لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا مَعَهُ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ ثُمَّ عَلَى الْمُفْلِسِ،
فَلَوْ حَلَفُوا حَلَفُوا لِيُثْبِتُوا حَقًّا لَغَيْرِهِمْ، وَلَا يَحْلِفُ الْإِنْسَانُ لِيُثْبِتَ لِغَيْرِهِ حَقًّا،
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَائِبًا فِيهَا؛ لِأَنَّ الْأَيْمَانَ لَا تَدْخُلُهَا النِّيَابَةُ،
وَفِي مَسْأَلَتِنَا الْأَصْلُ أَنَّ هَذَا الطَّلْعَ قَدْ تَعَلَّقَتْ حُقُوقُهُمْ بِهِ، لِكَوْنِهِ فِي يَدِ غَرِيمِهِمْ، وَمُتَّصِلٌ بِنَخْلِهِ، وَالْبَائِعُ يَدَّعِي مَا يُزِيلُ حُقُوقَهُمْ عَنْهُ، فَأَشْبَهَ سَائِرَ أَعْيَانِ مَالِهِ، وَيَحْلِفُونَ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ؛ لِأَنَّهُ يَمِينٌ عَلَى نَفْيِ الدَّيْنِ عَنْ الْمَيِّتِ وَلَوْ أَقَرَّ الْمُفْلِسُ بِعَيْنٍ مِنْ أَعْيَانِ مَالِهِ لِأَجْنَبِيٍّ، أَوْ لِبَعْضِ غُرَمَائِهِ، فَأَنْكَرَهُ الْغُرَمَاءُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ، وَعَلَيْهِمْ الْيَمِينُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ لَوْ أَقَرَّ بِغَرِيمٍ آخَرَ يَسْتَحِقُّ مُشَارَكَتَهُمْ، فَأَنْكَرُوهُ، فَعَلَيْهِمْ الْيَمِينُ أَيْضًا، وَيَكُونُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ لِذَلِكَ.
وَإِنْ أَقَرَّ أَنَّهُ، أَعْتَقَ عَبْدَهُ، انْبَنَى ذَلِكَ عَلَى صِحَّةِ عِتْقِ الْمُفْلِسِ فَإِنْ قُلْنَا: يَصِحُّ عِتْقُهُ صَحَّ إقْرَارُهُ، وَعَتَقَ؛ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ شَيْئًا مَلَكَ الْإِقْرَارَ بِهِ، وَلِأَنَّ الْإِقْرَارَ بِالْعِتْقِ يَحْصُلُ بِهِ الْعِتْقُ، فَكَأَنَّهُ أَعْتَقَهُ فِي الْحَالِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يَصِحُّ عِتْقُهُ. لَمْ يُقْبَلْ إقْرَارُهُ، وَكَانَ عَلَى الْغُرَمَاءِ الْيَمِينُ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ. وَكُلُّ مَوْضِعٍ قُلْنَا عَلَى الْغُرَمَاءِ الْيَمِينُ، فَهُوَ عَلَى جَمِيعِهِمْ،
فَإِنْ حَلَفُوا أَخَذُوا، وَإِنْ نَكَّلُوا قُضِيَ لِلْمُدَّعِي بِمَا ادَّعَاهُ، إلَّا أَنْ نَقُولَ بِرَدِّ الْيَمِينِ، فَتُرَدُّ عَلَى الْمُدَّعِي، فَيَحْلِفَ وَيَسْتَحِقُّ،
وَإِنْ حَلَفَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ، أَخَذَ الْحَالِفُ نَصِيبَهُ، وَحُكْمُ النَّاكِلِ مَا ذَكَرْنَاهُ.
[فَصْلٌ أَقَرَّ الْمُفْلِسُ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَأَنْكَرَ الْغُرَمَاءُ] (٣٤٣٠) فَصْلٌ: وَإِنْ أَقَرَّ الْمُفْلِسُ أَنَّهُ أَعْتَقَ عَبْدَهُ مُنْذُ شَهْرٍ، وَكَانَ الْعَبْدُ قَدْ اكْتَسَبَ بَعْدَ ذَلِكَ مَالًا، وَأَنْكَرَ الْغُرَمَاءُ،
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يُقْبَلُ إقْرَارُهُ. حَلَفُوا، وَاسْتَحَقُّوا الْعَبْدَ وَكَسْبَهُ.
وَإِنْ قُلْنَا: يُقْبَلُ إقْرَارُهُ. لَمْ يُقْبَلْ فِي كَسْبِهِ، وَكَانَ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ قَبْلَ الْكَسْبِ، وَيَأْخُذُونَ كَسْبَهُ؛ لِأَنَّ إقْرَارَهُ إنَّمَا قُبِلَ فِي الْعِتْقِ دُونَ غَيْرِهِ لِصِحَّتِهِ مِنْهُ، وَلِبِنَائِهِ عَلَى التَّغْلِيبِ وَالسِّرَايَةِ، فَلَا يُقْبَلُ فِي الْمَالِ، لِعَدَمِ ذَلِكَ فِيهِ، وَلِأَنَّنَا نَزَّلْنَا إقْرَارَهُ مَنْزِلَةَ إعْتَاقِهِ فِي الْحَالِ، فَلَا تَثْبُتُ لَهُ الْحُرِّيَّةُ فِيمَا مَضَى، فَيَكُونُ كَسْبُهُ مَحْكُومًا بِهِ لِسَيِّدِهِ، كَمَا لَوْ أَقَرَّ بِعِتْقِهِ، ثُمَّ أَقَرَّ لَهُ بِعَيْنٍ فِي يَدِهِ.
[فَصْلٌ كَانَ الْمَبِيعُ أَرْضًا فَبَنَاهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ أَفْلَسَ فَأَرَادَ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ] (٣٤٣١) فَصْلٌ: فَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ أَرْضًا فَبَنَاهَا الْمُشْتَرِي، أَوْ غَرَسَهَا، ثُمَّ أَفْلَسَ، فَأَرَادَ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ فِي الْأَرْضِ، نَظَرْت؛
فَإِنْ اتَّفَقَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ عَلَى قَلْعِ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ، فَلَهُمْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ، لَا يَخْرُجُ عَنْهُمْ،
فَإِذَا قَلَعُوهُ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي أَرْضِهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا، وَيَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ قَبْلَ الْقَلْعِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَسْتَحِقَّهُ حَتَّى يُوجَدَ الْقَلْعُ؛ لِأَنَّهُ قَبْلَ الْقَلْعِ لَمْ يُدْرِكْ مَتَاعَهُ إلَّا مَشْغُولًا بِمِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ كَانَتْ مَسَامِيرَ فِي بَابِ الْمُشْتَرِي.
فَإِنْ قُلْنَا: لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْقَلْعِ. فَقَلَعُوهُ، لَزِمَهُمْ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ مِنْ الْحَفْرِ، وَأَرْشُ نَقْصِ الْأَرْضِ الْحَاصِلِ بِهِ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ نَقْصٌ حَصَلَ لِتَخْلِيصِ مِلْكِ الْمُفْلِسِ، فَكَانَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ دَخَلَ فَصِيلُهُ دَارَ إنْسَانٍ وَكَبِرَ، فَأَرَادَ صَاحِبُهُ إخْرَاجَهُ، فَلَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِهَدْمِ بَابِهَا،
فَإِنَّ الْبَابَ يُهْدَمُ لِيَخْرُجَ، وَيَضْمَنُ صَاحِبُهُ مَا نَقَصَ،
بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَ الْبَائِعُ عَيْنَ مَالِهِ نَاقِصَةً. فَرَجَعَ فِيهَا، فَإِنَّهُ لَا يَرْجِعُ فِي النَّقْصِ لِأَنَّ النَّقْصَ كَانَ فِي مِلْكِ الْمُفْلِسِ، وَهُنَا حَدَثَ بَعْدَ رُجُوعِهِ فِي الْعَيْنِ، فَلِهَذَا ضَمِنُوهُ، وَيَضْرِبُ بِالنَّقْصِ مَعَ الْغُرَمَاءِ وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْقَلْعِ. لَمْ يَلْزَمْهُمْ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، وَلَا أَرْشُ النَّقْصِ؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ فِي أَرْضِ الْمُفْلِسِ قَبْلَ رُجُوعِ الْبَائِعِ فِيهَا، فَلَمْ يَضْمَنُوا النَّقْصَ، كَمَا لَوْ قَلَعَهُ الْمُفْلِسُ قَبْلَ فَلَسِهِ،
فَأَمَّا إنْ امْتَنَعَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ مِنْ الْقَلْعِ، فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَلَا يُجْبَرُونَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَرْسٌ بِحَقٍّ. وَمَفْهُومُ قَوْله - عَلَيْهِ السَّلَامُ -: «لَيْسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ» . أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا فَلَهُ حَقٌّ فَإِنْ بَذَلَ الْبَائِعُ قِيمَةَ الْغِرَاسِ وَالْبِنَاءِ، لِيَكُونَ لَهُ الْكُلُّ. أَوْ قَالَ: أَنَا أَقْلَعُ، وَأَضْمَنُ مَا نَقَصَ فَإِنْ قُلْنَا: لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْقَلْعِ. فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبِنَاءَ وَالْغِرَاسَ حَصَلَ فِي مِلْكِهِ لِغَيْرِهِ بِحَقٍّ، فَكَانَ لَهُ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ، أَوْ قَلْعُهُ وَضَمَانُ نَقْصِهِ، كَالشَّفِيعِ إذَا أَخَذَ الْأَرْضَ وَفِيهَا غِرَاسٌ وَبِنَاءٌ لِلْمُشْتَرِي، وَالْمُعِيرِ إذَا رَجَعَ فِي أَرْضِهِ بَعْدَ غَرْسِ الْمُسْتَعِيرِ وَإِنْ قُلْنَا: لَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ قَبْلَ الْقَلْعِ.
لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ بِنَاءَ الْمُفْلِسِ وَغَرْسَهُ فِي مِلْكِهِ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى بَيْعِهِ لِهَذَا الْبَائِعِ، وَلَا عَلَى قَلْعِهِ، كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ فِي الْأَرْضِ.
فَأَمَّا إنْ امْتَنَعَ الْبَائِعُ مِنْ بَذْلِ ذَلِكَ، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ. وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَنَّ لَهُ الرُّجُوعَ. وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِي؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، وَفِيهِ مَالُ الْمُشْتَرِي عَلَى وَجْهِ التَّبَعِ، فَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ الرُّجُوعَ، كَالثَّوْبِ إذَا صَبَغَهُ الْمُشْتَرِي وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَتَاعَهُ عَلَى وَجْهٍ يُمْكِنُهُ أَخْذُهُ مُنْفَرِدًا عَنْ غَيْرِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ، كَالْحَجَرِ فِي الْبِنَاءِ، وَالْمَسَامِيرِ فِي الْبَابِ، وَلِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى الْمُشْتَرِي وَالْغُرَمَاءِ، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَحْصُلُ بِالرُّجُوعِ هَاهُنَا انْقِطَاعُ النِّزَاعِ وَالْخُصُومَةِ،
بِخِلَافِ مَا إذَا وَجَدَهَا غَيْر مَشْغُولَةٍ بِشَيْءِ.
وَأَمَّا الثَّوْبُ إذَا صَبَغَهُ، فَلَا نُسَلَّمُ لَهُ الرُّجُوعَ، فَهُوَ كَمَسْأَلَتِنَا، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ؛ أَحَدُهُمَا، أَنَّ الصَّبْغَ تَقَرَّرَ فِي الثَّوْبِ، فَصَارَ كَالصِّفَةِ فِيهِ،
بِخِلَافِ الْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ، فَإِنَّهُ أَعْيَانٌ مُتَمَيِّزَةٌ، وَأَصْلٌ فِي نَفْسِهِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ الثَّوْبَ لَا يُرَادُ لِلْبَقَاءِ،
بِخِلَافِ الْأَرْضِ وَالْبِنَاءِ، فَإِذَا قُلْنَا: لَا يَرْجِعُ. فَلَا كَلَامَ.
وَإِنْ قُلْنَا: يَرْجِعُ. فَرَجَعَ، وَاتَّفَقَ الْجَمِيعُ عَلَى بَيْعِهِمَا، بِيعَا لَهُمَا، وَأَخَذَ كُلُّ وَاحِدٍ بِقَدْرِ حَقِّهِ وَإِنْ امْتَنَعَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْبَيْعِ، احْتَمَلَ أَنْ يُجْبَرَ عَلَيْهِ، كَمَا لَوْ كَانَ الْمَبِيعُ ثَوْبًا، فَصَبَغَهُ الْمُشْتَرِي،
فَإِنَّ الثَّوْبَ يُبَاعُ لَهُمَا، كَذَا هَاهُنَا. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُجْبَرَ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ طَالِبُ الْبَيْعِ أَنْ يَبِيعَ مِلْكَهُ مُفْرَدًا،
بِخِلَافِ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ، فَإِنْ بِيعَا لَهُمَا، قَسَمَا الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ الْقِيمَتَيْنِ، فَتُقَوَّمُ الْأَرْضُ غَيْرَ ذَاتِ شَجَرٍ وَلَا بِنَاءٍ، ثُمَّ تُقَوَّمُ وَهُمَا فِيهَا، فَمَا كَانَ قِيمَةَ الْأَرْضِ بِغَيْرِ غِرَاسٍ وَلَا بِنَاءٍ، فَلِلْبَائِعِ قِسْطُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَمَا زَادَ فَهُوَ لِلْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَا يُجْبَرُ الْمُمْتَنِعُ عَلَى الْبَيْعِ. أَوْ لَمْ يَطْلُبْ أَحَدُهُمَا الْبَيْعَ فَاتَّفَقَا عَلَى كَيْفِيَّةِ كَوْنِهِمَا بَيْنَهُمَا، جَازَ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ،
وَإِنْ اخْتَلَفَا، كَانَتْ الْأَرْضُ لِلْبَائِعِ، وَالْغِرَاسُ وَالْبِنَاءُ لِلْمُفْلِسِ وَالْغُرَمَاءِ، وَلَهُمْ دُخُولُ الْأَرْضِ لِسَقْيِ الشَّجَرِ وَأَخْذِ الثَّمَرَةِ، وَلَيْسَ لَهُمْ دُخُولُهَا لِلتَّفَرُّجِ وَلِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَلِلْبَائِعِ دُخُولُهَا لِلزَّرْعِ،
وَلَمَّا شَاءَ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ لَهُ وَمِلْكُهُ.
وَإِنْ بَاعُوا الشَّجَرَ وَالْبِنَاءَ لَإِنْسَانٍ، فَحُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمُهُمْ.
وَلَوْ بَذَلَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ، أَوْ الْمُشْتَرِي مِنْهُمْ، قِيمَةَ الْأَرْضِ لِلْبَائِعِ، لِيَدْفَعهَا لَهُمْ، لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ أَصْلٌ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا،
بِخِلَافِ مَا فِيهَا مِنْ الْغَرْسِ وَالْبِنَاءِ.
[فَصْلٌ اشْتَرَى غِرَاسًا فَغَرَسَهُ فِي أَرْضِهِ ثُمَّ أَفْلَسَ] (٣٤٣٢) فَصْلٌ: إذَا اشْتَرَى غِرَاسًا، فَغَرَسَهُ فِي أَرْضِهِ، ثُمَّ أَفْلَسَ، وَلَمْ يَزِدْ الْغِرَاسُ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ.
وَإِذَا أَخَذَهُ، فَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْأَرْضِ، وَأَرْشُ نَقْصِهَا الْحَاصِلُ بِقِلْعِهِ؛ لِأَنَّهُ نَقْصٌ حَصَلَ لِتَخْلِيصِ مِلْكِهِ مِنْ مِلْكِ غَيْره.
وَإِنْ بَذَلَ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ لَهُ قِيمَتَهُ، لِيَمْلِكُوهُ بِذَلِكَ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى قَبُولِهَا؛ لِأَنَّهُ إذَا اخْتَارَ أَخْذَ مَالِهِ، وَتَفْرِيغَ مِلْكِهِمْ، وَإِزَالَةَ ضَرَرِهِ عَنْهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنْعُهُ، كَالْمُشْتَرِي إذَا غَرَسَ فِي الْأَرْضِ الْمَشْفُوعَةِ.
وَإِنْ امْتَنَعَ مِنْ الْقَلْعِ، فَبَذَلُوا لَهُ الْقِيمَةَ لِيَمْلِكَهُ الْمُفْلِسُ، أَوْ أَرَادُوا قَلْعَهُ وَضَمَانَ النَّقْصِ، فَلَهُمْ ذَلِكَ.
وَكَذَلِكَ إذَا أَرَادُوا قَلْعَهُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ النَّقْصِ؛ لِأَنَّ الْمُفْلِسَ إنَّمَا ابْتَاعَهُ مَقْلُوعًا، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ إبْقَاؤُهُ فِي أَرْضِهِ
وَقِيلَ: لَيْسَ لَهُمْ قَلْعُهُ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ النَّقْصِ؛ لِأَنَّهُ غَرْسٌ بِحَقٍّ، فَأَشْبَهَ غَرْسَ الْمُفْلِسِ فِي الْأَرْضِ الَّتِي ابْتَاعَهَا إذَا رَجَعَ بَائِعُهَا فِيهَا. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ظَاهِرٌ؛
فَإِنَّ إبْقَاءَ الْغِرَاسِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ حَقٌّ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ،
وَفِي الَّتِي قَبْلَهَا إبْقَاؤُهُ حَقٌّ لَهُ فَوَجَبَ لَهُ بِغِرَاسِهِ فِي مِلْكِهِ.
فَإِنْ اخْتَارَ بَعْضُهُمْ الْقَلْعَ، وَبَعْضُهُمْ التَّبْقِيَةَ، قُدِّمَ قَوْلُ مَنْ طَلَبَ الْقَلْعَ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُفْلِسَ أَوْ الْغُرَمَاءَ، أَوْ بَعْضَ الْغُرَمَاءَ؛ لِأَنَّ الْإِبْقَاءَ ضَرَرٌ غَيْرُ وَاجِبٍ، فَلَمْ يَلْزَمْ الْمُمْتَنِعَ مِنْهُ الْإِجَابَةُ إلَيْهِ وَإِنْ زَادَ الْغِرَاسُ فِي الْأَرْضِ، فَهِيَ زِيَادَةٌ مُتَّصِلَةٌ، تَمْنَعُ الرُّجُوعَ عَلَى قَوْلِ الْخِرَقِيِّ، وَلَا تَمْنَعُهُ عَلَى رِوَايَةِ الْمَيْمُونِي.
[فَصْلٌ اشْتَرَى أَرْضًا مِنْ رَجُلٍ وَغِرَاسًا مِنْ آخَرَ فَغَرَسَهُ فِيهَا ثُمَّ أَفْلَسَ] (٣٤٣٣) فَصْلٌ: وَإِنْ اشْتَرَى أَرْضًا مِنْ رَجُلٍ، وَغِرَاسًا مِنْ آخَرَ، فَغَرَسَهُ فِيهَا، ثُمَّ أَفْلَسَ وَلَمْ يَزِدْ الشَّجَرُ، فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الرُّجُوعُ فِي عَيْنِ مَالِهِ، وَلِصَاحِبِ الْأَرْضِ قَلْعُ الْغِرَاسِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانِ نَقْصِهِ بِالْقَلْعِ، عَلَى مَا ذَكَرْنَا، لِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا بَاعَهُ مَقْلُوعًا، فَلَا يَسْتَحِقُّهُ إلَّا كَذَلِكَ وَإِنْ أَرَادَ بَائِعُهُ قَلْعَهُ مِنْ الْأَرْضِ، فَقَلَعَهُ، فَعَلَيْهِ تَسْوِيَةُ الْحَفْرِ، وَضَمَانُ نَقْصِهَا الْحَاصِلِ بِهِ؛
لِمَا تَقَدَّمَ. وَإِنْ بَذَلَ صَاحِبُ الْغِرَاسِ قِيمَةَ الْأَرْضِ لِصَاحِبِهَا لِيَمْلِكَهُ، لَمْ يُجْبَرْ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ أَصْلٌ، فَلَا يُجْبَرُ عَلَى بَيْعِهَا تَبَعًا.
وَإِنْ بَذَلَ صَاحِبُ الْأَرْضِ قِيمَةَ الْغِرَاسِ لِيَمْلِكَهُ إذَا امْتَنَعَ مِنْ الْقَلْعِ، فَلَهُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ غَرْسَهُ حَصَلَ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِحَقٍّ، فَأَشْبَهَ غَرْسَ الْمُفْلِسِ فِي أَرْضِ الْبَائِعِ. وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَمْلِكَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يُجْبَرُ عَلَى إبْقَائِهِ إذَا امْتَنَعَ مِنْ دَفْعِ قِيمَتِهِ، أَوْ أَرْشِ نَقْصِهِ، فَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِالْقِيمَةِ،
بِخِلَافِ الَّتِي قَبْلَهَا وَالْأُولَى أَوْلَى. وَهَذَا يَنْتَقِضُ بِغَرْسِ الْغَاصِبِ.
[فَصْلٌ قَبَضَ بَائِعُ الْأَرْض بَعْض ثَمَنهَا] (٣٤٣٤) فَصْلٌ: الشَّرْطُ الثَّالِثُ، أَنْ لَا يَكُونَ الْبَائِعُ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا.
فَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ بَعْضَ ثَمَنِهَا، سَقَطَ حَقُّ الرُّجُوعِ. وَبِهَذَا قَالَ إِسْحَاقُ، وَالشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ،
وَقَالَ فِي الْجَدِيدِ: لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي قَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبٌ تَرْجِعُ بِهِ الْعَيْنُ كُلُّهَا إلَى الْعَاقِدِ، فَجَازَ أَنْ يَرْجِعَ بِهِ بَعْضُهَا، كَالْفُرْقَةِ قَبْلَ الدُّخُولِ فِي النِّكَاحِ وَقَالَ مَالِكٌ: هُوَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ رَدَّ مَا قَبَضَهُ وَرَجَعَ فِي جَمِيعَ الْعَيْنِ،
وَإِنْ شَاءَ حَاصَّ الْغُرَمَاءَ وَلَمْ يَرْجِعْ. وَلَنَا، مَا رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «أَيُّمَا رَجُلٍ بَاعَ سِلْعَةً، فَأَدْرَكَ سِلْعَتَهُ بِعَيْنِهَا عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، وَلَمْ يَكُنْ قَدْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا، فَهِيَ لَهُ، وَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ مِنْ ثَمَنِهَا شَيْئًا فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَلِأَنَّ فِي الرُّجُوعِ فِي قِسْطِ مَا بَقِيَ تَبْعِيضًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَإِضْرَارًا بِهِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْبَائِعِ.
فَإِنْ قِيلَ: لَا ضَرَرَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَالَهُ يُبَاعُ، وَلَا يَبْقَى لَهُ، فَيَزُولُ عَنْهُ الضَّرَرُ قُلْنَا: لَا يَنْدَفِعُ الضَّرَرُ بِالْبَيْعِ؛
فَإِنْ قِيمَتَهُ تَنْقُصُ بِالتَّشْقِيصِ، وَلَا يُرْغَبُ فِيهِ مُشَقَّصًا، فَيَتَضَرَّرُ الْمُفْلِسُ وَالْغُرَمَاءُ بِنَقْصِ الْقِيمَةِ. وَلِأَنَّهُ سَبَبٌ يُفْسَخُ بِهِ الْبَيْعُ، فَلَمْ يَجُزْ تَشْقِيصُهُ، كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْخِيَارِ، وَقِيَاسُ الْبَيْعِ عَلَى الْبَيْعِ أَوْلَى مِنْ قِيَاسِهِ عَلَى النِّكَاحِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ كَوْنِ الْمَبِيعِ عَيْنًا وَاحِدَةً، أَوْ عَيْنَيْنِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْحَدِيثِ وَالْمَعْنَى فَإِنْ قِيلَ: حَدِيثُكُمْ يَرْوِيه أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مُرْسَلًا، وَلَا حُجَّةَ فِي الْمَرَاسِيلِ. قُلْنَا: قَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، كَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي " سُنَنِهِمْ " مُتَّصِلًا، فَلَا يَضُرُّ إرْسَالُ مَنْ أَرْسَلَهُ،
فَإِنَّ رَاوِيَ الْمُسْنَدِ مَعَهُ زِيَادَةٌ لَا يُعَارِضُهَا تَرْكُ مُرْسِلِ الْحَدِيثِ لَهَا، وَعَلَى أَنَّ الْمُرْسَلَ حُجَّةٌ، فَلَا يَضُرُّ إرْسَالُهُ.
[فَصْلٌ تَعَلَّقَ حَقُّ الْغَيْرِ بِالْمَبِيعِ] (٣٤٣٥) فَصْلٌ: الشَّرْطُ الرَّابِعُ، أَنْ لَا يَكُونَ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ.
فَإِنْ رَهَنَهَا الْمُشْتَرِي، ثُمَّ أَفْلَسَ أَوْ وَهَبَهَا، لَمْ يَمْلِكْ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ، كَمَا لَوْ بَاعَهَا أَوْ أَعْتَقَهَا، وَلِأَنَّ فِي الرُّجُوعِ إضْرَارًا بِالْمُرْتَهِنِ، وَلَا يُزَالُ الضَّرَرُ بِالضَّرَرِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ:«مَنْ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ أَفْلَسَ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ» .
وَهَذَا لَمْ يَجِدْهُ عِنْدَ الْمُفْلِسِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا فَإِنْ كَانَ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ دُونَ قِيمَةِ الرَّهْنِ، بِيعَ كُلُّهُ، فَقُضِيَ مِنْهُ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ، وَالْبَاقِي يُرَدُّ عَلَى سَائِرِ مَالِ الْمُفْلِسِ، وَيَشْتَرِكُ الْغُرَمَاءُ فِيهِ،
وَإِنْ بِيعَ بَعْضُهُ، فَبَاقِيه بَيْنَهُمْ يُبَاعُ لَهُمْ أَيْضًا، وَلَا يَرْجِعُ بِهِ الْبَائِعُ. قَالَ الْقَاضِي: لَهُ الرُّجُوعُ بِهِ. وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ، لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ حَقُّ غَيْرِهِ. وَلَنَا، أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ، فَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْذُهُ، كَمَا لَوْ كَانَ الدَّيْنُ مُسْتَغْرِقًا لَهُ. وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي لَا يُخَرَّجُ عَلَى الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ تَلَفَ بَعْضِ الْمَبِيعِ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، فَكَذَلِكَ ذَهَابُ بَعْضِهَا بِالْبَيْعِ وَلَوْ رَهَنَ بَعْضَ الْعَبْدِ لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِي بَاقِيه؛
لِمَا ذَكَرْنَا. وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ عَيْنَيْنِ، فَرَهَنَ إحْدَاهُمَا، فَهَلْ يَمْلِكُ الْبَائِعُ الرُّجُوعَ فِي الْأُخْرَى؟ عَلَى وَجْهَيْنِ، بِنَاءً عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ فِيمَا إذَا تَلِفَتْ إحْدَى الْعَيْنَيْنِ.
وَإِنْ فَكَّ الرَّهْنَ قَبْلَ فَلَسِ الْمُشْتَرِي. أَوْ أُبْرِئَ مِنْ دَيْنِهِ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ؛ أَنَّهُ أَدْرَكَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي.
وَإِنْ أَفْلَسَ وَهُوَ رَهْنٌ، فَأَبْرَأَ الْمُرْتَهِنُ الْمُشْتَرِي مِنْ دَيْنِهِ، أَوْ قَضَى الدَّيْنَ مِنْ غَيْرِهِ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ أَيْضًا كَذَلِكَ.
[فَصْلٌ كَانَ الْمَبِيع عَبْدًا فَأَفْلَسَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ تَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَتِهِ] (٣٤٣٦) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ عَبْدًا، فَأَفْلَسَ الْمُشْتَرِي بَعْدَ تَعَلُّقِ أَرْشِ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَتِهِ ، فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أَحَدُهُمَا، لَيْسَ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ تَعَلُّقَ الرَّهْنِ بِهِ يَمْنَعُ الرُّجُوعَ، وَأَرْشُ الْجِنَايَةِ يُقَدَّمُ عَلَى حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، فَأَوْلَى أَنْ لَا يَرْجِعَ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ.
وَالثَّانِي، لَا يَمْنَعُ الرُّجُوعَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ لَا يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي فِيهِ، فَلَمْ يَمْنَعْ الرُّجُوعَ، كَالدَّيْنِ فِي ذِمَّتِهِ. وَفَارَقَ الرَّهْنَ؛ فَإِنَّهُ يَمْنَعُ تَصَرُّفَ الْمُشْتَرِي فِيهِ.
فَإِنْ قُلْنَا: لَا يَرْجِعُ. فَحُكْمُهُ حُكْمُ الرَّهْنِ.
وَإِنْ قُلْنَا: لَهُ الرُّجُوعُ. فَهُوَ مُخَيَّرٌ؛ إنْ شَاءَ رَجَعَ فِيهِ نَاقِصًا بِأَرْشِ الْجِنَايَةِ،
وَإِنْ شَاءَ ضَرَبَ بِثَمَنِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ وَإِنْ أَبْرَأَ الْغَرِيمَ مِنْ الْجِنَايَةِ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ وَجَدَ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ خَالِيًا مِنْ تَعَلُّقِ حَقِّ غَيْرِهِ بِهِ.
[فَصْلٌ أَفْلَسَ الْمُشْتَرَى بَعْدَ خُرُوجِ الْمَبِيعِ مِنْ مِلْكِهِ] (٣٤٣٧) فَصْلٌ: وَإِنْ أَفْلَسَ بَعْدَ خُرُوجِ الْمَبِيعِ مِنْ مِلْكِهِ ؛ بِبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ وَقْفٍ، أَوْ عِتْقٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ مَتَاعَهُ بِعَيْنِهِ عِنْدَ الْمُفْلِسِ، سَوَاءٌ كَانَ الْمُشْتَرِي يُمْكِنُهُ اسْتِرْجَاعُهُ بِخِيَارِ لَهُ، أَوْ عَيْبٍ فِي ثَمَنِهِ، أَوْ رُجُوعِهِ فِي هِبَةِ وَلَدِهِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِمَا ذَكَرْنَا وَخُرُوجُ بَعْضِهِ كَخُرُوجِ جَمِيعِهِ؛ لِمَا تَقَدَّمَ.
فَإِنْ أَفْلَسَ بَعْد رُجُوعِ ذَلِكَ إلَى مِلْكِهِ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا، لَهُ الرُّجُوعُ؛ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ وَجَدَ عَيْنَ مَالِهِ خَالِيًا عَنْ حَقِّ غَيْرِهِ، أَشْبَهَ مَا لَوْ لَمْ يَبِعْهُ.
وَالثَّانِي، لَا يَرْجِعُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمِلْكَ لَمْ يَنْتَقِلْ إلَيْهِ مِنْهُ، فَلَمْ يَمْلِكْ فَسْخَهُ. ذَكَرَ أَصْحَابُنَا هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِثْلُ ذَلِكَ.
وَالثَّالِثُ، أَنَّهُ إنْ عَادَ إلَيْهِ بِسَبَبٍ جَدِيدٍ، كَبَيْعٍ، أَوْ هِبَةٍ، أَوْ إرْثٍ، أَوْ وَصِيَّةٍ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. لَمْ يَكُنْ لِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِرْ إلَيْهِ مِنْ جِهَتِهِ.
وَإِنْ عَادَ إلَيْهِ بِفَسْخٍ، كَالْإِقَالَةِ، وَالرَّدِّ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ؛ لِأَنَّ هَذَا الْمِلْكَ اسْتَنَدَ إلَى السَّبَبِ الْأَوَّلِ،
فَإِنَّ فَسْخَ الْعَقْدِ الثَّانِي لَا يَقْتَضِي ثُبُوتَ الْمِلْكِ، وَإِنَّمَا أَزَالَ السَّبَبَ الْمُزِيلَ لِمُلْكِ الْبَائِعِ، فَثَبَتَ الْمِلْكُ بِالسَّبَبِ الْأَوَّلِ، فَمَلَكَ اسْتِرْجَاعَ مَا ثَبَتَ الْمِلْكُ فِيهِ بِبَيْعِهِ.
[فَصْلٌ كَانَ الْمَبِيعُ شِقْصًا مَشْفُوعًا وَأَفْلَسَ الْمُشْتَرَى] (٣٤٣٨) فَصْلٌ وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ شِقْصًا مَشْفُوعًا، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: الْبَائِعُ أَحَقُّ بِهِ. هَذَا قَوْلُ ابْنِ حَامِدٍ؛ لِلْخَبَرِ، وَلِأَنَّهُ إذَا رَجَعَ فِيهِ عَادَ الشِّقْصُ إلَيْهِ، فَزَالَ الضَّرَرُ عَنْ الشَّفِيعِ، لِأَنَّهُ عَادَ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْبَيْعِ، وَلَمْ تَتَجَدَّدْ شَرِكَةُ غَيْرِهِ.
وَالثَّانِي، أَنَّ الشَّفِيعَ أَحَقُّ. ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ لِأَنَّ حَقَّهُ أَسْبَقُ فَكَانَ أَوْلَى، بَيَانُهُ أَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ ثَبَتَ بِالْحَجْرِ، وَحَقَّ الشَّفِيعِ ثَبَتَ بِالْبَيْعِ، وَلِأَنَّ حَقَّهُ آكَدُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ انْتِزَاعَ الشِّقْصِ مِنْ الْمُشْتَرِي، وَمِمَّنْ نَقَلَهُ إلَيْهِ، وَحَقُّ الْبَائِعِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْعَيْنِ، مَا دَامَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي، وَلَا يَزُولُ الضَّرَرُ عَنْهُ بِرَدِّهِ إلَى الْبَائِعِ، بِدَلِيلِ مَا لَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي لِبَائِعِهِ، أَوْ وَهَبَهُ إيَّاهُ، أَوْ أَقَالَهُ، لَمْ يَسْقُطْ حَقُّ الشَّفِيعِ، وَلِأَنَّ الْبَائِعَ إنَّمَا يَسْتَحِقُّ الرُّجُوعَ فِي عَيْنٍ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا حَقُّ الْغَيْرِ، وَهَذِهِ قَدْ تَعَلَّقَ بِهَا حَقُّ الشَّفِيعِ الْوَجْهُ الثَّالِثُ، أَنَّ الشَّفِيعَ إنْ كَانَ طَالَبَ بِالشُّفْعَةِ، فَهُوَ أَحَقُّ؛
لِأَنَّ حَقَّهُ تَأَكَّدَ هُنَا بِالْمُطَالَبَةِ،
وَإِنْ كَانَ لَمْ يُطَالِبْ بِهَا، فَالْبَائِعُ أَوْلَى. وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَجْهَانِ، كَالْأَوَّلَيْنِ، وَلَهُمْ وَجْهٌ ثَالِثٌ، أَنَّ الثَّمَنَ يُؤْخَذُ مِنْ الشَّفِيعِ، فَيَخْتَصُّ بِهِ الْبَائِعُ، جَمْعًا بَيْنَ الْحَقَّيْنِ،
فَإِنْ غَرَضَ الشَّفِيعِ فِي عَيْنِ الشِّقْصِ الْمَشْفُوعِ، وَغَرَضَ الْبَائِعِ فِي ثَمَنِهِ، فَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْنَا. وَلَيْسَ هَذَا جَيِّدًا؛ لِأَنَّ حَقَّ الْبَائِعِ إنَّمَا ثَبَتَ فِي الْعَيْنِ،
فَإِذَا صَارَ الْأَمْرُ إلَى وُجُوبِ الثَّمَنِ، تَعَلَّقَ بِذِمَّتِهِ، فَسَاوَى الْغُرَمَاءُ فِيهِ.
[فَصْلٌ كَانَ الْمَبِيعُ صَيْدًا فَأَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ مُحْرِمٌ.] (٣٤٣٩) فَصْلٌ: وَإِنْ كَانَ الْمَبِيعُ صَيْدًا، فَأَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَالْبَائِعُ مُحْرِمٌ، لَمْ يَرْجِعْ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ تَمَلَّكَ الصَّيْدَ، فَلَمْ يَجُزْ مَعَ الْإِحْرَامِ، كَشِرَاءِ الصَّيْدِ.
وَإِنْ كَانَ الْبَائِعُ حَلَالًا فِي الْحَرَمِ، وَالصَّيْدُ فِي الْحِلِّ، فَأَفْلَسَ الْمُشْتَرِي، فَلِلْبَائِعِ الرُّجُوعُ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْحَرَمَ إنَّمَا يَحْرُمُ الصَّيْدُ الَّذِي فِيهِ، وَهَذَا لَيْسَ مِنْ صَيْدِهِ، فَلَا يَحْرُمُ،
وَلَوْ أَفْلَسَ الْمُحْرِمُ، وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ، بَائِعُهُ حَلَالٌ، فَلَهُ أَخْذُهُ؛ لِأَنَّ الْمَانِعَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي حَقِّهِ.
[فَصْلٌ أَفْلَسَ الْمُشْتَرَى وَفِي يَدِهِ عَيْنُ مَالٍ دَيْنُ بَائِعهَا مُؤَجَّلٌ] (٣٤٤٠) فَصْلٌ: وَإِذَا أَفْلَسَ،
وَفِي يَدِهِ عَيْنُ مَال، دَيْنُ بَائِعِهَا مُؤَجَّلٌ، وَقُلْنَا: لَا يَحِلُّ الدَّيْنُ بِالْفَلَسِ.
فَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ ثَوَابٍ: يَكُونُ مَالُهُ مَوْقُوفًا إلَى أَنْ يَحِلّ دَيْنُهُ، فَيَخْتَارَ الْبَائِعُ الْفَسْخَ أَوْ التَّرْكَ. وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَالْمَنْصُوصُ عَنْ الشَّافِعِيِّ، أَنَّهُ يُبَاعُ فِي الدُّيُونِ الْحَالَّةِ. وَيَتَخَرَّجُ لَنَا مِثْلُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهَا حُقُوقٌ حَالَّةٌ، فَقُدِّمَتْ عَلَى الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، كَدَيْنِ مَنْ لَمْ يَجِدْ عَيْنَ مَالِهِ. وَلِلْأَوَّلِ الْخَبَرُ، وَلِأَنَّ حَقَّ هَذَا الْبَائِعِ تَعَلَّقَ بِالْعَيْنِ، فَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ،
وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا. كَالْمُرْتَهِنِ، وَالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ.
[فَصْلٌ ابْتَاعَ طَعَامًا نَسِيئَةً وَنَظَرَ إلَيْهِ وَقَلَّبَهُ وَقَالَ أَقْبِضُهُ غَدًا فَمَاتَ الْبَائِعُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ] (٣٤٤١) فَصْلٌ: قَالَ أَحْمَدُ، فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ طَعَامًا نَسِيئَةً، وَنَظَرَ إلَيْهِ وَقَلَّبَهُ،
وَقَالَ: أَقْبِضُهُ غَدًا. فَمَاتَ الْبَائِعُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، فَالطَّعَامُ لِلْمُشْتَرِي، وَيَتْبَعُهُ الْغُرَمَاءُ فِي الثَّمَنِ،
وَإِنْ كَانَ رَخِيصًا. وَكَذَلِكَ قَالَ الثَّوْرِيُّ، وَإِسْحَاقُ، لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَبَتَ لِلْمُشْتَرِي فِيهِ بِالشِّرَاءِ، وَزَالَ مِلْكُ الْبَائِعِ عَنْهُ، فَلَمْ يُشَارِكْهُ غُرَمَاءُ الْبَائِعِ فِيهِ، كَمَا لَوْ قَبَضَهُ. الشَّرْطُ الْخَامِسُ، أَنْ يَكُونَ الْمُفْلِسُ حَيًّا. وَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ فِي آخِرِ الْبَابِ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[فَصْلٌ رُجُوعُ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ] (٣٤٤٢) فَصْلٌ: وَرُجُوعُ الْبَائِعِ فِي الْمَبِيعِ فَسْخٌ لِلْبَيْعِ، لَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمَبِيعِ، وَلَا الْقُدْرَةِ عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَلَا اشْتِبَاهِ الْمَبِيعِ بِغَيْرِهِ،
فَلَوْ رَجَعَ فِي الْمَبِيعِ الْغَائِبِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةٍ يَتَغَيَّرُ فِيهَا، ثُمَّ وَجَدَهُ عَلَى حَالِهِ لَمْ يَتْلَفْ شَيْءٌ مِنْهُ، صَحَّ رُجُوعُهُ.
وَإِنْ رَجَعَ فِي الْعَبْدِ بَعْدَ إبَاقِهِ، أَوْ الْجَمَلِ بَعْد شُرُودِهِ، أَوْ الْفَرَسِ الْعَاثِرِ، صَحَّ، وَصَارَ ذَلِكَ لَهُ،
فَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ أَخَذَهُ، وَإِنْ ذَهَبَ كَانَ مِنْ مَالِهِ وَإِنْ تَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ تَالِفًا حِينَ اسْتِرْجَاعِهِ، لَمْ يَصِحَّ اسْتِرْجَاعُهُ، وَكَانَ لَهُ أَنْ يَضْرِبَ مَعَ الْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْجُودِ مِنْ مَالِهِ.
وَإِنْ رَجَعَ فِي الْمَبِيعِ، وَاشْتَبَهَ بِغَيْرِهِ، فَقَالَ الْبَائِعُ: هَذَا هُوَ الْمَبِيعُ.
وَقَالَ الْمُفْلِسُ: بَلْ هَذَا. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُفْلِسِ؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ لِاسْتِحْقَاقِ مَا ادَّعَاهُ الْبَائِعُ، وَالْأَصْلُ مَعَهُ.
لا شرح مختار.
الرقم في دائرة: مسألة زادها الشرح، مرقّمة في الشرح كله. وبالغامق: ألفاظ المتن داخل الشرح.